المكتبة العقائدية » ابن عربي ليس بشيعي (لـ جعفر مرتضى العاملي)



الفصل الثاني
من هم أهل البيت عليهم السلام..
وحقيقة عصمتهم.


بداية وتوطئة:

إن أعظم وأهم ما يستدلون به على تشيع ابن عربي هو ما قاله حول آية التطهير، وما قاله بالنسبة لاعتبار سلمان المحمدي (الفارسي) من أهل البيت عليهم السلام.

وحين نراجع كلماته هذه بالذات نجد أنه لم يكن بصدد إثبات العصمة لأهل البيت عليهم السلام، بقدر ما كان بصدد نفيها عنهم، وهو يمارس أعظم الكيد لإسقاط دلالة هذه الآية المباركة عن التأثير في تقوية عقيدة الشيعة، وذلك بتقديمه ادعاءين باطلين، يخالفان البداهة، ويضحكان حتى الثكلى. وهما:

الأول: أن المقصود بأهل البيت ليس هو الأئمة الطاهرون، بل ما يعمُّ جعفراً وسلمان الفارسي، وجميع أولاد فاطمة إلى يوم القيامة.

وهو أيضاً يسعى للتفريق بين أهل البيت وآل البيت، فيدعي: أن المراد بآل البيت هم جميع ذرية رسول الله إلى يوم القيامة، أو الصالحون من جميع الأمة.. أو.. أو.. مع حرص ظاهر على أن لا يتوهم أحد خلاف ذلك..

الثاني: إن آية التطهير لا تعصم عن ارتكاب المعاصي، حتى السرقة والزنا، وشرب الخمر، فيستحق فاعلها العقاب في الدنيا، لكنها لا أثر لها في الآخرة بل تكون مفغورة كذنوب أهل بدر.. حيث نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله قوله للبدريين: إفعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ولكنه في المقابل، يدعي العصمة الحقيقية لأصغر ولي من أولياء الصوفية، ويدعيها لعمر بن الخطاب..

بل هو يثبت لمناوئي أهل البيت أعظم مراتب الكرامة والطهارة..

والنصوص التي نوردها في هذا الفصل توضح هذه الحقيقة. نحاول أن نذكرها من دون تعليق، فنقول:

معاصي المعصوم مغفورة:

1ـ قال: «اعلم: أن من عباد الله من يطلعهم الله على ما قدر عليهم من المعاصي، فيسارعون إليها من شدة حيائهم من الله، ليسارعوا بالتوبة، وتبقى خلف ظهورهم، ويستريحون من ظلمة شهودها. فإذا تابوا رأوها عادت حسنة، على قد ما تكون..

ومثل هذا لا يقدح في منزلته عند الله. فإن وقوع ذلك من مثل هؤلاء، لم يكن انتهاكاً للحرمة الإلهية، ولكن بنفوذ القضاء والقدر فيهم. وهو قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(45).. فسبقت المغفرة وقوع الذنب..

فهذه الآية قد يكون لها في حق المعصوم وجه: وهو أن يُسْتَر عن الذنوب، فتطلبه الذنوب فلا تصل إليه، فلا يقع منه ذنب أصلاً، فإنه مستور عنه..

أو يُستر عن العقوبة فلا تلحقه، فإن العقوبة ناظرة إلى محال الذنوب، فيستر الله من شاء من عباده، بمغفرته عن إيقاع العقوبة له، والمؤاخذة عليه.

والأول أتم.

فتقدمت المغفرة من قبل وقوع الذنب، فعلاً كان أو تركاً، فلا تقع منه إلا حسنة، يشهدها وحسنها.

ومن عباد الله من لم يأت في نفس الأمر إلا ما أبيح له أن ياتيه، بالنظر إلى هذا الشخص على الخصوص.. وهذا هو الأقرب في أهل الله. فإنه قد ثبت في الشرع أن الله يقول للعبد، لحالة خاصة: «إفعل ما شئت، فقد غفرت لك» فهذا هو المباح، ومن أتي مباحاً لم يؤاخذه الله به، وإن كان في العموم في الظاهر معصية، فما هو عند الشرع في حق هذا الشخص، معصية.

ومن هذا القبيل هي معاصي أهل البيت عند الله، قال عليه السلام في أهل بدر: «وما يدريكم! لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»..

وفي الحديث الثابت: «أن عبداً أذنب فيقول: رب اغفر لي.

فيقول الله: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب.

ثم عاد فأذنب.

إلى أن قال: في الرابعة، أو في الثالثة: إفعل ما شئت فقد غفرت لك».

فأباح له جميع ما كان قد حجره عليه، حتى لا يفعل إلا ما أبيح له فعله، فلا يجري له عند الله لسان ذنب، وإن كنا لجهلنا بمن هذه صفته وهذا حكمه عند الله أن نعرفه، فلا يقدح ذلك في منزلته عند الله..

فمن هذه حالته ما فعل إلا ما أبيح له فعله أو تركه.. فإن الحكم يترتب بجميع الأحوال.

فحال أهل الكشف، على اختلاف أحوالهم، ما هو حال من ستر عنه حاله.

فمن سوى بينهما فقد تعدى فيما حكم به.. ألا ترى «المضطر» ما حرمت الميتة عليه قط، متى وجد الإضطرار. وغير «المضطر» ما أحلت له الميتة قط؟ هذا ظاهر الشرع، فأحكام الشرائع مرتبة على الأحوال، ونحن، فيما جهلنا حاله، أن نحسن الظن به ما وجدنا لذلك سبيلاً..»(46)

من هم آل البيت:

2ـ وقال: «واعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه. وخاصة الأنبياء، وآلهم، هم الصالحون، العلماء بالله، والمؤمنون»(47).

3ـ وقال: «ومعلوم: أن آل إبراهيم، من النبيين والرسل (هم) الذين كانوا بعده، مثل إسحاق، ويعقوب، ويوسف، ومن انتسل منهم، من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة، الدالة على أن لهم النبوة عند الله.

أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يلحق أمته، وهم آله العلماء الصالحون، ومنهم بمرتبة النبوة عند الله، وإن لم يشرعوا.. ولكن أبقى لهم من شرعه ضرباً من التشريع».

إلى أن قال:

«.. فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند الله، لا في التشريع..».

إلى أن قال:

«فأكرم الله رسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء، كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم.

ثم إنه خص هذه الأمة ـ أعني علماءها ـ بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام، وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم، وتعبدهم به، وتعبد من قلدهم به، كما كان حكم الشرايع للأنبياء ومقلديهم.

ولم يكن مثل هذا لأمة نبي، ما لم يكن نبي بوحي منزل.

فجعل الله وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم، كما قال لنبيه صلى الله عليه [وآله] وسلم: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ}(48).. فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه الله في اجتهاده..

فهذه نفحات من نفحات التشريع، ما هو عين التشريع..

فلآل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهم المؤمنون من أمته مرتبة النبوة عند الله، تظهر في الآخرة، وما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم، فلم يجتهدوا في الدين والأحكام إلا بأمر مشروع من عند الله..

فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه المثابة، من العلم والاجتهاد، ولهم هذه المرتبة ـ كالحسن، والحسين، وجعفر، وغيرهم ـ فقد جمعوا بين الأهل والآل..

فلا تتخيل أن آل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، هم أهل بيته خاصة، ليس هذا عند العرب، وقد قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ}(49) يريد خاصته»..(50).

عصمتهم.. لا تنافي إرتكابهم للكبائر:

وحول عصمة أهل البيت عليهم السلام، وتطهيرهم بالآية، يقول:

4 ـ «فدخل الشرفاء، أولاد فاطمة [عليهم السلام] كلهم، ومن هو من أهل البيت [عليهم السلام]، مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله، وعناية بهم، لشرف محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وعناية الله به.

ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت [عليهم السلام] إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا، فمن أتى منهم حداً أقيم عليه، كالتائب إذا بلغ أمره، وقد زنى، أو سرق، أو شرب، أقيم عليه الحد مع تحقق المغفرة، كما عزروا أمثاله، ولا يجوز ذمه.

وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما أنزله أن يصدق الله تعالى عليهم السلام في قوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(51).. فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت [عليهم السلام]: أن الله قد عفا عنهم فيه، فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم الخ..(52).

خلاصة لما تقدم:

وقد ظهر من النصوص المتقدمة أمور كثيرة، نكتفي منها بذكر ما يلي:

أولاً: إنه يقول: إن المراد بأهل البيت عليهم السلام هم جميع أبناء فاطمة إلى يوم القيامة، ثم هو يدخل فيهم جعفراً وسلمان الفارسي، مع أنهما ليسا من أبنائها، ثم هو يفرق بين كلمتي أهل وآل.. ويقول: إن المراد بآل البيت عليهم السلام هم المؤمنون من أمته صلى الله عليه وآله كلها، تارة..

وأنهم العلماء والمخلصون تارة أخرى..

وأن أهل بيته من كان موصوفاً بصفته، تارة ثالثة..(53).

ثانياً: إنه يدعي: أن عصمة أهل البيت لا تمنع من صدور الكذب، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر منهم.. ويقرر أنه لا بد في هذه الصورة من إقامة الحدود عليهم، ومجازاتهم في الدنيا.. ولكنها تكون ذنوباً مغفورة لهم في الآخرة..

ثالثاً: إنه كما يقول بعصمة الأئمة، فإنه يقول بعصمة الأولياء الذين يعتبرهم أنبياء أيضاً، وقد أشار إلى أنهم هم آل النبي..

ولكنه يطلق الكلام في حق عمر بن الخطاب، فيقول بعصمته، ولا يورد احتمالات ارتكابه لأي ذنب، كبيراً كان أم صغيراً.. مع أنه قد كان لعمر موقف معروف من النبي صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه، حيث قال عنه: إنه يهجر، أو غلبه الوجع..(54).

وله موقف وسلوك معروف أيضاً، تجاه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والاعتداء عليها بالضرب، ثم إسقاط جنينها، وغير ذلك.. وقد ماتت وهي مهاجرة له.. بالإضافة إلى مواقفه من الإمام علي عليه السلام، فإنه لم يشر إلى أي شيء من ذلك كله وسواه. مع أنه كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار..

تجاهل أهل البيت عليهم السلام:

إنه برغم ما يدعونه من تشيع ابن عربي لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، فإننا نقول:

إن عد هذا الرجل ممن يتجاهل أهل البيت عليهم السلام في مؤلفاته أولى من عده من شيعتهم وأتباعهم، إذ لا مجال لمقايسة تعظيمه للمناوئين لأهل البيت عليهم السلام، الذي يصل إلى حد الغلو.. بما يذكره من كلمات متواضعة في حق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم..

ومراجعة كتبه مثل «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» تكفي لبيان إهماله الظاهر لذكرهم عليهم السلام، بالقياس إلى من عداهم..

بل هو قد ذكر أن أهل البيت بما فيهم علي، والحسن، والحسين، و.. عليهم السلام قد يرتكبون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، و.. و.. ولم يذكر أن ذلك ممكن في حق غيرهم من الخلفاء..

لمجرد رفع العتب:

وبديهي أن الإهمال التام لذكر علي والحسن والحسين والزهراء عليهم السلام، غير مستساغ عند جميع المسلمين، فإنهم على رأس من يرى جميع المسلمين أن الله قد أوجب مودتهم، ومحبتهم.. فقد كان لا بد له ولغيره من ذكر هؤلاء في المواقع المقتضية لذلك، للخروج من حالة الإحراج في أمر ألزم به القرآن، وصرحت به الأحاديث المتواترة..

ولكن ابن عربي لم يهتم كثيراً لهذا الأمر، فأهمل ذكرهم.. إلى حد أنك لا تكاد تشعر بوجودهم، ولا بأي دور، أو مقام لهم صلوات الله عليهم فراجع موسوعته الأهم، وهي فتوحاته المكية، وفصوص الحكم، ورسائله، وغيرها، رغم أنك تجد إغراقاً، بل واستغراقاً في الثناء والتعظيم، لمن عداهم، وعاداهم.. وهو يبادر إلى تسطير الفضائل والكرامات والمقامات لمن خاصمهم وناواهم، بمناسبة وبدونها..

أما ذكر باقي الأئمة، مثل الإمام العسكري، والهادي، والجواد، والرضا، والكاظم، و.. صلوات الله وسلامه عليهم، فذلك ـ لو حصل ـ فسيكون نادرة الدهر، وغريبة العمر..

في سياق الانتقاص لأهل البيت عليهم السلام:

وبعد أن عرفنا كيف أن ابن عربي قد حوَّل آية التطهير من فضيلة كبرى لأهل البيت عليهم السلام، إلى سبب ذم، ووسيلة انتقاص، فإننا نذكر ها هنا طائفة من كلامه الذي يرتبط بهم عليهم السلام. وقد ضمّنه بعض ما يمكن أن يدخل في دائرة الانتقاص لهم، والسعي لتصغير شأنهم، لكي يضاف إلى سائر النصوص التي تؤكد حقيقة أن هذا الرجل أبعد ما يكون عن التشيع، وعن رموزه، وأعلامه، فضلاً عن أن يلتزم بعقائده، أو بشرائعه وأحكامه..

فنقول:

انتقاص مبطن للسيدة الزهراء عليها السلام:

6ـ قال ابن عربي: «ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كمل من الرجال كثيرون، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية»..(55).

7ـ وقال: «كما قال في الكمال، فذكر أنه يكون أيضاً في النساء، وعيَّن منهن مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون..»(56).

8 ـ وقال: «وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وآله، بالكمال لمريم وآسية..»(57).

فلو كان ابن عربي شيعياًَ لم يعتمد هنا على رواية البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، التي أريد منها الانتقاص من سيدة نساء العالمين بصورة مبطنة.. ثم يقرر على أساسها أن الكمال محصور بالسيدة مريم، وبآسية بنت مزاحم، ولا يشير بشيء، لا إلى السيدة خديجة، ولا إلى السيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام.

مع أن روايات أهل البيت عليهم السلام تؤكد على حقيقة أن أفضل نساء أهل الجنة أربع، هن: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة.. وتؤكد النصوص المتواترة على أن فاطمة سيدة نساء العالمين، من الأولين والآخرين. أما مريم فهي سيدة نساء عالمها فقط..

علي يحرش على فاطمة عليها السلام:

9ـ ويقول: «قدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فوجد فاطمة ممن حلَّ، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت. فأنكر ذلك عليها، فقالت: إني أمرت بهذا.

قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم محرّشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فيما ذكرت عنه: فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها..

فقال: صَدَقَتْ، صَدَقَتْ.. الخ..»(58).

حديث الثقلين عند ابن عربي:

10ـ ثم هو يروي حديث الثقلين بطريقة يتجاهل فيها أهل البيت عليهم السلام بالكلية، فهو يقول: إنه صلى الله عليه [وآله] وسلم خطب الناس بنمرة في عرفة، فكان مما قال:

«.. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت الخ»..(59).

فأين هم أهل البيت عليهم السلام في حديث الثقلين يا ترى؟!..

الإمام من غير أهل البيت عليهم السلام:

وحين يتكلم عن الإمامة والإمام، يقرر أمرين:

11ـ أحدهما: أن النبيصلى الله عليه وآله لم ينص على الخليفة من بعده(60).

ولا تنفع احتمالات إرادته الإمامة الصوفية، بعد تضافر القرائن في مختلف كتبه على تسننه، وعلى شدته في ذلك، وعلى سعيه لإسقاط مقام أهل البيت عليهم السلام، ونقض فضائلهم..

والثاني: إنه يصرح بأن المطلوب في الإمام والحاكم هو اختيار من له أوصاف خاصة، وان الإختلاف يقع في تحديد الشخص، لا في أوصافه.

12ـ فهو يقول: «.. ولذلك يقع الاختلاف في الإمام المعين، لا في الوصف المتبين، فقلَّ خليفة تجمع القلوب عليه، ولاسيما إن اختل ما بين يديه، فقد صحت المبايعة للخليفة، وفاز بالرتبة الشريفة».

وقال: «ولما كان الحق تعالى الإمام الأعلى، والمتبع الأول، قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(61).. ولا ينال هذا المقام الأَجْسَم، بعد النبي المصطفى الأعظم، إلا ختم الأولياء الأطول الأكرم، وإن لم يكن من بيت النبي، فقد شاركه في النسب العلوي. فهو راجع إلى بيته الأعلى، لا إلى بيته الأدنى..»(62).

وقوله: «وإن لم يكن من بيت النبي»، يشير إلى أن الإمام لا يجب أن يكون منتسباً إلى النبي صلى الله عليه وآله، ومن أهل بيته عليهم السلام مباشرة، باستثناء الإمام المهدي عليه السلام الذي يعتقد أهل السنة أنه من ذرية فاطمة عليها السلام..

فتراه يمهد لتصحيح خلافة أبي بكر بقوله: «ولا ينال هذا المقام الأجسم بعد النبي..».

إلى أن قال:

«ولكن لم يكن من بيت النبي.. الخ..».

وهو سيصرح بذلك في نفس الكتاب بعد صفحات يسيرة..(63).

لم يسأل الله معرفة إمام زمانه:

13ـ وقال في الفتوحات: «إني لم أسأل الله أن يعرفني إمام زماني، ولو كنت سألته لعرفنيٍ».

قال إسماعيل الخواجوئي والفيض الكاشاني:

«فاعتبروا يا أولي الأبصار، فإنه لما استغنى عن هذه المعرفة، مع سماعه حديث: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، المشهور بين العلماء كافة، كيف خذله الله، وتركه نفسه، فاستهوته الشياطين»(64).

الجرأة على الإمام علي عليه السلام:

14ـ ويقول: «رأيت في المعراج درجة علي أسفل من درجة أبي بكر، وعمر، وعثمان. ورأيت أبا بكر في العرش.

فلما رجعت قلت لعلي: كيف كنت تدّعي في الدنيا: أنك أفضل من هؤلاء، وقد رأيت أنك أسفل درجة منهم؟!»(65).

مراعاة الحكام في قضية الإمام المهدي؟!:

وقد تكلم في كتابه: «عنقا مغرب، في ختم الأولياء، وشمس المغرب» عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف..

ولكنه رغم أنه لم يخرج فيه عما يعتقده أهل السنة في هذا الأمر. فقد ادعى في أول كتابه: «أنه قد تردد في كتابة بعض موارده، مما كان يوضحه تارة، ويخفيه أخرى، ثم عاد وصمم على البوح بتلك الأسرار!! فهو يقول:

15ـ «.. لكني خفت من نزعة العدو والشيطان، أن يُصَرَّح بي في حضرة السلطان، فيقول علي ما لا أنويه، وأحصل من أجله في بيت التشويه، فسترت الشة بالعززان (كذا)، صيانة لهذا الجسمان، ثم رأيت ما أودع الحق من هذه الأسرار لديه، وتوكلت في إبرازه عليه، فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين الخ..»(66).

ونقول:

إننا بعد المراجعة وجدنا: أنه لم يذكر في هذا الكتاب ما يستحق أن يقال عنه: إنه من الأسرار، بل ذكر فيه ما يتوافق مع اعتقادات أهل السنة وحسب..

فإذا كانت الأسرار التي يخفيها خوفاً من السلطان، هي هذه.. فذلك يدل على أنه إنما كان يخشى من أن يفهم الحكام من حديثه حول الإمام المهدي: أنه يرى عدم شرعية حكوماتهم.. وأن أولئك الحكام من أهل الظلم والجور، لا سيما وأنه يستند إلى الحديث القائل: عن الإمام المهدي عليه السلام أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً(67)..

مع أنه لم يكن يقصد ـ حسب تصريحه ـ التعريض بأي شيء من هذا القبيل..

وهذا معناه: أن خوفه من السلطان ليس من أجل اتهامه بالتشيع أو نحوه.. إذ إن ما باح به في ذلك الكتاب، وفي جميع كتبه هو جوهر عقيدة أهل السنة، ومحض تقرير لمذاهبهم الفقهية، ولجميع توجهاتهم الإعتقادية، والثقافية وغيرها، فإذا خالفهم في شيء فإنما يخالفهم بما يدخل في دائرة الفكر الصوفي، لا في دائرة التشيع..


الفصل الثالث
ما يذم به الشيعة..


بداية:

إن ابن عربي قد خص الشيعة بأوصاف، وأتحفهم بأوسمة مميزة، تعبر عن شعوره نحوهم، وعن القيمة التي لهم لديه، ونذكر في هذا الفصل النصوص التالية من دون أي تعليق..

«الرافضي» بصورة «كلب»:

1ـ قال عن الجماعة الذين يسميهم بالرجبيين: «وقد اجتمعنا برجل منهم في شهر رجب، وهو محبوس في بيته، قد حبسته هذه الحالة، وهو بائع للجزر والخضر العامة، غير أني سألته عن حالته، فأخبرني بكيفيتها على ما كان علمي منها، وكان يخبر بعجائب..

فسألته: هل يبقى لك علامة في شيء؟

قال: نعم، لي علامة من الله في الرافضة خاصة، أراهم في صورة الكلاب، لا يستترون عني أبداً.

وقد رجع منهم على يده جماعة مستورون، لا يعرفهم أهل السنة، إلا أنهم منهم عدول. فدخلوا عليه، فأعرض عنهم، وأخبرهم بأمرهم، فرجعوا وتابوا، وشهدوا على أنفسهم بما أخبر عنهم، مما ليس عند أحد من غيرهم خبره»(68).

«الرافضي» بصورة «خنزير»:

2ـ وقال وهو يتحدث عن الرجبيين أيضاً:

«لقيت واحداً منهم بدنيسير. من ديار بكر، ما رأيت منهم غيره، وكنت بالأشواق إلى رؤيتهم، ومنهم من يبقى عليه في سائر السنة أمر ما، مما كان يكاشف به في حاله في ردب، ومنهم من لا يبقى عليه شيء من ذلك.

وكان هذا الذي رأيته (في دنيسير) قد أُبْقِي عليه كشف الروافض، من أهل الشيعة، سائر السَنَة. فكان يراهم خنازير.

فيأتي الرجل المستور، الذي لا يُعرف منه هذا المذهب قط ـ وهو في نفسه مؤمن به، يدين به ربه ـ فإذا مرَّ عليه يراه في صورة خنزير، فيستدعيه، ويقول له: «تب إلى الله! فإنك شيعي رافضي».

فيبقى الآخر متعجباً من ذلك.

فإن تاب، وصدق في توبته، رآه إنساناً، وإن قال له بلسانه: «تبت!» وهو يضمر مذهبه ـ لا يزال يراه خنزيراً. فيقول له: «كذبت في قولك: تبت».

وإذا صدق، يقول له: «صدقت»..

فيعرف ذلك الرجل صدقه في كشفه. فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضي..(69).

3ـ وقد جرى لهذا مثل هذا مع رجلين عاقلين، من أهل العدالة من الشافعية، ما عرف منهما قط التشيع، ولم يكونا من بيت التشيع. غير أنهما أداهما إليه نظرهما. وكانا متمكنين من عقولهما، فلم يظهرا ذلك، وأصرا عليه بينهما وبين الله، فكانا يعتقدان السوء في أبي بكر وعمر، ويتغالون في علي.

فلما مرا به، ودخلا عليه، أمر بإخراجهما من عنده. فإن الله كشف له عن بواطنهما في صورة خنازير، وهي العلامة التي جعل الله له في أهل هذا المذهب.

وكانا قد علما من نفوسهما أن أحداً من أهل الأرض ما اطلع على حالهما.

وكانا شاهدين عدلين، مشهورين بالسُّنة. فقالا له في ذلك. فقال:

«أراكما خنزيرين، وهي علامة بيني وبين الله فيمن كان مذهبه هذا».

فأضمرا التوبة في نفوسهما، فقال لهما:

«إنكما الساعة قد رجعتما عن ذلك المذهب، فإني أراكما إنسانين» فتعجبا من ذلك، وتابا إلى الله..(70).

وبالمناسبة نقول:

ذُكِر: أن بعض العلماء سئل عن قول ابن عربي حول رؤية الرافضة بصورة خنازير، فأجاب:

إن هذا جار على قاعدة المؤمن مرآة أخيه، فإن المرآة تعكس حال من يمر أمامها، فيرى المار نفسه فيها، سواء أكان كلباً، أو خنزيراً، أو إنساناً، أو غير ذلك..

والظاهر: أن الشيخ قد رأى نفسه في المرآة، ولم ير الرافضي أصلاً!!..

خداع الشيطان للشيعة:

4ـ قال الحر العاملي عن ابن عربي: إنه يدعي في الفتوحات: أن الشيطان قد خدع الشيعة، خصوصاً الإمامية، بحب أهل البيت ليتجاوزوا الحد فيه، فأبغضوا بعض الصحابة، وسبوهم، وتوهموا أن أهل البيت يرضون بهذا..» (71).

5ـ ذكر الشيعة في جملة من ضل عن الطريق، وأضل..»(72).

ولعل الحر العاملي ناظر في هذين الموردين إلى عبارته التالية:

الإمامية أهل بدع:

6ـ ويقول: «وعلى هذا جرى أهل البدع، والأهواء، فإن الشياطين ألقت إليهم أصلاً صحيحاً لا يشكون فيه، ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم، حتى ضلوا، فينسب ذلك إلى الشيطان بحكم الأصل، ولو علموا: أن الشيطان في تلك المسائل تلميذ له (أي لصاحب البدعة والهوى) يتعلم منه.

وأكثر ما ظهر ذلك في الشيعة، ولا سيما في الإمامية منهم، فدخلت عليهم شياطين الجن أولاً بحب أهل البيت، واستفراغ الحب فيهم، ورأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى الله، وكذلك هو لو وقفوا ولا يزيدون عليه. إلا أنهم تعدوا من حب أهل البيت إلى طريقين:

منهم من تعدى إلى بغض الصحابة وسبهم، حيث لم يقدموهم، وتخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية، فكان منهم ما قد عرف واستفاض.

وطائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي جبرئيل عليه السلام، وفي الله جل جلاله، حيث لم ينصوا على رتبتهم وتقديمهم في الخلافة للناس، حتى أنشد بعضهم:

ما كان من بعث الأمين أميناً..

وهذا كله واقع من أصل صحيح ـ وهو حب أهل البيت ـ أنتج في نظرهم فاسداً، فضلوا وأضلوا..

فانظر ما أدى إليه الغلو في الدين، أخرجهم عن الحد، فانعكس أمرهم إلى الضد، قال تعالى:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}(73)..»(74).