المكتبة العقائدية » ابن عربي ليس بشيعي (لـ جعفر مرتضى العاملي)



الفصل الرابع
هكذا يدافعون عن ابن عربي


توطئة وتمهيد:

قلنا: إن من يراجع كتب ابن عربي يجدها حافلة بالنصوص الكثيرة كثرة هائلة، والدالة على تسننه العميق، وتشدده في هذا التسنن، إلى حد أنه يحول السيئات إلى حسنات، بل هو يجعلها من أعظم الفضائل التي تنال بها أجلَّ المراتب وأعلاها، وأرقى المقامات، وأسماها، وأكرمها، وأسناها.

ولعلنا نذكر بعضاً من ذلك في فصل مستقل، ولكننا نشير قبل ذلك إلى ما دافعوا به عنه، وذلك في المطالب التالية:

الدس في كتاب الفتوحات:

قال الطهراني: ذكر الشعراني في «مختصر الفتوحات» ما نصه:

وقد توقفت حال الاختصار لكتاب «الفتوحات» في مواضع كثيرة منه، لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة، فحذفتها من هذا المختصر، وربما سهوت، فتبعت ما في الكتاب، كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري(75).

ثم لم أزل كذلك، أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين، وقد حذفتها لعدم موافقتها مع العامة، حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبي الطيب المدني، المتوفي سنة 955، فذاكرته في ذلك، فأخرج إلي نسخة من الفتوحات، التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئاً مما توقفت فيه وحذفته..

فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب «الفصوص» وغيره..(76).

يشهد على هذا الكلام: أنه قد ذكر في هذه الطبعة من «الفتوحات»: أن إمام العصر هو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام..

مضافاً إلى ذلك: أن المحقق الفيض قد أورد في كتابه «كلمات مكنونة» في شأن أمير المؤمنين عليه السلام، نقلاً عن الفتوحات: أنه ذكر نبينا صلى الله عليه وآله، وأنه أول ظاهر في الوجود، قال: وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب، إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين(77).

بينما لا يوجد هذا المطلب في النسخة الحالية من الفتوحات.

بيد أن الشعراني قد ذكرها في «اليواقيت» بهذه العبارة:

وإيضاح ذلك: أن الله تبارك وتعالى لما أراد بدء ظهور العالم على حد ما سبق في علمه، انفعل العالم عن تلك الإرادة المقدسة بضرب من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية.

فحدث الهباء، وهو بمنزلة طرح البناء الجص ليفتتح فيه من الأشكال والصور ما شاء. وهذا أول موجود في العالم.

ثم إنه تعالى تجلى بنوره إلى ذلك الهباء، والعالم كله فيه بالقوة، فقبل منه كل شيء في ذلك الهباء على حسب قربه من النور، كقبول زوايا البيت نور السراج، فعلى حسب قربه من ذلك النور يشتد ضوءه وقبوله.

ولم يكن أحد أقرب إليه من حقيقة محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، فكان أقرب قبولاً من جميع ما في ذلك الهباء. فكان صلى الله عليه [وآله] وسلم مبدأ ظهور العالم، وأول موجود.

قال الشيخ محيي الدين: وكان أقرب الناس إليه في ذلك الهباء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين. انتهى..(78). (انتهى كلام الطهراني)..

وقال الشعراني:

«أخبرني العارف بالله تعالى، الشيخ أبو طاهر المزني الشاذلي (رضي الله عنه): أن جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين، مما يخالف ظاهر الشريعة، مدسوس»..

إلى أن قال:

«فلهذا تتبعت المسائل التي أشاعها الحسدة عنه، وأجبت عنها، لأن كتبه المروية لنا عنه بالسند الصحيح ليس فيها ذلك»..(79).

ونقول:

إن لنا مع هذا الكلام عدة وقفات، نقتصر منها على ما يلي:

أولاً: إن قسماً كبيراً مما ذكرنا أنه يوضح لنا توجهات ابن عربي، وعقائده، ومذهبه، ليس مأخوذاً من كتاب الفتوحات، بل هو مأخوذ من كتاب «فصوص الحكم»، ومن كتاب «الوصايا»، ومن رسائله المختلفة.. وهو في حد نفسه كاف وواف في تبرئة ابن عربي من نسبة التشيع إليه، وإثبات أنه ملتزم بمذهب أهل السنة إلى حد التصلب والتعصب غير المبرر، خصوصاً حينما يصل الأمر إلى حد الخروج عن دائرة التوازن والصدق، في إعطاء المقامات لمن لا مبرر لنسبة أي شيء من ذلك إليهم..

ثانياً: لنفترض: أن كتاب الفتوحات قد حرف، وزيد عليه، ونقص منه، فمن الذي قال: إن يد التحريف، والزيادة أو النقيصة قد نالت خصوص المواضع التي تثبت تسننه، وتصلبه في نحلته التي ينتمي إليها.. أو نالت خصوص المواضع التي تثبت تشيعه.. وانتقاله عن مذهبه السابق إلى هذا المذهب الجديد..

إن إثبات ذلك يتوقف على اكتشاف وتحديد هوية ومذهب، وتوجهات من تولى تحريف ذلك الكتاب، ليمكن معرفة نوع التحريفات التي أعملها في كتابه، ولصالح من كانت تلك التحريفات؟.. فإنها إن كانت لا توافق مذهب الشعراني، وابن عربي، فليس بالضرورة أن تكون موافقة لمذهب الشيعة الإمامية..

ثالثاً: إنه إذا صح ما ذكروه، وإذا لم يمكن تحديد هوية من ارتكب جريمة التزوير، أو التحريف، وإذا كانت أغراض التحريف لا يمكن حصرها، فإن ذلك لا بد أن يستتبع سقوط جميع كتاب «الفتوحات» عن الاعتبار، ويستتبع أيضاً أن لا يصح نسبة شيء من مطالب الكتاب إلى ابن عربي على نحو الجزم والقطع.

فلا يصح بعد هذا أن يتمسك لإثبات تشيعه بالفقرة التي نقلها الفيض والشعراني، وفيها: أن الإمام علياً عليه السلام كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، والجامع لأسرار الأنبياء أجمعين..

رابعاً: إن الشعراني يدعي: أنه رأى في كتابه «الفتوحات المكية» ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة..

وكون علي عليه السلام إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين، مما يخالف عقائد أهل السنة، وهو مدسوس ـ عند الشعراني ـ في كتاب الفتوحات..

وقال: إنه ذاكر محمد بن أبي الطيب المدني، المتوفي سنة 955 في ذلك. قال:

«فأخرج لي نسخة من الفتوحات، التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئاً مما توقفت فيه، وحذفته..

فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة.. كما وقع ذلك في كتاب الفصوص وغيره» انتهى.

وهذا معناه: أن كل ما يوافق مذهب الشيعة قد دس في كتاب الفتوحات، وكتاب فصوص الحكم وغيرهما، وليس العكس.

واللافت هنا: أن ما ورد في كتاب الفتوحات، مما أزعج الشعراني، لا يشتمل على شيء من شأنه أن يحرج أهل السنة حسبما أوضحناه، إلا ما كان من خصوصيات مذهب التصوف، مثل قولهم بوحدة الوجود، أو بالحلول.. ونحو ذلك..

فلعل نكير الشعراني قد كان على هذا..

وما عدا ذلك، فإنه موافق لأهل السنة، فلا معنى للتوقف فيه إلا إن كان الشعراني ناصبياً، لا يطيق ذكر أهل البيت حتى في أدنى مستوى يذكرهم فيه أهل السنة، وليس هذا الأمر مما يعرف عنه، أو يعهد منه..

خامساً: حول ما ذكروه آنفاً من التحريف في نسبة إمام العصر، إلى الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، مع أن الصحيح أنه من ولد الحسين عليه السلام.

نقول: إن سقوط النقط من تحت الياء يجعل رسم الخط متشابهاً بين الحسن والحسين..

سادساً: بالنسبة للكلمة المنسوبة إلى ابن عربي حول أن النبي صلى الله عليه وآله هو أول ظاهر في الوجود، وأقرب الناس إليه علي عليه السلام إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين، نقول:

قد ذكرنا في فصل: تشيع ابن عربي دليل ونقد، ما يدل على أن ثمة شكوكاً كبيرة تحوم حول هذه الكلمة، وأن الظاهر هو أنهم قد استنتجوا ذلك من كلام ابن عربي، وأن هذه الاستفادة لم تكن موفقة.. فراجع جميع ما ذكرناه في ذلك الفصل، خصوصاً الفقرة التي بعنوان: «علي إمام العالم»..

الرافضي: إما كلب أو خنزير!!

واللافت: أن بعض المدافعين عن هذا الرجل، قد حاول التخلص من ورطة رؤية الرافضي بصورة خنزير، بلطائف وظرائف لا تكاد تخطر على قلب بشر.

بل إن الإنسان الأريب ليخجل من أن يحدث بها نفسه، فضلاً عن يوردها في كتابه كدليل يريد من خلاله إثبات مطلوبه!!

ونحن نذكر من ذلك: ما كان الأجدر بنا أن نغض الطرف عنه، لولا أننا نخشى أن يثير ذلك شبهة لدى البعض، بأن يثور لديه احتمال أن يكون لبعض ما ذكره حظ من الصحة، أو نصيب من المعقولية، فنقول:

إنه قد حاول الدفاع عن ابن عربي بالنسبة لكلامه هذا، من عدة وجوه، هي:

1 ـ الرافضة هم الخوارج!!

قد زعم هذا المدافع عن ابن عربي: أن مراد ذلك الناصبي بالروافض، ليس هو الشيعة، لا عموماً، ولا خصوص الإمامية منهم، بل المراد هو الخوارج!.. واستدل على ذلك بقوله:

«إنه يُشَاهَدُ في الكثير من عبارات العامة استخدامهم عبارة الروافض في خصوص الخوارج. لا في خصوص الشيعة، وهي حقيقة مشهودة لكل من يملك اطلاعاً على كتبهم في التاريخ والسير»(80).

ونقول:

أولاً: ليتكرم علينا صاحب الفضيلة بشواهد من عبارات أهل السنة، قد أطلقوا فيها كلمة «الروافض» على الخوارج.

إننا نطالبه بذلك، لأننا لم نسمع في كل ما مضى من حياتنا ـ ولو لمرة واحدة ـ أن أحداً أطلق كلمة الروافض على الخوارج، ولاسيما في خلال الست مئة سنة التي كانت قد مضت على ظهور الخوارج والروافض، من أول الإسلام إلى ظهور ابن عربي..

نعم.. قد يطلق على الخوارج ـ جهلاً ـ: أنهم شيعة..(81).

ولكن إطلاق هذه الكلمة عليهم إنما هو على اعتبار أنهم كانوا من الأتباع، والمشايعين للإمام علي عليه السلام ببيعتهم له..

ولكن لا يطلق عليهم أحد: أنهم روافض..

ثانياً: إنه زعم أن كثرة الخوارج في بلاد مراكش، والجزائر، وعدم شيوع التشيع في تلك البلاد، وكون أهل المغرب من المالكية، لابد أن ينتج أن يكون مراد أهل تلك البلاد من كلمة «الروافض»: هو الخوارج..

وهي نتيجة غريبة وعجيبة، وهي أشبه ما تكون بقول القائل: لو لم ينبح الكلب، لم تطلع الشمس.. أو إن الشمس قد كسفت بسبب أكل البطيخ، أو ما إلى ذلك..

بل الأنسب أن يقال: إن كثرة الخوارج في المحيط الذي نشأ فيه ابن عربي قد أوجب أن يتأثر بهم، وأن يزيد بغضه للإمام علي وأهل بيته عليهم السلام، وقد تجلى ذلك في إيراده أمثال هذه القضايا، وسعيه لرفع شأن مناوئ الإمام علي وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم، وتجاهل أهل البيت عليهم السلام، وإظهار احتمالات ارتكابهم الجرائم، والمآثم، والعظائم..

ثالثاً: إن كلمة الرافضي، إنما تطلق عند أهل السنة على من يبغض الشيخين، بسبب ما فعلاه بالسيدة الزهراء عليها السلام، والخوارج يتولون الشيخين، ويحبونهما ربما أشد من حب أهل السنة لهما، ويتبرؤون من الإمام علي عليه السلام، ومن عثمان. فلا نجد مبرراً لنعت الخوارج بالروافض أصلاً..

2ـ ذكره لفضائل أهل البيت:

قد ادعى هذا المدافع عن ابن عربي: أنه قد ورد في كتاب «المحاضرات» الكثير من الحكايات والشواهد التاريخية، التي يستحيل معها احتمال حمل لفظ «الروافض» على الشيعة.

ثم ذكر من ذلك قول ابن عربي: لا كريم أكرم من آل محمد، كلهم كبير، ليس فيهم صغير..

وذكر من ذلك أيضاً: قول عمر بن عبد العزيز لبعض ولد الحسين: إني لأستحيي أن تقف على بابي، فلا يؤذن لك..

وذكر قصة سؤال معاوية لضرار بن ضمرة: أن يصف له علياً، فوصفه له بأنه شديد القوى، بعيد المدى، الخ..(82).

وقول أبي بكرة لمعاوية: اتق الله.. إلى آخر ما وعظه به..

وأورد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حول البدء بذكر الله سبحانه..

ورواية أخرى عنه عليه السلام في موعظة منه لسفيان الثوري..

ورواية أوردها مسلم بن الحجاج في صحيحه، عن رسول الله في ما كان يقوله صلى الله عليه وآله في السراء والضراء..(83).

ونقول:

إننا لا ندري كيف دلت هذه الأحاديث على استحالة إرادة الشيعة من كلمة الروافض؟

وأي ربط لكل هذه الأقاويل، والروايات، والحكايات، بدلالة كلمة «الروافض» على معناها؟

فمن عرف شيئاً من ذلك فليدلنا عليه، وسنكون له من الشاكرين.

وإيراد هذه الروايات هو نظير إيراده روايات عن الحلاج والبسطامي، وعن غيرهما..

3ـ هل الرافضي كلب، أم خنزير؟:

إنه تارة يقول: عن قضية رؤية الرافضة: أنهم رأوهم بصورة خنازير، وأخرى أنهم رأوهم بصورة كلاب..

فلاحظ النص المتقدم الذي يتحدث فيه عن الرجبيين في فصل: ما يذم به الشيعة، تحت عنوان: «الروافض كلاب!!»..

ثم اعترضوا على من قال: إنهم خنازير..

ثم قالوا: «.. إن الكلب أقل سوءاً من الخنزير، فلماذا بدَّل الكلب بالخنزير، مع أنه إنما ينقل عن كتاب قد ذكر فيه خصوص الكلب؟!.»(84). وهو كتاب محاضرة الأبرار.. ولم ينقل عن الفتوحات الذي ذكر أنه رآهم بصورة خنازير..

ونقول:

1ـ إن ابن عربي قد ذكر الكلب في كتاب «محاضرة الأبرار»، ولم يذكر الخنزير، وذكر الخنزير في الفتوحات، ولم يذكر الكلب، فالنتيجة في كلا الحالتين تبقى واحدة، وهي أن الرافضي لا يخرج عن دائرة الكلب والخنزير عند ابن عربي!!..

2ـ هذا بالإضافة إلى أنه إن كانت القصة التي في الفتوحات هي نفس القصة التي نقلها في محاضراته، فيرد عليه أنه قد كذب في إحدى القصتين.

وتبقى الأخرى حتى بالنسبة لمن هم على مذهب ابن عربي، موضع ريب شديد أيضاً، لأن من يُقْطَع بكذبه في واحدة، فلا يمكن الاطمينان إلى صدقه في الثانية.

وإن كانت قصة أخرى، فذكره للقصتين يشير إلى أنه يهدف إلى إشاعة هذه الأباطيل، وتتبعها، وجمعها، وإذاعتها..

ابن عربي يحترم الشيعة الإمامية:

وقد قالوا: إن ابن عربي يقدر ويحترم الشيعة الإمامية، وقد نوه كثيراً بأئمتهم في الموارد المختلفة، سواء في الفتوحات، أو في المحاضرات، فلا يصح نسبة العداء للإمامية إليه..(85).

ونقول:

أولاً: إن هذا التنويه بالإمامية والاحترام والتقدير لهم لم نجد له أثراً في كتب ابن عربي.. بل وجدناه يقول: إن الشياطين قد ألقت إلى أهل البدع والأهواء، وخصوصاً الإمامية منهم، أصلاً صحيحاً، وهو محبة أهل البيت، ثم تعدوا ذلك إلى بعض التلبيسات الأخرى..(86).

ثانياً: إن نفس هذا المستدل يدعي: أن ابن عربي مستضعف، وأنه كان يعيش في المغرب، ولم يكن يعرف شيئاً عن الشيعة والتشيع، فضلاً عن الإمامية، فراجع كلامه..(87).

فإذا كان الأمر كذلك، فمن أين عرف بأمر خداع الشياطين للشيعة، وخصوصاً الإمامية منهم؟! وكيف نجمع بين ما زعمه من أمر الشياطين معهم، وبين احترامه وتقديره لهم..

ثالثاً: لو سلمنا أنه لا يعرفهم، فإن كتابه هذا قد وصله عن طريق الإلهام، وكتب مطالبه من دون اختيار منه ـ كما يزعم ـ فكيف أخطأ الإلهام الإلهي في هذا الأمر؟!..

ولماذا لم يكتشف أمر الشيعة بواسطة الكشف الذي يدّعيه؟!

وإن لم يستطع ذلك، فكيف يطلق أحكامه عليهم قبل أن يعرف حالهم؟!

ولماذا لم يطلب كتبهم، ليقرأها، وليعرف مقالاتهم؟!

ولو لم يحصل على كتبهم، فلماذا لم يسأل علماء عصره عنهم، وعنها..

فإن ابن عربي قد ألف فتوحاته في مكة، لا في بلاد المغرب، فإن كان التعرف على أمر الشيعة يصعب عليه في المغرب، فهل يصعب في مكة؟!

رابعاً: إن كتب الشيعة ومقالاتهم كانت معروفة وشائعة في بلاد المغرب، تماماً كما كانت الحال عليه في المشرق. وقد سجل ابن عبد ربه، وابن جزم، وابن عبد البر، والقاضي ابن العربي صاحب كتاب شرح الترمذي، وصاحب كتاب العواصم من القواصم، وكذلك ابن خلدون، وغيرهم من علماء تلك البلاد سجلوا في مؤلفاتهم، مثل العقد الفريد والمحلى، والفصل في الملل والأهواء والنحل، ومقدمة ابن خلدون وكتاب العبر، وكتاب العواصم من القواصم، ردودهم على الشيعة وعلى مقالاتهم بالتفصيل.

وقد صرح التاريخ بأن ابن عربي قد قرأ كتب ابن حزم، ومن كتبه «الفصل في الملل، والأهواء والنحل»..

قال ابن مسدي: إنه قال في إجازته ما معناه، أو نصه: إن محمد بن عبد الحق الأشبيلي قد حدثه: «بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم، عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه»(88).

وقال ابن مسدي أيضاً: «إنه كان ظاهري في المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات»(89)..

على أن هذا الرجل قد طاف البلاد، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد، والموصل، وبلاد الروم..(90).

بل هو قد قدم بغداد مرتين، المرة الأولى في سنة 601 للهجرة، والثانية في سنة 608 للهجرة.

والشيعة كانوا موجودين في بغداد، خصوصاً في منطقة الكرخ، فلماذا لم يتعرف عليهم عن قرب؟ ولم يسأل عنهم؟ وكيف لم يحدثه أهل بغداد عنهم بشيء؟ مع وجود حالة من العداء لهم، ومع أنهم كانوا يشنون عليهم الغارات، ويقتلونهم، ويسرقون بيوتهم في كل سنة مرتين على الأقل؛ الأولى في عاشوراء، والثانية في يوم الغدير، كما أوضحناه في كتابنا: «صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد» فراجع..

أضف إلى ذلك: أن بلاد المغرب التي نشأ فيها ابن عربي قد فتحت على يد موسى بن نصير الشيعي، وكانت دعوات الشيعة شائعة فيها، وبقيت لها آثار ظاهرة على مدى القرون..

كما أن الدعوة الإسماعيلية التي انتهت بإنشاء دولة الفاطميين في مصر، لم يكن نشاطها بعيداً عن سائر بلاد المغرب..

ابن عربي يلجأ للتقية:

وقالوا: في الاعتذار عن مدائحه لأهل السنة، وللشخصيات التي يقدسونها أو يحترمونها، وعن ذمه وتجريحه بالشيعة ـ قالوا ـ: إن ظروف التقية في الشام قد أجبرت الشيخ محيي الدين بن عربي على كتمان ولائه..

ونقول:

أولاً: إنه قد ألف الفتوحات المكية المشحون بدلائل التسنن في مكة قبل أن يأتي إلى الشام.. فلماذا خص الحديث بالتقية في خصوص هذا البلد. أعني الشام دون غيره من البلاد التي حل فيها ابن عربي؟!.

ثانياً: إنه إذا صح ما ذكره، فكيف لم يمارس التقية في الكتاب الذي نسبوه إليه، حول الأئمة الاثني عشر؟!..

ثالثاً: إنهم يدَّعون، كما ذكرنا آنفاً، أن كتبه مشحونة بمناقب أهل البيت عليهم السلام، ما عدا كتاب الفتوحات المكية.

ورغم عدم صحة هذا الإدعاء نقول: لماذا شحن كتبه بمناقبهم، وأفرغ منها خصوص كتابه هذاِ.. بل هو قد ملأه، يما هو صريح في تسننه العميق والراسخ؟

رابعاً: إن ما ذكره في كتبه ليس مجرد كتمان ولاء، بل هو المبادرة الطوعية إلى تقرير أمور كثيرة جداً، ترسخ حقيقة التسنن، رغم أنه لم يكن بحاجة إلى ذكرها، والتنويه بها.

وعلى فرض الحاجة إلى ذلك، فإن كيفية الحديث عنها، وطريقة التعاطي معها قد كانت فريدة، وغير سديدة، ولا رشيدة.. بل هي في أحيان كثيرة مجرد تمحلات تافهة، وبعيدة.

والتقية إنما تفرض عليه السكوت، أو التصريح بأدنى المراتب التي يمكن بها دفع غائلة أهل البغي والباطل، ولا تفرض هذا القدر من الإصرار، ومن الإكثار من الكلام التسويقي لأمورٍ لا حقيقة لها، ولا لما يدعيه في تسويقها..

الروافض من الشيعة:

وزعم البعض: أن ابن عربي قد ذكر وهو يتكلم عن رؤية الروافض بصورة خنازير:

أن الروافض من الشيعة. وهذا يؤيد أن يكون مراده بالروافض هم الخوارج، لأن معنى هذه العبارة: أن الروافض هم طائفة انفصلت من الشيعة، واتبعت مذهب النصب والانحراف..(91).

ونقول:

إن حبهم لابن عربي قد دعاهم إلى أن يجعلوا من نفس دليل إدانته دليلاً على صحة عقيدته!!..

فإن قوله: إن الروافض هم من الشيعة، صريح في أنه يعرف فرق الشيعة المختلفة، كالزيدية، والإسماعيلية، وغير ذلك.. ويعرف أن الروافض هم خصوص فرقة الإمامية، التي هي أهم الفرق، وأكثرها اتساعاً، وأصعبها مراساً في الدفاع عن الحق والدين..

فما معنى ادعاء: أن قوله: «الروافض من الشيعة» يدل على: أنه يقصد بالروافض النواصب..

وهل إذا قلت: إن الأحناف من أهل السنة يكون معناه: أن الأحناف فرقة منفصلة عن أهل السنة، ويصيرون من الشيعة؟!

وإذا قلت الكاثوليك من المسيحيين، يصبح الكاثوليك فرقة منفصلة عن المسيحية، ومن أعدائها؟!..

وإذا قلت: إن بني عبد المطلب من بني هاشم، يصبح بنو عبد المطلب جماعة منفصلة عن الهاشميين، وتنصب العداوة لهم؟!!..

ابن عربي مستضعف:

إن البعض يعترف: بأن ابن عربي قد ولد وعاش سُنيِّاً، وفي بيئة سُنِّية.. ولكنه ادعى أنه قد جاهد نفسه، فاكتشف الحقائق تدريجياً بالشهود والوجدان، وصار من مخلصي الموحدين، ومن الشيعة الذين يفدون أرواحهم في محبة أمير المؤمنين عليه السلام.. لكن التسمي باسم الشيعة، وإظهار البغض والعداء للخلفاء الغاصبين كان أمراً محالاً..

«والأمر إلى الآن كذلك، فلو أن أحداً وقف في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله، ونادى: أشهد أن علياً ولي الله، لسفكوا دمه، ولتناهبت القبائل والطوائف دمه ولحمه تبركاً، ولكنه لو وقف ساعة كاملة يتحدث في مدح عائشة لنثروا عليه الحلوى، واستقبلوه بالزغاريد والأهاليل الخ..».

وبعد أن ادعى أيضاً: أن مكتبات أهل تلك البلاد كانت مليئة بكتب العامة، قال:

«فلم يكن يوجد في جميع مدنهم، ولو كتاب شيعي واحد»(92).

وذكر أيضاً: أنه حين جرى الحديث أمام السيد الطباطبائي حول ما زعمه ابن عربي، من أن المتوكل من أولياء الله، قال الطهراني له:

«إن علينا في أمثال هذا النمط من المطالب أن نعده في زمرة المستضعفين..

فضحك العلامة مستنكراً، وقال: أمحيي الدين من المستضعفين؟!

فقال الطهراني: ما المانع من ذلك، فحين يكون مناط الاستضعاف عدم الوصول إلى متن الحقيقة، وواقع الأمر، مع كون الطالب في صدد الوصول إليها، فلا فرق بين عالم كبير، كمحيي الدين، وعامي..»(93).

ونقول:

إن هذا الكلام وإن سلمنا بصحة بعض مقدماته، ولكنه غير دقيق في بعض مقدماته الأخرى، ولا ينتج تشيُّع ابن عربي، وذلك للأمور التالية:

أولاً: قوله: «لم يكن يوجد في جميع مدنهم كتاب شيعي واحد»، لا يمكن قبوله إلا من عالم الغيب والشهادة تبارك وتعالى.

ثانياً: إن مؤلفات علماء تلك البلاد مشحونة بذكر عقائد الشيعة، والسعي إلى إبطالها.. فراجع: مؤلفات ابن حزم الذي قرأ ابن عربي كتبه، وراجع: كتب ابن عبد ربه، وأبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي بكر ابن العربي، وغير هؤلاء كثيرون.. فكيف عرف هؤلاء بعقائد الشيعة، ودونوها في كتبهم وجهلها ابن عربي، إلى حد أنه أصبح يعد في جملة المستضعفين؟!

ثالثاً: لا شك في أن ابن عربي كان ـ كغيره ـ يعرف: أن هناك طائفة من الناس يقال لهم: «الروافض»، وأنهم «إمامية».

وقد تحدث عن أن بعض الصوفية من «الرجبيين» يرون «الرافضة» بصورة خنازير، أو كلاب..

وذكر أن الشيطان يأتيهم عن طريق حب أهل البيت عليهم السلام، وغير ذلك.

كما أن ابن عربي قد سافر إلى البلاد المختلفة ومنها: مصر، والعراق، والموصل، والحجاز، والشام، وغيرها.. وعاش فيها سنين طويلة، وهاجس الخوف من الفكر الشيعي كان على درجة كبيرة من القوة والوضوح خصوصاً لدى علماء تلك البلاد، فلماذا لا يسأل عن هذه الفرقة «الرافضة»، وعن اعتقاداتها، وآرائها؟!..

وكيف لم يتفق له أن يعرف شيئاً عنها، لا في بغداد، ولا في غيرها؟! حتى انتهى به الأمر إلى هذا الإستضعاف الذي يأنف الناس العاديون من أن ينسبوا إليه، فضلاً عن أمثال ابن عربي.

مع العلم بأن تسنن أهل السنة لا ينفصل عن مقارعة الشيعة، وخصوصاً الإمامية، الذين هم الرافضة، ولا يكف علماؤهم عن تداول آرائهم، والهجوم عليهم.

وكتب العامة مليئة بما يثير الفضول، ويلهب المشاعر، ويستحث العقول لمعرفة شيء عن الشيعة والتشيع، وعن الرفض والرافضة..

رابعاً: إن من يعرف هذه التفاصيل الدقيقة عن مذهب التسنن، ويكتب الفتوحات المكية استظهاراً، بدون أن يراجع كتاباً في العقائد والفقه، والحديث، والتاريخ، وغير ذلك ـ كما يزعمون ـ لابد أن يمر عليه من خلال تحصيله لهذه المعارف الشيء الكثير عن الشيعة، وعن التشيع.

ولو أنه قد حصل معارفه هذه عن طريق الكشف والعلم اللدني، فلماذا لم يحصِّل قليلاً من المعرفة بالشيعة عن هذا الطريق أيضاً.

فما الذي أوجب أن يبقى في دائرة الجهل إلى حد الاستضعاف في أمر هذه الطائفة التي تشغل بال العالم السني من أقصاه إلى أقصاه، بسبب فكرها القوي، وحجتها البالغة؟!

وهل يمكن أن يعد أمثاله من العلماء الواسعي الإطلاع إلى هذا الحد من المستضعفين؟!

وماذا بقي لغيرهم من سائر الناس؟!

وأفلا يحق للسيد الطباطبائي رحمه الله أن يضحك مستنكراً لمثل هذه الدعاوى؟!

خامساً: لو قبلنا جدلاً: أن ابن عربي مستضعف، فإن هذا لا يجعله في جملة الشيعة، ولا يخرجه عن دائرة التسنن، حيث لا بد من ترتيب أحكامه عليه، ومعاملته على أساسه.. ولابد أن يكون مثله مثل المستضعفين في سائر الأديان.. فإن استضعاف المسيحي أو اليهودي لا يجعله في عداد المسلمين.

سادساً: إذا كان شهوده قد أوصله إلى هذا الحد من التشيع، والحب للإمام علي عليه السلام، الذي أشار إليه المستدل، فلماذا لم يوصله إلى حقيقة أعداء علي، ومناوئيه؟! خصوصاً من هم مثل المتوكل، ومعاوية، والحجاج، و.. و..؟!

وإذا كان قد عرفهم، وتحقق حالهم، فلماذا ملأ كتبه بكراماتهم، وشحنها بفضائلهم المزعومة؟!

ولماذا أنكر استخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله لأحد حتى لعلي عليه السلام، من بعده؟!..

ولماذا لم يعرف ما جرى على السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، من ظلم واضطهاد؟!

ولماذا؟! ولماذا؟!..

وإذا كان قد كشف ذلك كله بالشهود والوجدان، فلماذا أيضاً لم يكتشف إمامة وحقيقة أهل البيت عليهم السلام الثابتة بالأحاديث الصحيحة والمتواترة؟!..

ولماذا عمم المراد بأهل البيت ليشمل جعفراً وسلمان الفارسي، وغيرهما، ولم يكتشف أنهم هم أهل الكساء؟! ويلحق بهم باقي الأئمة الطاهرين.

بل إن ذلك لا يحتاج لا إلى شهود ولا إلى وجدان، ولا يحتاج فيه إلى كتب الشيعة، فإن كتب السنة التي قرأها، أو قرئت عليه، خير شاهد ودليل على ذلك.

وأخيراً.. لماذا لم يكتشف بكشفه ووجدانه حقيقة الشيعة، وأنهم ليسوا كلاباً ولا خنازير، بل هم خيرة أهل الإيمان، وهم عز الإسلام.

وقد ذكرنا في فقرة: مدائحه لنفسه. ما يكفي لإقامة الحجة عليه، لو كان صادقاً فيما يدعيه..

سابعاً: إن هذا المستدل يريد أن يدعي علينا: أن ما نطلبه من ابن عربي، هو أن يتحدى أهل السنة في مقدساتهم، وأن يعلن بسب خلفائهم، وقد أورد مثال من ينادي في شوارع المدينة بالشهادة بالولاية لعلي عليه السلام، للتدليل على ما يرمي إليه..

والحقيقة هي أنه يعلم أن هذا ليس هو المطلوب لنا ولا لغيرنا، بل المطلوب ـ لو كان موقف ابن عربي يرتكز إلى التقية ـ هو ادنى حدّ من المداراة للآخرين التي تدفع شرَّهم عنه، وأن لا يبادر بمناسبة وغير مناسبة إلى اقتراح الفضائل لمناوئيهم، وإعلان أمور ليس لها أي أساس من الصحة، وإلى أن يسجل عدم وصاية النبي للإمام علي عليه السلام، وإلى أن يذكر رؤية العرفاء للشيعة بصورة خنازير.

وأن يكون كل همه في جميع كتبه منصرفاً إلى تدعيم، وترسيخ مذهب يدعون أنه لا يراه حقاً، ولا يؤمن به.

ويتأكد هذا المطلوب، ويصبح أكثر إلحاحاً بملاحظة: أن كتابه مجرد كتاب تربية روحية، وتصوف، ودعوة إلى الزهد، ولا يطالبه أحد لو سكت عن مثل هذه الأمور التي جعلها كل همه، واساس رسالته التبشيرية.

فإن عقلاء أهل السنة إنما يغضبون إذا تجرأ المتجرئ على أعيان مذهبهم، من دون حق. ولا يغضبون من بيان الحق بالدليل، إذا كان ذلك بالكلمة الرضية والصحيحة، والصريحة، والصادقة..

كما أنهم لا يغضبون لو سكت الإنسان عن التعرض لأي شيء، ولأجل ذلك لا نجدهم يطلبون من الطبيب، أو النحوي أن يكتب فضائل أبي بكر أو عمر في كتابه في الطب، أو في علم النحو مثلاً، ولا يفرضون على عالم الفيزياء مثل ذلك..

فاتضح أن سَوْق البحث حول هذا الأمر بهذا الاتجاه، قد كان غير منصف، ولا مقبول..

ابن عربي.. عند الشهيد مطهري:

وربما يتمسك البعض بما صدر من الشهيد مرتضى مطهري من تعظيم لشأن ابن عربي إلى حد: أنه اعتبره:

«أعظم عرفاء الإسلام، فلم يصل أحد إلى ما وصل إليه، لا من قبله، ولا من بعده»..

إلى أن قال:

«إنه كان من عجائب الدهر، إنسان محير، ومدهش»..(94).

وقال عن كتابه: «فصوص الحكم»: «لعله لا يظهر في كل عصر أكثر من اثنين، أو ثلاثة، ممن يمكنهم أن يفهموه»(95).

والشهيد مطهري عالم عظيم، لا يلقي الكلام جزافاً، وبلا دليل.

فإذا قبلنا كلامه، فإن علينا أن نقبل بأننا لم نفهم ما يرمي إليه ابن عربي في المواضع التي يظهر منها أنه ليس بشيعي.

ونقول:

أولاً: إن هذا الكلام إنما يصح بعد التسليم بتشيعه، وحيث لابد في هذه الحالة من يتمحض السعي باتجاه فهم سبب تصريحه بما يخالف مذهبه..

أما إذا كان أصل ابن عربي وفصله هو التسنن، وقد جاءت كتبه مرتكزة إلى أصول مذهبه المعروف عنه، ثم جاء من يريد أن يدعي خلاف ذلك، فإن طبيعة البحث تفرض التمسك بظواهر كلامه، ـ فكيف بصريحه ـ إلى أن يأتي الدليل القاطع، والبرهان الساطع على ضد ذلك..

وهذا هو المفقود حقاً في أمر النزاع في تشيع ابن عربي.

ثانياً: إن كلام الشهيد مطهري لا يفيد في اثبات تشيع ابن عربي، حيث إنه لم يشر إلى ذلك، لا من قريب ولا من بعيد. لأنه قد كان بصدد الثناء عليه في خصوص علم التصوف والعرفان الصوفي، ولم يكن بصدد بيان مذهبه، ولا كان يريد بيان عيوبه..

فالإرتكاز إلى كلامه في هذا الأمر، ما هو إلا تحكم، واقتراح بلا مبرر.

ثالثاً: إن كلام الشهيد مطهري لا يمكن قبوله من دون تمحيص علمي، إذ إن من يقرأ كلامه يتخيل: أن علماء الإسلام ليس لهم هَّم إلا حل رموز كتب ابن عربي، خصوصاً كتاب: «فصوص الحكم»، وأنهم قد اجتمعوا بقضهم وقضيضهم لمعالجة مبهماتها، وحل مشكلاتها، ثم ظهر عجزهم، وبانت خيبتهم.

مع أن الحقيقة ليست كذلك، فإن من يظهرون الاهتمام بهذا العلم الذي لابن عربي، نوع معرفة أو درجة من البراعة فيه، هم أقل القليل من العلماء..

أما الذين يمارسونه بصورة جدية، ومقبولة، ومعقولة، فهم أفراد قلائل في كل زمان..

فإذا لم يفهم كتاب الفصوص إلا اثنان أو ثلاثة، في كل عصر، فإن ذلك هو الأمر الطبيعي بالنسبة إلى علم يقل المهتمون به، ويندر الذين يسعون إلى التعمق والتبحر فيه.. وإن كان يكثر المدّعون له، رغبة في الحصول على شرف الانتساب، دون بذل جهد في سبيل نيل حقائق ذلك العلم، وتحصيل دقائقه..

رابعاً: إن كلام الشهيد مطهري لا يفيد شيئاً في رفع إبهام أمر ابن عربي فيما يرتبط بحقيقة مذهبه الاعتقادي.. فإن عدم فهم الكثيرين لكلام هذا الرجل في الفصوص، ـ لو صح ـ فليس معناه: أن جميع ما أورده في ذلك الكتاب أو في غيره، غير مفهوم لهم أيضاً..

بل المراد: أن كثيراً من موارد ذلك الكتاب تبقى مبهمة على القارئ، غير المتخصص في ذلك العلم، مع قلة أولئك المتخصصين في خصوص العرفان الصوفي لدى أهل السنة.. فالإيهام إنما هو في موارد لا ترتبط بما يدل على حقيقة مذهبه الإعتقادي.

ولم نجد أحداً قال: إن أياً من المفردات الصريحة في اعتقاده داخلة في دائرة ما يستعصي فهمه على العلماء؟! أو حتى على العامة من الناس، فضلاً عن الخاصة؟!..

بل الأمر على خلاف ذلك تماماً، فإنها قد جاءت في غاية الصراحة والوضوح حتى للجاهل غير العالم..

والنصوص التي أوردناها في هذه الدراسة لا شك في أنها خير شاهد على ذلك..

خامساً: إن الكلام إنما هو في حقيقة الأدلة والشواهد على تشيع هذا الرجل، وليس قول هذا أو ذاك من العلماء بالذي يصلح دليلاً على ذلك، ما دام أن العلماء، يتساوون في كونهم يتلمسون تلك الشواهد، وهاتيك الأدلة على هذا الأمر، إذ أن أحداً منهم لايدعي أنه قد عاش مع ابن عربي، وسمع منه، واطلع على دخيلة نفسه.

فإذا كان قول الشهيد مطهري دليلاً على تشيعه، ـ مع كونه غير دال على ذلك ـ فليكن قول جميع الآخرين ممن هم فحول وأساطين العلم، مع وضوحه وصراحته، ومع قرب مأخذه، الدليل الأقوى على ذلك. لمن ألقى السمع وهو شهيد..