المكتبة العقائدية » ابن عربي ليس بشيعي (لـ جعفر مرتضى العاملي)



القسم الثاني
جنون العظمة..


وهو يشتمل على فصلين:

الفصل الأول: مادح نفسه يقرؤك السلام..

الفصل الثاني: الأولياء والأقطاب.. أنبياء لا أرباب..


الفصل الأول
مادح نفسه يقرؤك السلام..


أدلة وشواهد:

إننا نذكر في هذا الفصل، وفي ما يلي من فصول شواهد وأموراً تدل على أن ابن عربي مجانب للصواب في اعتقاداته، وللصدق في ادعاءاته، ونخصص هذا الفصل لإيراد بعض ما مدح به نفسه، وما ادعاه لها من مقامات، مما لو أردنا استقصاءه في مؤلفاته لبلغ مجلداً ضخماً، يثير دهشة القارئ، ويزيد من إعجابه بقدرة هذا الرجل على التخيل، وسوف تدهشه تهويمات أوهامه، وسعة أحلامه، وجرأته على التبجح والإدعاء لمعجزة النبي ولمقامه..

فنقول، وعلى الله نتوكل، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول..

إسراء ومعراج ابن عربي:

1ـ ادعى في فتوحاته: أنه أسري به إلى السماء تسع مرات..(96).

قال الحر العاملي: «ويظهر منه: أنه يدعي المزية والفضيلة على الرسول صلى الله عليه وآله»(97)..

ادعاء ختم الولاية لمنامٍ:

2ـ وقال الحر العاملي: إنه ادعى أنه خاتم الولاية لرؤيا رآها في منامه..

3ـ قال شارح الفصوص: إنه بقي تسعة أشهر في الخلوة لم يأكل طعاماً، وبعدها بُشّر بأنه خاتم الولاية المحمدية، وقيل له: دليلك أن العلامة التي كانت بين كتفي الرسول الدالة على أنه خاتم النبوة، هي نفسها بين كتفيك، تدل على أنك خاتم الولاية..(98).

دعاوى علم الغيب:

4ـ قال الحر العاملي: ذكر في الفتوحات المكية أخباراً يحيلها العقل، ويجزم بكذبها، ويظهر منه دعوى علم الغيب، والجرأة على الإفتراء والكذب(99)..

ابن عربي ركن العالم:

5ـ ويقول عن نفسه: «فكنا [الأربعة الأركان] التي قام عليها شخص العالم والإنسان..»(100).

من الأوتاد وله ركن الحجر الأسود:

6ـ إنه يدعي لنفسه: أنه من الأوتاد الأربعة، وان له ركن الحجر الأسود(101).

كشف الحقائق له:

7ـ يدعي في عشرات الموارد أيضاً: أن الحقائق قد كشفت له.. فراجع كتابه الفتوحات المكية وغيره..

يتلقى معارفه من الروح الأمين:

8ـ ومدائحه لنفسه في كتابه: «عنقاء مغرب»، كثيرة، ويذكر فيه أيضاً: أنه قد كتبه بأمر قد صدر له، وكانت تسميته بهذا الإسم بعد أخذ ورد، حتى لقد قال: «كل ما أبرزناه لعين الناقد البصير، إنما هو من تلقيات الروح الأمين الخ..».

9ـ وذكر أيضاً: أن كتاب عنقاء مغرب، قد أنزله الله عليه، وأبرزه للعباد على يديه..(102).

تأليف «فصوص الحكم» بأمر النبي صلى الله عليه وآله:

10ـ ادعى في فصوص الحكم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله، هو الذي أمره به، وأنه إنما أودع فيه ما حده له..(103).

يؤلف «الفتوحات» بأمر ربه:

11ـ وقال: «فالله تعالى رتب على يدنا هذا الترتيب، فتركناه، ولم ندخل فيه برأينا، ولا بعقولنا. فالله يملي على القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود، فإن العالم كتاب مسطور إلهي»..(104).

12ـ ويدعي في الفتوحات أيضاً أنه حين تكلم حول أوائل السور، فإنه إنما فعله عن أمر ربه، قال:

«لا أتكلم إلا عن طريق الإذن، كما أني سأقف عند ما يُحَدُّ لي، فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا نجري منه نحن مجرى المؤلفين، فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره، وإن كان مجبوراً في اختياره، أو تحت العلم الذي يبثه خاصة، فيلقي ما يشاء، ويمسك ما يشاء..»(105).

ولا بأس بمراجعة العبارة في المصدر إلى آخرها.

وقد علق عليه القديحي، بعد أن أورد عبارته بتمامها، بقوله:

«انظر إلى هذه الدعوى التي لا تتم إلا لنبي مرسل، فإن صريحها: أنه لا ينطق إلا عن وحي يوحى في قلبه، علمه شديد القوى.

ومقتضاها الاستغناء عن مضامين القرآن والحديث، وإنما يجب عليه الإيمان بها كما آمن الرسول بالأنبياء، والرسل، وكتبهم الخ..»(106).

وقد ذكر ابن عربي نظير ذلك حين تكلم عن معاني (ألم ـ البقرة) وأنه لا يقيد مسألة عن هوى واختيار، إلا عن وحي من ربه وائتمار..(107).

الخضر عليه السلام، وابن عربي:

13ـ وهو يزعم أنه قد اجتمع مع الخضر عليه السلام أكثر من مرة..(108).

يرى الله في المنام:

14ـ ويزعم أنه قد رأى ربه في عالم الرؤيا، وهو يقول له: إنصح عبادي(109).

وقد تكررت رؤيته لربه في المنام في مناسبات عديدة، فراجع(110).

معرفته بالدقائق:

15ـ ويقول: «غير أن هنا دقيقة، لا يعلمها إلا أمثالنا»(111).

حالات الغيبوبة:

16ـ ويقول عن نفسه: «..وأما اعتبار المغمى عليه، فهو صاحب الحال، الذي أفناه الجلال، أو هيَّمه الجمال، فلا يعقل. فيكون الحق متوليه في تلك الغيبة في حسه، بما شاء أن يجريه عليه.

وقد أقمت أنا في هذه الحالة مدة، ولم أُخِلَّ بشيء من حركات الصلاة الظاهرة بالجماعة، على أتم ما يمكن إماماً. ولا علم لي بشيء من هذا كله.

فلما أفقت ورددت إلى حسي في عالم الشهادة، أعلمني الحاضرون: أنه ما فاتني شيء مما توجه علي من التكليف، كما توجه على العاقل الذاكر.

ومن أهل طريقنا من لا تكون له هذه الحالة، وهي حالة شريفة، حيث لم يجر عليه لسان ذنب».

ثم يذكر نظير ذلك للشبلي أيضاً(112).

لكنه لم يبين لنا ما حكم عباداته، وصلواته، وهو في تلك الحال، هل هو حكم من يدخل في إغماء أو غيبوبة، فيجب عليه إعادتها؟!

أم هو حكم الإنسان الصاحي الذي لا يجب عليه شيء؟!..

وبأيٍ من هاتين المقولتين التزم؟!

وريث النبي يرى من خلفه:

17ـ ثم هو يدّعي وراثة النبي صلى الله عليه وآله في حالاته النبوية، حتى إنه يرى من خلفه، فهو يقول:

«ولما ورثته صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، كانت لي هذه الحالة، كنت أصلي بالناس في المسجد الأزهر، بمدينة فاس، فإذا أدخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عيناً واحداً، فأرى من جميع جهاتي، كما أرى قبلتي، ولا يخفى علي الداخل ولا الخارج، ولا واحد من الجماعة، حتى إنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة، فإذا سلمت، ورددت وجهي إلى الجماعة أدعو، أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته، فيخل بركعة، فأقول: فاتك كذا وكذا. فيتم صلاته، ويتذكر، فلا يعرف الأشياء، ولا هذه الأحوال إلا من ذاقها.

ومن كانت هذه حاله، فحيث كانت القبلة فهو مواجهها، هكذا ذقته نفسي، فلا ينبغي أن يصلى على الراحلة إلا صاحب هذا الحال»(113).

الخرس:

18ـ ويقول: «وكان لنا تلميذ، غير أنه لم يحفظ عليه الخرس، فلم يتحقق بحيوانيته.

ولما أقامني الله هذا المقام، تحققت بحيوانيتي، فكنت أرى وأريد النطق بما أشاهده فلا أستطيع، فكنت لا أفرق بيني وبين الخرس الذين لا يتكلمون..»(114).

أشهده الله أعيان رسله:

19ـ وقال: «واعلم: أنه لما أطلعني الحق، وأشهدني أعيان رسله عليهم السلام، وأنبياءه كلهم البشريين، من آدم إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين، في مشهد أُقِمْتُ فيه بقرطبة سنة ست وثمانين وخمسة مئة، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود عليه السلام، فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم.

ورأيته رجلاً ضخماً في الرجال، حسن الصورة، لطيف المحاورة، عارفاً بالأمور كاشفاً لها، ودليلي على كشفه لها قوله: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(115)..».

الملائكة أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله:

20ـ وقال: «وأما المسألة الطبولية، التي بين الناس، واختلافهم في فضل الملائكة على البشر، فإني سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في الواقعة، فقال لي: إن الملائكة أفضل.

فقلت له: يا رسول الله، فإن سُئِلْت: ما الدليل على ذلك، فما أقول؟!

فأشار إلي: أن قد علمتم أني أفضل الناس، وقد صح عندكم، وثبت ـ وهو صحيح ـ أني قلت عن الله تعالى، أنه قال: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».

وكم من ذاكر لله تعالى ذكره في ملأ أنا فيهم، فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملأ الذي أنا فيهم.

فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة الخ..»(116).

كنز الكعبة وصل إليه بسبب بينه وبين الله:

21ـ وقال: «واعلم أن الله تعالى أودع الكعبة كنزاً، أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يخرجه، فينفقه، ثم بدا له في ذلك أمر آخر لمصلحة رآها.

ثم أراد عمر بعدُ أن يخرجه، فامتنع، اقتداء برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فهو فيه إلى الآن..

وأما أنا فسيق لي منه لوح من ذهب، جيء به إلي، وأنا بتونس، سنة ثمان وتسعين وخمس مئة، فيه شق، وغلظه إصبع، عرضه شبر، وطوله شبر أو أزيد، مكتوب فيه بقلم لا أعرفه.

وذلك لسبب طرأ بيني وبين الله.

فسألت الله أن يرده إلى موضعه، أدباً مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم.

ولو أخرجته إلى الناس لثارت فتنة عمياء، فتركته أيضاً لهذه المصلحة، فإنه صلى الله عليه [وآله] وسلم ما تركه سدى، وإنما تركه ليخرجه القائم بأمر الله في آخر الزمان، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً الخ..»(117).

فقه الرضيعة ونطقها:

22ـ ويقول: «واتفق لي مع بنت كانت لي ترضع، يكون عمرها دون السنة، فقلت لها: يا بنية ـ فأصغت إلي ـ، ما تقولين في رجل جامع امرأته، فلم ينزل، ما يجب عليه؟

فقالت: يجب عليه الغسل.

فغشي على جدتها من نطقها. هذا شهدته بنفسي..»(118).

بحر المعارف في صدره:

23ـ ويقول: «ولما رأيت الله تعالى قد فتح إلى قلبي باب الحكمة، وأجرى فيه بحارها، وسبح سري في سبحها، حتى إني والله، لأنظر إلى معظم البحر، إذا اشتدت عليه الرياح الزعازع، فعلا موجه، وارتفع دربه.

ثم انظر إلى تموّج بحر المعارف والأسرار في صدري، فأجد معظم ذلك البحر بما وصفناه، من تلاطم الأمواج، ساكناً لا حراك به، عند تموج بحر العلم في صدري، واصطفاقه، لاسيما في مكة المشرفة، فداخلني من ذلك رعب شديد، وجزع عظيم، وخوف متلف، فعزمت على قطع الميعاد، وأن لا أقعد للناس.

فأُمِرْتُ بالقعود والنصيحة للحق، قسراً، وحتماً واجباً، فقعدت الخ..»(119).

قال بعض الإخوة ـ جاداً أو مازحاً ـ: لربما يكون لكلامه حقيقة، بأن يكون بعض شياطين الجن قد أمره بذلك!! ولعله هو الذي زين له وأراه بحر المعارف في صدره!!

واحد عصره:

24ـ وقد كُتِبَ على باب مدخل سرداب قبر محيي الدين ابن العربي بيت من الشعر، يمدح فيه ابن عربي نفسه، فيقول:


ولكل عصر واحد يسمو بهوأنا لباقي العصر ذاك الواحد

وقد كان يمكن أن يُعَدُّ هذا من خيالات الشعراء، ولكننا بعد أن قرأنا ما قرأناه، عرفنا: أنه قاصد لما يقول، مريد لصريح دلالته اللفظية.

مع أن واحد العصر، هو صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف، دون سواه، وقد خزي وخسئ من يدعي غير ذلك..

اشتراكه مع النبي صلى الله عليه وآله في الحكم:

وقال وهو يتحدث عن مقامٍ شهده في عالم المثال في حضرة الجلال، وأنه رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، والصديق على يمينه صلى الله عليه وآله، والفاروق على يساره.. و.. و.. قال:

25ـ «فالتفت السيد الأعلى، والمورد العذب الأحلى، والنور الأكشف الأجل، فرآني وراء الختم، لاشتراك بيني وبينه في الحكم.

فقال له السيد: هذا عديلك، وابنك، وخليلك» الخ..(120).

حضرة العزة للصوفية:

26ـ ويقول: ونحن لنا حضرة العزة، وهي لنا السادسة والعشرون، غير أن هذه الحضرة العزية التي لنا متفاضلة بيننا الخ..»(121).

ابن عربي أعلى من النبي صلى الله عليه وآله مقاماً:

27ـ ونقل القيصري في شرح الفص الشيثي عن ابن عربي: أنه قال في فتوحاته: «أنه رأى حائطاً من ذهب وفضة، وقد تحمل إلا موضع لبنتين، إحداهما من فضة، والأخرى من ذهب، فانطبع موضع تلك اللبنتين. قال: «وأنا لا أشك أنني أنا الرائي، ولا أشك أني أنا المنطبع موضعهما، وبي كمل الحائط، ثم عُبِّرت الرؤيا بانختام الولاية به»(122).

وسيأتي في الفصل التالي عن كتاب الفصوص، الفص الشيثي قوله: إن النبي يرى أن الحائط ينقص لبنة واحدة، وخاتم الأنبياء يراه ينقص لبنتين، إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة.. وأنه يرى نفسه تنطبع موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط..

وهذا معناه: أنه يرى نفسه فوق النبي صلى الله عليه وآله..

28ـ وقال في الفتوحات: «.. ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا (رأينا خ ل) الأحجار تذكر الله، رؤية عين، بلسان نَطِق، تسمعه آذاننا منها، وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله، مما ليس يدركه كل إنسان»(123).

29ـ وله مدائح أخرى لنفسه، لا مجال لتتبعها. فراجع على سبيل المثال كتابه: «الفتوحات المكية»(124). ففيه وفي غيره الشيء الكثير، والكثير جداً.


الفصل الثاني
الأولياء والأقطاب.. أنبياء لا أرباب..


معجزات أولياء الصوفية:

قد ذكرنا في هذه الدراسة، أوأشرنا إلى نصوص قد صرحت بأن محيي الدين ابن عربي يدّعي لأولياء الصوفية مقام النبوة، ولكن من دون تشريع، كما أنه يدعي لهم من الكرامات والأفعال العجيبة التي تصل إلى حد الإعجاز الشيء الكثير..(125).

ونحن نعلم: أن سياسة جعل البدائل وتكثيرهم، توجب إضعاف بل إسقاط، المقامات المعنوية، والحط من الكرامات، فتكثير المراجع مثلاً يوجب ضعف أو سقوط مقام المرجعية في النفوس.. وتكثير ادعاء المقامات لكثير من الأشخاص، يجعل هذا الأمر موهوناً ومبتذلاً. ويتضاءل الإحساس بقيمة، وتفرد، وامتياز الأنبياء والأولياء الحقيقيين، كما أن تكثير المزارات والمقامات، من شأنه أن يضعف القيمة المعنوية التي تليق بمقامات ومشاهد أهل البيت عليهم السلام..

كما أن شيوع ادعاء الكرامات والمعجزات يجعل موضوع الكرامة والمعجزة أمراً مبتذلاً وموهوناً، يتداوله الناس فيما بينهم، كما يتداولون طعامهم وشرابهم..

وتسقط بذلك قيمة النبوات ويصبح رسول الله الذي هو علة وجود العالم، والنبي الخاتم بمثابة واحدٍ من أولياء الصوفية، وتزول مرتبته صلى الله عليه وآله، ومراتب سائر الأنبياء من النفوس، وتتضاءل قداستهم، ولا تبقى أية ميزة لهم..

كما ويصبح أهل الإمامة العظمى، وآيات الله الكبرى، كسائر الناس، لا يصل أعظمهم، وأكرمهم، إلى أدنى مرتبة يصل إليها أي ولي من أولياء الصوفية المنتشرين في طول البلاد وعرضها..

وتضيع الإمامة، ومعانيها، في خضم هذا البحر المتلاطم من الدعاوى العريضة، وليس ثمة أية ضابطة أو علامة يعرف بها الصادق من الكاذب، والولي من الشقي، وأهل الإيمان من أولياء الشيطان..

ولعل هذا التضييع الذي يتكفل به هذا الأسلوب الذكي، لم يكن بالأمر العفوي، بل كان هناك من يرغب بإشاعته واستمراره وتوسعته فهو مقيد لكثير من طلاب اللبانات في الحياة الدنيا حيث أنه أمر، له في جميع فئات وطبقات الناس الطالب والراغب، ما دام أنه سبيل سهل لادِّعاء هذه المقامات المغرية، ونيل درجات خيالية من التقديس، من دون أن يحتاج إلى بذل جهد، أو مال، أو غير ذلك..

ولو أننا لم نستطع أن نستيقن أن هناك من شجع هذا الاتجاه ونماه، ورعاه وغذاه، فلا أقل، من أن ذلك لم يزعج أحداً من أهل الدنيا، بل هو قد نال رضاهم، بل وإعجابهم في كثير من الأحيان..

وما دمنا بصدد الإشارة إلى فقرات يسيرة تعطي المنحى العام للمتصوفة فيما يضفونه على أنفسهم من هالات التقديس، واختراع الكرامات، حيث يظهرون التنكر للذات، والزهد في الدنيا، مع أن جوهر هذا السلوك هو التسويق للأشخاص، والمزيد من التسلط على الناس، واستئسار عقولهم، ونيل أعلى درجات الكرامة لدى البسطاء منهم، واستحداث مواقع في وجدانهم البريء، تقوم على الإيحاء والادعاء للمقامات، وللتصرفات، وللمعجزات، والكرامات.

فكان أن اخترعوا لهم سلاسل مقامات، هياكل موهومة، ومراتب، وألقاب، وطبقات غير مفهومة، تتجلى بوضوح فيما ذكره محيي الدين بن عربي في كتابه: «الفتوحات المكية» حول طبقات الأولياء، وأسمائهم، ومراتبهم، وأعدادهم، ومواصفاتهم، وهي لا تعدو أن تكون مجرد ترتيبات اقتراحية، واصطلاحات ذوقية، ليس عليها دليل، وليس لهم إلى إثباتها سبيل، لا من آية، ولا من أثر عن سيد الخلق، وأفضل الكائنات والبشر، محمد وآله الأئمة الميامين الغرر..

ونذكر هنا مفردات يسيرة من بحر عجاج، متلاطم الأمواج، من الادعاءات العريضة للكرامات، والمعجزات، والتصرفات مما زخرت به كتب ومؤلفات ابن عربي، فنقول:

استغناء المتصوفة عن المعصوم:

الأولياء فوق الأنبياء:

إن ما يدعيه الصوفية من نيل المعارف عن طريق الكشف، قد أفسح المجال أمام ادعاء الاستغناء عن المعصوم، ثم هو قد مكنهم من ادّعاء نيل العلوم والمعارف، التي قد لا يصل إليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل..

1ـ قال ابن عربي: «فمنا من جهل في علمه، فقال: «والعجز عن درك الإدراك إدراك، ومنا من علم، فلم يقل مثل هذا، وهو أعلى القول، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز.

وهذا هو أعلى عالم بالله، وليس هذا إلا لخاتم الرسل، وخاتم الأولياء.

وما رآه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء. فإن الرسالة والنبوة، أعني نبوة التشريع ورسالته تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.

فالمرسلون كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟

وإن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى..

وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم، وفي تأبير النخل.

فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء، وفي كل مرتبة، وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله، هنالك مطلبهم..

وأما حوادث الأكوان، فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه..

ولما مثل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم النبوة بالحائط من اللبن، وقد كمل سوى موضع لبنة، فكان صلى الله عليه [وآله] وسلم تلك اللبنة.

وأما خاتم الأولياء، فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، ويرى في الحائط موضع لبنتين. واللبن من ذهب وفضة، فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما، وتكمل بهما: لبنة ذهب، ولبنة فضة، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط..

والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر، وهو موضع اللبنة الفضة، وهو ظاهره، وما يتبعه فيه من الأحكام.

كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحي به إلى الرسول..

فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء.

فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي، ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين. وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إلا حين بعث..

وكذلك خاتم الأولياء كان ولياً وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شرائط الولاية الخ..»(126).

2ـ وبعد أن ذكر انقطاع نبوة التشريع، قال:

«إلا أن الله لطف بعباده، فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام، وأبقى لهم الوراثة في التشريع، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وما ثم ميراث في ذلك إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه..

فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع، فمن حيث هو ولي وعارف. ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتم وأكمل من حيث هو رسول، أو ذو تشريع وشرع.

فإذا سمعت أحداً من أهل الله يقول، أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه.

أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول، فإنه يعني بذلك في شخص واحد، وهو أن الرسول عليه السلام من حيث هو ولي أتم من حيث هو نبي رسول، لا أن الولي التابع له أعلى منه..»(127).

3ـ إلى أن يقول: «إن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة، أو نهي عن أفعال مخصوصة، ومحلها هذه الدار، فهي منقطعة.

والولاية ليست كذلك، إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي، كما انقطعت الرسالة من حيث هي، وإذا انقطعت من حيث هي لم يبق لها اسم.

والولي اسم باق لله تعالى، فهو لعبيده تخلقاً وتحققاً، وتعلقاً، فقوله للعزير: لئن لم تنته عن السؤال عن ماهية الله لأمحون اسمك من ديوان النبوة، فيأتيك الأمر على الكشف بالتجلي..».

4ـ إلى أن قال: «إذ النبوة والرسالة خصوص رتبة في الولاية، على بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب الخ..»(128).

وتصريحاته بثبوت النبوة العامة للأولياء، وأنها لم تنقطع. والذي انقطع هو نبوة التشريع، كثيرة وغزيرة(129).

خلفاء الرسل:

5ـ ويقول: «ولهذا مات رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ولم ينص بخلافة عنه إلى أحد، ولا عينه، لعلمه أن في أمته من يأخذ الخلافة عن ربه، فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع، فلما علم صلى الله عليه [وآله] وسلم ذلك لم يحجز الأمر، فلله خلفاء في خلقه يأخذون من معدن الرسول والرسل الخ..»(130).

عبدة العجل، عبدة لله تعالى:

6ـ وعن عبدة العجل في زمن النبي موسى عليه السلام، يقول: «فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع..».

العجل بعض المجالي الإلهية:

7ـ إلى أن قال: «أنظر إلى إلهك» فسماه إلهاً بطريق التنبيه وللتعليم، لما علم أنه بعض المجالي الإلهية(131).

خاتم الأولياء.. هو خاتم النبوة المطلقة:

8 ـ وقال: «وأما ختم الولاية المحمدية، فهي لرجل من العرب، من أكرمها أصلاً ويداً، وهو في زماننا اليوم موجود عرفت به سنة خمس وتسعين وثمان مئة، ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده، وكشفها لي بمدينة فاس، حتى رأيت خاتم الولاية منه، وهو خاتم النبوة المطلقة، لا يعلمه كثير من الناس.

وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه، فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به.

وكما أن الله ختم بمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم نبوة الشرايع، كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي، لا التي تحصل من سائر الأنبياء، فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى وعيسى، فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي..»(132).

خاتم الأولياء، ليس هو المهدي:

9ـ ويقول: «استحق أن يكون لولايته الخاصة ختم يواطئ اسمه اسمه صلى الله عليه [وآله] وسلم، ويجوز خلفه، وما هو بالمهدي المسمى، المعروف بالمنتظر، فإن ذلك من سلالته وعترته، والختم ليس من سلالته الحسية، ولكنه من سلالة أعراقه وأخلاقه صلى الله عليه [وآله] وسلم»..(133).

الكفار هم الأولياء:

10ـ وفي كلام له حول «الأولياء في صفة الأعداء» يقول:

«انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه؟ وذلك أنه لما أبدع الأمناء من اسمه اللطيف، وتجلى لهم في اسمه الجميل، فأحبوه تعالى..

والغيرة من صفات المحبة، في المحبوب والمحب، بوجهين مختلفين. فستروا محبته تعالى غيرة منهم عليه، كالشبلي وأمثاله، وسترهم الحق بهذه الغيرة عن أن يُعرفوا.

فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ}(134).. أي ستروا ما بدا لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة، فقال: لا بد من أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي. فتاهوا كذلك فما استعدوا. فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرسل، في ذلك العالم، فما عرفوا: لأنهم في عين الجمع، وخاطبهم الحق من عين التفرقة، وهم ما عرفوا عالم التفصيل، فلم يستعدوا. وكان الحب قد استولى على قلوبهم سلطانه، غيرة من الحق في ذلك الوقت.

فأخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، روحاً وقرآناً، بالسبب الذي أصمهم عن إجابة ما دعاهم إليه، فقال: {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ}(135).. فلم يسمعها غيره، {وَعَلَى سَمْعِهِمْ}.. فلا يسمعون سوى كلامه على ألسنة العالم، فيشهدونه في العالم متكلماً بلغاتهم: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}.. من سناه ـ إذ هو النور ـ وبهائه، إذ له الجلال والهيبة: يريد الصفة التي تجلى لهم فيها المتقدمة..

فأبقاهم الحق غرقى في بحور اللذات بمشاهدة الذات، فقال لهم: لا بد لكم من {عَذَابٌ عظِيمٌ} فما فهموا ما العذاب، لاتحاد الصفة عندهم.

فأوجد لهم الحق عالم الكون والفساد، وحينئذ علمهم «جميع الأسماء»، وأنزلهم على العرش الرحماني، وفيه عذابهم، وقد كانوا مخبوئين عنده في خزائن غيوبه، فلما أبصرتهم الملائكة خرت سجوداً لهم، فعلَّموهم الأسماء..

فأما أبو يزيد، فلم يستطع الاستواء، ولا أطاق العذاب، فصعق من حينه. فقال تعالى: «ردوا علي حبيبي، فإنه لا صبر له عني».

فحجب بالشوق والمخاطبة.

وبقي للكفار، فنزلوا من العرش إلى الكرسي. فبدت لهم القدمان، فنزلوا عليهما في «الثلث الباقي من ليلة» هذه النشأة الجسمية..».

11ـ وقال: «إن أبا يزيد نفخ في النملة التي قتلها فحييت، فكان عيسوي المشهد»(136).

وكتاب تذكرة الأولياء مشحون بما يدعون من كرامات ومعجزات للصوفية.. فمن أراد المزيد الذي لا يكاد يحصره عدّ، أو ينتهي إلى حد، فعليه بمراجعة ذلك الكتاب وغيره..