المكتبة العقائدية » النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة (لـ ميثم بن علي بن ميثم البحراني)



الصفحة 103

لأنا نجيب عن الأول: أنا وإن سلمنا أنه لا ينافي لكن مطلوبنا إنما هو المغايرة..، ولا شك أن المغايرة ثابتة لأن العام مغاير للخاص وغير مناف له، لأن النصرة لا تنافي الإمامة لكن المدعي لنا أن الولاية في هذه الآية بمعنى الإمامة، وقد بيناه.

وعن الثاني قوله: لم قلتم إن الولاية في هذه خاصة.

قلنا: لما مر من الدليل.

قوله: لا نسلم أن لفظة " إنما " تفيد الحصر.

قلنا: بينا ذلك.

قوله: في الوجه الأول من نفي إفادتها للحصر أنه يحسن دخول التوكيد والاستفهام عليها.

قلنا: دخول التوكيد عليها مما يدل على إفادتها للحصر، لأن معنى التوكيد تقوية المعنى الذي يفيده اللفظ الأول بلفظ ثان، فلما انحصر المعنى(1) في زيد صح تقويته لذلك المعنى بقوله (وحده)، وأيضا فهو معارض بحسن قولنا: ما جائني إلا زيد وحده، مع إفادة (إلا) للحصر ها هنا.

وأما حسن الاستفهام فنحن نمنعه ها هنا، وبيانه أن قول القائل: إنما أكلت رغيفا، لا يفرق الذوق السليم في لغة العرب بينه وبين قولنا: أكلت رغيفا واحدا، فكما لا يحسن الاستفهام هناك فكذا لا يحسن ها هنا، سلمناه، لكن لو حسن الاستفهام ها هنا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل.

قوله في الثالث: إنه يقال في العرف: إنما الناس أهل العلم، وإنما الرجل صاحب الشجاعة.

____________

(1) كما في نسخة " عا "، وفي " ضا " لا تقرأ الكلمة.


الصفحة 104
قلت: ليس المقصود ها هنا بالناس كل الناس، ولا بالرجل المختص بالرجولية دون غيره، وإنما المقصود الناس الموصوفون بصفات الكمال وكذلك الرجل، وحينئذ يتحقق الحصر، سلمناه لكن إفادتها للحصر ظاهرة، بدليل أن الجاهل والجبان يستقبحان هذا الكلام وتنفر طباعهما عنه، ولولا إفادتها للحصر لما حصل ذلك الاستقباح.

وعن الثالث: قوله: لم قلتم إن المؤمنين ليسوا كلهم موصوفين بالصفات المذكورة؟

قلنا: للدليل المتقدم.

قوله: لا نسلم أن قوله: * (وهم راكعون) * متعين للحال، بل هو للاستيناف.

قلنا: سبق بيانه.

قوله: لوجوه أربعة أحدها: أنه إذا قال: أدى الزكاة إلى آخره.

قلنا: لا نسلم أنه يحسن الاستفهام ها هنا فإن ذكر كونه راكعا لا يحتمل ما بعد الركوع ولا ما قبله، سلمنا لكن حسن الاستفهام دل على الاشتراك وأنه خلاف الأصل.

قوله: ثانيا إن المفهوم من قوله: * (يقيمون الصلاة) * إلى آخره.

قلنا: لا نسلم أن من عادة علي (عليه السلام) وأهل بيت الرسول (عليهم السلام) ذلك، بل هو من عوائدهم، سلمناه، لكن أهليتهم لذلك وفعلهم موافقة لتلك الأهلية مجرى عاداتهم.

قوله ثالثا: إن أداء الزكاة في حال الصلاة مخل بالخضوع.

قلنا: لا نسلم، بل هو من تمامه فإنه (عليه السلام) جمع بين جهات الالتفات إلى الله بالجمع بين الصلاة والزكاة، وذلك مؤكد ومقو للخضوع والخشوع.


الصفحة 105
قوله: رابعا: لو أفادت المدح على إيتاء الزكاة حال الصلاة، إلى آخره.

قلنا: الملازمة ممنوعة، فليس كلما حسن وجب أن يكون سنة، لكن لم قلتم: إنه ليس سنة في حقهم (عليهم السلام) إذ(1) كانوا يلزمون أنفسهم جميع الأمور المقربة إلى الله تعالى وإن استلزمت المشاق والكلفة، فجائز أن يسن في حقهم سنن ليست في حقنا، وإذا كانت كذلك تعين أن الواو للحال كما سبق بيانه.

قوله يحتمل أن يكون غرضه من ذكر الركوع على الخصوص تشريف.

قلنا: قد سلمتم أنه يكون تكرارا، بقي أن يؤولوا أنه مشتمل على فائدة هي التشريف، لكن التكرار خلاف الأصل، وما ذكرتم أنه زيادة فليس بحق وإنه باطل لوجهين:

أحدهما: أن يقول: لو كان الواو للاستئناف لكان الكلام في غاية الركاكة، وذلك لأن ذكر إقامة الصلاة أتم وأشرف من إقامة بعض أركان الصلاة، وعادة الكلام الفصيح أن يبدأ بالأشرف فالأشرف(2) لا أن يبدأ ويختم بما دونه، لأنا إذا علمنا أوصاف المؤمنين على الوجه الأكمل ثم ذكر لنا بعد ذلك وصف دون ذلك لم يكن للوصف الثاني ذوق في النفس، بل يكون ذلك في غاية الركاكة.

الثاني: لو كان الواو للاستئناف لبقي الكلام منقطعا عما قبله وصار بمنزلة من يقول ابتداء، هم راكعون، وهذا الكلام غير مفيد.

بقي أن نقول: أنهم أرادوا بالاستئناف العطف لكن الخطأ قائم من وجهين:

أحدهما: أن(3) واو الاستئناف لا تطلق على واو العطف بالاتفاق.

____________

(1) أثبتنا الراجح في الظن، وفي النسختين: إذا.

(2) أثبتنا الصحيح، وفي النسختين: إلا، وفي نسخة " ضا ": إلا أن يبدو.

(3) من نسخة " ضا ".


الصفحة 106
والثاني: إن سلمنا العطف لكن عطف على الذين يؤتون الزكاة فإما أن يكون تقديره الذين يقيمون الصلاة والذين يؤتون الزكاة وهم راكعون، وحينئذ يكون عطف جملة على مفرد وأنه غير جائز أو يصير التقدير والذين هم راكعون وحينئذ يكون محتاجا إلى الإخبار، والتقدير، وأنه(1) خلاف الأصل، سلمنا أنه(2) يحتمل أن تكون في ذكره فائدة زائدة لكن ذكر هذه الجملة عقيب الكلام يوجب سبق الذهن إلى أن الواو للحال، والسبق إلى الذهن دليل الحقيقة.

قوله: لا نسلم، فإنه إذا قيل: فلان يحارب عني ويبني داري، لم يفهم منه الحال.

قلنا: الفرق من وجهين:

أحدهما: أنه لم تجر العادة(3) بالمحاربة حال البناء.

الثاني: أن الجمع بين البناء والمحاربة غير ممكن، بخلاف ما نحن فيه، فإن الجمع بين إيتاء الزكاة حال الركوع عادة لعلي (عليه السلام)، وهو أمر ممكن في نفسه.

قوله: يحمل الراكع على ما من شأنه أن يكون راكعا، وحينئذ يصير عاما لكل المؤمنين.

قلنا: ذلك لا يكون حقيقة بل مجازا وأنه خلاف الأصل.

قوله: حمل الآية ها هنا على النصرة فيه ثلاث فوائد.

أحدها أن العام يصح تخصيص أي فرد منه كان، أما التنصيص على البعض فقط غير جائز.

____________

(1) زيادة الواو بمقتضى السياق.

(2) في النسختين: أن.

(3) في " عا " هنا زيادة: أن.


الصفحة 107
قلنا: بل هو جائز لأنه لما ثبت أن الواو للحال، وامتنع بالاتفاق أن تكون هذه الصفات حال الركوع ثابتة لكل المؤمنين، وجب الحمل على البعض، خصوصا والآية في سياق المدح والتعظيم، فاستعمال لفظ الجمع في المفرد للتعظيم مشهور في اللغة، كقوله تعالى * (إنا أرسلنا نوحا) *(1)، * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) *(2).

قوله في الفائدة الثانية: التشريف بالذكر.

قلنا: سبق الجواب عنه.

قوله في الفائدة الثالثة: المقصود من هذه الآية إثبات نصرة المؤمنين للمؤمنين ونفيها عن اليهود والنصارى.

قلنا: هذا المعنى بأسره موجود في الآية التي قبل هذه وهو قوله:

* (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) * الآية، فإنه أثبت فيها موالاة بعضهم لبعض ونهى المؤمنين عن أنهم يتخذونهم(3) أولياء، ففهمنا من مجموع هذه الآية أنهم ليسوا أنصارا للمؤمنين، وكل واحد من المؤمنين يعلم بالضرورة(4) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر المؤمنين ينصرونه، ونعلم ذلك من قوله: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * (ويعلمون أن من كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين فلا بد(5) وأن يكون معه(6) دليل العقل،

____________

(1) نوح: 1.

(2) القدر: 1.

(3) أثبتنا الصحيح، وفي النسختين: يتخذوهم.

(4) هنا في النسختين: حسنه، ولا مناسبة لها.

(5) أثبتنا الراجح في الظن، وفي النسختين: ولا بد.

(6) في نسخة (عا): منعه.


الصفحة 108
والحس(1) أقوى من(2) اللفظ)(3) فكان(4) حمل الولاية في هذه الآية على معنى غير النصرة أولى وأكثر فائدة.

سلمنا لكن النصرة لا شك أنها أعم من الإمامة، فلو حملنا هذه الآية على الإمامة لكان أولى من حملها على النصرة، لما أن الإمامة مستلزمة للنصرة استلزام الخاص للعام، وذلك تكثيرا(5) لفوائد كتاب الله عز وجل وصونا له عن كثرة التكرار.

قوله: سلمنا: أنه ليس هناك فائدة زائدة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نص على علي نصا جليا إلى آخره.

قلنا: لما نحن بينا أنه يمتنع حمل الولاية ها هنا على النصرة وجب حملها على الإمامة، أما أن هذه الفائدة زائدة على النص الجلي أو ليست(6) بزائدة، فحديث آخر لأن لنا أن نحملها على التأكيد للنص الجلي ليوافق كلام الله تعالى سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أما أنتم فزعمتم حملها على النصرة من غير ضرورة، مع دلالة الآية المذكورة على النصرة وكان تكرارا لا حاجة إليه ولا ضرورة بحملها عليه، فافترق الأمران.

قوله: ها هنا ما يمنع حمل هذه الآية على الإمامة.

الأول: قوله: * (والذين آمنوا) * إلى آخره.

____________

(1) في " عا ": الحسن.

(2) زيادة بمقتضى السياق.

(3) كذا وردت العبارة في النسختين، وهي مضطربة.

(4) في النسختين: وكان. وأثبتنا الراجح.

(5) أثبتنا ما صح، وفي النسختين: تكثير.

(6) في النسختين: ليس.


الصفحة 109
قلت: هب أنه يصير مجازا لكن المجاز يصار إليه عند عدم إرادة الحقيقة، وقد بينا أنها غير مرادة.

قوله: ثانيا: الآية تقتضي ثبوت الولاية في الحال فيلزم أن يكون إماما في الحال.

قلنا: مقتضى الآية ذلك، إلا أن قرينة امتناع اجتماع أوامر الخليفة مع أوامر المستخلف بحسب العرف والعادة صرفت عن حملها على ثبوت الإمامة الفعلية في الحال، وكانت قرينة في الحال فعلية بعد عدم المستخلف. وهذا ظاهر.

قوله: ثالثا: ما قبل الآية وما بعدها ينافي حملها على الإمامة لوجوه:

الأول إلى آخره.

قلنا: لا نسلم التنافي فإنه إذا حملناها على الإمامة استلزمت النصرة وما يدل على مرادية الملزوم لوجود اللازم في الملزوم، وهو الجواب عن باقي الوجوه، وبالله التوفيق والعصمة.

البرهان الثاني: التمسك بقوله يوم غدير خم وقد جمع الناس بعد رجوعه عند حجة الوداع، وكان يوما صائفا حتى أن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه لشدة الحر، وجمع الرحال(1) وصعد عليها مخاطبا لهم: " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم "، قالوا: اللهم بلى، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله "(2).

____________

(1) الرحال: جمع الرحل: ما يوضع على الإبل لركوبها.

(2) انظر الجزء الأول من موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للعلامة الشيخ عبد الحسين الأميني التبريزي النجفي (قدس سره).


الصفحة 110
والاستدلال بهذا الخبر لما كان مشروطا بصحته وجب تصحيحه أولا ثم بيان وجه الاستدلال به.

أما الأول: فعندنا أن هذا الخبر متواتر لكن حصول العلم عقيب خبر التواتر لما كان من باب الوجدانيات مع أنه لا يعم، لم يمكنا الاستدلال به على خصومنا، فلا جرم حاولنا إثباته عليهم من وجهين.

أحدهما: أن الأمة أجمعت على نقله، وإجماعهم على مذهب الخصم حجة.

أما أنها أجمعت على صحته فلأن الشيعة بأسرهم ينقلونه ليثبتوا به إمامتهم، والخصم ينقله ليثبت به فضيلته، فوجب أن يكون مجمعا على صحته.

الثاني: أن عليا (عليه السلام) ذكره في الشورى عند أن حاول ذكر فضائله(1) ولم ينكره أحد منهم، فعدم إنكارهم لذلك مع توفر دواعي الخصم على إنكاره فيما يفتخر خصمه عليه(2) ما يشهد بصحته شهادة ضرورية.

وأما المقام الثاني، وهو دلالته على الإمامة، فمبني على أمور ثلاثة:

أحدهما: إن لفظة المولى محتملة لمعنى(3) الأولى.

الثاني: أنها متعينة للمراد هنا.

الثالث: أنه يلزم من ذلك القول بإمامة علي (عليه السلام).

أما الأول: فيدل عليه الكتاب، والسنة، والشعر، والنقل.

أما الكتاب: فقوله تعالى: * (مأواكم النار هي موليكم) *(4) قال المفسرون

____________

(1) أيضا انظر الغدير 1: 159 - 163.

(2) هنا في النسختين زيادة: (ما).

(3) زيادة بمقتضى السياق.

(4) الحديد: 15.


الصفحة 111
معناه أولى بكم(1).

وقوله تعالى: * (ولكل جعلنا موالي) *(2) أطبق المفسرون على أن معناه من كان أولى بالميراث وأحق به(3).

وأما السنة: فقوله (عليه السلام): " أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها " في بعض الروايات(4) ولا يصح حمل المولى ها هنا على غير المالك لأمرها والأولى به.

وأما الشعر فقول لبيد:


فغدت كلا الفرجين تحسب أنهمولى المخافة خلفها وأمامها(5)

وقال الأخطل:


فأصبحت مولاها على الناس كلهموأحرى قريش أن تهاب وتحمدا(6)

وقال:


كانوا موالي حق يطلبون بهفأدركوه وما ملوا ولا لغبوا(7)

____________

(1) التبيان 9: 527، ومجمع البيان 9: 355، وتفسير شبر: 504، وانظر الميزان 19:

158.

(2) النساء: 33.

(3) التبيان 3: 186، ومجمع البيان 3: 65، وتفسير شبر: 113، وانظر الميزان 4: 343.

(4) انظر التبيان 3: 187، ومجمع البيان 3: 65.

(5) انظر مجمع البيان 2: 41، والضمير في غدت إلى البقرة.

(6) انظر التبيان 3: 187.

(7) الظاهر أن الصواب ما أثبتناه من ديوان الأخطل: 107.

وفي الأصل:


كانوا موالي حق يطلبون لهمفأدركوه وما ملوا ولا تعبوا


الصفحة 112

لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليهولو يكون لقوم غيرهم أشروا(1)

فكان الولي في هذه الأبيات ليس المقصود منه إلا الأولى.

وأما النقل: فقال الفراء(2) في كتاب (معاني القرآن): الولي والمولى في كلام العرب واحدا.

وقال المبرد: هو تأويل الأولى.

وقال ابن الأنباري في (مشكل القرآن): المولى هو الأولى بالشئ، وأمثال ذلك كثيرة.

فثبتت بهذه الوجوه أن لفظ المولى محتمل [ معنى ](3) الأولى.

وأما بيان الثاني: وهو أن المراد بالمولى في هذا الحديث " الأولى " فمن وجوه:

الأول: أن ذكر مقدمة الكلام وهي(4) قوله: " ألست أولى منكم بأنفسكم " وذكر المولى عقيب ذلك دليل يوضح أن المقصود بالمولى هو الأولى السابق لوجهين:

____________

(1) الظاهر أن الصواب ما أثبتناه، راجع ديوان الأخطل: 85. والمعنى: أنهم لم يبطروا فتغرهم النعمة كسواهم الذين إذا ما أنعم الله عليهم ملك رأسهم الغرور والكبر. نقلا عن هامش الديوان: 85. وفي الأصل:


لم يثأروا فيه إذا هم كانوا مواليهولو يكون لقوم غيرهم

(2) يحيى بن زياد الديلمي الكوفي اللغوي النحوي، كان من خواص الكسائي، واستخدمه المأمون لتأديب أبنائه، توفي في 207 هـ. وقد يطلق الفراء على معاذ بن مسلم الكوفي النحوي من أصحاب الصادق (عليه السلام) - هدية الأحباب: 230.

(3) زيادة بمقتضى السياق.

(4) في النسختين: وهو.


الصفحة 113
أحدهما: أنه السابق إلى الفهم والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة.

الثاني: أنه لم يرد إلا الأولى، وإلا لم يبق للمقدمة فائدة وكان ذلك ألغازا لا بيانا مثاله: لو قال انسان لجماعة وله عدة عبيد: ألستم تعرفون عبدي زيدا أشهدكم أن عبدي حر فإنا نفهم أنه أراد عبده زيدا دون غيره فكذا ها هنا، لما قدم ذكر الأولى ثم أردفه بذكر المولى المحتمل [ معنى ](1) وجب أن يكون المولى هو الأولى.

والثاني: أن لفظة المولى تفيد المعتق، والمعتق، والعم، والجار، والحليف، والناصر، والأولى بالتصرف. فلفظة المولى ها هنا إما أن تكون بمعنى المعتق، وهو باطل، لأنه ليس معه صفات النبي (صلى الله عليه وآله) ولا من صفات علي (عليه السلام) وكذلك المعتق، فأما ابن العم فيستلزم كذب الكلام لأن التقدير: من كنت ابن عمه كان علي ابن عمه! ومعلوم أنه (عليه السلام)(2) كان ابن عم لجعفر وعقيل ولم يكن علي كذلك بل كان أخا لهما، وأما الجار فهو أيضا ظاهر، وأما الحليف فلم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) حليفا.

وأما الناصر فغير مراد أيضا، لأن كل أحد يعلم من ضرورة الدين وجوب تولي المؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: * (والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * فجمع الناس لشرح هذا المعنى الواضح الظاهر غير لائق بالنبي (صلى الله عليه وآله) وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا المولى بمعنى الأولى بالنصر وهو المطلوب.

الثالث: أنه إما أن نكون نحمل هذه اللفظة على كل هذه المعاني ونجعلها

____________

(1) زيادة بمقتضى السياق.

(2) المقصود به رسول الله.


الصفحة 114
حقيقة في كل واحد منها فيكون ذلك اشتراكا لفظيا، وأنه خلاف الأصل، أو نستعملها في بعض هذه المعاني دون البعض، وهو ترجيح من غير مرجح وهو محال فتعين أن نحملها على العلة المشتركة بين هذه المفهومات وهو الأولى حقيقة، وعلى كل واحد من هذه المفهومات مجازا، ولا يمكن المعارضة بأن المجاز خلاف الأصل لأنا إذا ترددنا بين المجاز والاشتراك فالمجاز أولى كما هو مبين في أصول الفقه.

الرابع: أن عمر قال له عقيب كلام النبي (صلى الله عليه وآله): بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة(1) وظاهر بالضرورة أن عمر لم يرد معتقي ولا معتقي ولا حليفي ولا ابن عمي، بقي أن يقال: أراد: أصبحت ناصري، لكنه باطل أيضا لوجهين:

أحدهما: أن النصرة معلومة من قوله تعالى: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * وأمثاله.

الثاني: أن نصرة علي (عليه السلام) وأهله أمر في غاية الظهور، بل لا نسبة لأحد من الصحابة إليه في ذلك، وما كان كذلك فلا يكون تعظيم عمر له بذلك وغبطه به لائقا بذكاء عمر وفطنته فلم يبق إلا أن يقال أنه أراد الأولى بالتصرف في الأمور، وهو المطلوب.

وأما بيان الثالث: وهو أنه لما كان المراد بالولي في الحديث: الأولى كان ذلك دليلا على إمامته، وبيانه من وجهين:

أحدهما: أن تقول: إن الأولى لا يقبل إلا معنى الأولى بالتصرف فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظة الأولى إلا في من تملك تدبير الأمر المتصرف فيه فإنهم

____________

(1) انظر الغدير 1: 270 - 283.


الصفحة 115
يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود والولد أولى بالميراث، والزوج أولى بامرأته، ومرادهم ليس إلا ما ذكرناه، واتفق المفسرون على أن قوله تعالى:

* (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) *(1) المراد به أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم(2) وإذا ثبت أن المراد بالأولى المتصرف فيه ثبت كونه إماما، إذ لا معنى للإمام إلا الشخص الذي هو أولى الناس بتدبير الخلق والتصرف.

والثاني: أن نساعد على أن لفظة المولى(3) غير متعينة [ في معنى ](4) الأولى بالتصرف، لكن نبين أن المراد بالأولى ها هنا هو الأولى بالتصرف لأنه إذا ثبت حمل قوله: " فعلي مولاه " على الأولى بالتصرف بالأمر والنهي لأجل المقدمة أيضا لأن قول النبي (صلى الله عليه وآله): " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم " معناه: أولى بالتصرف فيكم بالأمر والنهي، فيجب أن يكون قوله: " فعلي مولاه " معناه:

أولى بهم من أنفسهم في التصرف في أمورهم، وهو المطلوب. فثبت أن(5) المطلوب من هذا الحديث الإمامة.

[ الشبهات في الاستدلال بالحديث ]:

لا يقال: لا نسلم صحة هذا الحديث، أما دعوى العلم الضروري بصحته فمكابرة، إذ ليس العلم به كالعلم بوجود محمد (صلى الله عليه وآله) والعلم بغزواته مع الكفار

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) التبيان 8: 317، ومجمع البيان 8: 530، وتفسير شبر: 397، والميزان 16: 276.

(3) في النسختين: الأولى، وفي هامش " ضا " المولى، وهو الصحيح.

(4) زيادة بمقتضى السياق.

(5) في " عا " هذا زيادة: من هذا.


الصفحة 116
وفتحه لمكة وغير ذلك من المتواترات، وأيضا فلأن كثيرا من أصحاب الحديث لم ينقلوا هذا الحديث كالبخاري ومسلم والواقدي وغيرهم، وأيضا فلا تزعمون أنه (صلى الله عليه وآله) إنما قال هذا الكلام بغدير خم بعد رجوعه عن الحج، ولم يكن علي (عليه السلام) مع النبي صلى الله عليه [ وآله ] في ذلك الوقت لأنه كان باليمن.

وأما دعواكم تواتر هذا الخبر فنقول: مخالفوكم أيضا يدعون تواتر الأخبار الدالة على فضائل الشيخين، فإن قبلتموها تركتم مذهبكم، وإن لم تقبلوها لاحتمال أن يكون ذلك التواتر لا على سبيل الرواية بل على سبيل مذاكرة الخبر ببعضهم مع بعض، واحتمال إنهاء ذلك إلى جمع قليل(1) في أول الأمر، فكذلك ما ذكرتموه.

وأيضا فتعويلكم على رواية الشيعة إما أن يكون لأجل كثرتهم، أو لما تقولونه من أن إجماعهم حجة، والأول باطل لأن سلفهم بلغوا حد التواتر، ولأن مخالفيهم يروون فضائل الشيخين مع أنهم أكثر ومع ذلك فالشيعة يقدحون في تلك الأحاديث، وإن كان لما يقولون من أن إجماعهم حجة فذلك باطل عندنا، ولأن ذلك فرع من مسألة الإمامة فتصحيحها بها دور.

وأما الوجه الأول مما استدلوا به فنقول: الأمة أجمعت على جعله من أخبار الآحاد أو من أخبار التواتر، والأول مسلم والثاني ممنوع، فلم قلتم: أن ذلك يدل على القطع بصحته.

بيانه: أن أكثر الأمة يجعلونه خبرا واحدا، بمعنى أنهم يعتقدون أن صحته مظنونة لا معلومة، وإن كل ما يكون صحته غير يقينية عند الأمة فإنهم لا يقبلونه، بل أكثر الأخبار التي قبلوها وعملوا بها واجتهدوا في معرفة معانيها

____________

(1) في نسخة " عا ": قبلتين، وفي " ضا ": فنلبن، وأثبتنا الراجح الصحيح.


الصفحة 117
غير مقطوعة الصحة، فثبتت بهذا أنه لا يلزم من عدم رد الأمة لهذا الحديث أو اشتغالهم بحمله تارة على الإمامة وتارة على الفضيلة قطعهم بصحته.

ثم إن سلمنا حصول الإجماع، ولكن قد بينا أنه لا يمكنكم التمسك بالاجماع لاحتمال أن يكون الإمام لا يظهر الحق لأجل الخوف من الظالمين.

أما الوجه الثاني وهو المناشدة به في الشورى، فهو ضعيف، لأن الحاجة إلى تصحيح المناشدة كالحاجة إلى تصحيح هذا الحديث، بل ذلك أولى، لأن أكثر المحدثين ينكرون تلك المناشدة، وبتقدير صحتها فلا نسلم إنهائها إلى جميع الصحابة، وبتقدير إنهائها إلى كلهم فلا نسلم أن ذلك يدل على قطعهم بصحة الحديث، بل الظاهر أنهم قبلوا هذا الحديث كما قبلوا سائر الأحاديث من سائر الرواة من العدول وأن يقطعوا بصحتها، وبتقدير أنهم لم يعتقدوا صحة الحديث، فلعلهم سكتوا عن التكذيب تقية وخوفا من بني هاشم. وهذه المقدمات ممن لا ينكر تقديرها لا سيما على مذهب من يجوز على الخلو العظيم كتمان ما عملوا به.

ثم إن سلمنا صحة هذا الحديث ولكن لا نسلم صحة هذه المقدمة وهو قوله (صلى الله عليه وآله): " ألست أولى بكم من أنفسكم " بيانه أن الطرق التي ذكرتموها في تصحيح أصل الحديث لم يوجد في شئ منها هذه المقدمة، فلم يمكن دعوى التواتر فيها، ولم يمكن أيضا دعوى إطباق الأمة على قبولها، لأن من خالف الشيعة إنما يروي أصل الحديث للاحتجاج به على فضيلة علي (عليه السلام) ولا يروي هذه المقدمة.

وأيضا فلم يقل أحد، أن عليا (عليه السلام) ذكرها يوم الشورى، فثبت أنه لا يمكنكم إثبات هذه المقدمة، سلمنا أصل الحديث ومقدمته لكن لا نسلم دلالته على الإمامة، ولا نسلم أن لفظة المولى محتملة للأولى، ويدل عليه أمران:


الصفحة 118
أحدهما: أن أولى موضوع ليدل على معنى التفضيل، ومفعل موضوع ليدل على الحدثان أو الزمان أو المكان، ولم يذكر أحدا من أئمة النحو واللغة أن مفعلا قد يكون بمعنى أفعل التفضيل، وذلك يوجب امتناع إفادة المولى بمعنى الأولى.

وثانيهما: أن المولى لو كان يجئ بمعنى الأولى لصح أن يقرن بأحدهما ما صح أن يقرن بالآخر، والثاني باطل، فالمقدم كذلك، بيان الشرطية أن تصرف الواضع ليس إلا في وضع الألفاظ المفردة للمعاني المفردة فأما ضم بعض الألفاظ إلى بعض الوضع فهو أمر عقلي، وإذا ثبت ذلك فلفظة الأولى إذا كانت موضوعة لمعنى آخر فصحة دخول إحداهما على الأخرى لا يمكن بالوضع بل بالعقل، وإذا كان كذلك فلو كان المفهوم من لفظة المولى هو المفهوم من لفظة الأولى في العقل نحكم(1) أيضا بصحة اقتران مفهومها لمفهوم الأولى لأن صحة ذلك الاقتران ليس بين اللفظين بل بين مفهومهما.

وأما أنه ليس كلما صح دخوله على أحدهما صح دخوله على الآخر فظاهر، إذ لا يقال: مولى من فلان كما يقال أولى منه، فثبت أنه لا يجوز حمل المولى على الأولى.

فأما النقل عن أئمة اللغة فلا حجة فيه لوجهين:

أحدهما: أن أبا عبيدة(2) قال في قوله تعالى: * (مأواكم النار هي موليكم) *

____________

(1) في نسخة " عا ": نحكم بصحة اقتران مفهوم من مفهوم الأولى نحكم... وفي نسخة " ضا ": نحكم بصحة اقتران مفهوم من مفهوم الأولى نحكم أيضا... والراجح أن الجملة متكررة زائدة.

(2) معمر بن المثنى البصري اللغوي النحوي (110 - 210 هـ).