المكتبة العقائدية » النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة (لـ ميثم بن علي بن ميثم البحراني)



الصفحة 173

السابعة: المنكرون لإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) وهم طوائف:

إحداها: الذين قالوا بغيبة الصادق وأنه لم يمت ولن يموت حتى يظهر فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو القائم المهدي، وهم بعض الناووسية.

الثانية: الذين قطعوا بموته لكن زعموا أنه الإمام وأنه(1) سيرجع إلى الدنيا فيملأها عدلا كما ملئت جورا وهم الناووسية أيضا.

الثالثة: الذين جزموا بموته لكن ساقوا الإمامة إلى ولده عبد الله ابن جعفر، ويقال لهم الفطحية، لأن عبد الله كان أفطح(2) ويقال لهم أيضا عمارية لانتسابهم إلى بعض أكابرهم يقال له عمار.

الرابعة: الذين ساقوها إلى ولده محمد ويقال لهم السمطية.

الخامسة: الذين ساقوها إلى ولده إسماعيل وهم الإسماعيلية السبعية.

السادسة: الذين ساقوها إلى غير ولد جعفر وهم خمس طوائف:

  الأولى: الذين قالوا: إن جعفر أوصى بالإمامة إلى موسى بن الطفى، ويقال لهم الطفية.

  الثانية: الذين زعموا أنه أوصى بها إلى موسى بن عمران الأقمص وهم الأقمصية.

  الثالثة: الذين زعموا أنه أوصى بها إلى يرمع بن موسى الحايك وهم اليرمعية.

  الرابعة: القائلون بأن الصادق (عليه السلام) أوصى بها إلى عبد الله بن سعد التميمي، وهم التميمية.

____________

(1) هنا في النسختين: بعده. زائدة.

(2) الأفطح: المنبطح باطن قدميه فلا حفرة ولا تقعر فيهما.


الصفحة 174
  الخامسة: الذين ادعوها لأبي جعدة وهم الجعدية.

السابعة: من المنكرين لإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) اليعقوبية، وهم أصحاب أبي يعقوب، فإنهم جوزوا الإمامة لولد جعفر ولغير ولده.

الثامنة: المنكرون لإمامة علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وهم أيضا طوائف:

الأولى: الذين توقفوا على موسى (عليه السلام) وقالوا: لا ندري أنه مات أو لم يمت، ويقال لهم الممطورة، لأن يونس بن عبد الرحمن من علماء الشيعة قال: ما أنتم إلا كلاب ممطورة.

الثانية: الذين قالوا وجزموا بأنه لم يمت ولا يموت إلى يوم القيامة.

الثالثة: الذين جزموا بموت موسى وساقوا الإمامة إلى ولده أحمد ابن موسى.

التاسعة: والمنكرون لإمامة محمد بن علي الجواد (عليه السلام) محتجين بعدم علمه، لصغر سنه في ذلك الوقت لأنه لما مات الرضا (عليه السلام) كان سن الجواد أربع وقيل ثمان سنين.

العاشرة: المنكرون لإمامة علي الزكي (عليه السلام)، وهم طائفة شاذة زعمت أن الإمام بعد محمد بن علي (عليهما السلام) ابنه موسى بن محمد أخو أبي الحسن علي بن محمد.

الحادية عشر: المنكرون لإمامة الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، وهم الذين ساقوا الإمامة من علي بن محمد الزكي إلى ولده جعفر.

الثانية عشر: المنكرون لإمامة الحجة الخلف المنتظر (عليه السلام)، وهي ثلاثة عشر طائفة:

إحداها: الذين قالوا إن الحسن (عليه السلام) لم يمت لأنه لو مات وليس له ولد ظاهر لخلا الزمان عن الإمام المعصوم، وذلك غير جائز.

الثانية: الذين قالوا إنه مات لكنه سيجئ وهو المعني بكونه قائما بعد


الصفحة 175
الموت.

الثالثة: قالوا إنه مات لا يجئ لكنه أوصى بالأمة إلى أخيه جعفر.

الرابعة: قالوا إنه أوصى إلى أخيه محمد.

الخامسة: قالوا: إنه مات من غير عقب، فعلمنا أنه ما كان إماما، وأن الإمام كان جعفر.

السادسة: قالوا بل ظهر أن محمدا(1) كان الإمام، لأن جعفر(2) كان مجاهرا بالفسق، والحسين كان فاسقا بالخفية، فتعين محمد للإمامة.

السابعة: قالوا: مات، ولكن ولد له بعد موته بثمانية أشهر ولد.

الثامنة: قالوا: لما مات الإمام ولا ولد له، ولا يجوز انتقال الإمامة منه إلى غيره، بقي الزمان خاليا عن الإمام وارتفعت التكاليف.

التاسعة: قالوا يجوز أن يكون الإمام لا من ذلك النسل بل من غيره من العلوية.

العاشرة: قالوا: لما لم يجز انتقال الإمامة من ذلك النسل إلى نسل آخر، ولا يجوز خلو الزمان عن الإمام، علمنا أنه بقي من نسله ابن وإن كنا لا نعرفه بعينه، ونحن على ولايته إلى أن يظهر.

الحادية عشر: قالوا إن الإمامة إلى الرضا (عليه السلام)، وبعده مضطربة، فنتوقف(3) في الكل.

الثانية عشر: قالوا الإمام بعد الحسن ابنه المنتظر، وأنه علي بن الحسن،

____________

(1) في النسخة " ضا ": محمد.

(2) في النسختين: جعفرا.

(3) في النسختين: متوقف. وأثبتنا الصحيح.


الصفحة 176
وليس كما تقول القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف.

الثالثة عشر: قالوا إن أبا محمد مات من غير ولد ظاهر، ولكنه عن حمل بعض جواريه(1) والقائم من بعد الحسن محمول لم تلد به أمه بعد، وإنما يجوز أن تبقى مائة سنة حاملا.

فهذه الوجوه المشهورة في ضبط هذه الطوائف، ولهم شعب أخرى أضربنا عن ذكرها لعدم الفائدة فيه. وسنبين فساد ما قالوه إن شاء الله تعالى.

____________

(1) في النسختين: جواره.


الصفحة 177

البحث الأول
في شبهة المنكرين لإمامة علي (عليه السلام)


واعلم أن من الناس من ينكرها مطلقا، أما الأولون فهم القائلون بإمامة أبي بكر، وأما الآخرون فهم الخوارج. أما الأولون فتمسكوا بعشرة شبه:

الأولى: قوله تعالى * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) *(1) ولفظ " الذين آمنوا " لفظ جمع وأقل الجمع ثلاثة فقد وعد الله الثلاثة فما فوقها من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) أن يستخلفهم في الأرض ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وكل ما وعد الله تعالى فلا بد وأن يوجد، وإلا وقع الخلف في خبره تعالى وهو محال، ومعلوم أنه لم يوجد إلا خلافة هؤلاء الأربعة.

الشبهة الثانية: التمسك بقوله * (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) * الآية(2) فنقول: إن الداعي لهؤلاء الأعراب إما محمد (صلى الله عليه وآله)، أو الخلفاء الثلاثة الذين بعده، وإما علي (عليه السلام) ومن بعده، أما أن الداعي هو محمد (صلى الله عليه وآله) فمحال لقوله تعالى * (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) *

____________

(1) النور: 55.

(2) الفتح: 16.


الصفحة 178
الآية(1). وأما أنه علي (عليه السلام) فباطل، لأنه تعالى قال في صفة هؤلاء الدعاة * (تقاتلونهم أو يسلمون) * ولم يتفق لعلي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) قتال بسبب الإسلام، بل كانت محاربته بسبب طلب الإمامة. وأما أن الدعاة هم الذين كانوا بعد علي (عليه السلام)، فهو ظاهر البطلان، لأنهم عندنا كانوا فساقا، وعند الخصم كفارا، وعلى التقديرين فلا يليق بهم [ ما ](2) في قوله تعالى * (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) * الآية(3) فلم يبق إلا أن يكون المراد هو إمامة هؤلاء الثلاثة.

الشبهة الثالثة: لو كانت إمامة أبي بكر باطلة لما كان ممدوحا معظما عند الله تعالى، وقد كان كذلك، فوجب القطع بصحة خلافته، أما الملازمة فظاهرة، وأما أنه ممدوح معظم عند الله فلقوله تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) *(4) وهو من بايع تحت الشجرة، فوجب أن يكون مرضيا عند الله تعالى، * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) *(5). وإذا ثبت أنه مرضي عنه وجب صحة إمامته.

الشبهة الرابعة: أن الصحابة كانوا يخاطبون أبا بكر بخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) حاضر، والخصم يعترف بذلك إلا أنه يحمله على التقية، ثم إن الله سبحانه وتعالى وصف الصحابة بالصدق فقال * (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) * إلى قوله * (أولئك هم

____________

(1) الفتح: 15.

(2) زيادة بمقتضى السياق.

(3) الفتح: 16.

(4) الفتح: 18.

(5) التوبة: 100.


الصفحة 179
الصادقون) *(1). فلما ثبت أنهم خاطبوه بالخليفة، وثبت أنهم صادقون، وجب أن يكون خليفة حقا.

الشبهة الخامسة: تمسكوا بقوله (صلى الله عليه وآله) " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر "(2) وقوله " اقتدوا " لفظ للجمع، وهو إما للوجوب أو الندب، وعلى التقديرين فإنه يدل على جواز الاقتداء بهما في الأحكام، ولو كان على الخطأ والضلالة لما جاز ذلك.

الشبهة السادسة: روى شعبة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا "(3) وصف القائمين بهذا الأمر بعده مدة ثلاثين سنة بالوصف المقتضي للمدح والتعظيم، ووصف من بعدهم بالوصف الدال على أنهم أرباب الدنيا لا أرباب الدين، وذلك نص على صحة خلافة الخلفاء الأربعة.

الشبهة السابعة: أبو بكر أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأفضل هو الإمام وإنما قلنا إنه أفضل لقوله (صلى الله عليه وآله): " ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر "(4) وأما أن الأفضل هو الإمام فقد مر تقريره.

الشبهة الثامنة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلف أبا بكر في الصلاة، فوجب أن يبقى خليفته في باقي الأحكام ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق.

____________

(1) الحشر: 8.

(2) الصواعق المحرقة: 19، والجامع الصغير للسيوطي 1 - مادة أق.

(3) الصواعق المحرقة، والرياض النضرة، باب فضائل أبي بكر، وانظر تلخيص الشافي 3:

39 وفيه الرواية عن سفينة بدل شعبة.

(4) الروض الفائق: 220، مع اختلاف يسير.


الصفحة 180
الشبهة التاسعة: طريق ثبوت الإمامة إما بالنص، وإما الاختيار، وقد بينا أن النص باطل فثبت الاختيار، وكل من قال أن الطريق إليه الاختيار قال أن الإمام هو أبو بكر، فوجب القول بصحة إمامته ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق.

الشبهة العاشرة: لو كانت الإمامة حقا لعلي (عليه السلام) لكان تركه لها إما حال ما كانت الأمة مساعدة على الطلب أو حال ما كانت مخالفة له، فإن كان الأول تعين عليه الطلب، بحيث لو لم يطلب تبين أن الإمامة لم تكن حقا له، وإن كان الثاني وجب أن تكون هذه الأمة شر أمة أخرجت للناس، مع أنهم خير أمة أخرجت للناس، وإذا ثبت أنهم خير أمة لم يكن تركه (عليه السلام) طلب للإمامة إلا بسبب دفعهم له عنها، وذلك يقتضي أن يكون تركه لها إنما كان لأنها ليست حقا له.

الجواب عن الشبهة الأولى: لا نسلم حملها على الأربعة فقط، فإن اللفظ * (الذين آمنوا) * لفظ عام يتناول كل من آمن وعمل صالحا، فتخصيصه بالبعض دون البعض ترجيح من غير مرجح، فوجب حمله على كل المؤمنين.

وأما لفظ الخلافة فلا نسلم أن المراد منها الإمامة فإن الخلافة أعم، ووضع العام مكان الخاص مجاز، بل المراد أن الله تعالى وعد جميع من آمن أن يستخلفهم عوضا من الكفار في الجاهلية.

وعن الثانية: لم لا يجوز أن يكون الداعي هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وأما ما تبين الاستقبال في * (سيقول) * فتحمل على أن الآية نزلت قبل بعض الغزوات، وحينئذ يكون الوعد بالقول في المستقبل عند تلك الغزوة حسنا ويصلح دخول التبيين فيه.

سلمناه، لكن لم قلتم أن الداعي إذا كان أحد هؤلاء الثلاثة وجب أن تكون إمامتهم صحيحة؟ إذ من الجائز أن يكون الانسان على الفسق المخرج عن قبول


الصفحة 181
الشهادة فضلا عن الإمامة ويدعو مع ذلك إلى طاعة الله، ويحرص على بعض أوامر الله، ويؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاسق "(1).

وعن الثالثة: لا نسلم أن أبا بكر بقي معظما مطلقا، وبيانه من وجهين:

أحدهما: أن لفظ " رضى " لفظ فعل ماض، ومع ذلك فهو مقيد بوقت البيعة في الشجرة، والمقيد بوقت يحتاج في استيعابه في باقي الأوقات إلى دليل.

الثاني: أن الرضا أعم من الرضا عنه في أفعاله وأحواله ومن الرضا في بعضها، والمشترك لا يدل على إحدى الخصوصيتين، فلم لا يجوز أن يحمل رضاه عنه ها هنا على الرضا عنه من جهة تصديقه بالرسول (صلى الله عليه وآله) ومبايعته له فقط، وهذا لا ينافي أن يكون غاصبا للخلافة من أهلها. وبأنه يجوز أن يرضى عن المؤمن من جهة إيمانه ويسخط عليه من جهة فسقه.

وعن الرابعة: أن مخاطبة الصحابة أبا بكر بالخلافة كمخاطبتهم لمعاوية، بل كمخاطبة بني مروان بها، وسكوت علي لا يدل على الرضا، فإن من لزم التقية في وقت عدم تمكن أبي بكر في طلب هذا الأمر العظيم فلئن يلزم السكوت عن إطلاق لفظ بعد امتداد يد أبي بكر أولى.

وأما كون الصحابة صادقين فلا نسلم أن الفقراء الموصوفين بالصفات المذكورة كانوا هم المخاطبين لأبي بكر بالخلافة، بل كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكونوا هم أصحاب علي (عليه السلام) ومن أنكر إمامة أبي بكر.

سلمناه، لكن الصادق أعم من الصادق في كل أحواله أو في بعضها، فلم قلتم أن المراد أنهم صادقون في كل أقوالهم، وحتى لا يجوز أن يكذبوا ومعلوم أن

____________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 2: 309.


الصفحة 182
الكذب جائز بالاتفاق على آحادهم، وإذا جاز ذلك كانت مخاطبتهم له بالخلافة كذبا.

وعن الخامسة: لا نسلم صحة الخبر، سلمناه لكنه خبر واحد لا يجوز العمل به، سلمناه لكن الاقتداء أعم من الاقتداء في كل الأمور أو في بعضها، ولم لا يجوز أن يحمل الاقتداء بها على الاقتداء في المشاورات في أمور الدنيا، أو في أمر جزئي، سلمناه لكن الأمر لا يقتضي التكرار فلم لا يجوز الاقتداء بهما في وقت ما فلا يتعين أن يكون في خلافتهما، سلمناه لكن الأمر ورد بالاقتداء بهما معا وظاهره يقتضي أن يقتدى بهما حالة اجتماعهما على الفتوى أو على الأمر المقتدى فيه بهما، وهما حال الاجتماع لا يكونان إمامين، فإن الإمام يشترط أن لا يكون معه غيره، بل يشترط أن لا يكون معه في الحكم غيره.

وعن السادسة: لا نسلم صحة هذا الخبر، سلمناه، لكنه خبر واحد فلا يعتمد عليه، سلمناه لكنه معارض بما أن خلافة الحسن والحسين (عليهما السلام) كانت عندكم بعد أبيهما، فعلى تقدير صحة هذا الخبر لا يكون خلافتهما صحيحة، لأن مفهومه أن هذه الرئاسة لا تسمى خلافة إلا في مدة ثلاثين سنة فأما بعدها فتكون ملكا.

فإن قلت: المراد بالخلافة التي يكون المسلمون متمكنون فيها من إجراء الشريعة على وجهها.

قلت: الخلافة أعم من الإمامة، فلم لا يجوز أن يكون المراد خلافة المسلمين بعدي التي يتمكنون فيها من إظهار الحق ثلاثون سنة، وحينئذ لا يكون في الخبر دلالة على صحة الإمامة ولا على فسادها.

وعن السابعة: لا نسلم أنه الأفضل، وأما الخبر فممنوع الصحة، وأيضا


الصفحة 183
فهو معارض بقوله (صلى الله عليه وآله) " علي خير البشر فمن أبى فقد كفر "(1) وأيضا لو صح هذا الخبر لكان مكذبا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله " وليتكم ولست بخيركم "(2) وذلك يستلزم سقوطه عن درجة الاعتبار في الإمامة.

وعن الثامنة: فلا نسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلفه في الصلاة، فإن الذي صح وثبت أن عائشة قالت: مروا أبا بكر يصلي بالناس(3) وكان الأمر بذلك من جهتها في ظاهر الحال، والخصم يقول: إنما أمر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تثبت لهم هذه الدعوى بحجة.

ويدل على اختصاص ذلك الأمر بعائشة قول النبي (صلى الله عليه وآله) عند إفاقته من عشيته وقد سمع صوت أبي بكر في المحراب " إنكن لصويحبات يوسف "(4) ومبادرته معجلا معتمدا على أمير المؤمنين (عليه السلام) والفضل بن العباس (رحمه الله) ورجلاه يخطان في الأرض من الضعف، حتى نحى أبا بكر عن المحراب، ولو كان (صلى الله عليه وآله) هو الذي أمر بالصلاة لما رجع باللوم على أزواجه في ذلك ولا بادر في تلك الحال الصعبة حتى صرفه عن الصلاة.

سلمناه، لكن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقتضي شيئا آخر، بل لا يقتضي مرة أخرى، لأن الأمر لا يقتضي التكرار. وأيضا فمثل هذا الأمر لا يستدعي العزل لأن العرب لا تحتاج إليه لو ثبت أن الاستخلاف دائما، والخصم يعترف بأنه لم يوله

____________

(1) مرت مصادره قبل هذا.

(2) أنظر سيرة ابن هشام 4: 311، وعنه في الطبري 3: 210، وفي الإمامة والسياسة 1:

16، وشرح النهج للمعتزلي 1، 134، وتأريخ الخلفاء: 82 طبعة بيروت.

(3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 6: 44.

(4) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 9: 197.


الصفحة 184
دائما.

وعن التاسعة: أنا بينا أن الطريق إلى إثبات الإمامة هو النص، وأما الاختيار فهو ساقط عن درجة الاعتبار.

وعن العاشرة: إنما ترك بسبب خذلان أكثر الأمة وجمهورهم له، قوله:

يلزم أن يكونوا شر أمة أخرجت للناس قلنا لا نسلم كونهم بأسرهم كذلك بل بعضهم، وهم الدافعون لهذا الحق عن أهله، والمقصرون عن نصرته، وكون البعض أشرارا لا ينافي * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * لأن هذا الخطاب إما مع كل الأمة بحيث لا يخرج منها واحد، وهذا باطل بالاتفاق لأن فيهم كثيرا من الأشرار، فيبقى أن يحمل على الأخيار من الأمة، وحينئذ يصير التقدير: لو كان هذا الحق مدفوعا عن أهله لكان الدافع له شر أمة أخرجت للناس، والدافع له بعض الصحابة.

قوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * لأنه خاص ببعضهم أيضا، والجزئيتان لا يتناقضان. سلمناه لكن لفظة " كنتم " تدل على أنهم كانوا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذلك، أما بعده فلا نسلم، لأن ذلك يدل على الزمان الماضي.

وقوله * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * لا نسلم لأنه للاستقبال بل بحال الماضي، والله الموفق.


الصفحة 185

البحث الثاني
في مطاعن الخوارج وغيرهم في علي (عليه السلام)


هؤلاء ذكروا مطاعن في علي (عليه السلام) وتوسلوا بذلك إلى خروجه عن أهلية الإمامة، وتلك المطاعن من وجوه عشرة:

الأول: أنه حكم الرجال في دين الله تعالى، فلو لم يكن شاكا في إمامة نفسه لما حكم.

الثاني: أنه رضي بتحكيم عمرو بن العاص " لعنه الله تعالى " مع فسقه وحكم أبا موسى الأشعري وكان يثبط أهل الكوفة عنه.

الثالث: أن قتلة عثمان كانوا في جنده وقد قام جماعة منهم فقالوا: " نحن قتلنا عثمان " فلم يقتص منهم.

الرابع: أنه شهد وحده لفاطمة (عليها السلام) على فدك، ولم يعلم أن شهادة الواحد لا تقبل، وأن شهادة الزوج لزوجته لا تقبل.

الخامس: أنه ما يعرف تدبير الحروب، وكان لا يستقيم له رأي، ولذلك لم ينتظم له أمر في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعد وفاته.

السادس: أن ابن عباس أشار عليه أن يولي معاوية مدة ثم يستدرجه ويعزله فلم يفعل حتى كان منه ما كان.


الصفحة 186
السابع: أنه رد على عمر سهم ذي القربى وكان العباس أشار عليه بغير ذلك.

الثامن: أنه كان يستبد برأيه وتارك المشورة، وتارك المشورة مخط بإجماع العقلاء.

التاسع: أنه اضطرب عليه عسكره لسوء تدبيره حتى قال أهل الشام:

علي رجل شجاع غير أنه لا بصيرة له في الحرب(1).

العاشر: أنه أشار عليه الصحابة بالمقام بالمدينة فلم يفعل، وقد أقام بها من كان قبله. وكانوا يبعثون بالجيوش، وقد كان هو يشير عليهم بمثل ذلك، فإنه أشار على عمر لما استشاره في الخروج إلى بعض الغزوات فقال له: " إنك إن تخرج بنفسك إلى العدو فلا يكون للمسلمين كانفة يأوون إليها " إلى آخر الكلام كما هو مذكور في (نهج البلاغة)(2).

والجواب عن الأول: أما المراد بقوله إنه حكم الرجال، إن عنيتم به أنه لا يجوز أن يرد أمر ديننا إلى حكم رجل يحكم فيه برأيه من غير مراجعة كتاب الله أو بسنة رسوله، فذلك ممنوع، بل هو جائز، والتحكيم في هذا الأمر كالتحكيم في الزوجين، وقد أشار (عليه السلام) إلى هذا فقال: " ما حكمنا الرجال وإنما حكمنا كتاب الله، وإنه خط مسطور بين لوحين لا ينطق حتى يتكلم به

____________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 27، المقطع 15: حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب. والمصادر في المعجم المفهرس: 1379، طبعة قم.

(2) إنك متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم - نهج البلاغة، الخطبة 134، المقطع 2، والأموال لأبي عبيد: 252، والفتوح لابن الأعثم 2: 165، وشرح النهج للبحراني - المؤلف 3: 162.


الصفحة 187
الرجال "(1) وقوله: إن ذلك يقتضي أن يكون شاكا في إمامته.

قلنا: هذا باطل، لأنه في أول أمره لم يرض بالتحكيم بل منع منه: " أنها مكيدة من ابن النابغة "(2). فلم يطيعوه، ويسلمونه(3) إلى التحكيم فأجاب إليه للاضطرار إليه.

وعن الثاني: أنه (عليه السلام) لم يحكم عمرو بن العاص وإنما حكمه خصمه، وقد أجاب ابن العباس (رضي الله عنه) عن ذلك فقال: " أرأيتم لو كانت امرأة المسلم يهودية ووقع الخلاف بينهما فبعثت يهوديا حكما أما كان يرضى به المسلم؟ "(4) وأما أبو موسى الأشعري فلم يرضه (عليه السلام)، ولما قالوا أنه صاحب رسول الله وإنه كذا وكذا قال (عليه السلام): إن هذا الأمر لا يؤتى من زهد ولا ورع، وإنما يدفع إلى داهية العرب(5) واختار هو (عليه السلام) ابن العباس (رضي الله عنه) فلم يطيعوه ولم يشعر (عليه السلام) في ذلك الوقت أنه كان يثبط الناس عنه(6).

____________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 125: إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن، وإن هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال.

والمصادر في المعجم المفهرس: 1387.

(2) أنها من مشورة ابن النابغة - وقعة صفين: 491 من كلام الأشتر، وعن علي (عليه السلام): لكنها الخديعة والمكيدة: 489 طبعة هارون.

(3) في النسختين: فسلم ليطيعوه ويسلموه. غلطا.

(4) لم نعثر عليه.

(5) لم نجده في مظانه في التأريخ.

(6) في النسختين: أنه إنما. وإنما زائدة. بل الجملة زائدة في غير محلها، فإنه (عليه السلام) كان قد علم بأن الأشعري كان يثبط الناس عنه في الكوفة، ولذلك أرسل إليه ابنه الحسن (عليه السلام) مع صاحبه عمار بن ياسر ومعهم كتاب منه إلى أهل الكوفة يدعوهم إلى نصرته في البصرة ثم عزل الأشعري عن الكوفة. أنظر شرح النهج للمعتزلي.


الصفحة 188
وعن الثالث: أن قتلة عثمان كانوا في شوكة ويحتاج في إجراء حكم الله عليهم إلى معونة، وقد شغله من ذلك طلحة والزبير ومعاوية، وقد أجاب (عليه السلام) معاوية عن هذا فقال: " أدخل فيما دخل الناس فيه ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله تعالى "(1). وكيفية إقامة حكم الله تعالى عليهم ما أشار إليه (عليه السلام) وهو أن يمهل ويعاون(2) ولا يشغل عنهم ويدعى أولياء الدم عند الإمام، ويعينوا القتلة حتى يتمكن من إقامة القصاص عليهم.

وربما يقال: إن عليا (عليه السلام) هو الذي قتل عثمان! وهذا من بهت معاوية وأمثاله وافترائهم عليه، وقد أجاب (عليه السلام) عن هذا فقال مخاطبا لمعاوية: " إنك إن أنصفتني وجدتني أبرأ قريش من دم عثمان "(3).

وعن الرابع: أن الشك في علم علي (عليه السلام) بما هو واضح مشهور بين الصحابة من أعجب العجائب، أما شهادته وحده فلا يمكن الخصم أن يجزم بأنه كان عالما بأنه لا شاهد إلا هو، فإنه قد روي أن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا شاهدين بذلك أيضا(4).

سلمناه، لكن يحتمل أن يكون (عليه السلام) قد جوز أن غيره سمع ما سمع وأدى ما كان عليه، مع تجويز أن يظهر غيره فيشهد بمثل شهادته.

____________

(1) نهج البلاغة: الكتاب 64، المقطع 10، والإمامة والسياسة 1: 70.

(2) هاتان الكلمتان في نسخة (عا): يمهد ويبادر، والأولى في (ضا) كما أثبتناه: يمهل، والثانية غير واضحة والأقرب والأنسب ما أثبتناه: يعاون.

(3) لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان - نهج البلاغة، الكتاب 6، المقطع 4، ووقعة صفين: 29، وعنه في الطبري 5: 235، طبعة أوربا وسائر المصادر في المعجم المفهرس: 1394 طبعة قم.

(4) أنظر كتاب فدك في التأريخ للشهيد السيد الصدر (رحمه الله).


الصفحة 189
سلمناه، لكن يجوز أن يحكم الحاكم بشاهد ويمين كما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله)(1).

وأما شهادة الزوج لزوجته فهي شهادة صحيحة مقبولة، وكذلك شهادة الولد لوالده. ولا نسلم أنها لا تجوز، وبيان ذلك من المسائل الفقهية(2).

وعن الخامس: أن مشاهدة حروبه ووقائعه بحسب التواتر وتصفح كلامه في كيفية الحرب، مما تضطر معه العقول إلى أنه كان أوحد الخلق في إصابة الرأي في تدبير الحروب، وكذلك مشاورات النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك، ورجوع أبي بكر وعمر إليه في كثير حركاتهم، وعدم مخالفتهم لحرف مما يقوله في أمر تدبير الحرب دليل واضح على دوام إصابة الرأي، غير أن قومه ما كانوا يطيعونه، وكان ذلك مذكورا في خطبه، مثل(3) " لا رأي لمن لا يطاع "(4). وكل فساد جرى في أمر ولايته (عليه السلام) إنما كان من قبلهم لسوء تدبيرهم وقلة طاعتهم له.

وعن السادس: أنه إنما لم يول معاوية لأنه لم يكن في نظره أهلا(5) للولاية لأن شرط ذلك أن يكون عدلا في الظاهر، وما كان عنده كذلك، ولذلك قال تعالى * (وما كنت متخذ المضلين عضدا) *(6).

____________

(1) رواه الكليني في فروع الكافي 7: 385 عن الصادق عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي الفقيه 3: 54، وفي أماليه عن أهل السنة: 218 طبعة حجر، وفي التهذيب 2: 83، والوسائل 18: 193.

(2) راجع المقنعة: 726، والخلاف والبحث والأدلة في الانتصار: 244 - 246، والسرائر 2: 134، والتفصيل في الجواهر 41: 74 - 78 طبعة النجف الأشرف.

(3) في النسختين: المثل.

(4) نهج البلاغة، الخطبة 27، المقطع 16، ومصادره في المعجم المفهرس: 1379 طبعة قم.

(5) في " عا ": أمر. غلطا.

(6) الكهف: 51.


الصفحة 190
وعن السابع: أنه إنما رد سهم ذي القربى لأن اجتهاده(1) أدى إلى أن استحقاقهم إياه إنما يكون لفقرهم، ولذلك قال لعمر: " إن بنا العام لغنية عنه وبالناس(2) حاجة إليه "(3)، وذلك من فضائله.

وعن الثامن: لا نسلم أنه كان يستبد برأيه مطلقا بل فيما يعلمه، وظاهر أنه (عليه السلام) كان يشاور أهل العلم والرأي. سلمناه، لكن قد ثبت أنه (عليه السلام) معصوم، فيلزم حينئذ أن تكون أوامره كلها صائبة.

وعن التاسع: أن اضطراب عسكره لا يدل على سوء تدبيره. وهو لأن حركاتهم الفاسدة مربوطة بآرائهم الفاسدة، وقد بينا أنه (عليه السلام) واحد الناس بالعلم بكيفية الحروب وممارستها.

وعن العاشر: أن الاهتمام بالأمور يفتح أبواب الآراء والترجيح بينها، ولا شك أن آراءه كانت أولى من آراء غيره، لشدة اهتمامه بالأمر في ذلك الوقت، فلم تأخذه في ذلك لأئمة، وقد ثبت أنه (عليه السلام) معصوم فيجب حمل جميع أفعاله على الصواب، وبالله التوفيق.

____________

(1) في نفي الاجتهاد عن الإمام أنظر تلخيص الشافي 1: 249 - 252.

(2) نسخة " ضا ".

(3) وفي هامش نسخة " ضا ": والحق في الجواب أن يقال: إن كان المراد بهم ذوي القربى المردود هو ما يخصه (عليه السلام)، فذلك جائز لا اعتراض عليه فيه، لأن له التصرف فيه بأي جهة كانت، ويدل عليه قوله (عليه السلام): " إن بنا العام لغنية عنه " فإن ظاهره الإخبار عن نفسه، وإن كان المراد سهم ذوي القربى غير الإمام، فهو ممنوع، وكيف يحق لمتبرع أن يتبرع... إلى غير أهله؟!..