المكتبة العقائدية » النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة (لـ ميثم بن علي بن ميثم البحراني)



الصفحة 191

البحث الثالث
في فساد ما قالته الطوائف
من الشيعة المنكرين لواحد واحد من الأئمة الإثنى عشر (عليهم السلام)


نذكر بعون الله تعالى ما يدل على فساد ما قالوه دلالة مجملة، تشتمل على إبطال جميع أقوالهم، ونورد بعد ذلك ما تمسك به طوائف منهم تفصيلا، إن شاء الله تعالى:

أما الأول: فبيانه من وجوه:

أحدها: لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف بمعصوم. وما ليس بمعصوم فليس بإمام، وهو المطلوب. أما المقدمة الأولى فمتفق على صحتها، أما الثانية فقد مضى تقريرها.

الوجه الثاني: أنه لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف إمامته بمنصوص عليه، وقد بينا أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه، ينتج أنه لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف إمامته بإمام. أما المقدمة الأولى فسنبين صحتها، وأما الثانية فقد ثبتت بالدليل.

الوجه الثالث: أن الشيعة بأسرهم معترفون بتقبيح العقل وتحسينه، إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الحق مع أحد هؤلاء الطوائف المذكورة لما جاز انقراضها على تقدير أن الحق معها، وإلا لزم خروج الحق عن الأمة وإنه


الصفحة 192
غير جائز، وأما فساد الثاني: فظاهر أنه لم يكن لأحد من هذه الطوائف كثرة ليعتد بنقلهم، ولم يكن بينهم من هو مشهور بالعلم، ولم يبرز لهم قول حتى اضمحل. إذا عرفت ذلك فلنشرع الآن في بيان ما تمسك به طوائف منهم من الخيالات، ثم نبين فسادها إن شاء الله تعالى.

الطائفة الأولى - الكيسانية:

إنما تسموا بهذا الاسم لأنهم أصحاب المختار، وكان اسمه أولا كيسان(1)، وقيل سبب تسميته أن أباه حمله وهو صغير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فوضعه بين يديه فمسح يده على رأسه وقال له " كيس كيس "(2). ثم إنهم تمسكوا في أن الإمام بعد علي (عليه السلام) محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) له يوم البصرة " أنت ابني حقا "(3) وأنه كان صاحب رايته كما كان علي (عليه السلام) صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله). استدلوا بذلك على أنه أولى الناس بمقامه.

وأما أنه القائم المهدي فلقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي "(4) وكان من أسماء علي (عليه السلام) عبد الله لقوله (عليه السلام): " أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله وأنا

____________

(1) كان لقبه كيسان - رجال الكشي: 128 برقم 204. وكيسان معرب كيشان، وكيش - بالفارسية - الدين.

(2) رجال الكشي: 127 برقم 201 طبعة مشهد، والفصول المختارة: 296.

(3) الفصول المختارة: 296، وتلخيص الشافي 4: 191.

(4) أنظر هذه الأحاديث والجواب عنها في العنوان 22 من الجزء الأول من معجم أحاديث الإمام المهدي عجل الله فرجه، والشيعة والرجعة: 2.


الصفحة 193
الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر "(1) وزعموا أنه إذا كان هو الإمام وكان الإمام القائم المنتظر فلا إمام إذا غيره، ولا يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حجة.

الجواب: أما قوله (عليه السلام) " أنت ابني حقا " فلا شك في هذه المقالة، وإنما النزاع في دلالة هذا الكلام على تخصيصه بالإمامة، وظاهر أنه ليس فيه دلالة على ذلك، بل إنما يحمل ذلك على الشهادة له بالشجاعة وطيب المولد وذلك أن محمدا (رضي الله عنه) لما حمل الراية يوم البصرة ثم(2) صبر حتى كشف الناس، فأبان من شجاعته وبأسه ما كان مستورا(3)، سر به (عليه السلام) وأحب أن يعظمه ويمدحه على فعله، أي أنك تشبهني في هذه الخصال وفي الصبر في الله.

وأما كونه صاحب الراية كما كان علي (عليه السلام) صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليس ذلك من الدلالة على إمامته في شئ البتة، ولو صح الاستدلال بهذا القدر على الإمامة لكان كل من حمل راية النبي (صلى الله عليه وآله) ولعلي (عليه السلام) كان منصوصا عليه بالإمامة، وذلك ظاهر الفساد.

وبالجملة فهم مطالبون على تصحيح دعواهم بالدليل الموجه.

وأما تمسكهم في أنه المهدي بقول الرسول (صلى الله عليه وآله) فليس في هذا الخبر إلا أن الله يبعث رجلا وله هذه الأوصاف، أما أنه هو هذا أو ذاك فلا يتناوله الخبر، على

____________

(1) أنظر الغدير 2: 214 و 3: 212، وتلخيص الشافي 3: 244 (الهامش)، وتتمة المراجعات: سبيل النجاة: 143 برقم 556 و 235 برقم 758. ويبدو أن المؤلف قد أخذ ذلك كله عن الفصول المختارة 2: 296.

(2) (ثم) من الفصول المختارة 2: 302.

(3) هنا في النسختين زيادة: و.


الصفحة 194
أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن اسمه عبد الله وإنما مراده من قوله " أنا عبد الله " الاعتراف لنفسه بصفة العبودية لله(1).

ثم الذي يدل على أن محمدا (رضي الله عنه) ليس بإمام أنه لم يدع الإمامة ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك عنه. بدليل أنه سئل - عند(2) ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثأر الحسين (عليه السلام) وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته - عن ذلك وصحته؟ فأنكره وقال: " والله ما أمرته بذلك، لكني لا أبالي أن يأخذ بثارنا كل أحد، وما يسؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا "(3) فاعتمد السائلون له ذلك وكانوا خلقا كثيرا قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه، على ما ذكره أهل النقل، فرجعوا ونصر أكثرهم المختار على الطلب بدم الحسين (عليه السلام)، ولم ينصره على القول بإمامة محمد (رحمه الله)(4) ومع ذلك لا يمكن القول بإمامته، وبالله التوفيق.

الطائفة الثانية - الزيدية:

ويجمعهم أن الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله): علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم كل فاطمي خرج بالسيف مستحقا لشرائط الإمامة وشبهتهم أن زيد بن علي (رضي الله عنه) كان عالما زاهدا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، فوجب أن يكون مستحقا لشرائط الإمامة فكان هو الإمام.

والجواب: أنا بينا أن من شرائط الإمامة العصمة والنص، وهما مفقودان في حق زيد رضي الله عنه فمن ادعاها فعليه البيان.

____________

(1) راجع وقارن بالفصول المختارة: 303.

(2) في النسختين: عن، ولا يستقيم الكلام إلا أن تكون هذه الكلمة: عند.

(3) أنظر الفصول المختارة: 300.

(4) راجع وقارن الفصول المختارة 2: 294 - 305 فلا تكاد ترى إلا اختصارا وتلخيصا.


الصفحة 195

الطائفة الثالثة - الناووسية:

وانتسابهم إلى رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس(1) ويجمعهم كما عرفت أنهم يقولون: أن جعفر بن محمد سيرجع إلى الدنيا فيملأها عدلا كما ملئت جورا، وإن اختلفوا في أنه مات أو لا؟

واحتجوا على ذلك بخبر رواه عنبسة بن مصعب عنه عليه السلام أنه قال " إن من جاء يخبركم عني بأنه غسلني وكفني ودفنني فلا تصدقوه "(2).

والجواب: أن العلم بموته معلوم بالضرورة لا يدفع بخبر واحد، وأيضا هذا الخبر إن لم يصح بطل ما قالوه، وإن صح سلطنا عليهم التأويل، لمعارضته العقل ووجوب ترجيح العقل على النقل(3).

الطائفة الرابعة - الإسماعيلية:

شبهتهم من وجهين:

أحدهما: أن إسماعيل كان أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الأكبر(4)!

الثاني: قالوا: قد أجمع من خالفنا على أن أبا عبد الله عليه السلام نص على إسماعيل غير أنهم ادعوا أنه " بدا لله فيه " وهذا قول لا نقبله منهم(5).

جواب الأول: أن النص على الأكبر متى يجب إذا كان الأكبر باقيا بعد والده أو إذا لم يكن؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، فإن إسماعيل رضي الله عنه مات في زمن والده، وإذا كان كذلك لم يكن للنص عليه معنى، ولو وقع لكان كذبا، لأن المعنى

____________

(1) أنظر الفصول المختارة: 305.

(2) الفصول المختارة: 305.

(3) راجع وقارن بالفصول المختارة: 305 و 306.

(4) الفصول المختارة: 306.

(5) الفصول المختارة.


الصفحة 196
أن المنصوص عليه يكون خليفة الماضي فيما يكون يقوم به، فإذا لم يبق بعده لم يكن خليفته، فيكون النص عليه حينئذ كذبا لا محالة(1).

وجواب الثاني: أنا لا نسلم تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه، فإن أحدا من أصحابنا لم يعترف بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على ولده إسماعيل، ولم ينقل أحد منهم ذلك شاذا ولا معروفا، وإنما غلطوا من حيث أن الناس كانوا في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله عليه السلام ينص عليه لأنه كان أكبر أولاده وكان يعظمه، فلما مات إسماعيل رحمه الله زالت ظنونهم وعلموا أن الإمامة في غيره، فتمسك هؤلاء المبطلون بهذا الظن وجعلوه أصلا وادعوا وقوع النص عليه، وليس عندهم في ذلك أثر ولا خبر يسندوا دعواهم إليه.

فأما ما روي(2) من قول الصادق عليه السلام: (ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل)(3). فليس على ما توهموه من البداء في الإمامة لوجهين:

أحدهما: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: (إن الله كتب القتل علي ابني إسماعيل مرتين فسأله فيه، فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل)(4) وعنى به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا عليه فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله عليه السلام(5).

____________

(1) أنظر الفصول المختارة: 308.

(2) هنا في (ضا: فأما ما من قول... وفي (عا) كتبت (من) ثم شطب عليها. وبالنظر إلى الفصول المختارة: 309 يبدو أن لفظة روي محذوفة.

(3) كذا ذكره المفيد في الفصول المختارة: 309، وتصحيح الاعتقاد: 66، ورواه الصدوق عن الصادق عليه السلام في التوحيد: 336، وأخرجه المجلسي عن أصل زيد النرسي الكوفي عن الحلبي عن الصادق عليه السلام في البحار 4: 122.

(4) تصحيح الاعتقاد: 66، والفصول المختارة: 309، واللفظ للأخير.

(5) الفصول المختارة: 309.


الصفحة 197
الثاني: أن الإمامة لا يوصف الله تعالى فيها بالبداء، لإجماع الإمامية على النقل المشهور عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: (مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ الله عهده بالإيمان عن إيمانه)(1) وذلك يبطل ما ادعوه من ثبوت النص، وبالله التوفيق.

الطائفة الخامسة - الشمطية:

القائلون بإمامة محمد بن جعفر، وسموا الشمطية لنسبتهم إلى رئيس لهم يقال له يحيى بن أبي الشمط.

شبهتهم: أنهم زعموا أن أبا عبد الله عليه السلام كان جالسا في داره، فدخل عليه محمد وهو صبي فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله فقبله ومسح رأسه وضمه إلى صدره وقال: (سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي، فهذا الولد يشبهني ويشبه الرسول صلى الله عليه وآله ويكون على سنته)(2).

جوابها: لا نسلم صحة الخبر، سلمناه، لكنه خبر واحد ولا يجوز العمل به، سلمناه، لكنه لا دلالة فيه على مرادكم، لأن مسح أبي عبد الله عن وجه ولده التراب وضمه إلى صدره وقوله (أن أبي أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سيولد لي ولد يشبهه يكون على سنته) لا يدل شئ منه على الإمامة لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام.

سلمناه، لكنه معارض بما أن محمدا خرج بعد أبيه بالسيف ودعا الناس إلى إمامته، وتسمى بإمرة المؤمنين، ولم يتسم بذلك أحد خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين الإمامية أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه السلام فقد أتى

____________

(1) راجع وقارن بالفصول المختارة 2: 251.

(2) راجع وقارن الفصول المختارة: 306.


الصفحة 198
منكرا(1)، ولم يكن أهلا للإمامة.

الطائفة السادسة - الفطحية:

القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر عليه السلام، وسموا بذلك لأن عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين(2) وقيل إنه كان لهم رئيس، يقال له عبد الله بن أفطح(3). وكلام هذه الطائفة ظاهر البطلان، لأنهم لم يدعوا نصا عن أبي عبد الله عليه السلام، وإنما عملوا على ما رووه من أن الإمامة تكون في الأكبر.

وجوابه من وجوه:

الأول: لا نسلم أنه الأكبر، فأن الأكبر كان إسماعيل.

الثاني: أن هذا الحديث لم يرد قط إلا مشروطا، وذلك أنه ورد (إن الإمامة تكون في الأكبر ما لم يكن به عاهة)(4). وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى ابن جعفر عليه السلام متواترون بأن عبد الله كانت به عاهة في الدين لأنه كان يذهب مذاهب المرجئة(5) الذين الواقعون في علي وعثمان، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال فيه وقد خرج عنه: (هذا مرج كبير)(6). وإنه دخل عليه يوما وهو يحدث أصحابه، فلما رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك فقال: (أما علمتم أنه من

____________

(1) راجع وقارن الفصول المختارة 2: 310 و 311.

(2) أي كان باطن قدميه لا قعر فيه.

(3) الفصول المختارة: 312.

(4) راجع وقارن بالفصول المختارة: 312.

(5) هنا في النسختين: وهم... وعدلنا النص من الفصول المختارة 2: 253 فهو الصحيح، إذ ليس كل المرجئة يقعون في علي وعثمان.

(6) (هذا مرجئ كبير) الفصول المختارة: 312.


الصفحة 199
المرجئة)(1)؟!

الثالث: لم يكن له من العمل ما يتميز به من العامة، ولا يروى عنه شئ من مسائل الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، ولما خرج وادعى الإمامة بعد أبيه امتحن بمسائل صغيرة فلم يجب عنها ولا تأتى(2) له الجواب. فثبت بهذه الوجوه أنه ليس أهلا للإمامة.

الطائفة السابعة - الممطورة:

وهم الوقفة في موسى عليه السلام أنه مات أو لم يمت، شبهتهم من وجهين:

أحدهما: أنهم حكموا أنه لما ولد موسى عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة أم موسى فقال لها: (يا حميدة بخ بخ، حل الملك في بيتك)(3).

الثاني: ما رووا أنه سئل عليه السلام عن اسم القائم فقال: (اسمه اسم حديدة الحلاق)(4).

وجواب الأول: أن أبا عبد الله عليه السلام لعله أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر، وملك الأمر والنهي هو الملك على الحقيقة، ومثله قوله تعالى: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)(5) فإنه أراد بالملك ملك الدين والرئاسة فيه على العالمين.

وجواب الثاني: لا نسلم صحة هذا الخبر، سلمناه، لكن لم لا يجوز أن تكون

____________

(1) الفصول المختارة: 312.

(2) في (ضا): ولا يتأتى، وفي (عا): ولم يتؤتى، وفي الفصول: ولا تأتى: 312.

(3) الفصول المختارة: 313.

(4) الفصول المختارة: 313.

(5) النساء: 54.


الصفحة 200
إشارته [ إلى ](1) القائم بالإمامة بعده، ولم يشر به إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالإمامة بعد أبيه.

الطائفة الثامنة - القائلون بإمامة أحمد بن موسى: ولهم شبهتان:

إحداهما: أن الرضا عليه السلام وصى بالإمامة إليه، ونص بها عليه(2).

الثانية: أن أبا جعفر كان صغير السن في ذلك الوقت، لأن الرضا عليه السلام مات وهو ابن سبع سنين ومثل هذا لا يصلح للإمامة(3).

جواب الأولى: لا نسلم صحة النص على أحمد بن موسى، فإن أحدا ممن يعتبر نقله من الإمامية لم يروه(4).

وجواب الثانية: أن الالتباس عليكم من جهة سنه عليه السلام بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السن، وله اعتبار بقصة عيسى عليه السلام حيث قال القوم: (كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا)(5) الآية وقال تعالى في قصة يحيى: (وآتيناه الحكم صبيا)(6). فلم يكن كمال العقل منافيا للصبي في حق أولئك، فوجب أن لا يكون منافيا في حق أولياء الله تعالى، وذلك يبطل ما قالوه.

____________

(1) زيادة بمقتضى السياق.

(2) الفصول المختارة: 315.

(3) الفصول المختارة: 314 و 315.

(4) في النسختين: لم يرووه.

(5) مريم: 29 و 30.

(6) مريم: 12.


الصفحة 201

الطائفة التاسعة - القائلون بأن الإمامة بعد أبي الحسن علي بن محمد صارت إلى ابنه محمد بن علي، بنص أبي الحسن عليه السلام:

وهؤلاء مطالبون - أولا - بنقل لفظ النص ولن يجدوه.

الثاني: أنهم قد انقرضوا ولم يبق منهم إلا شذاذة(1) لا يعتد بنقلهم، ولا يكون حجة يتعين به الإمام.

الطائفة العاشرة - الذين زعموا أن الحسن بن علي لم يمت: شبهتهم:

أنه لو مات وليس له ولد، لخلا الزمان عن الإمام المعصوم، وأنه غير جائز.

الجواب: أما موته فمعلوم بالضرورة. وأما أنه لا ولد له فلا نسلم، فإن الجمهور من الإمامية يثبتون ولادة ابنه القائم المنتظر، وصححوا النص عليه، وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام، وتواتر بينهم أن الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه، وإن كان بنيهم خلاف في سنه عند وفاة أبيه، فقال كثير منهم كان سنه إذ ذاك خمس سنين، لأن أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين. وقال بعضهم: بل كان مولوده سنة اثنين وخمسين، وكان(2) سنه عند وفاة أبيه ثمان سنين. واتفقوا على أن أباه لم يمت حتى أكمل الله تعالى عقله وعلمه الحكمة وفص الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحجج ووصي الأوصياء وقائم الزمان(3).

واحتجوا على جواز ذلك عقلا: بقصة عيسى عليه السلام في قوله تعالي: (كيف

____________

(1) يبدو منه بقاء عدة منهم حتى عصر المصنف رحمه الله، بينما الشيخ المفيد يفيد: أنهم انقرضوا ولا بقية لهم، وذلك مبطل لما ادعوه - الفصول المختارة: 318.

(2) في الأصل: كانت.

(3) في النسختين: إذا خطأ. أنظر الفصول المختارة: 318.


الصفحة 202
نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا)(1) وبقصة يحيى عليه السلام بقوله تعالى: (وآتيناه الحكم صبيا)(2) وقالوا(3): (أن صاحب الأمر حي لا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما) وأما إنه لم وجب بقاؤه؟

فلما تقدم من وجوب نصب الإمام من الله تعالى في كل وقت.

فهذا هو الكلام على الطوائف المشهورة منهم، وأما الباقون فكلامهم ظاهر الفساد، وبالله التوفيق.

____________

(1) مريم: 29 و 30.

(2) مريم: 12.

(3) في النسختين: قال. والصحيح من الفصول المختارة: 309.


الصفحة 203

البحث الرابع
في غيبة الإمام عليه السلام


إعلم أن البحث في هذه المسألة يقع في مقامات أربع:

المقام الأول: في سبب الغيبة.

[ المقام ] الثاني: في إمكان بقاء المزاج الانساني مثل المدة التي ندعيها لهذا الإمام الغائب.

[ المقام ] الثالث: وقوع ذلك البقاء في الأمزجة كثيرة مشهورة.

[ المقام ] الرابع: في كون المدعى إمامته هذا هو الإمام المعين.

وعند بيان هذه الأمور نبين لك أن إنكار ما يقول الاثني عشرية في أمر الغيبة جهل محض من منكريه، وعصبية باطلة في مقابلة الحق.

أما المقام الأول:

وهو بيان سبب الغيبة، فاعلم: أنا بينا في البحث الأول في وجوب عصمة الإمام، أن سبب انبساط يده عليه السلام مركب من ثلاثة أجزاء:

أحدها: يجب من الله وهو إيجاده وإكماله في ذاته.

والثاني: يجب عليه نفسه وهو القيام بأعباء الإمامة.

والثالث: على الخلق وهو الانقياد له ومساعدته في تنفيذ أوامر الله تعالى والقيام بها.


الصفحة 204
والماهية المركبة لا تتحقق إلا بمجموع أجزائها، لكن وإن حصل وجوده وقيامه بأعباء الإمامة - وهذان الأمران اللذان يتعلقان بالله تعالى وبه نفسه - فإن الجزء الثالث من الخلق لم يحصل، إذ لم يزل خائفا مستترا من الأعداء، فقد(1) ظهر من ذلك: أن سبب غيبة الإمام هو قوة الظالمين والخوف منهم.

على أن لنا أن نقول: إن سلمنا أن هذا ليس بسبب، لكن إذا ثبت أنه عليه السلام معصوم لم يفعل قبيحا ولم يخل بواجب، لم يزل من عدم تعقلنا(2) لعلة غيبته أن لا يكون موجودا، لجواز أن يكون ذلك لمصلحة لا يطلع عليها.

وأما المقام الثاني:

وهو إمكان بقاء المزاج الانساني مثل المدة التي ندعيها لهذا الإمام القائم، فالعلم به ضروري، ويدل على ثبوت الإمكان تواتر الوقوع.

وأما المقام الثالث:

وهو ثبوت البقاء في أمزجة مشهورة، فهو أيضا بين، ولنذكر عدة من أعمار المعمرين الذين تواترت بتعيين أعمارهم الأخبار: فمن أولئك:

الربيع بين ضبيع الفزاري، كان من المعمرين وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة(3)، روي أنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال: يا ربيع، لقد طلبك جد(4) غير عاثر. فقال: فصل لي عمرك. فقال: عشت مائتي سنة في الفترة فترة عيسى ابن مريم عليه السلام، ومائة وعشرين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الاسلام. مع

____________

(1) هنا في النسختين: فإن وأثبتنا مقتضى السياق.

(2) في الأصل: عقيلتنا. ولعل الصواب ما أثبتناه.

(3) عاش ثلاثمائة وأربعين سنة، أنظر الفصول العشرة في الغيبة: 96، والغيبة للطوسي: 80 طبعة النجف الأشرف.

(4) الجد هنا بمعنى الحظ.


الصفحة 205
سؤالات أخر لا تتعلق بغرضنا(1).

ومنهم: المستوغر وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وأدرك أول الإسلام، وله في ذلك شعر:


ولقد سئمت من الحياة وطولهاوعمرت من بعد السنين مئينا
مئة أتت من بعدها مئتان ليوازددت من بعد المئين سنينا(2)
هل ما بقي إلا كما قد فاتنايوم يكر وليلة تفنينا(3)

ومنهم أمانة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العارك بن معاوية بن الكندي(4)، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وفي ذلك المسلم النخعي يقول:


أيا ليتني عمرت يا أم خالدكعمر أمانات بن قيس بن شيبان
لقد عاش حتى قيل ليس بميتوأفنى فئاما(5) من كهول وشبان
فحلت به من بعد حرس وحقبةدويهية حلت بنصر بن دهمان

ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغساني، وهو عبد المسيح بن عمر بن قيس ابن حنان بن بقيلة، وبقيلة: كنية لثعلبة وقيل الحرث، وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة، فعرف بذلك وعاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانيا(6).

____________

(1) أنظر الغيبة للطوسي: 79 و 80 وإكمال الدين: 512، 513 و 522.

(2) إلى هنا في الفصول العشرة في الغيبة للمفيد: 97 و المعمرون: 13 - 14.

(3) وإلى هنا في الغيبة للطوسي: 80.

(4) ذكره الصدوق: أماباة بن قيس بن الحارث بن شيبان الكندي، عاش ستين ومائة سنة، إكمال الدين: 557.

(5) الفئام: جماعات، وفي النسختين: قياما. غلطا.

(6) أنظر الغيبة للطوسي: 81.


الصفحة 206
ومنهم: دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف(1) بن قضاعة، عاش أربعمائة سنة وستة وخمسين سنة.

وأما من عاش في الإسلام وقبيل الإسلام المأتين وفوقها فكثيرون، كزهير ابن حباب الكلبي(2): فإنه عاش مائتين وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة(3)، وكان سيدا مطاعا في قومه.

وكالرجل الجرهمي(4) قيل إنه دخل على معاوية بن أبي سفيان رجل فقال ممن الرجل؟ فقال: من جرهم، فقال: ومنهم باق؟ فقال: بقيت ولو لم أبق لم آتك، فقال له معاوية: صف لنا الدنيا وأوجز، فقال: نعم سنيات بلاء وسنيات رخاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض برحبها، وقال:


وما الدهر إلا صدر يوم وليلةويولد مولود ويفقد فاقد
وساع لرزق ليس يدرك قوتهومهدى إليه رزقه وهو قاعد

وكان سنة مائتين وأربعين سنة.

فهؤلاء بعض من عاش إلى هذه المدة في هذا القرن.

وأما الأخبار عن أعمار من كان في القرون الأولى(5) فمشهورة، وقد نبه القرآن العظيم على بعضها كعمر نوح عليه السلام إذ لبث في قومه يدعوهم سوى ما سبق

____________

(1) في النسختين: الحرث، وأنظر الغيبة للطوسي: 83.

(2) وفي الغيبة للطوسي: 83: الحميري.

(3) في النسختين: واقع مائتي وتسعة. والصحيح من الغيبة للطوسي: 83.

(4) ذكره الصدوق في إكمال الدين: 511.

(5) في النسختين: القرن الأول. والصحيح بالسياق ما أثبتناه.


الصفحة 207
(ألف سنة إلا خمسين عاما)(1) وما اشتهر عن عمر لقمان(2) وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة، وقيل: سبعة آلاف سنة.

وبالجملة: فالعلم التواتري حاصل بامتداد الحياة الانسانية هذه المدة وأمثالها.

وأما المقام الرابع:

وهو أن المدعى إمامته وغيبته هو هذا المعين، فقد بينا أن ذلك معلوم من نص أبيه(3) وأن الاثني عشرية ينقلون خلفا عن سلف أن الحسن عليه السلام أظهره لهم ونص عليه، ولم يخرج من الدنيا حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وإذا عرفت هذه المقامات ظهر لك أن استنكار غيبة هذا الإمام وطول حياته ممن ينكرها ليس إلا بمجرد العصبية الفاسدة، ولو سلمنا أنه لم يوجد بقاء المزاج الانساني إلى الحد المذكور إلا أن ذلك من الأمور الممكنة، والله تعالى قادر على جميع الممكنات، ومن مذهب الكل أن خرق العادة في حق الأولياء والصالحين أمر جائز وحينئذ يكون الاستنكار والاستبعاد قبيحا، والله ولي التوفيق والعصمة، وهو ولي السداد وله الحمد والمنة، والحول والقوة.

____________

(1) العنكبوت: 14.

(2) أنظر إكمال الدين: 521، والفصول العشرة في الغيبة للمفيد: 94.

(3) الكلمة في النسختين: الله. إلا أنها في (عا) مصححة (أبيه) وهو الصحيح بمقتضى السياق.