المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300)

(شأن نزولها في مصادر أهل السُنّة)

« عبد الله ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

في شأن من نزلت آية المباهلة؟

ومن خرج مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة؟

وهل صحيح أنّ بعض الصحابة خرجوا معه(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الآية المباركة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1) نزلت في شأن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن خرج معه، وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) فقط دون غيرهم، هذا ما تسالم عليه علماؤنا في كتبهم.

كما ورد هذا المعنى في كتب أهل السُنّة: كــ(مسند أحمد بن حنبل)(2)، و(صحيح مسلم)(3)، و(سنن الترمذي)(4)، و(المستدرك على الصحيحين)

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٥ مسند سعد بن أبي وقّاص.

3- صحيح مسلم ٧: ١٢٠ كتاب (فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ(عليه السلام).

4- سنن الترمذي ٤: ٢٩٣ الحديث (٤٠٨٥).


الصفحة 272

للحاكم(1)، و(السنن الكبرى) للبيهقي(2)، و(خصائص أمير المؤمنين) للنسائي(3)، و(أحكام القرآن) للجصاص(4)، و(تفسير القرآن) لابن كثير(5)، وغيرها من كتب التفسير والحديث والتاريخ.

نعم، هناك رواية بلا سند في (السيرة الحلبية)(6)، تضيف: عائشة وحفصة، ورواية ضعيفة السند رواها ابن شبّة فيها إضافة: وناس من أصحابه(7).

كما توجد رواية تقول: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعليّ وولده(8).

لكن هذه الروايات في الحقيقة لا حجّية لها؛ لأُمور، منها:

أوّلاً: إنّها روايات آحاد.

ثانياً: إنّها روايات متضاربة في ما بينها.

ثالثاً: إنّها روايات انفرد رواتها بها، وليست من الروايات المتّفق عليها.

رابعاً: إنّها روايات تعارضها روايات الصحاح.

خامساً: إنّها روايات ليس لها أسانيد، أو أنّ أسانيدها ضعيفة.

إذاً، تبقى القضية على ما في الصحاح والمسانيد وكتب التفسير والتاريخ، من أنّ الذين خرجوا معه(صلى الله عليه وآله وسلم) هم: عليّ وفاطمة والحسنان(عليهم السلام) .

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠.

2- السنن الكبرى ٧: ٦٣، باب (إليه ينسب أولاد بناته).

3- خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): ٤٨ منزلة عليّ كرّم الله وجهه من الله.

4- أحكام القرآن ٢: ١٨ قوله تعالى: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ...)).

5- تفسير ابن كثير ١: ٣٧٩ سورة آل عمران: ٦١.

6- السيرة الحلبية ٣: ٢٣٦، باب يذكر فيه ما يتعلّق بالوفود.

7- تاريخ المدينة ٢: ٥٨١ وفد نجران.

8- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٩: ١٧٧.


الصفحة 273

(دلالة الآيّة على عظمة أهل البيت(عليهم السلام) )

« سليل ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

شكراً لكم على هذا المجهود الطيّب، ونتمنّى لكم كلّ التوفيق إن شاء الله.

في موضوع آية المباهلة، أرجو منكم طرح بحث مختصر يتناول عظمة وفضل أهل البيت(عليهم السلام) من خلال الآية الشريفة، وفّق الله الجميع لما فيه الخير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الآية نزلت في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) عند مباهلتهم لوفد نجران، روى ذلك: الحاكم النيسابوري في (المستدرك)(1)، وابن كثير في (تفسيره)(2)، والسيوطي بعدّة طرق في (الدرّ المنثور)(3).

ثمّ إنّ دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل بيته ومباهلته إلى الله تعالى بيان لشرفهم وقربهم ومنزلتهم عند الله، والقسم على الله بهم ليلعن الكاذب دليل على أنّ لهم من الدرجة ما لا يعلمها إلّا الله؛ لأنّ للقسم منزلة عند المقسم عليه، ومباهلة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهم (عليهم السلام) يعني احتجاجه على النصارى بهؤلاء الذين هم الحجّة على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعثته.

كما أنّ المباهلة تعني بحسب ماهيّتها: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جعل هؤلاء المتباهل بهم

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠ مناقب أهل البيت.

2- تفسير ابن كثير ١: ٣٧٩ قوله تعالى: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ...)).

3- الدرّ المنثور ٢: ٣٨ ــ ٣٩ قوله تعالى: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ...)).


الصفحة 274

شركاء في دعوته، ممّا يعني أنّ مسؤولية الدعوة تقع على عاتقهم كذلك بحجّيتهم ومقامهم، مشيراً إلى وجود تعاضد وتقاسم بينهم(عليهم السلام) وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما يفيد ذلك حديث: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي)(1).

فمنزلة الإمام عليّ(عليه السلام) بمنزلة هارون وصف لحجّيته ومشاركته في دعوته، كما شارك هارون موسى(عليه السلام) في دعوته، فهذه المقايسة في المباهلة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دليل حجّيتهم ومشاركتهم(عليهم السلام) معه(صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغ صدق بعثته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هذا ما تبيّنه آية المباهلة من مقامهم ومنزلتهم(عليهم السلام) .

(عدم تماميّة المباهلة لا تقدح بفضيلة أهل البيت(عليهم السلام) )

« الرافضي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

شاهدتُ في شهر رمضان ١٤٢٩هـ إحدى حلقات برنامج بثته قناة فضائية، وأثناء مداخلة لأحد المشاهدين تطرّق فيها إلى آية المباهلة، فوجئت بمقدّم

____________

1- انظر: صحيح البخاري ٥: ١٢٩ كتاب المغازي، باب (غزوة تبوك)، صحيح مسلم ٧: ١٢٠ ــ ١٢١ كتاب فضائل الصحابة، باب (فضائل عليّ)، سنن ابن ماجة ١: ٤٢ الحديث (١١٥)، سنن الترمذي ٥: ٣٠٢ الحديث (٣٨٠٨)، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٣ ــ ١٤، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣٣٧.


الصفحة 275

البرنامج يقاطع المتكلّم بقوله: (لكن المباهلة لم تتم)، وكأنّه أراد إبطال احتجاجنا عليهم بفضل رسولنا الأعظم وبقية أهل الكساء صلوات الله وسلامه عليهم، ما هو جواب هذه الشبهة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للجواب عن هذه الشبهة يقتضي ذكر أكثر من نقطة:

النقطة الأولى: عدم تمامية المباهلة لا يلزم منه عدم تمامية الفضيلة لأهل البيت(عليهم السلام) ، ولا يعني عدم تكريمهم، والإشادة بهم، والإشارة إلى أهمّيتهم.

ويكفينا في المقام أنّهم(عليهم السلام) كانوا ممّن اختارهم الله تبارك وتعالى، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) منفّذاً لهذا الاختيار الإلهي السماوي؛ أترى أنّ الله لا يختار الأفضل لمهمة خطيرة؟ أم أنّ اختياره لهم لا فضيلة فيه؟!

وكلاهما مردودان، ولم يقل بهما أحد.

والذي يشير إلى كونهم مختاريّ الله هو نفس قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْع(1)، فهم مرشّحو الباري لخوض غمار الاحتجاج الخطير والدور الكبير، وهذا وحده فضيلة عظمى ومنقبة باهرة. هذا أوّلاً.

وثانياً: كونهم وفي نفس المقام ممدوحي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بقوله في مقام الردّ على قول النصارى: (بمن تباهلنا يا أبا القاسم؟

قال: (بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله عزّ وجلّ، بهؤلاء)، وأشار لهما

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 276

إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم)(1).

وفي رواية: قال: (هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى الله عزّ وجلّ وجهة، وأقربهم إليه وسيلة)(2).

وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لهم صلوات الله عليهم: (إذا أنا دعوت فأمّنوا))(3)، ومنه يظهر أنّ لتأمين هؤلاء الأربعة(عليهم السلام) من أهمية في استجابة الدعاء بحيث وجّههم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه، والحال أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان حاضراً! وهذا ثالثاً.

ورابعاً: مدَحَهم النصارى الخارجون للمباهلة، بقولهم: (هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها)(4).

وهذا معناه أنّهم ـ. أي النصارى ـ. كانوا عارفين بأنّ الخارجين للمباهلة أصحاب فضل من قوم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ وتصديق ذلك: (قالا: فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر، ولا من الكثر، ولا أهل الشارة ممّن نرى ممّن آمن بك واتّبعك...)(5).

النقطة الثانية: إنّ قولهم ــ أي المستشكل ومن على رأيه ــ في عدم تمامية المباهلة، يفهم منه أنّهم علّقوا الفضيلة على تمامية المباهلة ونتيجتها، وكأنّهم يريدون القول: بأنّ احتمال نزول العذاب عليهم(عليهم السلام) ــ لو تمّت المباهلة ــ لاحتمال

____________

1- إقبال الأعمال، لابن طاووس ٢: ٣٤٥، الباب السادس، الفصل الأوّل.

2- الاختصاص، للمفيد: ١١٥ حديث المباهلة.

3- تخريج الأحاديث، للزيلعي ١: ١٨٦ ــ ١٨٧ سورة آل عمران، الحديث الحادي عشر، الكشّاف، للزمخشري ١: ٤٣٤ قوله تعالى: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ...))، تفسير الثعلبي ٣: ٨٥.

4- الكامل في التاريخ، لابن الأثير ٢: ٢٩٣ أحداث السنة العاشرة للهجرة، امتناع الأسماع، للمقريزي ٢: ٩٥.

5- إقبال الأعمال، لابن طاووس ٢: ٣٤٥.


الصفحة 277

كذبهم موجود، وهذا معناه: تكذيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ! فلا فضيلة له(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل بيته بعد ثبات عدم تمامية المباهلة لاحتمالية الكذب منهم واستحقاقهم اللعنة ــ نعوذ بالله ــ !

وكأنّما يريد المتكلّم أن يقول: إنّما نستكشف فضلهم لو ثبت صدقهم ونزل العذاب على النصارى! وهذا اتّهام صريح للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكذب، والخروج الباطل والمباهلة في ما لا حقّ له فيه، وإلّا ما معنى القول بعدم تمامية المباهلة سوى ذلك؟

وبعبارة أُخرى نقول: إنّ مدار تحقّق الفضيلة وعدمها ليس بملاك تمامية المباهلة، وإنّما بملاك كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صادقاً أم كاذباً؛ إذ صدقه كافٍ في ثبوت الحقّ له حتّى على فرض عدم الإتمام للمباهلة، وعليه يدور فضل من معه صلوات الله عليهم أجمعين.

فالقائلون بعدم التمامية يتّهمون نبيّهم الصادق الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكذب؛ لأنّهم يرون أنّه لو تمّت المباهلة لعرفنا الصادق من الكاذب، وعندها تتّضح الفضيلة.

فهم لا يعترفون لنبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالفضل ما دامت المباهلة لم تتم!!

النقطة الثالثة: أنّه حتّى الطبيعة المحيطة بهم قد اعترفت بفضلهم، ففي حديث تفصيلي يحدّثنا عن اضطرام الوادي وتغيير الحال، وتجاوب السهول والجبال، وحين رأى النصارى ذلك خافوا وذعروا وانسحبوا قبل أن يحلّ بهم المسخ والعذاب، حيث قال أحدهم: (انظرا إلى النجم قد استطلع إلى الأرض، وإلى خشوع الشجر، وتساقط الطير بأزائكما لوجوهها، قد نشرت على الأرض أجنحتها، وقاءت ما في حواصلها، وما عليها لله عزّ وجلّ من تبعة، ليس ذلك إلّا لما قد أظلّ من العذاب، وانظرا إلى اقشعرار الجبال، وإلى الدخان المنتشر، وقزع


الصفحة 278

السحاب، هذا ونحن في حمّارة القيظ وأبان الهجير، وانظروا إلى محمّد رافعاً يده والأربعة من أهله معه، إنّما ينتظر ما تجيبان به)(1).

النقطة الرابعة: قد اعترف لهم بالفضل جملة من الصحابة وأعلام أهل السُنّة.

فقد روى مسلم في صحيحه: (عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟

فقال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم)... ولمّا نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ(2) دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهمَّ هؤلاء أهلي)(3).

كما قال الزمخشري في (الكشّاف): (وفيه دليل ــ لا شيء أقوى منه ــ على فضل أصحاب الكساء)(4).

وقد احتجّ بها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) يوم الشورى، كما يروي ابن حجر في صواعقه؛ إذ قال: (أخرج الدارقطني: أنّ عليّاً يوم الشورى احتجّ على أهلها، فقال لهم: (أنشدكم بالله! هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الرحم منّي، ومن جعله (صلى الله عليه وسلم) نفسه، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟) قالوا: اللّهم لا...)(5).

____________

1- إقبال الأعمال ٢: ٣٤٦، الباب السادس في ما يتعلّق بيوم المباهلة.

2- آل عمران (٣): ٦١.

3- صحيح مسلم ٧: ١٢٠ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ.

4- الكشّاف ١: ٤٣٤ في ذيل آية (٦١) من آل عمران.

5- الصواعق المحرقة: ١٥٦، الباب الحادي عشر، الفصل الأوّل في الآيات الواردة فيهم. وانظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٣٢.


الصفحة 279

كما واعترف بذلك ابن تيمية في كتابه (منهاج السُنّة)(1)، وكذا ابن روزبهان الخنجي(2).

النقطة الخامسة: إنّ نفس الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ... تحمل تعظيماً لأهل البيت(عليهم السلام) من جهات أُخرى ناقشها المفسّرون وأصحاب الفكر، كالاستدلال بها على عظمتهم(عليهم السلام) ، لا بمجرد توجيه الخطاب لهم، وإنّما بنوعية وأسلوب الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَنْفُسَنَا؛ إذ يعني: أنّ عليّاً(عليه السلام) نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، و﴿أَبْنَاءَنَا؛ يعني: الحسن والحسين أبناء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذا من جهة الانحصار بهم(عليهم السلام) دون باقي المسلمين، وانظر اختصاص الزهراء البتول(عليها السلام) بلفظ ﴿نِسَاءَنَا.

ومن جهة توحّدهم في سنخية الاعتقاد مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأهليّتهم من حيث الرتبة لتمثيل هذا الدور الخطير، ومن جهة اللياقة لانحصار تمثيلهم للرسالة والمحافظة عليها مستقبلاً؛ لأنّ المتقدّم إلى المباهلة يجب أن يكون أعمق الناس إيماناً بدينه، وأشدّهم رسوخاً في الدفاع عنه، وأعلمهم بحقيقة ربطه بالله تعالى، وهذا واضح.

النقطة السادسة: وقوع جميع المقدّمات للمباهلة، مثل: امتثال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) لأمر الله تعالى أوّلاً، وثانياً لارتفاع المانع من جهتهم؛ حيث توجّهوا للتنفيذ العملي، وعدم نكوصهم صلوات الله عليهم حتّى يقال: إنّ في إتمامها حيثية تختلف في حال عدم إتمامها.

نعم، عدم تماميتها مستند لنكوص الخصم واستسلامه، وهذا أتمّ في الفضل

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٢٢، ١٣٠ المنهج الثاني في الأدلّة المأخوذة من القرآن الدالّة على الإمامة من الكتاب.

2- انظر: شرح إحقاق الحقّ، للمرعشي ٣: ٦٢ قول المصنّف: السادسة آية المباهلة.


الصفحة 280

لأهل البيت(عليهم السلام) ؛ إذ شعر أولئك أنّ لهؤلاء(عليهم السلام) الفضل والدرجة الرفيعة عند الله تعالى.

النقطة السابعة: لو لم تكن فيها فضيلة لَما حرصت بعض الأحاديث القليلة أن تجعل مع أهل البيت(عليهم السلام) آخرين غيرهم، وحرصت أيضاً أن يكون هذا الآخر من الخلفاء وذويهم، مثل: ما روي عن عمر بلا سند بزيادة: عائشة وحفصة(1)، أو: إدخال أبي بكر وولده، وعمر وولده، وعثمان وولده، في رواية أُخرى(2)، وفي رواية: بحذف الإمام عليّ(عليه السلام) وزيادة: ناس من أصحابه(3).

أليس هذا كلّه يرجع لفهم الوضّاع وساسة الخلافة ورواة البلاط بأهمية (هذه المنقبة) وعظمتها؟ وأنّ ذلك هو المفهوم الواضح من وجودها، والمتبادر إليهم منها؟

النقطة الثامنة: إنّ بعض الذين ذكروا آية المباهلة من المحدّثين إنّما ذكروها في باب الفضائل، كصحيح مسلم، وقد ذكرها في كتاب فضائل الصحابة(4)، وكذا الترمذي في سننه(5)، وذكرها في هذا الباب دليل على كونها فضيلة.

وهنا نتساءل: لو كان الخارج مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الخلفاء الثلاثة، أو حفصة، أو عائشة، أو أحد بني أمية مثلاً، هل يكون التجاوب التاريخي مع هذه الحادثة كما هو الآن بأزاء أهل البيت(عليهم السلام) ؟!

____________

1- انظر: السيرة الحلبية ٣: ٢٣٦، باب يذكر فيه ما يتعلّق بالوفود التي وفدت عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) .

2- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٩: ١٧٧ حياة عثمان بن عفان.

3- انظر: تاريخ المدينة المنورة، لابن شبّة ٢: ٥٨١.

4- صحيح مسلم ٧: ١٢٠ فضائل الصحابة، فضائل عليّ(عليه السلام).

5- سنن الترمذي ٥: ٣٠١ الحديث ٣٨٠٨ مناقب عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 281

ولك أن تتخيّل حينها الحالة القدسية، والإطار الربّاني الأسمى الذي يحاط به هؤلاء، ومقدار الحرمة الجازمة في مسّهم، والدنو من ساحتهم، والقدح بشأنهم؛ لأنّ استحقاقهم في الخروج للمباهلة ووضعهم في ميزان السماء، ورفعهم إلى العرش علوّاً، وذلك هو الحقّ طبعاً! ولكن بمن وقعت به المباهلة واقعاً.

(سبب تخلّي النصارى عن المباهلة)

« محمّد »

السؤال:

كيف عرفت النصارى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية المباهلة على حقّ؟

وإن كانوا قد عرفوا ذلك، فكيف لم يعترفوا بدينه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك احتمالان في المقام:

١ــ أن يكونوا قد أذعنوا في أنفسهم بحقّانية الدين الإسلامي، ولكن الأطماع والأهواء الدنيوية منعتهم من الاعتراف بهذا الواقع فجحدوه؛ قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً(1).

٢ــ إنّهم عندما رأوا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أتى بأعزّ أهله معه للمباهلة، عرفوا بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) على يقين من أمره، فبات الأمر واضحاً عندهم، فإن كان هناك احتمال ضئيل

____________

1- النمل (٢٧): ١٤.


الصفحة 282

لعدم صحّة مبدئه ومعتقده، كان الواجب عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) عقلاً أن يتوقّى الضرر ويدفعه عن نفسه وذويه، وفي الجانب الآخر لم تقدّم النصارى أيّ شيء في هذا المقام.

فبحسب قانون الاحتمالات يحكم العقل بأرجحية الطرف الأوّل في المقابلة، ويكون هذا هو وجه تخلّفهم عن المباهلة.

(دلالتها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)

« محمّد ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

كيف تدلّ آية المباهلة على إمامة عليّ(عليه السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يستدلّ علماؤنا بكلمة: ﴿وَأَنفُسَنَا(1) على إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) ؛ تبعاً لأئمّتنا(عليهم السلام) .

ولعلّ أوّل من استدلّ بهذه الآية هو أمير المؤمنين(عليه السلام) نفسه، عندما احتجّ على الحاضرين في الشورى، بجملة من فضائله ومناقبه، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة؛ إذ قال(عليه السلام) : (نشدتكم بالله! هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الرحم، ومن جعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، وابناه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: لا)، فكلّهم أقرّوا بما قال(عليه السلام) (2).

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.

2- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٣٢.


الصفحة 283

وروى السيّد المرتضى عن الشيخ المفيد: إنّ المأمون العبّاسي سأل الإمام الرضا(عليه السلام) : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام) يدلّ عليها القرآن؟

فذكر له الإمام الرضا(عليه السلام) آية المباهلة، واستدلّ بكلمة: ﴿وَأَنفُسَنَا(1).

لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أُمر أن يخرج معه نساءه أخرج فاطمة فقط، وعندما أُمر أن يخرج أبناءه أخرج الحسن والحسين فقط، وعندما أُمر أن يخرج معه نفسه أخرج عليّاً(عليه السلام) ، فكان عليّ(عليه السلام) نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلّا أنّ كون عليّ نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن، فيكون المعنى المجازي هو المراد، وأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي في مثل هذا المورد هو أن يكون(عليه السلام) مساوياً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع الخصوصيات، إلّا ما أخرجه الدليل، وهو: النبوّة، إذ لا نبيّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتبقى بقية مزايا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخصوصياته وكمالاته ثابتة.

ومن خصوصيات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أفضل من جميع المخلوقات، فعليّ(عليه السلام) كذلك، والعقل يحكم بقبح تقدّم المفضول على الفاضل، إذاً لا بدّ من تقدّم عليّ(عليه السلام) على غيره في التصدّي لخلافة المسلمين.

(روايات تدلّ على أنّ عليّاً(عليه السلام) هو نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) )

« أحمد الحسناوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى ما لدلالة آية المباهلة على عظيم الفضل والمنزلة لأهل البيت

____________

1- الفصول المختارة: ٣٨، فصل (مكالمة المأمون للرضا(عليه السلام) في المباهلة).


الصفحة 284

صلوات الله عليهم أجمعين، ولكن المشكّكين من الوهّابية لا يروقهم سماع فضيلة من فضائل أهل البيت(عليهم السلام) ، ولذا تراهم ينكرون مهما استطاعوا تلك الفضائل، ومن هذا الباب محاولة بعض منهم إنكار أنّ المراد بـ﴿أَنْفُسَنَا الواردة في الآية الكريمة هو الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فهل يوجد نصّ نبويّ صريح وصحيح من كتب القوم يذكر أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) هو المراد بـ﴿أَنْفُسَنَا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد صرّح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عليّاً(عليه السلام) هو كنفسه صلوات الله عليه.

ففي (مجمع الزوائد) للهيثمي: قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : (أو لأبعثن إليكم رجلاً منّي، أو: كنفسي، يضرب أعناقكم. ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: هذا)(1).

وفي (المصنّف) للصنعاني: عن عبد الله بن حنطب، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لوفد ثقيف حين جاؤوا: (لتُسلمنّ أو لنبعثنّ رجلاً منّي ــ أو قال: مثل نفسي ــ فليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم). فقال عمر: فوالله ما تمنّيت الإمارة إلّا يومئذ، جعلت أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا. قال: فالتفت إلى عليّ، فأخذ بيده، ثمّ قال: (هو هذا، هو هذا)(2).

وفي (المصنّف) لابن أبي شيبة: (اللّهمّ أنا أو كنفسي، ثمّ أخذ بيد عليّ)(3).

وفيه أيضاً: قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : (أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي أو كنفسي فليضربنّ أعناق

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ١٦٣ كتاب المناقب، باب فضائل أهل البيت.

2- المصنّف، للصنعاني ١١: ٢٢٦ الحديث (٢٠٣٨٩)، باب (أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ).

3- المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٩ الحديث (٣٠) كتاب الفضائل، فضائل عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 285

مقاتلتهم وليسبينّ ذراريهم، قال: فرأى الناس أنّه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد عليّ، فقال: هذا)(1).

وذكر ذلك أبو يعلى في (مسنده)(2)، والحاكم في (المستدرك) وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3).

ثمّ إنّ الثابت عند الفريقين أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُخرج للمباهلة سوى عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، وقد أشار إلى فاطمة بكلمة ﴿نِسَاءَنَا، وإلى الحسن والحسين بـ﴿أَبْنَاءَنَا، ولم يبق لعليّ(عليه السلام) سوى كلمة ﴿أَنْفُسَنَا.

ولا يصحّ أن يقال أنّ المراد بـ﴿أَنْفُسَنَا هو: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّه لا معنى لأن يدعو نفسه، بل المدعو لا بدّ أن يكون غيره؛ إذ لا يمكن اتّحاد الداعي والمدعو.

(ما يمنع من إرادة نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع نفس عليّ(عليه السلام) في الآية)

« مهدي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

توجد شبهة حول آية المباهلة عند المخالفين وهي: أنّ (الأنفس) جمع قلّة، مضافاً إلى (نا) الدالّة على الجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تقسيم الآحاد، كما في قولنا: (ركب القوم دوابّهم)، أي: ركب كلّ واحد دابّته... أي: أنّه

____________

1- المصنّف ٧: ٤٩٨ الحديث (٢٣) كتاب الفضائل، فضائل عليّ بن أبي طالب الحديث.

2- مسند أبي يعلى ٢: ١٦٦ الحديث (٨٥٩) من مسند عبد الرحمن بن عوف.

3- المستدرك على الصحيحين ٢: ١٢٠ ــ ١٢١ كتاب الجهاد، قصّة فتح مكّة والطائف وهجر.


الصفحة 286

يقصد أنّ (أنفس) تعني: نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على حدة، ونفس عليّ(عليه السلام) على حدة... فكيف نردّ عليهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي يمنع من إرادة نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع نفس عليّ(عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(1) مع التسليم بكونه جمع قلّة مضافاً إلى جمع، أمران:

الأوّل: دعاء الإنسان نفسه محال؛ إذ لا يصحّ من الإنسان أن يدعو نفسه، وإنّما يدعو غيره.

الثاني: المجاز خلاف الأصل؛ إذ حسب هذه الدعوى يكون عندنا مجازان في هذه الفقرة: المجاز الأوّل: استعمال ﴿أَنْفُسَنَا بإطلاقه على الاثنين، والثاني في ﴿نَدْعُ باستعماله في دعاء الإنسان نفسه وغيره بلفظ واحد. بينما في جعل المراد من ﴿أَنْفُسَنَا عليّاً(عليه السلام) وحده مجاز واحد لا غير، وهو يلائم الاستعمال المجازي الواحد في ﴿أَبْنَاءَنَا و﴿نِسَاءَنَا في إطلاقهما على فاطمة والحسنين(عليهم السلام) ، وتقليل المجاز في الكلام أولى من تكثيره في لسان البلاغة.

ويؤيد هذا المعنى المستفاد من العقل والبلاغة: ما ورد في السُنّة الصحيحة عن عبد الرحمن بن عوف، قال: (افتتح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة ثمّ انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبع ثمّ أوغل غدوة أو روحة، ثمّ نزل، ثمّ هجر، ثمّ قال: (أيّها الناس، إنّي لكم فرط، وإنّي أوصيكم بعترتي خيراً، موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمنَّ الصلاة ولتؤتون الزكاة أو لأبعثنَّ عليكم رجلاً منّي أو كنفسي فليضربنَّ أعناق مقاتليهم وليسبينَّ ذراريهم), قال ــ عبد الرحمن بن

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 287

عوف ــ : فرأى الناس أنّه يعني أبا بكر أو عمر، فأخذ بيد عليّ فقال: (هذا))(1).

تعليق:

« صالح ــ السعودية ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لدي سؤال بخصوص الحديث الوارد، وهو: هل توجد روايات معتبرة غير هذه الرواية تعبّر عن الإمام علي(عليه السلام) بنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

ولماذا نرى الخطاب في الرواية المذكورة في الجواب كان موجّهاً للناس مباشرة: (أيّها الناس! إنّي لكم فرط، وإنّي أوصيكم بعترتي خيراً، موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتونّ الزكاة أو لأبعثنَّ عليكم...)، ثم أصبح للغائب: (...فليضربنَّ أعناق مقاتليهم، وليسبينَّ ذراريهم)؟ في حين المفترض أن يكون: (فليضربنّ أعناق مقاتليكم، وليسبينّ ذراريكم)؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى الصفّار في (بصائر الدرجات) في رواية عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، أنّه قال: (قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل الطائف: لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي يفتح الله به... فلمّا أصبح ودعا عليّاً(عليه السلام) فقال: اذهب بالطائف...)(2).

____________

1- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ١٢٠ كتاب الجهاد، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٨, مسند أبي يعلى ٢: ١٦٦ من مسند عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.

2- بصائر الدرجات: ٤٣٢، الباب (١٦).


الصفحة 288

وروى الصدوق في (أماليه)، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: (عليّ منّي كنفسي...)(1).

وروي عن الرضا(عليه السلام) ، عن آبائه، عن عليّ(عليه السلام) : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ في خطبة له: (يا عليّ من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني؛ لأنّك منّي كنفسي...)(2).

وروي عن الرضا(عليه السلام) في جوابه للعلماء في مجلس المأمون، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي)، يعني: عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) (3).

وأمّا الرواية المذكورة في الإجابة السابقة، فقد نقلناها من كتب المخالفين، وهم جعلوها بضمير الغائب لإبعاد الأمر عن المخاطبين! وإلّا فهي في كتبنا، كما في أمالي الطوسي، هكذا: (فليضربنّ أعناق مقاتليكم، وليسبينّ ذراريكم ــ فرأى أناس أنّه يعني: أبا بكر وعمر ــ وأخذ بيد عليّ، فقال: هذا هو)(4).

(هل أنّ قوله: (أنفسكم) تجري على منوال (وأنفسنا) مقاماً؟)

« أبو موسى البحراني ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في قوله تعالى: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُم وَأَنفُسَنَا

____________

1- أمالي الصدوق: ١٤٩ الحديث (١) المجلس العشرون.

2- أمالي الصدوق: ١٥٥ الحديث (٤) المجلس العشرون.

3- أمالي الصدوق: ٦١٨ الحديث (١) المجلس التاسع والسبعون.

4- أمالي الطوسي: ٥٠٤ الحديث (١١) المجلس الثامن عشر.


الصفحة 289

وأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ(1)، من المشهور لدينا نحن الشيعة الإمامية والثابت عندنا بالتواتر، وعند أبناء العامّة كذلك، أنّ مفهوم ﴿أَنْفُسَنَا هو نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وبالتالي يكون المعصومان نفساً واحدة, لكن هل يترتّب الشيء ذاته على كلمة ﴿وأَنفُسَكُم؟ أي هل يكون النصارى أنفس بعضهم البعض؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قولك: (إنّ مفهوم ﴿أَنْفُسَنَا هو نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ(عليه السلام) )، ليس صحيحاً!

لأنّ المراد من ﴿أَنْفُسَنَا هو: عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فقط؛ وذلك لأنّ المرء لا يدعو نفسه، فقد ورد في الآية المباركة: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ... وَأَنفُسَنَا، فكيف يجوز أن يدعو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه؟!

أمّا ورود ﴿أَنْفُسَنَا بصيغة الجمع فلأجل الاهتمام ومزيد العناية.

بينما المراد بـ﴿أَنفُسَكُم في الآية المباركة هم: النصارى الذي حضروا المباهلة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس المقصود شخصاً بعينه يكون بمنزلة عليّ(عليه السلام) عند القوم، أو شخصين بمنزلة الرسول وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، ولا يستفاد من هذه العبارة ﴿وأَنفُسَكُم أنّ النصارى بعضهم أنفس بعض، كما ذكرتم، قياساً على ما ظننتموه في مفروض السؤال، أنّ المراد من قوله: ﴿وأَنْفُسَنَا هم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام) .

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 290

(من المقصود بكلمة (أنفسكم)؟)

« الحوراء ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(1) كان عليّ(عليه السلام) نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكلاهما أنموذج للعقيدة النقيّة المشروعة من الله عزّ وجلّ.

والسؤال هنا: من مثل نفس المتباهل معهم؟ بمعنى أنّنا كيف نتصوّر عقيدة فاسدة ومحرّفة ويمثّلهم شخص مغترّ بهذه العقيدة اللاعقيدة إن صحّ التعبير؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي تمثّله كلمة ﴿أَنْفُسَكُمْ في آية المباهلة هي: تلك المجموعة، سواء أكانت شخصاً واحداً أم أكثر، التي يعدّها كبار النصارى ــ باعتبار أنّ المباهلة حصلت معهم ــ بمثابة أنفسهم.

يعني: أنّ من أراد أن يجري المباهلة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوه القرآن أن يأتي بشخص أو جماعة تماثله في المقام والمرتبة بحيث يكون بمثابة نفسه، ولعلّ سبب هكذا دعوة من الطرفين هو: إظهار أفضل ما عند الطرفين، الذي يعدّ بمثابة النفس، دون ما لو كانت الدعوة لأراذل القوم، والتي قد يعتذر عند الفشل بأنّ هؤلاء لم يكونوا بمستوى المباهلة.

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 291

(الفرق بين (أنفسنا) و(من أنفسكم)

« محمّد قاسم ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في عنوان: (تفضيل الأئمّة(عليهم السلام) /تفضيل الإمام عليّ(عليه السلام)، استدللتم بآية المباهلة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(1)، وقلتم: بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ساوى بينه وبين الإمام عليّ(عليه السلام) في هذه الآية.

ولكننا نجد في سورة التوبة: ﴿لَقَد جَاءكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(2). فهل نحن من أجل هذه الآية مساوين للرسول؟

أرجو التوضيح: لماذا في آية المباهلة الإمام(عليه السلام) يساوي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي هذه الآية لا نساويه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لنا في مقام الجواب عدّة نقاط:

الأولى: في البدء بودّنا أن نلفت نظركم أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا بمعنى المداخلة والمساواة للأنفس لم يرد لها نظيراً في القرآن الكريم!

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.

2- التوبة (٩): ٢٨.


الصفحة 292

نعم، ورد في جملة من الآيات لفظ: ﴿مِّنْ أَنفُسِهِمْ، أو لفظ ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ الموهمة بالتشابه أو انطباق المعنى بينها وبين ﴿أَنْفُسَنَا وجدانياً.

ونحسب أنّ هناك فرقاً بين الاثنين, بين أن يُنسب المرء لنفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والموحي بالمساواة والتطابق، وهو المراد هنا, وبين أن يُنسب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لنفوس الآخرين؛ حيث إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في نسبتهِ للغير يتبادر إلى الذهن: المساواة في السنخية من جهة الخلق والتكوين, ولذلك يصحّ أن يخاطب الإنسانية جمعاء بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنفسكم، يعني: بشراً مثلكم، ويعضده قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثلُكُم(1), وليس معنى هذا: التساوي بكافة الخصائص والملكات والرتب، وإن ثبت مساواته لهم من جهة السنخية.

ولا يعزب عن العاقل أنّ المؤمنين أنفسهم لا يمكن القول بتساويهم بعضهم مع بعض؛ لحتمية الاختلاف بينهم, فمنهم المطيع والعاصي، والمؤمن والمنافق، والمجاهد والمتخلّف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمخلص والمتآمر، فكيف يفرض القرآن كونهم نفس واحدة!

نعم، يكون هذا مقبولاً على ما ذهبنا إليه من التساوي في السنخية والانضمام للآدمية, فالسنخية دليل الانضمام كما يقولون.

إذن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مثلهم من هذه الجهة, ولكن يجب أن نعرف أنّه مثلهم وزيادة: ولا نقصد بالزيادة الخروج عن الآدمية, وإنّما نعني بها: أنّه هو فوقهم من جهة الرتب والدرجات والملكات والخصائص التي يمتنع فيها المساواة بها معهم.

____________

1- الكهف (١٨): ١١٠.


الصفحة 293

وبمقدار ما يكفي أن يشير القرآن إلى آدمية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي يحرز فيها تحقّق الانضمام البشري والتوحّد الآدمي بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والقوم الذين هو منهم، يكون قد أثبت بهذا المقدار الحجّة عليهم، بأنّهم سواء معه(صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة الخلق، فلماذا لا يقبلون من بشر مثلهم وليس من جنس آخر؟ ولو كان من غير سنخهم لحقّ لهم الاعتراض عليه بمقتضى اختلاف السنخية والجنس.

أمّا قوله: ﴿أَنْفُسَنَا، مع وجود شخص آخر غير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مقصود بهذا الجمع، فمعناه: أنّه ــ أي: الآخر ــ كنفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى من جهة الخصائص والرتب العليا، الممتنعة على الغير؛ لبداهة الفرق بين قول القائل لأهل قرية: (أنا أخوكم)، ولقوله في أحدهم: (إنّه أخي)، فالسامع يفهم في الكلمة الأولى (أخوكم) فرقاً وجدانياً واضحاً عن الكلمة الثانية (أخي)؛ إذ يتبادر إلى الذهن أنّ كلمة (أخوكم) يراد بها: الإخوّة بمعناها العام, كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ(1).

بالمقابل يتبادر إلى الذهن أنّ المراد بكلمة (أخي): الأُخوّة بمعناها الخاص, يعني: إخوة النسب والدم واللحم والرحم، وإن كان مجازاً, نظير: قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليّ أخي في الدنيا والآخرة)(2).

وإذا لم نفهم هذا المعنى وندرك هذا التفريق فلا يبقى أي قيمة لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليّ أخي في الدنيا والآخرة)؛ إذ كلّ المؤمنين إخوة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنصّ القرآن؛ باعتبار ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) داخل في مصداق الإخوة؛ باعتبار مفهوم الإيمان.

____________

1- الحجرات (٤٩): ١٠.

2- انظر: الجامع الصغير، للسيوطي ٢: ١٧٦ الحديث (٥٥٨).


الصفحة 294

ولا نغفل في المقام مجيء كلمة ﴿أَنْفُسَنَا بصيغة الجمع، ولا يمكن أن يكون المقصود بها نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لامتناع دعوة الإنسان نفسه, ولا نغفل أنّنا ذهبنا لكون المقصود بها أمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ لقرينة خروجه بمفردهِ مع النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة، ولجملة الأدلّة التي سنفصّلها لاحقاً.

ومن الطبيعي القول: أنّ لا أحد يقول بأنّ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ, تعني المساواة بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وباقي الناس, فللرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) امتيازات خاصّة لا يبلغها أحد قط, وحتّى نحن عندما نقول بأنّ عليّاً مساوٍ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما نقصد مساواته(عليه السلام) له(صلى الله عليه وآله وسلم) بالملكات والمراتب العليا دون النبوّة المشَرّفَة، فهي من اختصاصاته(صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره من الخلق.

فهذه الآية: ﴿لَقَد جَاءكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(1)، موهمة للمستدلّ أنّه إن قال في آية المباهلة بالتساوي، فيلزم هنا القول به أيضاً, وعليه فلا فضيلة للتساوي في المباهلة؛ لتحقّقه للغير مع رسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في آية أُخرى, أو للاستدلال بأنّه لا يراد بها: التساوي، وإنّما يراد بها: الاشتراك بنحوٍ ما، كالجنس أو الذكورة أو الإخوة في الدين وغير ذلك، ممّا لا يعني وجود فضيلة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في آية المباهلة؛ لأنّ الجميع مشتركون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الأنماط من الروابط, فيتحقّق مراده (أي المستدلّ) من عدم المساواة في آية المباهلة.

ونحن في مقام التفريق بين مثل هذه الآية وآية المباهلة الدالة على المساواة، نسوق لك الأدلّة التالية في النقاط اللاحقة مضافاً للدليل المتقدّم.

____________

1- التوبة (٩): ١٢٨.


الصفحة 295

الثانية: الردّ بالآيات القرآنية المباركة الموجبة للتفريق بين النفس والأهل، بحيث لا تأتي كلمة أنفسنا بمعنى: أهلنا، أو الأقارب، أي: الختن أو الصهر وما شابه، وإنّما تعني: النفس بما هي ذات المرء وحقيقته.

فقد ورد في كتاب (نفحات الأزهار) للسيّد علي الميلاني في مقام الردّ على ابن تيمية: (لكن ماذا يقول ابن تيمية في الآيات التي وقع فيها المقابلة بين (النفس) و(الأقرباء) كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَاراً(1)؟

وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وَأَهلِيهِم(2), فكذلك آية المباهلة، غير أنّ النفس في الآيتين المذكورتين مستعملة في نفس الإنسان على وجه الحقيقة. أمّا في آية المباهلة فهي مستعملة ــ لتعذّر الحقيقة ــ على وجه المجاز لمن نُزّل بمنزلة النفس, وهو عليّ(عليه السلام) ؛ للحديث القطعي الوارد في القضية)(3).

فلو كانت النفس تعني الأهل والأقارب لاستغنى القرآن عن ذكرهم في الآيتين واكتفى بذكر (أنفسكم) أو (أنفسهم)؛ لأنّها متضمنة لهم، أي: للأهلين.

الثالثة: الأحاديث الشريفة الموجبة لتلك المساواة بين نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المقدسة ونفس عليّ(عليه السلام) المشرفة, إذ ورد هذا المعنى في:

أ ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (أنت منّي وأنا منك)(4).

ب ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع: (عليّ منّي وأنا منه، لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ)(5).

____________

1- التحريم (٦٦): ٦.

2- الزمر (٣٩): ١٥.

3- نفحات الأزهار ٢٠: ٢٧٧ الآيات الدالّة على الإمامة.

4- صحيح البخاري ٣: ١٦٨ كتاب الصلح، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٢٠ فضائل عليّ بن أبي طالب.

5- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٦٤ حديث حبش بن جنادة السلولي.


الصفحة 296

ج ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)(1).

د ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصّة البراءة: (لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي)(2)، أو: (لا يذهب بها إلّا رجل منّي وأنا منه)(3).

هـ ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصّة وفد ثقيف: (لَتُسلِمنّ أو لنبعثنّ رجلاً منّي ــ أو قال: مثل نفسي ــ ليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم, وليأخذنّ أموالكم). فقال عمر: فوالله ما تمنّيت الإمارة إلّا يومئذ, جعلت أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا, قال: فالتفت إلى عليّ، فأخذ بيده، ثمّ قال: (هو هذا, هو هذا)(4).

و ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (خُلقت أنا وعليّ من نور واحد)(5).

ز ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) : (الناس من أشجار شتّى، وأنا وأنت من شجرةٍ واحدة)(6).

ح ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سئل عن بعض أصحابه, فقيل: فعليّ؟! قال: (إنّما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي)(7).

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٤٣٧ حديث عمران بن حصين، سنن الترمذي ٥: ٢٩٦ الحديث (٣٧٩٦) مناقب عليّ بن أبي طالب.

2- السنن الكبرى، للنسائي ٥: ١٢٩ الحديث (٨٤٦٢) ذكر توجيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ببراءة مع عليّ، مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ مسند أبي بكر بلفظة (لا يبلغه).

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن العبّاس.

4- المصنّف، لعبد الرزّاق الصنعاني ١١: ٢٢٦ الحديث (٢٠٣٨٩)، باب أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

5- تذكرة الخواص، لابن الجوزي ١: ٣٢٠ حديث في ما خلق منه عليّ(عليه السلام).

6- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٢٤١ كتاب التفسير.

7- الشافي في الإمامة ٢: ٢٥٦ الاستدلال بآية المباهلة.


الصفحة 297

ط ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قتل عليّ(عليه السلام) يوم أُحد أصحاب الألوية في جواب جبريل: (إنّه منّي وأنا منه), فقال جبرائيل: وأنا منكما يا رسول الله(1).

فهذه الباقة من الأحاديث الشريفة تقرّر بلا أدنى ريب أنّ نفس الإمام عليّ(عليه السلام) هي نفس نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خلقاً وأصلاً ونوعاً وتكويناً, وهي كما نعتقد، كافية في مقام تقريب المراد, كي لا يأخذنا العجب والاستغراب والاستنكار أحياناً, إذا ما سمعنا أو قرأنا بأنّ آية المباهلة دالّة بوضوح على أنّ خطاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ﴿وأَنْفُسَنَا مقصود به: عليّ(عليه السلام) ، وليس المقصود به نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المشرّفة؛ لما تقدّم من الأدلّة.

وللدليل الظريف المنطقي الذي يذكره الشيعة في المقام والذي نجعله دليلاً برأسه، وهو:

الرابعة: استدلّ السيّد المرتضى في كتاب (الشافي في الإمامة) بأنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) في الآية هو المقصود بـ﴿أَنْفُسَنَا بما يلي: (ونحن نعلم أنّ قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه: النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّه هو الداعي, ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه, وإنّما يصحّ أن يدعو غيره, كما لا يجوز أن يأمر نفسه وينهاها, وإذا كان قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ لا بدّ أن يكون إشارة إلى غير الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) , وجب أن يكون إشارة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين وغير زوجته وولديه(عليهم السلام) في المباهلة)(2).

الخامسة: من المهم أن نعلم أنّ الآية الكريمة لا تؤسّس لهذه المساواة المتضمّنة لها, وإنّما هي بالواقع كاشفة عنها؛ فنحن لا نرى في عدم ذكر الآية فقدان

____________

1- المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣١٨ الحديث (٩٤١).

2- الشافي في الإمامة ٢: ٢٥٤ الاستدلال بآية المباهلة.


الصفحة 298

لهذه الخاصية المشرّفة في المساواة بين نفس النبيّ الأشرف(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين نفس ابن عمّه ووصيّه وأخيه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ؛ إذ أنّ أقوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله وكلّ ما صدر منه بشأن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) دالّ على هذه الحقيقة, إذاً الآية كاشفة عن هذا الأمر، وهي دليل على وجوده لمن لا يعتقد إلّا بإثبات من كتاب الله تعالى.

وهذه النقاط لا يمكن أن تتحقّق في مثل قوله تعالى: ﴿لَقَد جَاءكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم, وبالضبط في فقرة ﴿مِن أَنفُسِكُم؛ فهي ليست كقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، لما ذكرنا من النقاط.

فإن قيل: إنّ دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل بيته لا امتياز بها؛ لأنّ العادة عند العرب قاضية بإخراج آل الرجل للمباهلة.

قلنا: إنّ هذا منتقض من جهات:

١ــ لماذا لم يخرج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل بيته من هو أقرب إليه من الإمام عليّ(عليه السلام) , وهو عمّه العبّاس, إذ العبّاس أقرب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سلم الرحمية.

٢ــ إنّ الأمر لو كان كذلك, إذاً لماذا تساءل النصارى من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، عندما علموا أنّ الذين معه أهل بيته, قائلين: لماذا لم تخرج لنا أهل الكرامة والشارة من أصحابك(1)؛ إذ يفترض أنّهم لا يسألون مثل هذا السؤال مع كونهم عارفين إنّ العرف (عند العرب) قائم على إخراج آل الرجل في المباهلة.

٣ــ حديث النصارى مع بعضهم قاضٍ بانتقاض هذه القاعدة, أو دليل على عدم وجودها؛ إذ قال بعضهم لبعض: لو كان قد أخرج أهله لكان من الصادقين... الخ.

ومن هنا نعرف لماذا يتساوى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام) في آية المباهلة، ولم يتساوَ الناس مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في آية: ﴿لَقَد جَاءكُم رَسُولٌ مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ

____________

1- إقبال الأعمال، لابن طاووس ٢: ٣٤٥، الباب السادس (في ما يتعلّق بيوم المباهلة).


الصفحة 299

مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ؟!

(الفرق بين (أنفسنا) في آية المباهلة و(من أنفسهم) في سورة آل عمران)

« أبو محمّد ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في الآية رقم ١٦٤ من سورة آل عمران: ﴿لَقَد مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِّن أَنفُسِهِم...، وفي آية المباهلة: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، وتفسير ﴿أَنْفُسَنَا في آية المباهلة هو: الإمام عليّ(عليه السلام).

سؤالي: ما هو معنى النفس في سورة آل عمران في الآية المذكورة، مع وجود (من)، وهي التي تأتي بمعنى التبعيض في الكلمات أحياناً، فهل المقصود بأنفسهم هنا: آل هاشم من المؤمنين، وهم الذين حفظوا رسول الله والإمامة في أصلابهم، أم هم: المؤمنون عامّة؟ فيكون رسول الله في هذه الحالة من أنفسهم!

وما الفرق لغوياً بين (أنفسنا) في المباهلة (وأنفسكم) في هذه الآية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ إنّ معنى ﴿مِّن أَنفُسِهِم في سورة آل عمران الآية ـ١٦٤ـ : ﴿لَقَد مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِّن أَنفُسِهِم... هو: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من نوع البشر، ومثلهم، ومن صنفهم، وليس من الملائكة أو من المخلوقات الأُخرى,


الصفحة 300

كما أنّ الظاهر أنّ الخطاب عام ولا يختصّ ببني هاشم أو المؤمنين أو العرب.

قال السيّد الطباطبائي في(تفسير الميزان): (وقد وصفه بأنّه: (من أنفسهم)، والظاهر أنّ المراد به أنّه: بشر مثلكم، ومن نوعكم؛ إذ لا دليل على تخصيص الخطاب بالعرب، أو بقريش خاصّة, وخاصّة بالنظر إلى وجود رجال من الروم وفارس والحبشة بين المسلمين في حال الخطاب)(1).

أمّا الفرق اللغوي بين ﴿أَنْفُسَنَا في آية المباهلة ﴿وأَنفُسِهِم في سورة آل عمران, هو أنّ كلمة ﴿أَنْفُسَنَا وردت بصيغة الجمع، ولكن المقصود هو: فرد واحد ومصداق واحد، وهو الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

قال الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره (الأمثل): (﴿أَنْفُسَنَا ينحصر في عليّ(عليه السلام) ، بينما كلمة أنفسهم هي صيغة جمع، وأيضاً استعملت للدلالة على الجمع لا على شخص واحد)(2).

٢ــ إنّ التبعيض بـ(من) في آية آل عمران يساعد على إرادة العموم من معنى النفس، أي: جميع الناس، بخلافه في آية المباهلة، مضافاً إلى أنّ الإضافة إلى ضمير المتكلّم (نا) ساعد على التخصيص، وقطعاً ليس المقصود هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّ الإنسان لا يتعقّل أن يدعو نفسه، فالمقصود هو: الإمام عليّ(عليه السلام) ، بمساعدة الواقعة الخارجية، فتدل الآية على مساواة الإمام(عليه السلام) للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بجميع الصفات عدا ما خرج بالدليل.

قال الرازي في تفسيره، نقلاً عن محمّد بن الحسن الحمصي ــ وهو من أعلامنا صاحب كتاب (المنقذ من التقليد) ــ: (ليس المراد بقوله ﴿أَنْفُسَنَا: نفس

____________

1- الميزان في تفسير القرآن ٩: ٤١١.

2- الأمثل ٢: ٥٢٨.


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية