المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 361 - ص 390)

عليهم، ولا أنّه يقال: تولّوه، بل يقال: تولّى عليهم.

١٥. ومنها: أنّ الله سبحانه لا يوصف بأنّه متولّ على عباده، وأنّه أمير عليهم، ولا يقال: إنّ الله أمير المؤمنين، كما يسمّى المتولّي، مثل عليّt وغيره: أمير المؤمنين، بل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لا يقال: إنّه متولٍ على الناس وأنّه أمير عليهم.

١٦. ومنها: أنّه ليس كلّ من تولّى عليه إمام عادل يكون من حزب الله ويكون غالباً؛ فإنّ أئمّة العدل يتولّون على المنافقين والكفّار، كما كان في مدينة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت حكمه ذمّيون ومنافقون، وكذلك كان تحت ولاية عليّ(رضي الله عنه) كفّار ومنافقون، والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللَّهِ هُم الغَالِبُونَ(1)، فلو أراد الإمارة لكان المعنى: أنّ كلّ من تأمّر على الذين آمنوا فإنّهم يكونون من حزبه الغالبين، وليس كذلك، وكذلك الكفّار والمنافقون تحت أمر الله الذي هو قضاؤه وقدره مع كونه لا يتولاهم، بل يبغضهم.

١٧. ومنها: أنّ كلمة (إنّما) تفيد الحصر، والحصر يكون في ما يحتمل اعتقاد الشركة والتردّد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردّد ونزاع في الإمامة وولاية التصرّف، بل كان في النصرة والمحبّة.

١٨. ومنها: أنّ إمامته (رضي الله عنه) غير مرادة في زمان الخطاب؛ لأنّ ذلك عهد النبوّة، والإمامة نيابة فلا تتصوّر إلّا بعد انتقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً تعيّن أن يكون المراد الزمان المتأخّر عن زمن الانتقال ولا حدّ للتأخير، فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير(رضي الله عنه) بعد مضي زمان أبي بكر وعمر وعثمان(رضي الله عنهم).

لذا وضعوا كثيراً من الروايات بلفظ: (بعدي)، كما مرَّ بك وسيأتي.

____________

1- المائدة (٥): ٥٦.


الصفحة 362

١٩. ومنها: أنّ الأمر في الآية إن كان محمولاً على الإمارة كما يدّعي القوم، فهو دليل على بطلان كلّ النصوص السابقة، خاصّة إذا علمنا أنّ سورة المائدة التي منها هذه الآية من أواخر ما نزل من القرآن؛ حيث لم ينزل بعدها إلّا سورتا التوبة والنصر، والغريب أنّ قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في رواياتنا هذه يؤكّد هذا، فكلّها تدلّ على عدم علمه بخليفته ــ بزعم القوم ــ حتّى نزول الآية، وسؤاله عن هذا المتصدّق والهيئة التي تصدّق بها.. إلى آخر ما جاء في الروايات لمن تدبّرها.

والحقّ أنّ الردود على هذا الاستدلال كثيرة، وما أوردنا فيه كفاية لمن طلب الحق، ولا بأس بأن نختم كلامنا ببعض الطرائف التي أوردها القوم ممّا يتّصل بموضوعنا:

أ ــ منها: أنّ الخاتم الذي تصدّق به عليّ(رضي الله عنه) على السائل كان خاتم سليمان(عليه السلام)(1).

ب ــ ومنها: أنّ الخاتم وزنه أربعة مثاقيل، حلقته من فضّة، وفصه خمسة مثاقيل وهو من ياقوتة حمراء، وثمنه خراج الشام، وخراج الشام ثلاثمائة حمل من فضّة، وأربعة أحمال من ذهب، وكان الخاتم لمران بن طوق، قتله عليّ(رضي الله عنه) وأخذ الخاتم من إصبعه، وأتى به إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من جملة الغنائم، وأمره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ الخاتم، فأخذ الخاتم، فأقبل وهو في إصبعه وتصدّق به على السائل في أثناء ركوعه في أثناء صلاته خلف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

ج ــ ومنها: أنّ التصدّق بالخاتم كان يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة(3).

____________

1- تفسير البرهان ١: ٤٨٥، شرح الأخبار ١: ٢٢٦.

2- المصدران السابقان.

3- تفسير البرهان ١: ٤٨٥، مصباح الشريعة: ٥٣٠، بحار الأنوار ٣٥: ١٩٠، شرح الأخبار ١: ٢٢٦.


الصفحة 363

د ــ ومنها: أنّ جميع الأئمّة تصدّقوا وهم راكعون(1).

هـ ــ ومنها: أنّ السائل الذي سأله كان من الملائكة، والذين يسألون الأئمّة من أولاده يكونون من الملائكة(2).

و ــ ومنها: أنّ عمر بن الخطّاب تصدّق بأربعين خاتماً ــ وفي رواية أُخرى: أربعة وعشرين ــ وهو راكع، لينزل فيه ما نزل في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)(3).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: سنقدّم نقاطاً تحوي بعض القواعد لكي يتوضّح جوابنا طبقاً لها:

١ــ إنّ تصنيف الحديث ينقسم إلى: متواتر وآحاد، والمتواتر ما وصلت طرقه إلى حدّ يمتنع تواطؤ رواته على الكذب، والآحاد بخلافه، فإذا وصل الحديث إلى حدّ التواتر وحصل القطع منه، فلا يبحث في السند عندئذ، ولا يلتفت إلى صحّة أو وثاقة أو حسن أو ضعف الأسانيد؛ لأنّها من أقسام الخبر الآحاد وتتدرّج حجّيته حسبها، والمتواتر قد تجاوز ذلك إلى القطع، وهو حجّة بنفسه.

٢ــ إنّ الشيعة لا يستدلّون في العقائد إلّا بالقطع واليقين، فإذا كان دليلهم نقلياً فيجب أن يثبت بالقطع، كالتواتر مثلاً.

____________

1- الكافي ١: ٢٨٨، تفسير البرهان ١: ٤٨٠، نور الثقلين ١: ٦٤٣، جامع الأحاديث ٨: ٤٤١، تأويل الآيات ١: ١٥٣، وسائل الشيعة ٦: ٣٣٤، تفسير الصافي ٢: ٤٤.

2- المصادر السابقة.

3- أمالي الصدوق: ١٠٧، بحار الأنوار ٣٥: ١٨٣، ٢٠٣، تفسير البرهان ١: ٤٨٠، تفسير الميزان ٦: ١٦، تأويل الآيات ١: ١٥٢، وسائل الشيعة ٦: ٣٣٥، المناقب ٣: ٤، تفسير الصافي ٢: ٤٦، نور الثقلين ١: ٦٤٧، إثبات الهداة ٢: ٥٥، سعد السعود: ٩٧.


الصفحة 364

٣ــ هناك قاعدة في علم الحديث موجودة عند الشيعة والسُنّة، وهي أنّ الضعيف ينجبر ضعفه بالضعيف, فكلّما كثرت الطرق الضعيفة فسوف تجبر السند، وأنّ السند الذي يوجد فيه وضّاع أو كذّاب لا ينجبر بسند فيه وضّاع أو كذاب مثله بل يزداد ضعفاً وسقوطاً.

٤ــ إنّ مناقشة أي مذهب أو فرقة يجب أن يكون حسب مبانيها، ومناقشة الشيعة الإمامية في حديثهم يجب أن يكون حسب مبانيهم في علمي الرجال والحديث.

ثانياً: الجواب على ما جاء في السؤال كالآتي:

١ــ ذكر المستشكل نفسه ثلاثة وعشرين طريقاً مختلفاً، كان في ما أحصيناه منها على عجالة: خمسة عن الإمام الباقر(عليه السلام) ، وثلاثة عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، واثنان عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، واثنان عن أبي ذرّ(رضي الله عنه)، وواحد عن عمّار بن ياسر(رضي الله عنه)، وخمسة عن ابن عبّاس(رضي الله عنه)، ثلاثة منها ترجع إلى طريق واحد، واثنان عن محمّد بن الحنفية(رضي الله عنه) بطريق واحد، واثنان عن أبي رافع(رضي الله عنه) بطريق واحد، وواحد عن ابن عامر.

وترك العديد من الطرق نقتصر على ذكر مصادر بعضها على نحو العجالة؛ لحصول الغرض منها:

ــ (الكافي٢/٥١٣ح١ باب المباهلة).

ــ (الخصال/٤٧٩ح٣٦ أبواب الاثنى عشر).

ــ (تحف العقول/٤٥٨ ما روي عن الإمام الحسن بن علي بن محمّد(عليه السلام) ).

ــ (روضة الواعظين/٩٢ مجلس في ذكر الإمامة).

ــ (شرح الأخبار١/٢٢٨ح٢١٧ ولاية عليّ(عليه السلام) ، ٢/١٩٣ح٥٢٩ احتجاجه(عليه السلام) في


الصفحة 365

الشورى، ٢/٣٤٦ح٦٩٧ عليّ في القرآن).

ــ (الاحتجاج١/٦٦ احتجاج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير).

ــ (تفسير العسكري/٤٦٠ قصّة عبد الله بن سلام).

ــ (تفسير فرات١/١٢٥ حديثان، ١/١٢٦ سورة المائدة).

ــ (فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة/١٨٨ الفصل الثاني والعشرون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ...).

صارفين النظر عن البحث في أسانيدها على فرض ضعفها المدّعى أو ما قد يدّعى فيها، فإنّها تكفي في إثبات التواتر وحصول القطع بسبب نزول الآية بخصوص تصدّق أمير المؤمنين(عليه السلام) بخاتمه وهو راكع؛ إذ لو كان كلّ هذا العدد من الطرق المختلفة غير المتّحدة بجميع الطبقات لا يكفي لإثبات التواتر، فلا ندري كيف سيثبت تواتر العديد من الأحاديث التي ادُّعي لها التواتر!!

هذا بالاقتصار على طرق الشيعة الإمامية،أمّا بإضافة طرق أهل السُنّة فإنّه سيصل إلى ما فوق التواتر، ولا خصوصية لرواة مذهب معيّن في ذلك.

هذا فضلاً عن العشرات من الشواهد الداعمة لسبب النزول عن طريق بيان المعنى، نذكر بعض مصادرها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ (الكافي ١/١٤٦ح١١ باب النوادر، ١/١٨٧ح٧، ١/١٨٩ح١٦ باب فرض طاعة الأئمّة(عليهم السلام) ، ١/٢٨٩ح٤ باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحداً، ١/٤٢٧ح٧٧ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية).

ــ (دعائم الإسلام١/١٤ ذكر ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ١٢/٢٠ ذكر ولاية الأئمّة).

ــ (أمالي الصدوق/٦٢٤ح٨٤٣ المجلس التاسع والسبعون).


الصفحة 366

ــ (كمال الدين/٣٣٦ح٩ الباب الثالث والثلاثون).

ــ (كتاب سليم/١٩٨ أمير المؤمنين يقيم الحجّة على المسلمين في عصر عثمان، و٢٩٦ رسائل بين أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعاوية أثناء حرب صفّين).

ـ (شرح الأخبار١/١٠٤ قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (من كنت مولاه فعليّ مولاه)، ٢١٩ ح١٩٩، ٢٣٨ح٢٤٥ ولاية عليّ(عليه السلام) ).

ــ (الاختصاص/٢٧٧).

ــ (أمالي الطوسي/٣٥٥ح٧٣٨).

ــ (تفسير العيّاشي١/٣٢٧ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ...).

وتركنا الأكثر.

فبعد هذا لا يردّ التواتر إلّا معاند!!

٢ــ وبغضّ النظر عن التواتر الثابت الحاصل ممّا ذكرنا في النقطة السابقة، فإنّ هذا المستشكل ادّعى ضعف جميع الطرق التي ذكرها، ونفترض أنّه سيدّعي ضعف الطرق التي أوردناها ولم يذكرها, فأين هو من قاعدة أنّ الضعيف ينجبر بالضعيف على ما لهذه الطرق المفروض ضعفها من كثرة، فعددها الذي يفوق عدّة عشرات ألا يكفي في جبران الضعف وليس فيها كذّاب أو وضّاع؟! بل حتّى لو كان ادُّعي الكذب على بعض الرواة فإنّ الضعف المدّعى في الأغلب سوف يجبر بعضها بعضاً.

٣ـ إنّنا سنغضّ الطرف عن المناقشة في تفاصيل ما ذكره من الجرح والتعديل في رجال أسانيد الروايات التي ذكرها؛ لأنّه لا كثير فائدة في البحث فيهم إذا كان أحدهم غير مؤثّر في الحكم على كلّ السند، مع وجود راو ٍ واحد ضعيف أو مهمل أو مجهول، فيدخل السند كلّه في قسم الضعيف، ولكن سنناقشه في الأسانيد التي


الصفحة 367

يدور الكلام فيها على راوٍ أو راويين، يكون الحكم عليه أو عليهما مؤثّراً في صحّة السند أو وثاقته أو حُسنه.

وسيكون الكلام هنا تنزّلاً مع المستشكل على مبناه من جعل الخبر الواحد حجّة في العقائد، وإلّا فقد ذكرنا سابقاً أنّ هذا غير معتمد عند الإمامية..

فقد ذكر تحت رقم (الرواية السادسة) رواية علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره، عن أبيه، عن صفوان، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ، و رجال السند كلّهم ثقات؛ فأبو حمزة الثمالي: صفي عليّ(عليه السلام) ، وأبان بن عثمان: من المجمع على الأخذ عنه، وصفوان بن يحيى: ثقة ثقة، وإبراهيم بن هاشم القمّي المعروف: ناشر حديث الكوفيين بقم، لا يشكّ أحد بوثاقته، وإن لم ينصّوا عليها، وابنه علي بن إبراهيم: ثقة، صاحب التفسير.

فلمّا لم يجد مطعناً في أحد، تشبّث بالقشّة! وبدأ بمناقشة علمائنا في الرجال في توثيقهم لإبراهيم بن هاشم القمّي، وأنّه لم يُذكر له توثيق، مع أنّ المفروض أن تكون المناقشة في المباني الرجالية لدى الشيعة الإمامية، وإبراهيم بن هاشم متفّق على توثيقه.

بل نصّ علماؤنا على أنّه أعلى شأناً من التوثيق:

قال السيّد ابن طاووس في سند فيه إبراهيم بن هاشم، رواه الصدوق: (ورواة الحديث ثقات بالاتّفاق)(1)؛ فالسيّد أوّلاً وثّق إبراهيم بن هاشم الواقع في السند, ثمّ أنّه نسب ذلك لاتّفاق العلماء؛ فلاحظ!

وذكره ابن داود الحلّي في القسم الأوّل من كتابه الخاص بالممدوحين

____________

1- فلاح السائل: ١٥٨ الفصل التاسع عشر.


الصفحة 368

ومن لم يضعفهم الأصحاب(1).

وقال العلاّمة في حقّه: (ولم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله)(2).

وقال أبو علي الحائري: (وإنّما قيّد بالتنصيص ــ أي العلاّمة في الخلاصة ــ لأنّ ظاهر الأصحاب تلقّيهم روايته بالقبول، كما ينبه عليه قولهم: أنّه أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم).

وقال أيضاً: (إنّ العلاّمة(رحمه الله) صحّح جملة من طرق الصدوق هو فيها، كطريقه إلى: عامر بن نعيم، وكردويه، وياسر الخادم، وكثيراً ما يعدّ أخباره في الصحاح، كما في (المختلف)، بل قال جدّي: جماعة من أصحابنا يعدّون أخباره من الصحاح.

ونقل المحقّق البحراني عن بعض معاصريه ــ والظاهر من طريقته أنّه خالي (ره) ــ توثيقه عن جماعته وقوّاه؛ لأنّ اعتماد جلّ أئمّة الحديث من القمّيين على حديثه لا يتأتّى مع عدم علمهم بثقته، مع أنّهم كانوا يقدحون بأدنى شيء، كما أنّهم غمزوا في أحمد بن محمّد بن خالد مع ثقته وجلالته بأنّه يروي عن الضعفاء ويعتمد المجاهيل، مع أنّ ولده الثقة الجليل اعتمد في نقل الأخبار جلّها عنه، واعتمد ثقة الإسلام عليه مع قرب عهده به في أكثر أخباره.

قلت: وكذا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمّد ين يحيى وغيرهم من الأجلاء، وكذا كونه شيخ الإجازة، وكذا رواية محمّد بن أحمد بن

____________

1- رجال ابن داود: ٣٤ (٤٣)، باب الهمزة.

2- الخلاصة: ٤٩ (٩)، باب الهمزة، باب إبراهيم.


الصفحة 369

يحيى عنه وعدم استثنائه، وعن والد شيخنا البهائي(رحمه الله): إنّي لأستحي أن لا أعدّ حديثه صحيحاً)(1). ومثل هذا القول وأوسع منه ما قاله المامقاني في (تنقيح المقال)(2).

ومن ذاك ما نقله عن السيّد الداماد في (الرواشح): (والصحيح الصريح عندي: أنّ الطريق من جهته صحيح؛ فأمره أجلّ وحاله أعظم من أن يتعدّل ويتوثّق بمعدّل وموثّق غيره، بل غيره يتعدّل ويتوثّق بتعديله وتوثيقه إيّاه، كيف؟! وأعاظم أشياخنا الفخام ــ كرئيس المحدّثين، والصدوق، والمفيد، وشيخ الطائفة، ونظائرهم ومن في طبقتهم ودرجتهم، ورتبتهم، ومرتبتهم، من الأقدمين والأحدثين ــ شأنّهم أجلّ وخطبهم أكبر من أن يظنّ بأحد منهم قد حاج إلى تنصيص ناص، وتوثيق موثّق، وهو شيخ الشيوخ، وقطب الأشياخ، ووتد الأوتاد، وسند الأسانيد، فهو أحقّ وأجدر بأن يستغني عن ذلك)(3).

إضافة إلى توثيق السيّد الخوئي إيّاه، الذي اعترف به هذا المستشكل، وغيره من علمائنا الكثير، فبعد ذلك لا فائدة في محاولة الاستماتة في ردّ كلمات علمائنا في توثيقه مع أنّ المفروض أن يكون الكلام حسب مباني الإمامية وأعلامهم في الرجال.

والعجب من هذا المستشكل! أنّه نسي أو تناسى أنّه على رغم ممّا ذكره العلماء في توثيقه، إلّا أنّه لا اختلاف في مدحه وحسنه، ونصّهم على أنّ رواياته مقبولة معتبرة، فبعد اعتبار روايته وقبولها لا مجال لمحاولة ردّ رواية ابنه في

____________

1- منتهى المقال ١: ٢١٤ (٩٢)، باب الألف/إبراهيم.

2- تنقيح المقال ٥: ٧٢ (٦٢١)، باب إبراهيم.

3- الرواشح السماوية: ٨٣ الراشحة الرابعة.


الصفحة 370

تفسيره عنه, وهل التوثيق إلّا من أجل هذا؟!

والأعجب من ذلك: أنّه حاول تضعيف الرجل لنقله روايات يعتقد هو بطلانها، حسب مذهبه، بعد أن لم يفهم مدلولها وفقهها الذي بيّنه علماؤنا في كتبهم!! وهذا من أعجب أساليب الجرح والتعديل، أن يعرض روايات الرجل على ما يعتقده من مذهب، فإذا لم توافقه جرح الرجل ورماه بالضعف ورواية المناكير؛ فتأمل!

وأمّا الكلام عن (تفسير القمّي) فسوف يأتي التفصيل فيه ضمن عنوان: (علم الكلام/بحث حول وثاقة رجال تفسير القمّي).

وذكر في (الرواية الحادية عشرة) رواية فرات الكوفي: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين (الحسن) بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن سليمان بن طريف، عن محمّد بن مسلم: أنّ سلاماً الجعفي قال لأبي جعفر(عليه السلام) ... الرواية.

وحاول تضعيفها كما فعل في كلّ الروايات التي أوردها؛ إذ طعن على فرات الكوفي وتفسيره بما لم نجده في غير مقاله هذا، فقد قال: (قد أوقفناك على قيمته وحال مؤلّفه)، وحكم على سليمان بن طريف وسلام الجعفي بالجهالة، وإسماعيل بن إبراهيم بعدم وجود ترجمة له.

وستعرف قيمة ما ذكر:

فأمّا (تفسير فرات) فهو من التفاسير الروائية القديمة، أسندت معظم رواياته إلى الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) ، أورد عنه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)، والمجلسي في (البحار)، والحرّ العاملي في (إثبات الهداة)، وذكر طرقه إليه في (خاتمة الوسائل٣٠/١٥٩، الفائدة الرابعة).


الصفحة 371

وتوجد منه عدّة نسخ، تاريخ إحداها بين أوائل القرن التاسع إلى أوائل القرن الحادي عشر، وهي ملخّصة غير كاملة، ونسخة أُخرى استنسخت على نسخة تاريخها ١٠٨٣هـ.

والمطبوع الموجود الآن، هو على نسخة في مكتبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في النجف الأشرف، كتبت في بداية القرن الرابع عشر، راويها: أبو الخير مقداد بن علي الحجازي المدني، عن أبي قاسم عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن العلوي الحسني أو الحسيني عن فرات(1).

وأمّا راوي تفسير فرات الكوفي؛ فقد ورد في أسانيد الصدوق، وتفسير القمّي، وفضل زيارة الحسين(عليه السلام) لابن الشجري، ونقل عنه الحاكم الحسكاني، كما ذكرنا.

ويظهر من مضمون روايته أنّه إمامي المذهب، خلافاً لما ذكره محقّق الكتاب، اعتماداً على استحسانات واهية، من أنّه زيدي المذهب.

قال عنه المجلسي: (وتفسير فرات؛ وإن لم يتعرّض الأصحاب لمؤلّفه بمدح ولا قدح، ولكن كون أخباره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة، وحسن الضبط في نقلها، ممّا يعطي الوثوق بمؤلّفه وحسن الظنّ به)(2).

ونقل الخوانساري عن بعض المحقّقين في حواشيه على (منهج المقال)، قوله: له كتاب تفسير القرآن، وهو يروي عن الحسين بن سعيد من مشايخ الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه، وقد روى عنه الصدوق بواسطة، ونقل من تفسيره

____________

1- انظر: مقدّمة تفسير فرات الكوفي.

2- بحار الأنوار ١: ٣٧ الفصل الثاني توثيق المصادر.


الصفحة 372

أحاديث كثيرة في كتبه. وهذا التفسير يتضمّن ما يدلّ على حسن اعتقاده، وجودة انتقائه، ووفور علمه، وحسن حاله، ومضمونه موافق للكتب المعتمدة(1).

وقال المامقاني: إنّ أقلّ ما يفيده كونه من مشايخ علي بن بابويه، وإكثار الصدوق(رحمه الله) الرواية عنه، وكذا رواية الشيخ الحرّ(رحمه الله) والفاضل المجلسي(رحمه الله) عنه، هو كون الرجل في أعلى درجات الحسن، بعد استفادة كونه إمامياً من الأخبار التي رواها، والعلم عند الله تعالى(2).

وممّا نقلنا يظهر لك اعتماد علمائنا على الكتاب أوّلاً، والتصريح بحسن حال مؤلّفه فرات الكوفي ثانياً.

وأمّا إسماعيل بن إبراهيم، فهو: إسماعيل (بن إسحاق) بن إبراهيم، فيكفي في حسنه أنّه أحد مشايخ فرات الكوفي؛ لما تقرّر عندهم من تحسين مشايخ المشهورين بالرواية وأصحاب الإجازة.

ومحمّد بن الحسن بن أبي الخطّاب ثقة، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر ثقة، وثعلبة بن ميمون ثقة, وسليمان بن طريف عدّه الشيخ في أصحاب الصادق(عليه السلام) ، وهو كافٍ في حسنه، خاصّة مع رواية الثقات عنه، كثعلبة في هذا السند، ومحمّد ابن مسلم ثقة، وسلام الجعفي، وهو: سلام بن المستنير الجعفي الكوفي الذي يروي عنه ابن محبوب بالواسطة، وروايته عنه ولو بالواسطة تكشف عن وثاقته، أو لا أقل عن حسنه(3)، فالرواية حسنة على أقل تقدير.

وذكر تحت (الرواية السابعة عشر) رواية الطوسي في (أماليه) عن المفيد،

____________

1- روضات الجنّات ٥: ٣٥٤ (٥٤٢).

2- تنقيح المقال ٢: ٣ من أبواب الفاء الطبعة الحجرية.

3- تنقيح المقال ٢: ٤٣ من أبواب السين الطبعة الحجرية.


الصفحة 373

وهي رواية أبي رافع المشهورة، المروية عند الخاصة والعامّة، ولها طرق عديدة؛ فقد ذكر نفسه في (الرواية التاسعة عشر) طريقاً آخر إليها برواية النجاشي في رجاله.

فرواية الطوسي بسنده: عن عون بن عبيد الله، عن عبيد الله، عن أبي رافع، ورواية النجاشي: عن عبد الله بن عبيد الله أخي عون، عن أبيه عبيد الله، عن جدّه أبي رافع، والمستشكل لم يتكلّم عن السند إلى هنا في الروايتين وإنّما تكلّم على ما بعدهم من الرجال، ولكنّه نسي طريقاً ثالثاً ذكره ابن طاووس نقلاً عن تفسير ابن الجُحام الثقة(1)، وهذا السند يرجع إلى عون بن عبيد الله، كما في سند الطوسي، والراوي عن عون عند ابن الجُحام هو محمّد بن عبيد الله عن أخيه عون، ومن محمّد هذا يفترق طريق ابن أبي شيبة الذي رواه الطبراني في الكبير(2) عن طريق ابن جحام، بل مجموع الطرق عن محمّد بن عبيد الله هذا أربعة: ثلاثة منها في كتب أهل السُنّة، والأوّل عند الشيعة، وهو طريق ابن الجحام، وإن يحتمل الاتّحاد في بعضها؛ لما وقع من تصحيف في الأسانيد.

وعلى كلّ، فإنّ عبد الرحمن بن الأسود الكندي اليشكري الراوي عن عون في سند الطوسي، تابعه محمّد بن عبيد الله عن عون، وافترق الطريق من محمّد هذا إلى أربعة طرق: مخول، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمّد بن عبيد الله، وحصين، عن هارون بن سعيد، عن محمّد بن عبيد الله، ويحيى بن الحسن بن الفرات، عن علي بن الهاشم بن البريد، عن محمّد بن عبيد الله، وإسماعيل بن إسحاق الراشدي، عن يحيى بن هاشم المغاني، عن محمّد بن عبيد الله, وإذا قلنا

____________

1- سعد السعود: ٩٥، فصل في ما يذكره من الجزء الثالث من كتاب ابن الجحام.

2- المعجم الكبير ١: ٣٢٠ (٩٥٥) عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه.


الصفحة 374

باتّحاد الطريق الرابع والثالث لوجود التصحيف، فالطرق عن محمّد بن عبيد الله ثلاثة.

وبالنتيجة فإنّ أغلب من تكلّم عليهم في هذه الطرق لهم متابعون، فضلاً عن كفاية تعدّد الطرق في استفاضة الحديث وحسنه.

إلى هنا ظهر أنّ عندنا ثلاث روايات، إحداها صحيحة، وهي: رواية علي بن إبراهيم في تفسيره، واثنتان حسنتان، وهما: رواية فرات الكوفي، والرواية المعروفة المشهورة عن أبي رافع, وهذا يكفي للتمسّك بالحديث تنزّلاً منّا على مبنى القوم، وإلّا فإنّنا قد أشرنا إلى عدم الحاجة إلى مثل هذا التصحيح في النقطتين السابقتين، وللمستدل أن يعكس الاستدلال ويبدأ من النقطة الثالثة ثمّ ينتهي بالأولى، ــ أي: يترقّى من تصحيح أحد الطرق إلى إثبات التواترــ.

وممّا قدمنا؛ يظهر ما في قول المستشكل (وبعد فهذه حال كلّ الروايات المسندة التي وقفنا عليها من كتب القوم، إلى قوله: وقد رأيت أنّه لم يصحّ منها شيء أصلاً من طرق الشيعة فضلاً عن طرق أهل السُنّة).

فأوّلاً: أنّه لم يذكر كلّ الطرق، وقد أشرنا إلى مصادر العديد منها.

وثانياً: قد رأيت أنّه قد صحّ طريق واحد منها وحسن طريقان على الأقل، مع أنّا قد غضضنا الطرف عن مناقشته عمّا جاء من أخطاء واشتباهات في الجرح والتعديل لبقية الأسانيد؛ روماً للاختصار.

وثالثاً: إنّ الكلام في طرق الشيعة لا في طرق السُنّة، وإلّا لذكرنا له ما يمكن تصحيحه على مبانيهم، مثل رواية ابن أبي حاتم في تفسيره(1)، والطبري في تفسيره(2)، وغيرها.

____________

1- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦١ (٦٥٤٩) (٦٥٥١) قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ...)).

2- تفسير الطبري ٦: ٣٩٠ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ...)).


الصفحة 375

وأمّا قوله: (رغم كلّ التهويلات التي استخدمها القوم، عند الكلام في هذا الاستدلال، من تواتر وصحّة القصّة في طرق أهل السُنّة... الخ).

فلا ندري؛ هل الكلام في روايات أهل السُنّة وعدم صحّتها وعدم تواترها؟ فهذا ممّا لم يتحدّث عنه، وإلّا لكان من السهل علينا إثبات تواترها عندهم، فضلاً عن صحّة بعض طرقها!

وإن كان الكلام في روايات الشيعة، فما في هذه العبارة لا علاقة له بها، أو هو من الخلط وسبق القلم.

وعلى كلّ، فقد أثبتنا تواتر الحديث عند الشيعة فقط، فضلاً عن بقية الطرق عند المذاهب الأُخرى، ولو جمعنا كلّ الطرق عند كلّ المذاهب لأصبح الحديث فوق التواتر بمراتب، وكلامنا هنا عن الطرق المستقلّة، لا عن عموم التخريج في الكتب، كما يحاول أن يوهمه هذا المستشكل.

ومن السماجة الادّعاء بأنّ كثيراً من علماء أهل السُنّة قد ذكروا حادثة التصدّق لبيان ضعفها، أو إيراد كلّ ما له شأن بنزول الآية! ولو كان الكلام في طرقهم لبيّنا له العدد الوفير من علمائه الذين أخرجوها مسندة، بل اعتمدوا على أسانيدها ولم يعلّقوا بشيء عليها، مع أنّ إيراد كلّ ما له شأن بالنزول مع ذكر الأسانيد كافٍ في الباب، ولعلّ ما في جملته الأخير من قوله: (أو إيرادها بأسانيدها مبرئين الذمّة بذلك) ما يبيّن لك حال علمائه.

وأمّا قوله: (لكن لم يصحّ منها شيء) فهو على عهدته، وقد بيّنا ما فيه.

وأمّا أنّ الأميني لم يناقش في الأسانيد، فلأنّ الأمر مفروغ منه عند العلماء لا يحتمل المناقشة، وإن كان بعض من ينتسب لهم يحاول تكذيب الحادثة، كأمثال ابن تيمية.


الصفحة 376

وأمّا طلبه السند الصحيح من كتبنا، فقد دللناه عليه, فهل يا ترى سيكتفي أم يبقى يلج في عناده؟!

وأمّا السند الصحيح من كتبهم، فله مكانه الخاص به.

ثالثاً: الكلام على ما أستشكله في متون الروايات:

أ‌ ــ إنّ ما ذكره من اختلاف واضطراب المتون ليس بشيء؛ إذ من الواضح أنّ التواتر الثابت لمجموعة من التفاصيل يغني عن الالتفات إلى الاختلاف في التفاصيل الأُخرى، فقد حصل التواتر بوقوع التصدّق من شخص الإمام عليّ(عليه السلام) في حالة الركوع، لسائل سأل في المسجد، ولم يعطه أحد شيئاً، فنزلت الآية تخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، وتثبت صفة الولاية لله ولرسوله وللمتصدّق، وهذا يكفي في ردّ كلّ التخرّصات، مع أنّ في التفاصيل كلاماً كثيراً مع هذا المستشكل، تركناه كرهاً للتطويل ولعدم الحاجة إليه.

ب ــ ما ذكره من الإشكالات على استدلال الشيعة بالآية، فهي إشكالات مكرّرة من أسلافه قد أجاب عليها علماؤنا بالتفصيل، وأجبنا عليها كلّها في هذا الباب (آية الولاية)، خاصّة الجواب الخاص بالردّ على الآلوسي؛ فليراجع!

(رواية صحيحة عند أهل السُنّة تحكي واقعة التصدّق)

« آمنة ــ البحرين ــ إماميّة »

السؤال:

ما هي قصّة تصدّق الإمام عليّ(عليه السلام) بالخاتم، هل هي صحيحة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ تصدّق الإمام عليّ(عليه السلام) بالخاتم، موضع اتّفاق الشيعة وأهل السُنّة،


الصفحة 377

وسنروي لك رواية صحيحة من طرق أهل السُنّة تحكي واقعة التصدّق:

روى الحاكم الحسكاني بسند صحيح عن ابن عبّاس: (أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى يوماً بأصحابه صلاة الظهر، وانصرف هو وأصحابه، فلم يبق في المسجد غير عليّ قائماً يصلّي بين الظهر والعصر، إذ دخل المسجد فقير من فقراء المسلمين، فلم ير في المسجد أحداً خلا عليّاً، فأقبل نحوه، فقال: يا وليّ الله! بالذي تصلّي له، أن تتصدّق عليَّ بما أمكنك. وله خاتم عقيق يماني أحمر، كان يلبسه في الصلاة في يمينه، فمدّ يده فوضعها على ظهره، وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له، ومضى، وهبط جبرائيل، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: لقد باهى الله بك ملائكته اليوم، اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...(1).

وروى عن ابن مؤمن الشيرازي في الآية التي بعدها، وهي: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(2), وقال: لا خلاف بين المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) (3).

وسند رواية التصدّق عند الحسكاني هو: وحدّثنا الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي بالبصرة, قال: حدّثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور,عن مجاهد، عن ابن عبّاس..

قال سفيان: وحدّثني الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... الرواية(4).

____________

1- شواهد التنزيل ١: ٢١٢ الحديث (٢٢١).

2- المائدة (٥): ٥٦.

3- شواهد التنزيل ١: ٢٤٦ الحديث (٢٤١).

4- شواهد التنزيل ١: ٢١٢ الحديث (٢٢١).


الصفحة 378

والحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي، وثّقه السمعاني؛ قال: نزيل البصرة، عنده أكثر مصنّفات أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، ثقة نبيل(1). قرّب الذهبي وفاته في ٣٢٠هـ(2).

ويعقوب بن سفيان، هو أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفسوي، المحدّث الحافظ صاحب كتاب (المعرفة والتاريخ)، ترجمه الخطيب في (الرحلة في طلب الحديث)(3)، وترجمه ابن حجر في (تهذيب التهذيب)، وقال: وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان ممّن جمع وصنّف، مع الورع والنسك، والصلابة في السُنّة. وقال النسائي: لا بأس به، وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث بفارس ــ ثمّ قال ــ : وقال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الناس، أحدهما وأرحلهما: يعقوب بن سفيان، يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلاً(4).

والظاهر أنّ هذا الحديث من تفسيره.

والفضل بن دكين معروف مشهور، وثقه الكلّ(5).

وسفيان الثوري، أعلى من التزكية عندهم(6)، وسفيان روى هذا الحديث من طريقين يجتمعان فيه:

الأوّل: عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس. والثاني: عن الأعمش عن

____________

1- الأنساب ٤: ٣٨٥.

2- تاريخ الإسلام: سنة ٣٤٠هـ.

3- الرحلة في طلب الحديث: ٢٠٦ الحديث (١٠٦).

4- تهذيب التهذيب ١١: ٣٣٨ (٦٤٨).

5- تهذيب التهذيب ٨: ٢٤٤ (٥٠٥).

6- تهذيب التهذيب ٤: ٩٩ (١٩٩).


الصفحة 379

مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. وهؤلاء كلّهم ثقات عند القوم.

وأمّا الراوي عن الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي، فهو: أبو بكر محمّد ابن مؤمن الشيرازي، صاحب التفسير الذي أخذه من اثني عشر تفسيراً.

فإنّ الحاكم الحسكاني يروي بواسطة أبي العبّاس العلوي، عن أبي قيدة، عن محمّد بن عبيد الله، عن الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي.

وقد أورد سنده في الرواية السابقة على هذه الرواية؛ قال: أخبرنا عقيل بن الحسين، قال: أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقّاق... إلى آخر السند، ثمّ قال: وحدّثني الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي، عن ابن عبّاس(1).

ثمّ أورد الرواية محلّ الشاهد، قال: وحدّثنا الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي... إلى آخر ما أوردناه من سند ومتن الرواية.

وهكذا في كلّ ما يروي عن الحسن بن محمّد بن عثمان الفسوي(2).

ومحمّد بن عبيد الله الوارد في السند، وفي سند آخر أبو بكر محمّد بن عبيد الله(3)، هو: أبو بكر محمّد بن مؤمن الشيرازي، إذ أشار إليه بـ(ابن مؤمن) في عدّة أسانيد أُخر، فباتّحاد الراوي والمروي عنه ومكان وتاريخ الرواية، يتّضح اتّحادهما.

فقد روى الحسكاني بنفس السند عن أبي بكر بن مؤمن، عن عبدويه بن

____________

1- شواهد التنزيل ١: ٢١١ الحديث (٢٢٠).

2- انظر: شواهد التنزيل ١: ٣٤٥ الحديث (٣٥٧)، ١: ٤٥٥ الحديث (٤٨١)، ٢: ٣٣٢ الحديث (٩٧٣)، ٢: ٣٧٧ الحديث (١٠٢٧).

3- شواهد التنزيل ١: ٧٥ الحديث (٨٧).


الصفحة 380

محمّد بشيراز(1)، وروى عنه بنفس السند باسم: محمّد بن عبيد الله، عن عبدويه ابن محمّد بشيراز(2).

كما روى بنفس السند عن ابن مؤمن، عن المنتصر بن نصر بن تميم الواسطي(3)، وروى بنفس السند باسم محمّد بن عبيد الله، عن المنتصر بن نصر بن تميم الواسطي(4).

كما روى عن أبي بكر بن مؤمن، عن عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقّاق ببغداد(5)، وروى عنه باسم محمّد بن عبيد الله عن عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقّاق ببغداد(6).

كما روى عن أبي بكر بن مؤمن، عن أبي عمر عبد الملك بن علي بكازرون(7)، وروى عنه باسم محمّد بن عبيد الله، عن أبي عمر عبد الملك بن علي بكازرون(8).

بل إنّه ذكره بالاسمين في رواية واحدة؛ قال: أخبرنا أبو العبّاس المحمّدي، قال: أخبرنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا محمّد بن عبيد الله، قال: حدّثنا أبو

____________

1- شواهد التنزيل ١: ٧٠ الحديث (٨٠).

2- شواهد التنزيل ١: ٤٣٢ الحديث (٤٥٩)، ١: ٤٨٣ الحديث (٥١٣)، ٢: ١٧٧حديث (٨٠٩)، ٢: ٢٥٩ الحديث (٨٩٣).

3- شواهد التنزيل ١: ١٤٧ الحديث (١٦١).

4- شواهد التنزيل ١: ٩٧ الحديث (١١٤)، ١: ٥٧١ الحديث (٦٠٩)، ٢: ٢٦٦ الحديث (٨٨٢).

5- شواهد التنزيل ٢: ٦ الحديث (٦٢٨).

6- شواهد التنزيل ١: ٨٦ الحديث (١٠٦)، ١: ٢١١ الحديث (٢٢٠)، ٢٤٦ الحديث (٢٤١)، وغيرها.

7- شواهد التنزيل ٢: ٢٦٨ الحديث (٩٠١).

8- شواهد التنزيل ١: ١٩٦ الحديث (٢٠٦)، ٢: ١٥٤ الحديث (٧٨١).


الصفحة 381

عمرو عثمان بن أحمد بن عبيد الله الدقّاق المعروف بـ(ابن السماك) ببغداد... إلى آخر ما ذكره من الرواية، ثمّ قال: قال ابن مؤمن: لا خلاف بين المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) (1).

وقد روى آخرون عن تفسير ابن مؤمن الشيرازي ما رواه الحسكاني عن محمّد بن عبيد الله بنفس السند؛ فقد روى الحسكاني عن محمّد بن عبيد الله بسنده، عن علقمة، عن ابن مسعود، في أنّ الخلافة وقعت لثلاثة(2)، ورواه ابن طاووس في (الطرائف) عن محمّد بن مؤمن الشيرازي من كتابه، عن علقمة، عن ابن مسعود أيضاً(3).

وروى الحسكاني أيضاً عن محمّد بن عبيد الله بسنده، عن سفيان، عن السدّي، عن الحارث، عن عليّ(عليه السلام) في تفسير آية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ(4)، ورواه بنفس السند ابن طاووس، عن محمّد بن مؤمن الشيرازي من كتابه الطرائف(5)، وروى أيضاً عن محمّد بن عبيد الله بسنده، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً(6)(7)، ورواه عن أبي بكر الشيرازي ابن شهر آشوب في (المناقب)(8).

____________

1- شواهد التنزيل ١: ٢٤٦ الحديث (٢٤١).

2- شواهد التنزيل ١: ٩٧ الحديث (١١٤).

3- الطرائف: ٩٥ الحديث (١٣٤).

4- شواهد التنزيل ١: ٤٣٢ الحديث (٤٥٩).

5- الطرائف: ٩٤ الحديث (١٣١).

6- الإسراء (١٧): ٨٠.

7- شواهد التنزيل ١: ٤٥٢ الحديث (٤٧٩).

8- مناقب ابن شهر آشوب ١: ٣٤١,، فصل (في المسابقة بالجهاد).


الصفحة 382

وروى أيضاً عن القطّان، عن وكيع، عن سفيان، عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ(عليه السلام) ، في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ(1)(2).

ورواه ابن طاووس في الطرائف عن محمّد بن مؤمن الشيرازي بإسناده عن السدّي(3).

وروى عن محمّد بن حرزاد بالأهواز بسنده عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ(4)(5)، ورواه عن ابن مؤمن محمّد بن الحسن القمّي في (العقد النضيد) بنفس السند(6).

وروى عن أبي الطيب السامري بسنده إلى ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ(7)(8)، ورواها الكاشي عن محمّد بن مؤمن الشيرازي بنفس السند والمتن(9).

وروى عن أبي بكر محمّد بن عبد الرزّاق بالبصرة بسنده، عن أبي هريرة في قوله: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ(10)(11)، ورواها عن أبي بكر الشيرازي في

____________

1- النبأ (٧٨): ١.

2- شواهد التنزيل ٢: ٤١٨ الحديث (١٠٧٥).

3- الطرائف: ٩٥ الحديث (١٣٣).

4- الرعد (١٣): ٢٩.

5- شواهد التنزيل ١: ٣٩٨ الحديث (٤٢١).

6- العقد النضيد: ٧٤، الحديث السادس والخمسون.

7- الأنعام (٦): ٨٢.

8- شواهد التنزيل ١: ٢٦٢ الحديث (٢٥٥).

9- إحقاق الحقّ ٣: ٥٤٣.

10- الإسراء (١٧): ٨١.

11- شواهد التنزيل ١: ٤٥٣ الحديث (٤٨٠).


الصفحة 383

(إحقاق الحقّ)(1).

ومن هنا ظهر الاتّحاد بين ما يذكره الحسكاني باسم محمّد بن عبيد الله في بعض الأسانيد، وبين ما يذكره باسم أبي بكر محمّد بن مؤمن في أسانيد أُُخر.

وقد ترجم الشيخ منتجب الدين (القرن السادس) في فهرسته لابن مؤمن الشيرازي، بقوله: الشيخ محمّد [بن] مؤمن الشيرازي: ثقة، عين، مصنّف كتاب (نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين) صلوات الله وسلامه عليه وعلى أولاده الطيبين الطاهرين، أخبرنا أبو البركات المشهدي رحمه الله به(2).

وترجمه ابن شهر آشوب (ت٥٨٨) في (معالم العلماء) بقوله: أبو بكر محمّد ابن مؤمن الشيرازي كرامي، له نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين(عليه السلام) (3).

وقال ابن طاووس (ت٦٦٤هـ) في (الطرائف) حينما نقل عدّة روايات من كتابه: ومن ذلك ما رواه محمّد بن مؤمن الشيرازي ممّا أورده في كتابه واستخرجه من تفاسير الاثني عشر وهو من علماء الأربعة المذاهب وثقاتهم(4).

وقال أيضاً: ومن ذلك ما رواه الحافظ محمّد بن مؤمن في كتابه المذكور(5). وأيضاً: ومن ذلك ما رواه الحافظ عندهم محمّد بن مؤمن الشيرازي في كتابه، فسمّاه حافظاً في عدّة موارد(6).

وذكر أسماء التفاسير التي استخرج كتابه منها؛ قال: فمن ذلك ما رواه الشيخ

____________

1- إحقاق الحقّ ٣: ٥٥٠.

2- فهرست منتجب الدين: ٢٩ الحديث (٣٩٣).

3- معالم العلماء: ١٥٣ (٧٨٤).

4- الطرائف: ٩٣ الحديث (١٣١)، ما نزل من الآيات في شأن عليّ(عليه السلام).

5- الطرائف: ٩٤ الحديث (١٣٢).

6- الطرائف: ٩٦ الحديث (١٣٥)، ١٣٨.


الصفحة 384

الحافظ محمّد بن مؤمن الشيرازي فيما أورده في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر: تفسير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن سفيان، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير وكيع بن جراح، وتفسير يوسف بن موسى القطّان، وتفسير قتادة، وتفسير أبي عبيدة قاسم بن سلام، وتفسير علي بن حرب الطائي، وتفسير السدّي، وتفسير مجاهد، وتفسير مقاتل بن حيان، وتفسير أبي صالح(1). وأيضاً سماه حافظاً في كتابه اليقين(2).

وأورد الحسكاني تعداد هذه التفاسير في (شواهد التنزيل) بنفس الترتيب(3)، وقد أشرنا إلى أنّ الرواية مورد البحث مستخرجة من تفسير يعقوب بن سفيان.

ونقل السيّد المرعشي عن (مناقب الكاشي): أنّ أبا بكر محمّد بن المؤمن توفّي في ٣٨٨هـ(4)، وقال عنه الكاشي: العلاّمة الإمام الفاضل(5).

وأمّا الواسطة بين الحسكاني وابن مؤمن فهما: أبو العبّاس عقيل بن الحسين بن محمّد بن علي العلوي، عن أبي الحسن عليّ بن الحسين بن قيدة الفسوي.

وأبو الحسن علي بن الحسين، هو علي بن الحسين بن محمّد بن مندة، شيخ الخزّاز القمّي، صاحب (كفاية الأثر)، وقد وقع التصحيف في اسمه من مندة إلى (قيدة) عند الحسكاني في الموضعين.

____________

1- الطرائف: ٤٢٩.

2- اليقين: ١١٣, ٤١٣.

3- شواهد التنزيل ٢: ٤٨٤ الحديث (١١٥٩).

4- شرح إحقاق الحقّ ٤: ٧٣.

5- شرح إحقاق الحقّ ٤: ٣٣١.


الصفحة 385

قال الوحيد البهبهاني في التعليقة: علي بن الحسين بن محمّد بن مندة، أبو الحسن، قد أكثر من الرواية عنه الثقة الجليل علي بن محمّد علي بن الخزّاز وترحّم عليه، والظاهر أنّه من مشايخه، فهو في طبقة الصدوق وكثيراً ما يروي عن الثقة الجليل هارون بن موسى التلعكبري(1).

وهو من شيوخ الكراجكي أيضاً؛ روى عنه في كتاب (تفضيل أمير المؤمنين) حديث الطير عن أبي هدبة مولى أنس(2).

فهو من شيوخ الإجازة، يروي عنه الثقات، ويروي عن الثقات، وقد روى عنه في سند الحسكاني: أبو العبّاس عقيل بن الحسين العلوي؛ ذكره الذهبي في (تاريخ الإسلام)؛ قال: عقيل بن الحسين بن محمّد بن علي السيّد الفرغاني، أبو العبّاس: محتشم ذو مال، النسوي المولد، فرغاني المنشأ(3).

وفي منتخب السياق ذيل تاريخ نيسابور: عقيل بن الحسين بن محمّد بن علي بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن محمّد بن علي بن أبي طالب السيّد أبو العبّاس الفرغاني، ثمّ الفارسي: كبير جزيل النعمة، نسوي المولد، فرغاني المنشأ، علوي المحتد، سمع الكثير...الخ(4).

والحديث له شواهد كثيرة جدّاً عن عدد من الصحابة تخرجه إلى حدّ التواتر.

____________

1- تعليقة على منهج المقال: ٢٥١.

2- بحار الأنوار ٥٧: ٣٠٠، التفضيل: ١٥، فصل في خبر الطائر، باب الاستدلال من الأخبار.

3- تاريخ الإسلام، وفيات سنة ٤٢٧هـ.

4- شواهد التنزيل ١: ٧٥، الهامش.


الصفحة 386

تعليق:

«أحمد ــ الأردن ــ سنّي »

السائل يقول لعليّ(رضي الله عنه): يا وليّ الله! كما جاء في نصّ الحديث، قبل أن تنزل آية الولاية، فكيف هذا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لا نقول: إنّ ولايته (عليه السلام) لم تكن ثابتة قبل نزول آية الولاية, وإنّما نقول: إنّ آية الولاية أحد الأدلّة على ولايته.

نعم, إنّ مَن لم يكن يعرف ولايته سابقاً فإنّه علم بها بعد نزول الآية, كما ورد في أسباب النزول بخصوص بعض اليهود، منهم عبد الله بن سلام؛ فإنّهم سألوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن وصيّه فنزلت الآية(1), ولكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ المسلمين لم يكونوا يعلمون بولايته قبل نزول الآية..

كيف؟! وحديث الدار كان في بدايات الدعوة الإسلامية, ولم يحضره إلّا بنو هاشم, وقد أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بولايته هناك(2).

بل إنّ ولايته كانت معروفة عند كثير من المسلمين من المهاجرين والأنصار؛ لتكرّر إخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بها في عدّة مواضع, ولكنّ ماذا نفعل لمَن يريد أن يغطي ضوء الشمس بغربال؟ فهو من أجل غايته وغرضه ينكر ضوء النهار, ويقول: إنّه ليل, فافهم.

____________

1- انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١: ٣٠٧ قوله سبحانه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...))، أسباب نزول الآيات، للواحدي: ١٣٣ سورة المائدة.

2- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٩، تفسير البغوي ٣: ٤٠٠ قوله تعالى: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)). الشعراء (٢٦): ٢١٤.


الصفحة 387

(أسانيد حديث التصدّق وتضعيف الألباني لها)

« سيّد ماجد ــ أمريكا »

السؤال:

قال ناصر الدين الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة)، حديث رقم٤٩٢١: (نزلت هذه الآية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل المسجد؛ والناس يصلّون بين راكع وقائم يصلّي؛ فإذا سائل، قال:

يا سائل!! أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: لا؛ إلّا هذا الراكع ــ لعليّ ــ أعطاني خاتماً).

قال الألباني: منكر، أخرجه الحاكم في (علوم الحديث ص١٠٢)، وابن عساكر (١٢/١٥٣/٢) من طريق محمّد بن يحيى بن الضريس: ثنا عيسى بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، قال... فذكره. وقال الحاكم: (تفرد به ابن الضريس عن عيسى العلوي الكوفي).

قلت: وهو متّهم؛ قال في (الميزان): (قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبّان: يروي عن آبائه أشياء موضوعة). ثمّ ساق له أحاديث.

(تنبيه): عيسى بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر... إلخ؛ هكذا وقع في هذا الإسناد عند المذكورين. والذي في (الميزان) و(اللسان): عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر!! فسمّى جدّه: محمّداً، بدل: عبيد الله؛ ولعلّه الصواب؛ فإنّه كذلك في (الكامل١/٢٩٥) في الترجمة، وفي بعض الأحاديث التي ساقها تحتها، وأحدها من طريق محمّد بن يحيى بن ضريس: حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمّد... ثمّ قال: (وبهذا الإسناد تسعة أحاديث مناكير، وله غير ما ذكرت،


الصفحة 388

وعامّة ما يرويه لا يتابع عليه)(سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: المجلد العاشر، القسم الثاني/٥٨٠).

فهل قول الألباني صحيح؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الشيخ الألباني قد اقتصر في تخريجه هذا على بعض الطرق، وغفل، أو تغافل، عن تخريج الطرق الأُخرى في سبب النزول هذا، الذي ورد عن عدّة صحابة، نذكر منهم: ابن عبّاس، وعمّار، وأبو ذرّ، والمقداد بن الأسود، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو رافع، وأنس بن مالك، والتابعي الكبير سلمة بن كهيل، ومحمّد بن الحنفية، بالإضافة إلى طريق الإمام عليّ(عليه السلام) (1)، فلا ندري لماذا تخرج فضائل أهل البيت(عليهم السلام) وما يدلّ على إمامتهم بهذا الشكل القاصر المعيب الناقص؟!!

وإليك أيّها الأخ تخريج الحديث الذي ذكره الزيلعي لهذه الرواية في كتابه (تخريج الأحاديث والآثار):

(قوله ــ أي: الزمخشري في الكشّاف، الآية ٥٥ من المائدة ــ : روي عن عليّ(رضي الله عنه) أنّ سائلاً سأله وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان مزجاً في خنصره فلم يتكلّف لخلعه كبير عمل يفسد بمثله صلاته، فنزلت.

قلت: رواه الحاكم أبو عبد الله في كتابه (علوم الحديث): (من حديث عيسى بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ فدخل رسول

____________

1- انظر: شواهد التنزيل ١: ٢٠٩ ــ ٢٤٧ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 389

الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد والناس يصلّون بين قائم وراكع وساجد، وإذا سائل، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : يا سائل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، إلّا هذا الراكع ــ يعني عليّاً ــ أعطاني خاتماً). انتهى.

ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: (ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). انتهى.

ــ ]نقول: وهذا مرسل صحيح على شرط البخاري ومسلم. والمرسل الصحيح إذا عضده مسند ضعيف فإنّه يرتقي إلى درجة الاحتجاج، فكيف مع هذه الأسانيد المتعدّدة؟!

قال الإمام الشافعي: فقلت له: المنقطع مختلف؛ فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين فحدّث حديثاً منقطعاً عن النبيّ اعتبر عليه بأُمور، منها: أن يُنظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفّاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحّة من قَبِل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما يفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممّن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟

فإن وجد ذلك، كانت دلالة يقوّي به مرسله، وهي أضعف من الأُولى، وإن لم يوجد ذلك، نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله قولاً له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله، كانت هذه دلالة على أنّه لم يأخذ مرسله


الصفحة 390

إلّا عن أصل يصحّ إن شاء الله(1).

نقول: وقد تحقّق في هذا المرسل الصحيح عن سلمة بن كهيل الشرطان اللذان ذكرهما الشافعي، فقد روي بسند متّصل عن عيسى بن عبد الله بن محمّد ابن عمر بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في رواية الحاكم، بل رواه بسند متصل صحيح، أو قريب من الصحّة: الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) عن شيوخ سلمة بن كهيل الثقات نفسهم(2)، فعلم من أين وصله.

وقد رواه ابن أبي حاتم بسند مرسل آخر عمّن أخذ العلم عن غير رجال سلمة بن كهيل، وهو عتبة بن أبي حكيم، وسنده هذا: الربيع بن سليمان المرادي، ثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم(3).

وقال الرازي في (المحصول): (قال الشافعي(رضي الله عنه): لا أقبل المرسل إلّا إذا كان الذي أرسله مرّة، أسنده أُخرى قبل مرسله، أو أرسله هو وأسنده غيره، وهذا إذا لم تقم الحجّة بإسناده، أو أرسله راو آخر، ويعلم أنّ رجال أحدهما غير رجال الآخر).

ثمّ قال في الردّ على الحنفية: (والجواب: أنّ غرض الشافعي(رضي الله عنه) من هذه الأشياء حرف واحد، وهو: أنّا إذا جهلنا عدالة راوي الأصل، لم يحصل ظنّ كون ذلك الخبر صدقاً، فإذا انضمت هذه المقوّيات إليه قوى بعض القوّة، فحينئذ يجب العمل به، إمّا دفعاً للضرر المظنون، وإمّا لقوله عليه الصلاة والسلام: (اقضي

____________

1- الرسالة، للشافعي: ٤٦١ ــ ٤٦٢.

2- شواهد التنزيل ١: ٢١٢ الحديث (٢٢١).

3- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦٢ الحديث (٦٥٤٦).


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية