المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 391 - ص 420)

بالظاهر))(1)، ونقل ذلك ابن كثير في (اختصار علوم الحديث)(2)، والنواوي والسيوطي في (شرح تقريب النواوي)(3).

وأمّا على مختار الآمدي من قبول مراسيل العدل مطلقاً، فالأمر واضح(4)[ــ .

الزيلعي: وأخرجه ابن مردويه في تفسيره: عن سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ بن أبي طالب قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. الآية، وفيه انقطاع؛ فإنّ الضحّاك لم يلق ابن عبّاس.

ــ ]نقول: وقع الخلاف في لقاء الضحّاك لابن عبّاس، وإن ثبت عدم لقيا، فهو مختص في الأحكام، وأمّا التفسير، فالواسطة بينه وبين ابن عبّاس معلومة وهو: سعيد بن جبير.

قال المزّي في (تهذيب الكمال): (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة، مأمون، وقال أبو بكر بن أبي خثيمة، عن يحيى بن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال زيد بن الحبّاب، عن سفيان الثوري: خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحّاك، وقال أبو قتيبة مسلم بن قتيبة، عن شعبة، قلت لمشاش: الضحّاك سمع من ابن عبّاس؟ قال: ما رآه قط، وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة: حدّثني عبد الملك بن ميسرة، قال: الضحّاك لم يلق ابن عبّاس، إنّما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير)(5).

____________

1- المحصول ٤: ٤٦٠ المسألة الثالثة: المراسيل.

2- الباعث الحثيث: ١٥٧ النوع التاسع: المرسل.

3- تدريب الراوي: ١٢٦ النوع التاسع: المرسل.

4- الأحكام ٢: ١٢٣ الخلاف في قبول الخبر المرسل.

5- تهذيب الكمال ١٣: ٢٩١ ]٢٩٢٨[.


الصفحة 392

ولو سلّمنا الانقطاع، فهو يحقّق شرط الشافعي الثاني، كما بيّنا آنفاً[ــ .

الزيلعي: ورواه أيضاً: حدّثنا سليمان بن أحمد، هو الطبراني، ثنا محمّد بن علي الصائغ، ثنا خالد بن يزيد العمري، ثنا إسحاق بن عبد الله بن محمّد بن علي ابن حسين بن علي، عن الحسين بن زيد، عن أبيه زيد بن علي بن الحسين، عن جدّه، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف بعليّ سائل وهو واقف في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأعلمه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. الآية، فقرأها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه, ثمّ قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاده).

ورواه الطبراني في معجمه الوسيط، إلّا أنّه قال: إسحاق بن عبد الله بن محمّد بن علي بن حسين، عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسين، عن جده، قال: سمعت عمّاراً... فذكره.

ورواه الثعلبي من حديث أبي ذرّ، قال: صلّيت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده وقال: اللّهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليّ راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمين، وكان يختم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم في خنصره، وذلك بعين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ... وذكر فيه قصّة.

وليس في لفظ أحد منهم أنّه خلعه وهو في الصلاة كما في لفظ المصنّف ــ أي الزمخشري ــ )(1).

نقول: والعجب من هذا الألبانيّ كيف يخرج هذا الحديث بهذا القصور؟!

____________

1- تخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي ١: ٤٠٩ الحديث (٤٢٠).


الصفحة 393

وكيف يخالف ما اعتمده هو؛ قال في (إرواء الغليل) بخصوص قصّة العبّاس: (قلت: وهو الذي نجزم به لصحّة سندها مرسلاً، وهذه شواهد لم يشتد ضعفها... فهو يتّقى بها ويرتقي إلى درجة الحسن على أقل الأحوال)(1)؟! وقد ملأ تخريجه لإرواء الغليل بمثل هذا.

وقال في الردّ على (إباحة التحلّي بالذهب المحلق) للشيخ إسماعيل الأنصاري: ((لكن هذا القدر من الحديث صحيح أيضاً؛ لأنّه مرسل صحيح الإسناد، وقد روي موصولاً، كما علمت له شاهدان موصولان، الأوّل: عن أبي هريرة... والآخر: عن أسماء بنت زيد). ثمّ قلت مشيراً إلى شواهد أُخرى: (وفي الباب عن عائشة عند النسائي وغيره، وأسماء أيضاً عند أبي داود)، فهذه الشواهد وإن كان غالب مفرداتها لا تخلو من ضعيف، فممّا لا شكّ فيه: أنّها بمجموعها صالحة للاحتجاج بها على تحريم ما اجتمعت عليه من تحريم السوار والطوق وكذا الخرص؛ لما تقرّر من مصطلح الحديث: أنّ كثرة الطرق تقوّي الحديث إذا خلت من متروك، أو متّهم، لا سيّما والمشهود له، وهو الحديث المرسل الصحيح، إسناده حجّة وحده عند جمهور الفقهاء، قال الحافظ ابن كثير: (والاحتجاج به مذهب مالك، وأبي حنيفة وأصحابهما. وهو يُحكى عن أحمد في رواية).

وأمّا مذهب الشافعي، فشرطه في الاحتجاج به معروف، وهو أن يجيء موصلاً من وجه آخر ولو مرسلاً، فهذا قد جاء موصولاً من طرق، وعليه فهذا الحديث المرسل صحيح حجّة عند جميع علماء المذاهب الأربعة، وغيرهم من أئمّة أُصول

____________

1- إرواء الغليل ٣: ٣٤٩ الحديث (٨٥٧) تعجيل إخراج الصدقة وأخذها(صلى الله عليه وآله وسلم) من العبّاس قبل سنتين.


الصفحة 394

الحديث والفقه، وبذلك يظهر لكلّ منصف أنّ القول بسقوط الاستدلال بهذا الحديث لمجرّد وروده مرسلاً هو الساقط، والله تعالى هو الموفق)(1).

ونحن نقول: وبهذا يظهر لكلّ منصف أنّ كلام الألباني في تضعيف حديث التصدّق ساقط؛ إذ هو، حسب قوله: اتّبع فيه هواه لا غير.

(ردّ شبهات عن آية الولاية وذكر المصادر المعتبرة في شأن نزولها)

« ريم ــ قطر ــ إمامية »

السؤال:

من أدلّتنا القوية التي نستدل بها على إخواننا السُنّة بوصاية وولاية الإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هي الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(2). بما ثبت من نزولها في تصدّق عليّ(عليه السلام) وهو راكع عندما أتى سائل يسأل الصدقة في المسجد.

والسؤال:

١ــ هل كانت صدقة أم زكاة؟ ولماذا نقول: إنّها صدقة، وذكرت في القرآن زكاة؟! وهل يجوز إعطاء الزكاة في هذا الموضع؟

٢ــ ماذا نقول عن دعوى العبث في الصلاة؟ وهل يجوز للمصلّي أن يتصدّق وهو يصلّي؟

____________

1- انظر: حياة الألباني وآثاره ١: ١٣٤، الفصل الثاني.

2- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 395

٣ــ هل كانت تتوفّر في هذا الخاتم شروط الزكاة:

أــ حول الحول.

ب ــ وأن تكون بمقدار ٢.٥%...الخ؟

وأريد الأدلّة من كتب إخواننا السُنّة إن وجدت.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يجب أن يعلم الجميع بأنّه: (إذا ورد الأثر بطل النظر)، فلا يجوز التقديم بين يدي الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا اجتهاد في معرض النصّ.

ومع ذلك نقول: إنّ كلّ الروايات تذكر بأنّها كانت: صدقة؛ فإنّ سائلاً سأل المسلمين فلم يعطه أحد، فأشار إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) أنْ خذ الخاتم، فأخذه، فنزلت الآية الكريمة في حقّه. فلا علاقة للزكاة الواجبة هنا، ولم يدّع أحد ورود سبب نزول الآية في الزكاة، فلا مجال للخوض في شروطها وتوفّرها أو عدمها هنا، خصوصاً أنّ أكثر الروايات تذكر بأنّ الصلاة أيضاً كانت صلاة نافلة وتطوّع قبل الظهر.

وقد أطلق الله تعالى في كتابه: الزكاة، والصلاة، والحجّ، والصيام، والصدقة، على الواجبة والمستحبّة، فلا ضير في إطلاق الزكاة وإرادة الصدقة المستحبّة، أو خصوص الزكاة الواجبة، أو الأعمّ منهما، مثل: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتمْ منْ رباً ليَرْبوَ في أَمْوَال النَّاس فَلا يَرْبو عنْدَ اللَّه وَمَا آتَيْتمْ منْ زَكَاة تريدونَ وَجْهَ اللَّه فأولَئكَ هم الْمضْعفونَ(1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(2).

____________

1- الروم (٣٠): ٣٩.

2- مريم (١٩): ٣١.


الصفحة 396

وسنذكر من قال بنزول الآية الكريمة في حقّ عليّ(عليه السلام) من مصادر أهل السُنّة المعتبرة باختصار:

١ــ ابن جزي الكلبي في تفسيره (التسهيل لعلوم التنزيل)، قال: (﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)؛ فإنّه سأله سائل وهو راكع في الصلاة فأعطاه خاتمه)(1).

٢ــ الرازي في تفسيره، قال: (القول الثاني: إنّ المراد من هذه الآية شخص معيّن. وعلى هذا ففيه أقوال: روى عكرمة (الخارجي الناصبي، كعادته) أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر، والثاني: روى عطاء، عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) ).

ثمّ ذكر روايتين في تصدّق عليّ(عليه السلام) على الفقير عن عبد الله بن سلام، وأبي ذرّ(2).

٣ــ السيوطي في (الدرّ المنثور)، قال: (أخرج الخطيب في (المتفق) عن ابن عبّاس، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للسائل: (من أعطاك هذا الخاتم؟) قال: ذاك الراكع، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(3).

وأخرج عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب.

____________

1- تفسير التسهيل لعلوم التنزيل ١: ١٨١ قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)).

2- تفسير الرازي ١٢: ٢٦ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

3- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 397

وأخرج الطبراني في (الأوسط)، وابن مردويه، عن عمّار بن ياسر، قال: وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع (نقول: وهذا يدلّ على أنّ الصلاة والزكاة كانت تطوّعاً لا واجباً)، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقرأها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه، ثمّ قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه).

وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: (نزلت هذه الآية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا إلى آخر الآية، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل المسجد وجاء الناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم يصلّي، فإذا سائل، فقال: (يا سائل! هل أعطاك أحد شيئاً؟) قال: لا، إلّا ذاك الراكع ــ لعليّ بن أبي طالب ـ. أعطاني خاتمه.

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت: aeybazإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ.. الآية.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. الآية، نزلت في عليّ بن أبي طالب؛ تصدّق وهو راكع.

وأخرج ابن جرير، عن السدّي وعتبة بن حكيم مثله.

]نقول: ولم يقل أحد: أدّى الزكاة فكلّ الروايات تقول.. تصدّق عليّ [(عليه السلام) .

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله! إنّ بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخاطبنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لمّا رأونا قد صدقنا الله ورسوله، وتركنا دينهم، أظهروا العداوة،


الصفحة 398

وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يؤاكلونا، فشقّ ذلك علينا، فبينا هم يشكون ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ نزلت هذه الآية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، ونودي بالصلاة، صلاة الظهر، وخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: (أعطاك أحد شيئاً؟) قال: نعم. قال: (من؟) قال: ذلك الرجل القائم. قال: (على أي حال أعطاكه؟) قال: وهو راكع. قال: وذاك عليّ بن أبي طالب، فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند ذلك، وهو يقول: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(1).

وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، عن أبي رافع، قال: دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نائم يوحى إليه، فإذا حيّة في جانب البيت، فكرهت أن أبيت عليها فأوقظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخفت أنّه يوحى إليه، فاضطجعت بين الحيّة وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لئن كان منها سوء كان فيّ دونه، فمكثت ساعة، فاستيقظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: (﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، الحمد لله الذي أتم لعليّ نعمه، وهيأ لعليّ بفضل الله إياه).

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ بن أبي طالب قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. الآية، قال: نزلت في الذين آمنوا وعليّ بن أبي طالب أوّلهم)(2).

٤ــ الزمخشري في كشّافه، قال: (﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، الواو فيه للحال؛ أي: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلّوا وإذا زكّوا.

____________

1- المائدة (٥): ٥٦.

2- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 399

وقيل: هو حال من يؤتون الزكاة، بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنّها نزلت في عليّ(كرم الله وجهه) حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان مَرجاً في خنصره (أي سهل الحركة)، فلم يتكلّف لخلعه كثيرَ عمل تفسد بمثله صلاته).

(ودافع الرجل عن مجيء الآية بالجمع ونزولها في عليّ(عليه السلام) )(1).

٥ــ ابن عطية الأندلسي في (المحرّر الوجيز): (ولكن اتّفقَ أنَّ عليّاً بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع)، ونقل ذلك عن السدّي ومجاهد، وذكر رواية في نزولها في عليّ(عليه السلام) ، ثمّ ردّ هذا القول، على عادتهم، ورجّح غيره كغيره!!(2)

٦ــ أبو السعود في تفسيره، قال: (وروي أنّها نزلت في عليّ(رضي الله عنه) حين سأله سائل وهو راكع، فطرح عليه خاتمه، كأنّه كان مَرجاً في خنصره، غير محتاج في إخراجه إلى كثير عمل يؤدّي إلى فساد الصلاة، ولفظ الجمع حينئذ لترغيب الناس في مثل فعله(رضي الله عنه)، وفيه دلالة على أنّ صدقة التطوّع تسمّى: زكاة)(3).

٧ــ ابن أبي حاتم في تفسيره: نقل بسنده عن عقبة بن أبي حكيم، وسلمة بن كهيل، في سبب نزول الآية الكريمة في عليّ(عليه السلام) (4).

٨ــ ابن كثير في تفسيره، قال: (حتّى إنّ بعضهم ذكر في هذا أثراً عن عليّ ابن أبي طالب أنّ هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنّه مرّ به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه).

____________

1- الكشّاف ١: ٦٢٤ قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)).

2- المحرّر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز ٢: ٢٠٨ سورة المائدة: ٥٥ ــ ٥٧.

3- تفسير أبي السعود ٣: ٥٢ قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...)).

4- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦٢ الحديث (٦٥٤٩) (٦٥٥١).


الصفحة 400

ثمّ نقل عن ابن أبي حاتم روايتيه في أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام) ، ولم يعلّق على إسنادها مع أنّهما صحيحتان.

ثمّ نقل قول ابن جرير عن مجاهد.

ونقل عن عبد الرزّاق بسنده عن ابن عبّاس، أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام) ، ولكنّه ضعّف سندها.. وعن ابن مردويه بسنده عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، وضعّفه بعدم إدراك الضحّاك لابن عبّاس، ثمّ ذكر طريقاً ثالثاً عن أبي صالح، عن ابن عبّاس به، وعلّق بقوله: (وهذا إسناد لا يفرح به).

ثمّ قال: (ثمّ رواه ابن مردويه من حديث عليّ بن أبي طالب نفسه، وعمّار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصحّ شيء منها بالكلّية، لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها).

ثمّ قال: (ثمّ روى بإسناده (ابن مردويه) عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس، في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، نزلت في المؤمنين، وعليّ بن أبي طالب أوّلهم).

ثمّ ذكر عن ابن جرير، بسنده عن أبي جعفر(عليه السلام) ، أنّه سأله عبد الملك عن هذه الآية، قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلغنا أنّها نزلت في عليّ ابن أبي طالب، قال: (عليّ من الذين آمنوا).

وقال أسباط عن السدّي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ولكن عليّ بن أبي طالب مَرَّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه(1).

٩ــ البغوي في تفسيره، نقل عن ابن عبّاس والسدّي: أنّ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ أراد به عليّاً بن أبي

____________

1- تفسير ابن كثير ٢: ٧٣ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 401

طالب(رضي الله عنه)؛ مرّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه(1).

١٠ــ البيضاوي في تفسيره، قال: (﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ: متخشعون في صلاتهم وزكاتهم، وقيل: هو حال مخصوصة بـ(يؤتون)، أو يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصاً على الإحسان ومسارعة إليه، وإنّها نزلت في عليّ(رضي الله عنه) حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه، واستدلّ بها الشيعة على إمامته زاعمين أنّ المراد بالوليّ: المتولّي للأمور، والمستحق للتصرّف فيها، والظاهر ما ذكرناه، مع أنّ حمل الجمع على الواحد أيضاً خلاف الظاهر.

[نقول: ولكن سبب النزول يغنينا عن الظاهر].

ثمّ قال: وإن صحّ أنّه نزل فيه، فلعلّه جيء بلفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله فيندرجوا فيه، وعلى هذا، يكون دليلاً على أنّ الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها، وأنّ صدقة التطوع تسمّى: زكاة)(2).

[وهذه الجملة الأخيرة فيها ردّ على أسئلتكم ومن علمائهم].

١١ــ السمرقندي في تفسيره نصّ على ذلك ورجّحه، فقال: (ثمّ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قال ابن عبّاس: وذلك أنّ بلالاً لمّا أذّن وخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس في المسجد يصلّون بين قائم وراكع وساجد، فإذا هو بمسكين يسأل الناس، فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم فضّة، قال: ومن أعطاك؟ قال: ذلك المصلّي، قال: في أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع..

____________

1- تفسير البغوي ٢: ٤٧ سورة المائدة: ٥٥.

2- تفسير البيضاوي ٢: ٢٢٩ــ٣٤٠ قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)).


الصفحة 402

فنظر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، فقرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عبد الله بن سلام: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، يعني: يتصدّقون في حال ركوعهم؛ حيث أشار عليّ بخاتمه إلى المسكين حتّى نزع من أصبعه وهو في ركوعه، ويقال: يراد به جميع المسلمين أنّهم يصلّون ويؤدّون الزكاة)(1).

١٢ــ السمعاني في تفسيره، قال: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يعنيّ مصلّون، إلّا أنّه خصّ الركوع تشريفاً، وقيل: معناه خاضعون، وقال السدّي ـ. وهو رواية عن مجاهد ــ : إنّ هذا أنزل في عليّ بن أبي طالب، كان في الركوع ومسكين يطوف في المسجد، فنزع خاتمه ودفع إليه، فهذا معنى قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(2).

١٣ــ ابن جرير الطبري ــ شيخ المفسّرين ــ في تفسيره، ذكر ذلك في أوّل آرائه في تأويل الآية، ومن عادته تقديم الرأي الراجح، فقال: (وأمّا قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنىّ به، فقال بعضهم: عُني به عليّ بن أبي طالب، وقال بعضهم: عُني به جميع المؤمنين. ذكر من قال ذلك:

[ثمّ نقل بأسانيده] عن السدّي، وعن عتبة بن أبي حكيم، وعن مجاهد: أنّها نزلت في عليّ)(3).

١٤ــ القرطبي ــ خاتمة المفسّرين ــ في تفسيره، قال: (وقال ابن عبّاس: نزلت في أبي بكر!! وقال في رواية أُخرى: نزلت في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وقاله

____________

1- تفسير السمرقندي ١: ٤٢٤ سورة المائدة: ٥٥ ــ ٥٦.

2- تفسير السمعاني ٢: ٤٧ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

3- تفسير الطبري ٦: ٣٨٨ القول في تأويل قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 403

مجاهد والسدّي، وحملهم على ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ..

وهي المسألة الثانية: وذلك أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يعطه أحد شيئاً، وكان عليّ في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتّى أخذه، قال الكيا الطبري: وهذا يدلّ على أنّ العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ فإنّ التصدّق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة.

وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى: زكاة؛ فإنّ عليّاً تصدّق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ(1)، وقد انتظم الفرض والنفل فصار اسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين).

ثمّ قال القرطبي بعد استبعاده لقول الطبري: (وقال ابن خويز منداد: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ تضمّنت جواز العمل اليسير في الصلاة، وذلك أنّ هذا خرج مخرج المدح، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحاً، وقد روي أنّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوّع، وذلك أنّه مكروه في الفرض)(2).

١٥ــ النسفي في تفسيره، قال: (والواو في ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ للحال، أي: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة. قيل: إنّها نزلت في عليّ(رضي الله عنه) حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان مرجاً في خنصره فلم

____________

1- الروم (٣٠): ٣٩.

2- تفسير القرطبي ٦: ٢٢١ ــ ٢٢٢ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 404

يتكلّف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته، وورد بلفظ الجمع، وإن كان السبب فيه واحداً؛ ترغيباً للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، والآية تدلّ على: جواز الصدقة في الصلاة، وعلى أنّ الفعل القليل لا يفسد الصلاة)(1).

ولم يذكر النسفي غير ذلك في تفسيره للآية الكريمة.

١٦ــ الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)، قال: (﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ: حال من فاعل الفعلين، أي: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون متواضعون لله تعالى. [نقول: أليس هذا خلافاً للظاهر؟!!]

وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة والركوع ركوع الصلاة، والمراد: بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه.

وغالب الأخباريّين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه؛ فقد أخرج الحاكم، وابن مردويه، وغيرهما، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متّصل، قال...(إلى أن قال): فقال لهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل فقال: (هل أعطاك أحد شيئاً؟) فقال: نعم، خاتم من فضّة. فقال: (من أعطاكه؟) فقال: ذلك القائم. وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (على أيّ حال أعطاك؟). فقال: وهو راكع. فكبّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ تلا هذه الآية.

فأنشأ حسّان(رضي الله عنه) يقول:


أبا حسن تفديك نفسي ومهجتيوكلّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مديحك المحبر ضائعاًوما المدح في جنب الإله بضائع

____________

1- تفسير النسفي ١: ٢٨٩ سورة المائدة: ٥٥ ــ ٥٩.


الصفحة 405

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاًزكاة فدتك النفس يا خير راكــع
فأنزل فيك الله خير ولايــــةوأثبتها اثنا كتاب الشرائـــع(1)

ثمّ قال الآلوسي في تفسير الآيات اللاحقة: (هذا، (ومن باب الإشارة في الآيات): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ، أي: صلاة الشهود والحضور الذاتي، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: أي: زكاة وجودهم، ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، أي: خاضعون في البقاء بالله.

والآية عند معظم المحدّثين نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه)(2).

١٧ــ ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير)، قال: (قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...، اختلفوا في من نزلت على أربعة أقوال:

أحدها: أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: إنّ قوماً قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك، لبعد المنازل. فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين، وأذّن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا مسكين يسأل الناس، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (هل أعطاك أحد شيئاً؟) قال: نعم. قال: (ماذا؟) قال: خاتم فضّة، قال: (من أعطاكه؟) قال: ذاك القائم. فإذا هو عليّ بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية.. رواه أبو صالح عن ابن عبّاس. وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في عليّ ابن أبي طالب؛ تصدّق وهو راكع.

ــ ثمّ قال ابن الجوزي ــ: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فيه

____________

1- تفسير روح المعاني ٦: ١٦٧ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

2- تفسير روح المعاني ٦: ١٨٦ سورة المائدة: ٥٩ ــ ٦٦.


الصفحة 406

قولان: أحدهما: أنّهم فعلوا ذلك في ركوعهم، وهو تصدّق عليّ(عليه السلام) بخاتمه في ركوعه. والثاني: إنّ من شأنهم إيتاء الزكاة وفعل الركوع.

وفي المراد بالركوع ثلاثة أقوال: أحدها: إنّه نفس الركوع؛ على ما روى أبو صالح عن ابن عبّاس. وقيل: إنّ الآية نزلت وهم في الركوع، والثاني: إنّه صلاة التطوع... والثالث: إنّه الخضوع والخشوع)(1).

١٨ــ الجصّاص في (أحكام القرآن)، قال في باب العمل اليسير في الصلاة: (قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، روي عن مجاهد والسدّي وأبي جعفر وعتبة بن أبي حكيم: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب حين تصدّق بخاتمه وهو راكع...

إلى أن قال: فإن كان المراد: فعل الصدقة في حال الركوع، فإنّه يدلّ على إباحة العمل اليسير في الصلاة، وقد روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار في إباحة العمل اليسير فيها، فمنها: أنّه خلع نعليه في الصلاة. ومنها: أنّه مسّ لحيته، وأنّه أشار بيده.

ومنها حديث ابن عبّاس: أنّه قام على يسار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ ذؤابته وأداره إلى يمينه.

ومنها: أنّه كان يصلّي وهو حامل أُمامة بنت أبي العاص بن ربيع، فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها.

فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة؛ لأنّه إن كان المراد: الركوع، فكان تقديره: (الذين يتصدّقون في حال الركوع)، فقد دلّت على إباحة الصدقة في هذه الحال.

____________

1- زاد المسير ٢: ٢٩٢ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 407

وإن كان المراد: وهم يصلّون، فقد دلّت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة، فكيفما تصرفت الحال فالآية دالّة على: إباحة الصدقة في الصلاة)(1).

وهناك المزيد، وفيما نقلناه عنهم كفاية.

(مناقشة الطبري في سبب النزول، وابن كثير في معنى: (وهم راكعون)

« عز الدين ــ تونس ــ سنّي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كان تفسير الطبري مفتوحاً أمامي عندما اطّلعت على هذا الموضوع، فرجعت إليه للتأكد فلم أجده مقنعاً، وإنّني أنقل لكم صفحات التفسير فدلّوني على الدليل من فضلكم.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ:

قال (أبو جعفر): يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا: ليس لكم أيّها المؤمنون ناصر إلّا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره. فأمّا اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرؤوا من وَلايتهم، ونهاكم أن تتّخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء ولا نصراء، بل

____________

1- أحكام القرآن ٢: ٥٥٧، باب (العمل اليسير في الصلاة).


الصفحة 408

بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليّاً ولا نصيراً.

وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت، في تبرّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحلفهم، إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين.

ذكر من قال ذلك:

١٢٢٠٧ ــ حدّثنا هناد بن السري، قال: حدّثنا يونس بن بكير، قال: حدّثنا ابن إسحاق، قال: حدّثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لمّا حاربت بنو قينقاع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، فخلعهم إلى رسول الله، وتبرّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: أتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفّار ووَلايتهم! ففيه نزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ؛ لقول عبادة: (أتولّى الله ورسوله والذين آمنوا)، تبرّئه من بني قينقاع ووَلايتهم، إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.

١٢٢٠٨ ــ حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد، قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ... ثمّ ذكر نحوه.

١٢٢٠٩ ــ حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني معاوية ابن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أنّه من أسلم تولّى الله ورسوله.

وأمّا قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم: عُني به عليّ بن أبي طالب، وقال بعضهم: عُني به جميع المؤمنين.


الصفحة 409

ذكر من قال ذلك:

١٢٢١٠ ــ حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدّثنا أسباط، عن السدّي، قال: ثمّ أخبرهم بمن يتولاهم، فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن عليّ بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتَمَه.

١٢٢١١ ــ حدّثنا هناد بن السري، قال: حدّثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر، قال: سألته عن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قلت: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا.

١٢٢١٢ ــ حدّثنا ابن وكيع، قال: حدّثنا المحاربي، عن عبد الملك، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وذكر نحو حديث هناد، عن عبدة.

١٢٢١٣ ــ حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي، قال: حدّثنا أيوب بن سويد، قال: حدّثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، قال: عليّ بن أبي طالب.

١٢٢١٤ ــ حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب؛ تصدَّق وهو راكع.

هذا، وأرجّح أنّ أبا جعفر الطبري قد أغفل الكلام في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، وفي بيان معناها في هذا الموضع، مع الشبهة الواردة فيه؛ لأنّه كان


الصفحة 410

يحبّ أن يعود إليه فيزيد فيه بياناً، ولكنّه غفل عنه بعد.

وقد قال ابن كثير (٣: ١٨٢): (وأمّا قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقد توهّم بعض الناس أنّ هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنّه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء، ممّن نعلمه من أئمّة الفتوى.

وحتّى إنّ بعضهم ذكر في هذا أثراً عن عليّ بن أبي طالب أنّ هذه الآية نزلت فيه...)، ثمّ ساق الآثار السالفة وما في معناها من طرق مختلفة.

وهذه الآثار جميعاً لا تقوم بها حجّة في الدين، وقد تكلّم الأئمّة في موقع هذه الجملة، وفي معناها، والصواب من القول في ذلك: أنّ قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، يعني به: وهم خاضعون لربّهم، متذلّلون له بالطاعة، خاضعون له بالانقياد لأمره في إقامة الصلاة بحدودها وفروضها من تمام الركوع والسجود، والصلاة والخشوع، ومطيعين لما أمرهم به من إيتاء الزكاة وصرفها في وجوهها التي أمرهم بصرفها فيها، فهي بمعنى (الركوع) الذي هو في أصل اللغة، بمعنى الخضوع. (انظر: تفسير (ركع) في ما سلف ١/٥٧٤).

وإذاً فليس قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ حالا من ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.

وهذا هو الصواب المحض إن شاء الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الاستدلال بآية الولاية (الآية٥٥ من سورة المائدة) على إمامة أمير


الصفحة 411

المؤمنين(عليه السلام) وخلافته بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يثبت بعد إثبات أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) دون غيره، ليتحصّل منها حصر الولاية بالله وبرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبأمير المؤمنين(عليه السلام) دون غيرهم، وبعدها نقول: إنّ المعنى المتصوّر للولاية هنا هو: ولاية الأمر دون المحبّة، أو النصرة، أو أمثالهما من المعاني، التي لا مجال لتصوّر حصرها بالثلاثة المذكورين في الآية فقط.

وعن الأمر الأوّل نقول: إنّه قد ورد من طرق صحيحة أنّ الآية نزلت في حقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه في حال الركوع.

فها هو المفسّر الكبير ابن أبي حاتم، الذي عدّه ابن تيمية في (منهاج السُنّة) من المفسّرين الكبار الذين لا يروون الموضوعات(1)، يروي بسند مرسل صحيح في تفسيره: عن أبي سعيد الأشج، عن الفضيل بن دكين، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل ــ وكلّهم ثقات ــ أنّ الآية نزلت في حقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه على السائل في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

وكذا يروي الحاكم الحسكاني، الذي وصفه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) بـ(المحدّث البارع القاضي... الحاكم)(3)، في كتابه (شواهد التنزيل) بسند صحيح أو قريب من الصحيح: أنّ هذه الآية نزلت عندما تصدّق عليّ(عليه السلام) على السائل في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في حال الركوع(4).

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٣، المنهج الثاني عند الرافضي في الأدلّة الدالة من القرآن على إمامة عليّ(عليه السلام).

2- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦٢ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

3- سير أعلام النبلاء ١٨: ٢٦٨ ]١٣٦[ الحسكاني.

4- شواهد التنزيل ١: ٢١٢.


الصفحة 412

وقد تقرّر في علم الحديث أنّ المرسل الصحيح إذا عضده مسند صحّ الاحتجاج به، وارتفع إلى درجة الحسن(1).

وكذا يروي السيوطي في (الدرّ المنثور): عن عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي نعيم، وغيرهم: أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام) (2).

وأيضاً يروي السيوطي في (لباب النقول): عن الطبراني، بأنّها نزلت في عليّ(عليه السلام) ، ثمّ يذكر له شواهد، وقال: (فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضاً)(3).

وكذا يروي ابن كثير في تفسيره، أنّها نزلت في حقّ عليّ(عليه السلام) بعدّة طرق، ومنها الطريق الصحيح المتقدّم عن ابن أبي حاتم(4).

وكذا يروي القرطبي في تفسيره(5)، والواحدي في (أسباب النزول)(6)، والجصّاص في (أحكام القرآن)(7)، والزمخشري في (الكشّاف)(8)، والرازي في (التفسير الكبير)(9)، وأيضاً الطبري عن طرق متعدّدة كما أسلفتم في تفسيره: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) (10).

____________

1- انظر: الباعث الحثيث، لابن كثير ١: ١٥٧ النوع التاسع: المرسل.

2- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، ٢٩٤ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

3- لباب النقول في أسباب النزول: ٨١ سورة المائدة.

4- تفسير ابن كثير ٢: ٧٣ قوله: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

5- تفسير القرطبي ٦: ٢٢١.

6- أسباب النزول: ١٣٣ سورة المائدة.

7- أحكام القرآن ٢: ٥٥٧.

8- الكشّاف ١: ٦٢٤ قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)).

9- تفسير الرازي ١٢: ٢٦ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

10- تفسير الطبري ٦: ٣٨٨.


الصفحة 413

وهكذا روى غير هؤلاء المحدثين والمفسّرين أنّ الآية الكريمة نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في مصادر مختلفة لا تخفى على المتتبع.

فالمتحصّل أنّ الآية الكريمة وبواسطة الطرق الصحيحة المشار إليها في المصادر المتقدّمة، وبمعاضدة الطرق التي يقوّي بعضها بعضاً، نقطع بأنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه في الصلاة وهو في حال الركوع.

وأمّا دعوى أنّ الآية نزلت في عبادة بن الصامت..

فنقول: إنّ هذه الرواية شاذّة، وأكثر الأُمّة يدفعها، وما ذكر في نزولها في عليّ(عليه السلام) هو المجمع عليه.

وأيضاً أنّه قد وردت في الآية صفات لا تنطبق إلّا على حاله (عليه السلام) ؛ إذ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ, قد بيّن أنّ المعني هو الذي آتى الزكاة في حال الركوع، وأجمعت الأُمّة على أنّه لم يؤت أحد الزكاة في هذه الحال غير أمير المؤمنين(عليه السلام) .

وليس لأحد أن يقول: إنّ قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ ليس هو حالاً لإيتاء الزكاة، بل إنّما المراد به أنّ صفتهم إيتاء الزكاة؛ فإنّ ذلك خلاف اللغة، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: لقيت فلاناً وهو راكب، لم يفهم منه إلّا لقاؤه في حال الركوب، ولم يفهم منه أنّ من شأنه الركوب، وإذا قال: رأيته وهو جالس، أو جاءني وهو ماشٍ، لم يفهم من ذلك كلّه إلّا موافقة رؤيته في حال الجلوس، أو مجيئه ماشياً، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون حكم الآية أيضاً هذا الحكم.


الصفحة 414

(دلالتها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)

« حميد ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

هل تدلّ آية الولاية على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

ذهب المفسّرون والعلماء من الفريقين، إلى أنّها نزلت في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) ، حينما تصدّق بخاتمه في أثناء الصلاة(2).

ودلالة الآية الكريمة على ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) واضحة، بعد أن قرنها الله تعالى بولايته وولاية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومعلوم أنّ ولايتيهما عامّة، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) بحكم المقارنة.

تعليق ١:

« منير ــ السعودية ــ إمامي»

ولكن هناك من يقول: إنّ قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ إنّما هي صفة، أي:

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- انظر: شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٢١٩ الحديث ٢٢٧، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٥٧، أنساب الأشراف،للبلاذري: ١٥٠ الحديث ١٥١، تفسير الطبري ٦: ٣٨٨، الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي ٤: ١٠٤. (وراجع ما مضى من الأسانيد وتصحيحها).


الصفحة 415

أنّهم يصلّون، وأيضاً هم يركعون، أي: أنّها تكرار للجملة، فحين ذكر أنّهم يصلّون ذكر أنّهم يصلّون مرّة أُخرى، بقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، لأنّه يعبّر عن الصلاة تارة بالركوع، وهذا يدعو للاستغراب، فكيف أردّ عليه بالردّ الشافي؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ آية الولاية من الآيات الصريحة والواضحة الدلالة على إمامة من آتى الزكاة في حال الركوع، وقد ذكرت روايات كثيرة من الفريقين أنّ سبب نزول الآية هو: تصدّق الإمام عليّ(عليه السلام) بخاتمه على الفقير، في حال الركوع أثناء صلاته.

إذاً فهي دالّة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ولكن في هذا ما يغيظ نفوساً ضعيفة الإيمان، تحمل في طيّاتها حالة البغض والحقد لعليّ وآله(عليهم السلام) ، فأخذوا يبثّون الشبهة تلو الشبهة، بشأن هذه الآية وأمثالها، ومن تلك الشبه هي هذه الشبهة التي ذكرتموها، من فصل إيتاء الزكاة عن حال الركوع.

ولعلّ أوّل من قال بها من القدماء هو أبو علي الجبائي، كما ذكرها عنه تلميذه القاضي عبد الجبّار في كتاب (المغني)(1).

وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشبهة، ومنهم الشريف المرتضى في كتابه (الشافي في الإمامة)، بقوله: (ليس يجوز حمل الآية على ما تأوّلها شيخك أبو علي، من جعله إيتاء الزكاة منفصلاً من حال الركوع، ولا بدّ على مقتضى اللسان واللغة من أن يكون الركوع حالاً لإيتاء الزكاة، والذي يدلّ على ذلك أنّ

____________

1- المغني: ٢٠ القسم الأوّل ١٣٧.


الصفحة 416

المفهوم من قول أحدنا: الكريم المستحقّ للمدح الذي يجود بماله وهو ضاحك، وفلان يغشى إخوانه وهو راكب، معنى الحال دون غيرها، حتّى إنّ قوله هذا يجري مجرى قوله: إنّه يجود بماله في حال ضحكه، ويغشى إخوانه في حال ركوبه.

ويدلّ أيضاً عليه: أنّا متى حملنا قوله تعالى: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ على خلاف الحال، وجعلنا المراد بها أنّهم يؤتون الزكاة، ومن وصفهم أنّهم راكعون، من غير تعلّق لأحد الأمرين بالآخر، كنّا حاملين الكلام على معنى التكرار؛ لأنّه قد أفاد تعالى بوصفه لهم بأنّهم يقيمون الصلاة، وصفهم بأنّهم راكعون، لأنّ الصلاة مشتملة على الركوع وغيره، وإذا تأوّلناها على الوجه الذي اخترناه، استفدنا بها معنى زائداً، وزيادة الفائدة بكلام الحكيم أولى)(1).

تعليق ٢:

«علي البلوشي ــ عمان ــ سنّي»

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ذكر الطبري عدّة أقوال وردت فيمن نزلت الآية، وكان من بينهم عليّ بن أبي طالب، وذكر أيضاً عبادة بن الصامت، وقال أيضاً: إنّه قد قيل أنّه عني به جميع المؤمنين، ومن صفاتهم أنّهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وكتاب ابن عساكر تاريخي لا يحتجّ به في العقائد، وأيضاً كتاب الأنساب.

وأقول: إنّ الواضح البيّن من الآية: أنّ الولاية تكون في المؤمنين بعد الله

____________

1- الشافي في الإمامة ٢: ٢٣٦.


الصفحة 417

ورسوله، وإن كان المعني في ﴿وَيؤْتونَ الزَّكَاةَ وَهمْ رَاكعونَ: عليّ، فتحديد الولاية جاء في المؤمنين، ومن ثمّ هل كان الأئمّة الاثنا عشر يؤتون الزكاة وهم راكعون أيضاً؟ (دلّل على ذلك إن كان نعم).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ لا بدّ لك قبل أن تعلّق أن تقرأ كلّ ما كتب في الموضوع من إجابات على الأسئلة المطروحة، حتّى يتم لك استيعاب الجواب من جميع جوانبه، وأمّا أن تكتفي بإجابة واحدة جاءت على قدر ما هو مطروح في السؤال، وتعتقد أنّه تمام الدليل في ما يدّعيه الشيعة، وأنّهم لم يجيبوا لحدّ الآن على الاعتراضات الواردة، فهو بعيد عن الإنصاف.

٢ــ لا بدّ في قراءتك للجواب أن تستوعب مقدار ما يراد من الدلالة لكلّ دليل مذكور بالضبط، لا أن تفهم من الدليل دلالة أوسع، أو دلالة أُخرى لا يريدها من ذكر الدليل.

٣ــ لا بدّ أن تعرف منحى ومجرى الدليل، وما هو موضعه الدلالي، ورتبته من بين المقدّمات الأُخرى للدليل، فلعلّ ما اعتبرته دليلاً ليس هو من صلب الاستدلال، أو ليس هو الدليل كاملاً، بل هو دليل على بعض مقدّمات الاستدلال، أو جزء الدليل.

ولتوضيح ذلك، نقول على تعليقك:

إنّ ما ذكر كدليل على نزول آية الولاية في عليّ(عليه السلام) كان تضافر واشتهار النقل من علماء الطرفين بأنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام) ، وليس الدليل هو الاستناد على ما نقله الطبري كأحد الآراء في الآية فقط؛ فلاحظ!


الصفحة 418

ولذا يكون إيراد قول الطبري لأنّه أحد مفردات هذا التضافر, فقوله وقول غيره هو الذي يتمّم المدّعى من الشهرة والتضافر، حتّى يصحّ الادّعاء بأنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام) .

فالاعتراض بأنّ الطبري ذكر عدّة آراء يكون صحيحاً لو كان الدليل يتم بقوله هو وحده فقط، ولم يكن أحد الشواهد على التضافر، كما هو المدّعى.

وأمّا القول في الآراء الأُخرى على التسليم بأنّها ظاهر قول الطبري:

فأوّلاً: إنّها آراء شاذّة لا يأُخذ بها مقابل المشهور المتضافر، بل المجمع عليه، وفيه روايات صحيحة نقلنا بعضها في الأجوبة الأُخرى؛ فراجع!

فتعداد الأقوال لا ينقض المدّعى، فالشاذّ يطرح ولا يعوّل عليه، وإلّا لم يسلم لنا قول في آية واحدة من آيات القرآن الكريم.

وثانياً: إنّ الطبري نفسه خبط وخلط [لو سلّمنا أنّه أراد ظاهرَ تعدّد الأقوال]، وحاول الإبهام عامداً؛ فإنّ المجموع من محصّل كلامه يؤدّي إلى التناقض، لو قبلنا بكلّ أقواله ظاهراً.

فهو قد نقل أوّلاً بلفظة (قيل) ــ وهي لتمريض القول كما هو معروف ــ الرأي القائل بأنّ الآية نزلت في عبادة بن الصامت، وجاء بروايات [لا تثبت] مفادها التطابق بين قول وفعل عبادة بن الصامت، وبين أوّل الآية وهو معنى الولاية حسب ما فسّره ]ملاحظة: أنّا لا نسلّم بأنّ معنى الولاية هو: النصرة]، ولم يأت بأيّ قول بأنّ عبادة هو من تصدّق بالخاتم.

ثمّ إنّه عندما ذكر المعنيّ من قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يقيمونَ


الصفحة 419

الصَّلاةَ وَيؤْتونَ الزَّكَاةَ وَهمْ رَاكعونَ(1), أورد رأيين، قدّمهما بقوله: (فقال بعضهم، وقال بعضهم) الأوّل: إنّ المعنيّ بها: عليّ(عليه السلام) ، والثاني: إنّ المعني بها: جميع المؤمنين، واختفى (القيل) بأنّ الآية نزلت بحقّ عبادة بن الصامت!

ومن الواضح أنّ الآية واحدة، بل أنّ الكلمات في الآية كلّها مترابطة وتؤدّي إلى معنى واحد، لا يمكن معه الفصل بين أوّل الآية والقول أنّها نزلت بسبب نزول غير السبب الذين نزلت به آخر الآية، فأمّا القول بأنّها نزلت كلّها بحقّ عبادة، أو كلّها بحقّ عليّ(عليه السلام) ، أو كلّها بحقّ جميع المؤمنين، وهذا ما لم يفعله الطبري؛ فراجع كلامه!

وجعل هذه الآية ذات المعنى المترابط الواحد قسمين: الأوّل نزل في حقّ عبادة, والآخر في حقّ عليّ(عليه السلام) ، ما هو إلّا تناقض؛ فلاحظ!

ولكن هل نقبل من الطبري هذا؟!

أو أنّ هناك مورد نزول واحد، هو في حقّ عليّ(عليه السلام) متحقّق عند الطبري، ولكن أراد إخفاءه وستره لأمر في نفسه! فلم يبرزه واضحاً في كلامه بدون لبس، وإنّما خلطه بغيره، وصاغ عباراته بحيث توهم القارئ المتسرّع بأنّ الأمر فيه أقوال وآراء، ويأخذه ظاهر التقسيم للأقوال، فيظنّ أنّ المراد هو تعدّد موارد النزول.

وفعل الطبري هذا هو الذي يجعلنا نتّهمه!

وذلك أنّ الطبري بالحقيقة لم يقل أنّ الآية نزلت في حقّ عبادة وعليّ(عليه السلام) من منظور واحد؛ إذ أنّ الطبري عندما نسب سبب النزول إلى عبادة بن الصامت كان من جهة أنّ عبادة كان المخاطب بالآية، أو المخبر بها عن حاله، لا أنّه الذي

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 420

يجب أن يُتولّى، أي: المعنيّ بقوله: ﴿وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ...، بدليل صريح الروايات التي نقلها الطبري نفسه؛ إذ فيها أنّ عبادة تبرّأ من بني القينقاع، وقال: (أتولّى الله ورسوله والمؤمنين)، أو قال: (أتولّى الله ورسوله والذين آمنوا)، فعبادة هنا يخبر عن كونه يَتولّى لا أنّه هو المولّى، فنزلت الآية إخباراً عن حاله وبياناً له وللمؤمنين، في من يجب أن يتولوه وهم الله ورسوله والذين آمنوا...(أي: عليّ(عليه السلام) ).

فالآية بيان لمورد صاحب الولاية لا للذين يتولّوه.. نعم، هم المخاطبون بذلك، ومنهم: عبادة، وقد يكون أوّلهم، حسب قول الطبري، وإن كانت الرواية شاذّة.

وقد ورد في ذلك غيرها الكثير، منها ــ كما في بعض رواياتنا ــ : أنّ قوماً من اليهود سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن وصيّه بعد أن أسلموا، فنزلت الآية، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد يسأل عمّن تصدّق بخاتم وهو راكع، فأخبره السائل أنّه عليّ(عليه السلام) (1).

وعلى هذا يصحّ أن تقول: إنّ هؤلاء اليهود كانوا سبباً للنزول بسؤالهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن وصيّه.

ولكن هذه الجهة غير الجهة المدّعاة مورد الاستدلال؛ فإنّ جهة قولنا بأنّ سبب نزولها كان عليّ(عليه السلام) ، هو القول بأنّ الآية جاءت لتبيّن أنّ الذي يجب أن يُتولّى بعد الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو: عليّ(عليه السلام) ؛ فهو الذي تصدّق بالخاتم وهو راكع، وأنّ المؤمنين جميعاً مأمورون في قول الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ بولايته وطاعته؛ فهو أولى بالأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليكن من المؤمنين عبادة بن الصامت فلا ضير.

____________

1- انظر: تفسير البرهان، للبحراني ٣: ٤٢٣ في هذه الآية.


الصفحة 421
الصفحة السابقةالصفحة التالية