المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450)

وكأنّ الآية بيان لمورد الولاية الحقيقي الذي يجب على عُبادة وغيره من المؤمنين التمسّك به، أو إخبار للمؤمنين عامّة ولبعضهم خاصّة، وهم: أصحاب السؤال بهذا المورد الحقيقي الذي يجب أن يُتولى؛ فلاحظ!

وبهذا يتّضح قول الطبري، ولا تهافت في البين، وإن كنّا نتّهمه بعدم البيان والبسط بوضوح، لغاية الله يعلمها!!

وأمّا القول بأنّ مورد النزول هو جميع المؤمنين، فهو لا يتم إلّا على القول بأنّ معنى الولاية هي النصرة، وهذا ما لا نسلمه! ثمّ إنّ تخصيص مورد النزول بعليّ(عليه السلام) يردّه، ولا يمكن أن يكون جميع المؤمنين هم ولاة الأمر إذا كان معنى الولاية هو الأولى بالأمر؛ إذ لا بدّ أن يكون واحداً في كلّ عصر.

وبيان أنّها جاءت بمعنى الأولى بالأمر لا النصرة ذكرناه في محلّه؛ فراجع!

وأمّا بخصوص كتاب ابن عساكر، و(الأنساب) للبلاذري، فإنّ اعتراضك وقع بسبب خطأ ووهم منهجي! فإنّا لم نحتجّ بما ورد عنهما لأجل أنّ كتابيهما معتبران؛ إذ لا توجد عندنا قاعدة بأنّ: كلّ كتاب معتبر فإنّا نأخذ بكلّ ما فيه، وكلّ كتاب غير معتبر فنردّ كلّ ما فيه، وإنّما نأخذ ما موجود في الكتب بالسند، ونحاكم السند كرواية مفردة، ويكون مؤلّف الكتاب أحد الرواة لا غير.

وهذا الاشتباه لا يقع فيه إلّا من ثبت في ذهنه وجود كتب صحيحة غير القرآن الکريم، مثل البخاري ومسلم! فيأخذ بتصنيف الكتب إلى معتبرة وغير معتبرة، أو يستخدم ذلك عن عمد حتّى يردّ ما يريد من الروايات التي لا تعجبه بعد أن يصنّف الكتاب الواردة فيه هذه الروايات بأنّه غير معتبر، كما هو منهج السلفية والوهّابية المعاصرين، وإلّا فإنّ مثل هذا المنهج لم يدخل في علم الحديث والدراية، ولم يتكلّم به علماؤهما؛ لأنّ بطلانه من الوضوح بمكان.


الصفحة 422

وبعد أن ذكرنا لك المقدّمات الثلاث أوّلاً فلا بدّ أن يتوضّح لك مورد الاستدلال بما رويا.

وأمّا ما ذكرته من المراد بالزكاة حالة الركوع فهو موضّح في جواب الأسئلة الأُخرى؛ فراجع!

تعليق ٣:

«عبد الوكيل ــ الجزائر ــ سنّي»

والله العظيم أنا مندهش من هذه الإجابة!

حتّى لو سلّمنا بأنّ الآية نزلت في حقّ عليّ(رضي الله عنه)، ولكن هل قرأت الآية التي تسبق هذه الآية، والقرآن كلام الله وهو يفسر بعضه بعضاً، والولاية هنا تعني: محبّتهم وموالاتهم ومؤازرتهم على أساس الدين، بعدما نهانا الله في الآية التي تسبقها موالاة اليهود والنصارى، والآية هنا حتّى وإن نزلت في عليّ فهي تعمّم على كلّ من انتهج نهجه، وأبو بكر وعمر كانا على نهج عليّ، وكلّ الآيات الكريمة تعمم على المؤمنين، وإلّا لتركنا كلّ الآيات التي نزلت في الرسول ونطبّقها عليه وحده.

فمثلاً الله أمر النبيّ بإقامة الصلاة، فهل نتركها بحجّة أنّها نزلت في النبيّ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نزول هذه الآية في حقّ عليّ(عليه السلام) هو ممّا بان واشتهر، ودونك المصادر المذكورة في الأسئلة السابقة لتتأكّد من ذلك.

ودعوى أنّها نزلت في غيره، أو في عامّة المؤمنين، فعلى المدّعي إثباتها،


الصفحة 423

وإلّا يبقى البيان الشاخص في نزول هذه الآية في عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه هو الفارس في الميدان، وقد نقله ابن أبي حاتم في تفسيره بأسانيد بعضها صحيحة، كما نقل ذلك غيره؛ فراجع واغتنم!

وانحصار الولاية بالثلاثة المذكورين في الآية: ﴿اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(1)، والمراد به، شخص أمير المؤمنين(عليه السلام) بحسب الروايات.. ينفي دخول غيرهم معهم، وإلّا لا وجه للانحصار، وذلك لأنّ ولاية المحبّة والموالاة الدينية عامّة في جميع الأمّة، وهذا الأمر مجمع عليه، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(2)، فلا وجه للحصر هنا بقيود وأحوال خاصّة إلّا الإشارة إلى عليّ(عليه السلام) .

ثمّ إنّا لا نسلّم أن يصحّ تطبيق الآيات التي ورد فيها خطاب الله تعالى للمؤمنين، بلفظ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا على جميع المؤمنين، لأنّها لم ترد في القرآن عامّة أو مطلقة دائماً، فمثلاً قد خصّصت في آية الولاية بقرينة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ، وهذه القرينة لا يمكن أن تكون مجرد وصف لجميع المؤمنين؛ لأنّ الثابت أنّ المؤمنين جميعاً لم يؤتوا الزكاة وهم راكعون، بل الذي فعل ذلك هو رجل واحد، وقد دلتنا الروايات الصحيحة على أنّه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) دون سواه، ممّا يعني أنّ الآية نازلة في حقه وغير شاملة لسائر المؤمنين.

فأمثال هذه الآيات ينبغي الرجوع فيها إلى القرائن الحالية والمقالية المتصلة أو المنفصلة، وعلم ذلك موكل إلى أهل الاختصاص من علماء التفسير والأُصول.

ودعوى أنّ أبا بكر وعمر كانا على نهج عليّ(عليه السلام) يحتاج إلى تحقيق وبحث،

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- التوبة (٩): ٧١.


الصفحة 424

والمعلوم المشهور أنّ عليّاً(عليه السلام) رفض البيعة في الشورى، ولم يوافق على الشرط الذي أشترطه عليه عبد الرحمن بن عوف، بسبب رفضه العمل على سيرة الشيخين؛ فراجع وتدبر!

تعليق ٤:

«أحمد ــ الأردن»

لو كان كلامك صحيحاً، فالمفروض أن تكون العبارة: (الذي يؤتي الزكاة وهو راكع)، وليس الجمع، لأنّ المقصود واحد وليس المجموع.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من بلاغة العرب أن يأتوا بصيغة الجمع وإن كان المراد واحداً، وقد أجاب الزمخشري ــ خرّيت صناعة البلاغة ــ عن هذا الإشكال الذي قلته:

قال: (فإن قلت: كيف يصحّ أن يكون لعليّ(رضي الله عنه)، واللفظ لفظ الجماعة؟

قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان، وتفقّد الفقراء، حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها)(1).

تعليق ٥:

«عمر ــ السعودية»

جاءت الآية ﴿اللّهُ وَرَسُولُهُ بصيغة المفرد، وجاءت على أساس قولك من

____________

1- الكشّاف ١: ٦٢٤ قوله تعالى: ((وَهُم رَاكِعُونَ)).


الصفحة 425

التعظيم لعليّ بصيغة الجمع, ولو كانت الآية تُبلِغ عن الإمامة ستكون واضحة بدون رواية تلحقها.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ منهج عدم قبول الاستعانة بالسُنّة على تفسير القرآن منهج خاطئ، فالسُنّة الصحيحة الصادرة من المعصوم تكون مبيّنة وموضّحة للآيات القرآنية، فلا يصحّ رفضها وعدم قبولها.

وإذا أمكن تحديد فهم بعض الآيات القرآنية على أساس الاستعانة بالقرآن فقط، فإنّ هذه الآية لا يمكن معرفة مصداقها بسهولة من خلال القرآن فقط، خصوصاً لعامّة المسلمين؛ لأنّها تحيل إلى قضية خارجية، وهي: التصدّق والزكاة في حال الركوع, وهذه القضية لا يمكن معرفة المراد منها خارجاً إلّا من خلال الروايات والأخبار.

والأخبار تشير إلى أنّ الذي قام بهذا العمل شخص واحد، وهو عليّ(عليه السلام) ، بل إنّ هناك أخباراً أُخرى تشير إلى تصدّق بعض الصحابة عدّة مرّات بمثل الهيئة التي تصدّق بها عليّ(عليه السلام) ، ومع ذلك لم تنزل فيه مثل ما نزل بحقّ عليّ(عليه السلام) ، ممّا يؤكّد عدم صلاحية أي تصدّق للدخول كمصداق للآية, وكما يعترف بذلك ذلك الصحابي، ففي رواية عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: (أخرجت من مالي صدقة يتصدّق بها عنّي وأنا راكع أربعاً وعشرين مرّة على أن ينزل في ما نزل في عليّ(عليه السلام) فما نزل)(1).

____________

1- سعد السعود، لابن طاووس: ٩٠ ما أورده من كتاب ابن الحجام بخصوص قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 426

تعليق ٦:

«زين ــ الأردن ــ سنّي»

السلام عليكم إخواني..

سؤالي يدور في خاطري منذ عرفت من هم إخواننا الشيعة ومذهبهم: وهو إذا كان تفسير الآية الكريمة ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ: أنّ الولاية هي لعلي كرّم الله وجهه؛ لأنّه تبرّع بخاتمه في الصلاة, فهذا يقودني إلى التساءل بأنّ عليّاً كرّم الله وجهه لم يكن تفكيره بالصلاة، بل كان تفكيره كلّه بما يريده من جاء وأخذ الخاتم, وهذا طبعاً لا يرضاه أحد, فما هو الردّ على هذا التساءل؟

أجركم على الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ المؤثّرات الخارجية الآتية عن طريق السمع والبصر وغيرها من الحواس، إنّما تؤثّر على الخشوع في الأفراد العاديين، أمثالنا نحن, أمّا الذي له درجة كمالية عالية كالإمام؛ فإنّ تلك المؤثّرات لا تؤثّر على خشوعه, بل هو في حال خشوعه يستطيع أن يسمع ويبصر, ويعي ما يسمع ويبصر.

وإن أبيت إلّا أن تنكر ذلك، فنقول لك: إذا كنت خاشعاً يوماً في صلاتك, وأنت فاتح عينيك أثناء الصلاة, وحصلت حركة معيّنة أثناء الصلاة, ولم تسلب خشوعك، هل تستطيع أن تصف تلك الحركة المعيّنة بعد الصلاة؟

فإن قلت: نعم.

نقول لك: إنّ اجتماع حالة البصر وحالة الخشوع عندك دليل إمكان اجتماع حالتي السمع والخشوع كذلك، سواء عندك أو عند غيرك.


الصفحة 427

ومع ذلك، فإنّ سؤال السائل كان في بعض وقت الصلاة, ولم يستغرق كلّ وقتها, فالانتباه إلى قوله (خاصّة وإنّه لم يكن الأمر دنيويّاً بل كان في سبيل الله) للحظة دون معارضته للخشوع ممكن, وأمّا الأفعال القليلة بعد الالتفات من الإشارة إليه لأخذ خاتمه, ومدّ يده ليأخذه الفقير, فإنّه كان عبادة في عبادة لا تخدش في كمال الصلاة؛ فإنّ ما ينافي كمالها هو الانشغال عنها بأمر دنيوي سواء بالجوارح أو بالفؤاد, وهو ما لم يحصل عنده (عليه السلام) , ومن هنا جاء مدحه في القرآن وعلى لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمام الصحابة؛ فلاحظ!

تعليق ٧:

«محمّد ــ البحرين»

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

النقطة الأُولى: الآية ذكرت الصلاة، والركوع هو من الصلاة، لذلك عندما أتت (راكعون) في هذا الموضع هي صفة هؤلاء الذين يؤتون الزكاة بأنّهم لا يدفعونها بكبر، وإنّما وهم راكعون منصاعين لأوامر الله عزّ وجلّ.

الأمر الآخر: عليّ بن أبي طالب تصدّق بخاتم وهو يصلّي، هل تعتبر هذه بدعة في الدين؛ لأنّ محمّداً عليه الصلاة والسلام لم يرد أنّه تصدّق وهو في صلاته، وهذا أمر جديد، فمن الذي هدى عليّاً(عليه السلام) إلى هذا الأمر؟

النقطة الثالثة: الآية جاءت عامّة عن المؤمنين فهل عليّ هو المؤمن الوحيد؟

آخر نقطة: أنت لِمَ تقول: إنّ الفريقين أجمعوا على أنّ هذه الآية نزلت في الإمام عليّ(عليه السلام)، أنا أقول لك: لا يا أخي كلامك غير صحيح، أهل السُنّة لا يقولون هذا القول.


الصفحة 428

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جواب النقطة الأُولى:

لا يجوز أن تكون: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ صفة مع وجود (الواو)، فالواو إمّا عاطفة، وإمّا حالية، وكونها عاطفة بعيد؛ لأنّ الركوع من ضمن أفعال وأركان الصلاة، فلا يصحّ تكراره، خصوصاً مع وجود فاصل أجنبي عن الصلاة، وهو الزكاة يفصل بين الجملتين.

ولذلك لا يصحّ إلّا أن تكون (الواو) هنا حالية، ويكون المعنى أنّهم: (يؤتون الزكاة حال ركوعهم).

ويوجب هذا المعنى ورود النصوص الصريحة التي تؤكّد هذا المعنى، إذ ورد في إحدى روايات تصدّق أمير المؤمنين(عليه السلام) بالخاتم: (تصدَّق عليٌّ بخاتمه وهو راكع)(1)، كما روى الهيثمي في (مجمع الزوائد)(2)، والطبراني في أوسطه(3)، والسيوطي في تفسيره: (عن عمّار بن ياسر، قال: وقف على عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) سائل وهو راكع في تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل...)(4)، الرواية.. وأخرج لها السيوطي شواهد في (لباب النقول)، وقال: (فهذه شواهد يقوي بعضها بعضاً)(5)، ونقل مثله السيوطي عن الخطيب في (المتّفق) عن ابن عبّاس،

____________

1- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦٢.

2- مجمع الزوائد ٧: ١٧ سورة المائدة.

3- المعجم الأوسط ٦: ٢١٨.

4- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣.

5- لباب النقول: ٩٣.


الصفحة 429

قال: (تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع...)(1).

وكذلك ورد في سبب نزول الآية عند الواحدي: (﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للسائل: على أيّ حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ تلا هذه الآية...)(2)، وهذا كلّه يؤكد المعنى الذي يلتزمه الشيعة، حيث ثبت سبب النزول، وثبت إرادة ذلك المعنى وهو أداء الزكاة حال الركوع.

أمّا الاعتراض بذكر الصلاة وذكر الركوع بعد ذلك وهو جزء من الصلاة، فمع سبب النزول يندفع الإشكال؛ إذ أنّ للركوع في قصّة التصدّق أهمية ينبغي معها ذكرها، مع أنّ القرآن الكريم كثيراً ما يذكر الخاص بعد العام، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(3).

وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ(4)؛ قال البيضاوي في تفسيرها ما معناه: وهو من عطف الخاص على العام للتفضيل(5)، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ(6)؛ وقال البيضاوي في تفسيره: (وهذا من عطف الخاص على العام للمبالغة)(7).

وذكر ابن تيمية في (دقائق التفسير) حديث النزول، وقال: (فذكر أوّلاً الدعاء، ثمّ ذكر السؤال والاستغفار، والمستغفر سائل، كما أنّ السائل داعٍ، لكنّ

____________

1- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣.

2- أسباب النزول: ١٣٣ سورة المائدة وغيرها.

3- البقرة (٢): ٤٣.

4- الأنبياء (٢١): ٧٣.

5- تفسير البيضاوي ٤: ١٠١.

6- العصر (١٠٣): ٣.

7- تفسير البيضاوي ٥: ٥٢٦.


الصفحة 430

ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير، وذكرهما جميعاً بعد ذكر الداعي الذي تناولهما وغيرها، فهو من باب عطف الخاص على العام)(1).

وقال تعالى أيضاً: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلكَافِرِينَ(2)، قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره: (قال الماتريدي... وخصّ جبريل وميكال بالذكر تشريفاً لهما وتفضيلاً. وقد ذكرنا عن أُستاذنا أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير(قدس سره) أنّه كان يسمّي لنا هذا النوع بـ(التجريد)، وهو أن يكون الشيء مندرجاً تحت عموم، ثمّ تفرده بالذكر، وذلك لمعنى مختص به دون إفراد ذلك العام، فجبريل وميكال جُعلا كأنّهما من جنس آخر، ونُزّل التغاير في الوصف كالتغاير في الجنس فعطف، وهذا النوع من العطف، أعني: عطف الخاص على العام على سبيل التفضيل، هو من الأحكام التي انفردت بها الواو، فلا يجوز ذلك في غيرها من حروف العطف)(3). انتهى.

فهذا الكلام كلّه مع عدم كون الواو حالية، أي أنّه سواء أكانت الواو عاطفة أم حالية تصحّ قصّة التصدّق.

وبهذا يندفع إشكال ذكر الركوع بعد الصلاة وإرادته على معناه الحقيقي، مع الأخذ بنظر الاعتبار كون الحقيقة هي الظاهر والأصل، وكون المجاز هو التأويل والفرع، ولا يصار إلى المجاز إلّا مع تعذّر الحمل على الحقيقة.

فيصحّ أن يكون المعنى: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة حال ركوعهم، إن فسرنا الواو بأنّها حالية، ويجوز أيضاً كون الواو عاطفة، فيكون من

____________

1- دقائق التفسير ٢: ٣٥٩.

2- البقرة (٢): ٩٨.

3- البحر المحيط ١: ٤٩٠.


الصفحة 431

باب عطف الخاص على العام للأهمية أو لبيان الاختصاص؛ إذ لا يمكن أن يخطر على قلب أحد أن يتصدّق حال ركوعه، فكان ذكر الركوع من باب اختصاص أمير المؤمنين(عليه السلام) بالتصدّق حال الصلاة، وفي الركوع بالذات حيث ينقطع الإنسان المصلّي فيه عادة عن كلّ ما حوله، ولكنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) اجتمعت فيه الأضداد كما وصفه ابن الجوزي حين فسرّ خشوعه وفنائه مع الله تعالى وتصدّقه في الوقت نفسه، فتمثّل قائلاً:


يسقي ويشرب لا تلهيه سكرتهعن النديم ولا يلهو عن الناسِ(الكاس)
أطاعه سكره حتّى تمكن منفعل الصحاة فهذا واحد الناسِ

ثمّ إنّه لا مبرر لتعلّق الولاية العامّة (حسب مدّعاكم في معنى الآية) بأمر جانبي قلبي، واشتراط عدمه ليُتّخذ وليّاً وأخاً في الله، وهو: عدم الكبر وعدم الرياء، بل الدليل على خلاف ذلك، إذ أنّ الإسلام يَشتَرط التلفّظ بالشهادتين فقط، كما في حديث أسامة بن زيد، دون النظر إلى الصدق والإخلاص والقبول، ويشهد لذلك عصمة دماء المنافقين حتّى مع معرفتهم واليقين بنفاقهم والقطع به، فالإسلام يتعامل مع الظاهر والحساب على الله تعالى يوم القيامة، يوم تبلى السرائر.

وكون الصلاة والزكاة يتقرّب بها المسلم إلى الله تعالى مطيعاً لأوامره، متذلّلاً في قبولها وتنفيذها إذ أنّ العبادات كلّها يشترط فيها هذا الشرط، فلماذا قُيّد هنا به دون غيره من الموارد مع وضوحه وبداهته في كلّ الأعمال؟

والمشكلة الأكبر في كلّ ذلك هو الإتيان بلفظٍ غامض ومصطلح مستعمل في معنى عبادي آخر ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ مع إرادة معنى آخر (حسب زعمكم في معنى الآية).


الصفحة 432

فيحصل بذلك الإبهام والإيهام مع أهميته وبداهته، فكيف يعبّر عنه بمثل هذا الغموض ويسمّيه: ركوعاً، ويقصد التذلّل والتسليم، أي يريد المجاز دون الحقيقة المتشرعية، أو بالأحرى الشرعية المستعملة والمشهورة بين المسلمين في ذلك الوقت؟!

جواب النقطة الثانية:

أمّا الإشكال الثاني فهو أعجب من الأوّل والله؛ إذ أن تعريف البدعة: أنّها إحداث شيء في الدين، وتشريعه والتعبد به من دون وجود أصل له في الشريعة، ولا إقرار عليه من المشرع، وهذان الأمران منفيان عن فعل أمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ إذ أنّه (عليه السلام) حينما تصدّق وهو في الصلاة كان بسبب سؤال ذلك الرجل، وعدم إعطاء أحد له، وهذا المحتاج أراد أن يدعو على المسلمين فمدّ له أمير المؤمنين(عليه السلام) إصبعه ونزع الخاتم له وأعطاه إياه، فكان فعله اضطرارياً..

كما هو حال ذلك الصحابي الذي جاء متأخّراً عن الصلاة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فركع قبل أن يصل إلى الصفوف، وبقي يمشي وهو راكع، وبعد ذلك امتدحه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأقرّه على حرصه مع عدم سبقه بذلك، فهل يستطيع أحد أن يصف فعل ذلك الصحابي بأنّه بدعة؟!

فكذلك فعل أمير المؤمنين(عليه السلام) ، بل إن فعل ذلك الصحابي أولى وأقرب لأن يوصف بكونه بدعة؛ إذ أنّه مشى في ركوعه، أمّا أمير المؤمنين(عليه السلام) فلم يفعل أكثر من الإيماء والإشارة بالخاتم لذلك السائل..

ومع وجود روايات وأحاديث كثيرة عند المخالفين في التحرك الكثير في الصلاة دون أن يدعي أحد فيها بالانشغال، أو العبث، أو البطلان. مثل الرواية التي يُدعى فيها أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى يوماً بالمسلمين فتذكر أنّه مجنب، فتركهم في


الصفحة 433

الصلاة، وذهب فاغتسل، وعاد وأكمل صلاته، وإمامته للصحابة!!

وكذلك هناك رواية صلاة أبي بكر بالناس حين غياب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التي يروونها ويَدّعونها؛ ففيها: رجوع أبي بكر إلى الوراء، ونكوصه والتفاته، ورفع يديه فرحاً ليدعو ويشكر الله على أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له بالبقاء والتقدّم.

وغير ذلك الكثير من الأمثلة والشواهد على الحركة في أثناء الصلاة، وكلّ ذلك لا يقول فيه أحد أنّه حركة وانشغال أثناء الصلاة، أمّا إيماء عليّ(عليه السلام) وإشارته لذلك السائل بخاتمه، ليأخذه بعد أن يئس من إعطاء أحد من الصحابة شيئاً له، والتصدّق عليه لحاجته، فيرد على ذلك عندهم ألف إشكال وإشكال، وألف سؤال وسؤال، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم!

فالبدعة تشريع شيء في الدين، وإدخال ما ليس منه فيه، والحركة البسيطة جدّاً مع كونها طاعة لله تعالى، وفي سبيله، ومع كونها لضرورةٍ؛ لكون السائل أراد أن يرفع يديه، ويشكو إليه تعالى، ودفع الله به ما كان أعظم، أنّه قد دخل مسجد رسوله، وهو محتاج، ولم يعطه أحد شيئاً، فأجابه أمير المؤمنين(عليه السلام) قبل أن يدعو ويشكو إلى الله عزّ وجلّ، فهي ليست في شيء من التشريع أو الإدخال في الدين ما ليس منه!!

أمّا زمن التشريع: فقد حدثت عشرات بل مئات الحوادث التي لم ينزل تشريعها أو إقرارها إلّا بعد فعل أحد المسلمين لها، وخصوصاً موافقات القرآن لعمر؛ إذ لم نر أحداً منهم قد اعترض عليه بأنّه يبتدع، بل تجعل كلّ اجتهاداته وآرائه ينزل فيها القرآن ليشرّعها ويوافقها، بعد أن يفعلها عمر دون تشريع مسبق.

أمّا أميرُ المؤمنين(عليه السلام) فلا بدّ أن يجعلوا أفعاله تلك بدعة، وغير مشرّعة مع نزول آية تمتدحه على فعله، وليست توافقه فقط، ويقرّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل يكبّر،


الصفحة 434

ويحمد الله ويشكره على فعل علي(عليه السلام) ذلك، ومع ذلك يبقى الحاقدون غير راضين عن أيّ فعل لكونه صادراً من أمير المؤمنين(عليه السلام) .

جواب النقطة الثالثة:

أمّا مسألة الجمع مع إرادة المفرد، فإنّه أسلوب عربي معروف وبليغ ومستعمل في القرآن الكريم كثيراً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1), فهذا كذاك.

فسياق الآية العام لا ينفي ولا يعارض تخصيصها بسبب النزول الخاص، مع عدم فعل أحد من المسلمين لذلك الفعل في زمن أمير المؤمنين سواه (عليه السلام) ، وقد ورد أن أئمّتنا(عليهم السلام) كلّهم قد فعلوا ذلك، فيكون العموم نافعاً لهذه النكتة المهمة؛ إذ لولا صيغة الجمع مع وجود أداة الحصر، فإنّ دخول سائر الأئمّة في الآية وشمول ولايتهم على المؤمنين يصبح صعباً ومتنافياً ولو ظاهراً مع الآية الكريمة.

جواب النقطة الأخيرة:

الإجماع المدّعى بين الفريقين في نزول هذه الآية في أمير المؤمنين(عليه السلام) لا يقصد منه الإجماع الاصطلاحي، وإنّما يقصد منه كما هو واضح: الاتّفاق بين الفريقين على رواية نزولها في أمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ إذ أنّك لو راجعت ما ذكرناه على صفحتنا تجد في أحد أجوبتنا تسعة عشر مصدراً تفسيرياً وغيره، قد ذكر نزولها في علي(عليه السلام) في قصّة التصدّق بالخاتم؛ فراجع لتعرف أقوال السُنّة ورواياتهم في نزول هذه الآية الكريمة في أمير المؤمنين(عليه السلام) .

____________

1- الحجر (١٥): ٩.


الصفحة 435

تعقيب:

«علاء الدين ــ العراق ــ إمامي»

اللّهمّ صلّ على محمّد وآله الأطهار..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

والله إنّي لأعجب أشدّ العجب من قوم يعاندون حتّى علماءهم الأعلام! فتلك كتب أعلامكم زاخرة بالأحاديث التي وصلت حدّ التواتر، ولا أعلم لماذا هذا العناد في تفسير هذه الآية بالذات؟!

ولو أنّها نزلت في غير أمير المؤمنين عليّ(سلام الله عليه) لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاعتبرت فضيلة لا تدانيها فضيلة، ولكن الحمد لله (الله أعلم حيث يجعل رسالته).

وإذا ما أردنا تفسير هذا العناد، فيتّضح: إمّا لغرض حقد دفين على هذه الشخصية الفذّة التي لم ينقل التاريخ كمثل بطولاتها والتزامها وإيمانها، وإمّا: أنّه عناد مقابل النصّ والقرآن، وفي كلتي الحالتين مصير أصحابها معروف، فسبحان الله عمّا تصفون.

والحمد لله رب العالمين.

(احتجاج الإمام عليّ(عليه السلام) بالآية)

« منار أحمد ــ السعودية »

السؤال:

أُودّ أن أحصل على ردّ شافٍ على من يقول: إذا كنتم تحتجّون بآية الولاية


الصفحة 436

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...(1) على إمامة عليّ(عليه السلام)، فلماذا لم يحتجّ بها الإمام عليّ(عليه السلام) نفسه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نود أن نشير إلى بعض المطالب ليتّضح الجواب:

أوّلاً: إنّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) كثيرة، عقلاً ونقلاً، تكاد لا تحصى، وقد أُلّفت كتب مستقلّة في هذا المجال.

ولكنّ الأمر الذي ينبغي الإشارة إليه، هو أنّ الإمام(عليه السلام) لم يكن مُلزماً ــ لا عقلاً ولا شرعاً ــ بالاحتجاج والمناشدة بكافّة هذه الأدلّة، بل بالمقدار الذي يُلقي الحجّة على الناس، وهذا هو الذي حدث بعدما علمنا من احتجاجه (عليه السلام) بحديث الغدير، وعدم رضوخ القوم لهذا الحقّ الصريح، فبعده هل يبقى مجال لاحتمال تأثير أمثال آية الولاية في نفوسهم؟!

ثانياً: لنفرض أنّ الاحتجاج بهذه الآية لم يصل إلينا، فهل هذا دليل على عدم صدوره منه (عليه السلام) ؟ مع أنّ المتيقّن هو: عدم وصول أخبار وآثار كثيرة من لدن الصدر الأوّل إلينا، خصوصاً ما كان منها يصطدم مع مصالح الخلفاء، فإنّهم أخفوا الكثير من فضائل ومناقب أهل البيت(عليهم السلام) ، وما ظهر منها فهو غيض من فيض.

ثالثاً: ثمّ لنفرض مرّة أُخرى، أنّ الإمام(عليه السلام) لم يحتجّ بها واقعاً، فهل هذا يدلّ بالالتزام على عدم دلالة الآية على إمامته (عليه السلام) ؟

كلاّ؛ إذ لا توجد ملازمة بين المسألتين.

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 437

رابعاً: هذه الشبهة هي في الأصل من الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) في تفسيره للآية؛ إذ قال: (فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا: إنّه تركه للتقية؛ لأنّهم ينقلون عنه أنّه تمسّك يوم الشورى بخبر الغدير...)(1).

فنقول ردّاً عليه:

بأنّ الاحتجاج بالآية ورد في مصادر الشيعة(2)، وقد أشار إلى بعض الحديث بعض من مصادر أهل السُنّة(3).

(اقتران آية الولاية بحديث الولاية)

المستبصر ــ فلسطين »

السؤال:

هل تقترن آية الولاية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ... بحديث الولاية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا كان المراد بالاقتران: التقارن الزماني, فمن المعلوم أنّ آية الولاية نزلت

____________

1- تفسير الرازي ١٢: ٢٨ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).

2- انظر: الاحتجاج، للطبرسي ١: ٢٠٢ (احتجاج أمير المؤمنين(عليه السلام) على القوم لمّا مات عمر)، أمالي الشيخ الطوسي: ٥٤٩ (١١٦٨) (حديث المناشدة عن أبي ذرّ)، الخصال، للصدوق: ٥٨٠، باب السبعين.

3- انظر: المناقب، للخوارزمي: ٣١٣ (٣١٤) الفصل التاسع عشر، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٣١.


الصفحة 438

في زمان يختلف عن زمان صدور حديث: (من كنت مولاه فعليّ مولاه)(1) الذي صدر عن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) بعد نزول آية التبليغ في غدير خم بعد انتهاء النبيّ(صلى الله عليه وسلم) من حجّة الوداع.

وأمّا إذا كان المراد: الاقتران بالمعنى، فهذا شيء صحيح؛ فآية الولاية وحديث الولاية، بل كلّ الأحاديث التي جاءت تذكر ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) , مثل: (يا عليّ أنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي)(2) تؤدّي معنىً واحداً.

ونقول: كلّ هذه الأحاديث تؤكّد حقيقة واحدة لا غير، وهي أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو وليّ المؤمنين والمتصرّف بشؤونهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

(جواب على ما قاله الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)

« مجيد ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

قال محمود الآلوسي (ت١٢٧٠هـ) في تفسيره (روح المعاني) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ:

ثمّ إنّه سبحانه لمّا قال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ(3) وعلّله بما

____________

1- تم تخريج الحديث في ما تقدّم.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٤، ١١٨، ١١٩ مسند عليّ بن أبي طالب.

3- المائدة (٥): ٥١.


الصفحة 439

علّله، ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق القصر، فقال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فكأنّه قيل: لا تتّخذوا أولئك أولياء لأنّ بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم، إنّما أولياؤكم الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وسلم) والمؤمنون، فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطّوهم إلى الغير..

وأفرد الوليّ مع تعدّده ليفيد كما قيل: أنّ الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع؛ فيكون التقدير: إنّما وليّكم الله سبحانه، وكذلك رسوله(صلى الله عليه وسلم) والذين آمنوا، فيكون في الكلام أصل وتبع، لا أنّ (وليّكم) مفرد استعمل استعمال الجمع، كما ظنّ صاحب (الفرائد)؛ فاعترض بأنّ ما ذكر بعيد عن قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعاً، ثمّ قال: ويمكن أن يقال: التقدير: إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفصل في الخبر هي: التنبيه على أنّ كونهم أولياء بعد كونه سبحانه وليّاً، ثمّ بجعله إيّاهم أولياء، ففي الحقيقة هو الوليّ. انتهى.

ولا يخفى على المتأمّل أنّ المآل متّحد والمورد واحد، وممّا تقرّر يعلم أنّ قول الحلبـي: ويحتمل وجهاً آخر، وهو: أنّ وليّاً زنة فعيل، وقد نصّ أهل اللسان أنّه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، كـ(صديق)، غير واقع موقعه؛ لأنّ الكلام فيه سرّ بياني، وهو: نكتة العدول من لفظ إلى لفظ..

ولا يرد على ما قدّمنا أنّه: لو كان التقدير كذلك لنافى حصر الولاية في الله تعالى ثمّ إثباتها للرسول(صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين؛ لأنّ الحصر باعتبار أنّه سبحانه الوليّ أصالة وحقيقة، وولاية غيره إنّما هي بالإسناد إليه عزّ شأنه.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: بدل من الموصول الأوّل، أو صفة


الصفحة 440

له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء؛ لأنّ الموصول وصلَة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلّا بالتأويل، ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح، ومرفوعاً عليه أيضاً، وفي قراءة عبد الله: (و ــ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ) بالواو.

﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ: حال من فاعل الفعلين، أي: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى.

وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة، والركوع ركوع الصلاة، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه.

وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه؛ فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متّصل، قال: (أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبـيّ(صلى الله عليه وسلم) فقالوا: يا رسول الله! إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وسلم) وصدّقناه رفضونا، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا، ولا يناكحونا، ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا.

فقال لهم النبـيّ(صلى الله عليه وسلم): إنّما وليّكم الله ورسوله.

ثمّ إنّه(صلى الله عليه وسلم) خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم، خاتم من فضّة. فقال: من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم. وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال النبـيّ(صلى الله عليه وسلم): على أيّ حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع. فكبّر النبـيّ(صلى الله عليه وسلم) ثمّ تلا هذه الآية)، فأنشأ حسّان(رضي الله عنه) يقول:


أبا حسن تفديك نفسي ومهجتيوكلّ بطيء في الهدى ومسارع


الصفحة 441

أيذهب مديحك المحبّر ضائعاًوما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاًزكاة فدتك النفس يا خير راكـع
فأنزل فيك الله خير ولايةوأثبتها أثنا كتاب الشرائـع

واستدلّ الشيعة بها على إمامته كرّم الله تعالى وجهه، ووجه الاستدلال بها عندهم أنّها بالإجماع أنّها نزلت فيه كرّم الله تعالى وجهه، وكلمة (إِنَّمَا) تفيد الحصر، ولفظ الوليّ بمعنى المتولّي للأمور والمستحقّ للتصرّف فيها، وظاهر أنّ المراد هنا: التصرّف العام المساوي للإمامة، بقرينة ضم ولايته كرّم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وسلم)، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلّا لبطل الحصر، ولا إشكال في التعبير عن الواحد بالجمع؛ فقد جاء في غير ما موضع، وذكر علماء العربية أنّه يكون لفائدتين: تعظيم الفاعل، وأنّ من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن بمنزلة جماعة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبراهِيمَ كَانَ أُمَّةً(1)، ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله، وتعظيم الفعل أيضاً حتّى إنّ فعله سجية لكلّ مؤمن، وهذه نكتة سرية (سارية) تعتبر في كلّ مكان بما يليق به.

وقد أجاب أهل السُنّة عن ذلك بوجوه:

الأوّل: النقض، بأنّ هذا الدليل كما يدلّ بزعمهم على نفي إمامة الأئمّة المتقدّمين كذلك يدلّ على سلب الإمامة عن الأئمّة المتأخّرين، كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير، فالدليل يضر الشيعة أكثر ممّا يضر أهل السُنّة كما لا يخفى.

ولا يمكن أن يقال: الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدّمه؛ لأنّا نقول: إنّ

____________

1- النحل (١٦): ١٢.


الصفحة 442

حصر ولاية من استجمع تلك الصفات لا يفيد إلّا إذا كان حقيقياً، بل لا يصحّ لعدم استجماعها فيمن تأخّر عنه كرّم الله تعالى وجهه.

وإن أجابوا عن النقض بأنّ المراد حصر الولاية في الأمير كرّم الله تعالى وجهه في بعض الأوقات، أعني: وقت إِمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم، قلنا: فمرحباً بالوفاق؛ إذ مذهبنا أيضاً أنّ الولاية العامّة كانت له وقت كونه إماماً، لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة، ولا بعده، وهو زمان خلافة من ذكر.

فإن قالوا: إنّ الأمير كرّم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولاية عامّة في عهد الخلفاء يلزمه نقص بخلاف وقت خلافة أشباله الكرام رضي الله تعالى عنهم، فإنّه لمّا لم يكن حيّاً لم تصر إمامة غيره موجبة لنقص شرفه الكامل؛ لأنّ الموت رافع لجميع الأحكام الدنيوية.

يقال: هذا فرار وانتقال إلى استدلال آخر ليس مفهوماً من الآية؛ إذ مبناه على مقدّمتين: الأُولى: إنّ كون صاحب الولاية العامّة في ولاية الآخر ـ. ولو في وقت من الأوقات ـ. غير مستقلّ بالولاية نقص له، والثانية: إنّ صاحب الولاية العامّة لا يلحقه نقص مّا بأي وجه وأي وقت كان، وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلاً كما لا يخفى على ذي فهم..

على أنّ هذا الاستدلال منقوض بالسبطين زمن ولاية الأمير كرّم الله تعالى وجهه، بل وبالأمير أيضاً في عهد النبـيّ(صلى الله عليه وسلم).

والثاني: إنّا لا نسلّم الإجماع على نزولها في الأمير كرّم الله تعالى وجهه؛ فقد اختلف علماء التفسير في ذلك، فروى أبو بكر النقّاش صاحب التفسير المشهور عن محمّد الباقر رضي الله تعالى عنه: أنّها نزلت في المهاجرين


الصفحة 443

والأنصار، وقال قائل: نحن سمعنا أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال: هو منهم، يعني أنّه كرّم الله تعالى وجهه داخل أيضاً في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم.

وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن عبد الملك بن أبـي سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الباقر رضي الله تعالى عنه أيضاً نحو ذلك، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية.

وروى جمع من المفسّرين عن عكرمة أنّها نزلت في شأن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه.

والثالث: أنّا لا نسلّم أنّ المراد بالوليّ: المتولّي للأمور والمستحقّ للتصرّف فيها تصرّفاً عامّاً، بل المراد به: الناصر؛ لأنّ الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدّين، وهو أقوى قرينة على ما ذكره، ولا يأباه الضم، كما لا يخفى على من فتح الله تعالى عين بصيرته.

ومن أنصف نفسه علم أنّ قوله تعالى في ما بعد: ﴿يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُواً وَلَعِباً مّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَـابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفَّارَ أَولِيَاء(1) آبٍ عن حمل الوليّ على ما يساوي الإمام الأعظم؛ لأنّ أحداً لم يتّخذ اليهود والنصارى والكفّار أئمّة لنفسه، وهم أيضاً لم يتّخذ بعضهم بعضاً إماماً، وإنّما اتّخذوا أنصاراً وأحباباً.

وكلمة (إِنَّمَا) المفيدة للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضاً؛ لأنّ الحصر يكون في ما يحتمل اعتقاد الشركة والتردّد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه

____________

1- المائدة (٥): ٥٧.


الصفحة 444

الآية تردّد ونزاع في الإمامة وولاية التصرّف، بل كان في النصرة والمحبّة.

والرابع: أنّه لو سلّم أنّ المراد ما ذكروه، فلفظ الجمع عام، أو مساوٍ له ــ كما ذكره المرتضى في (الذريعة)، وابن المطهّر في (النهاية) ــ والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما اتّفق عليه الفريقان، فمفاد الآية حينئذٍ حصر الولاية العامّة لرجال متعدّدين يدخل فيهم الأمير كرّم الله تعالى وجهه، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل، لا يصحّ ارتكابه بغير ضرورة ولا ضرورة.

فإن قالوا: الضرورة متحقّقة هاهنا إذ التصدّق على السائل في حال الركوع لم يقع من أحد غير الأمير كرّم الله تعالى وجهه، قلنا: ليست الآية نصّاً في كون التصدّق واقعاً في حال ركوع الصلاة؛ لجواز أن يكون الركوع بمعنى التخشّع والتذلّل لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع، كما في قوله:


لا تهين الفقير علّك أن(تركع) يوماً والدهر قد رفعه

وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً، كما قيل في قوله سبحانه: ﴿وَاركَعِي مَعَ الراكِعِينَ(1)؛ إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً(2)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركَعُوا لاَ يَركَعُونَ(3) على ما بيّنه بعض الفضلاء، وليس حمل الركوع في الآية على غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك التصدّق، وهو لازم على مدّعى الإمامية قطعاً.

____________

1- آل عمران (٣): ٤٣.

2- ص (٣٨): ٢٤.

3- المرسلات (٧٧): ٤٨.


الصفحة 445

وقال بعض منّا أهل السُنّة: إنّ حمل الركوع على معناه الشرعي وجعل الجملة حالاً من فاعل ﴿يُؤتُونَ يوجب قصوراً بيّناً في مفهوم ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ؛ إذ المدح والفضيلة في الصلاة كونها خالية عمّا لا يتعلّق بها من الحركات سواءً كانت كثيرة أم قليلة، غاية الأمر أنّ الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة، ولكن تؤثّر قصوراً في معنى إقامة الصلاة البتة، فلا ينبغي حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك، انتهى.

وبلغني أنّه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى: كيف تَصَدَّقَ عليّ كرّم الله تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة، والظنّ فيه ـ. بل العلم الجازم ــ أنّ له كرّم الله تعالى وجهه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها، وقد حكي ممّا يؤيد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:


يسقي ويشرب لا تلهيه سكرتهعن النديم ولا يلهو عن الناس
أطاعه سكره حتّى تمكّن منفعل الصحاة فهذا واحد الناس

وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي قدس سره عن أصل الاستدلال، بأنّ: الدليل قائم في غير محلّ النزاع، وهو كون عليّ كرّم الله تعالى وجهه إماماً بعد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من غير فصل؛ لأنّ ولاية الذين آمنوا على زعم الإمامية غير مراده في زمان الخطاب، لأنّ ذلك عهد النبوّة، والإمامة نيابة، فلا تتصوّر إلّا بعد انتقال النبـيّ(صلى الله عليه وسلم)، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً، تعيّن أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال ولا حدّ للتأخير، فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرّم الله تعالى وجهه بعد مضي زمان الأئمّة الثلاثة، فلم يحصل مدّعى الإمامية.

ومن العجائب أنّ صاحب (إظهار الحقّ) قد بلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح الاستدلال بزعمه، ولم يأت بأكثر ممّا يضحك الثكلى، وتفزع من


الصفحة 446

سماعه الموتى؛ فقال: إنّ الأمر بمحبّة الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وسلم) يكون بطريق الوجوب لا محالة، فالأمر بمحبّة المؤمنين المتّصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضاً كذلك؛ إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متّحداً أو متعدّداً أو متعاطفاً، لا يمكن أن يكون بعضه واجباً وبعضه مندوباً، وإلّا لزم استعمال اللفظ بمعنيين، فإذا كانت محبّة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبّة الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وسلم) امتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكلّ الأمّة، باعتبار أنّ من شأنّهم الاتّصاف بتلك الصفات؛ لأنّ معرفة كلّ منهم ليحبّ ويوالى ممّا لا يمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه، وأيضاً قد تكون معاداة المؤمنين لسبب من الأسباب مباحة بل واجبة، فتعين أن يراد منهم البعض، وهو: عليّ المرتضى كرّم الله تعالى وجهه. انتهى.

ويرد عليه: أنّه مع تسليم المقدّمات أين اللزوم بين الدليل والمدّعى؟ وكيف استنتاج المتعين من المطلق؟

وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة، وترجع إلى موالاة إيمانهم في الحقيقة، والبغض لسبب غير ضار فيها.

وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَـاتُ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ...(1) الآية؟

وأيضاً ماذا يجاب عن معاداة الكفّار، وكيف الأمر فيها وهم أضعاف المؤمنين؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت تعلم أنّ

____________

1- التوبة (٩): ٧١.


الصفحة 447

ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة ممّا لا شكّ في وقوعها، فضلاً عن إمكانها.

والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس؛ إذ الأُولى: أصل. والثانية: تبع. والثالثة: تبع التبع، فالمحمول مختلف، ومثله الموضوع؛ إذ الموالاة من الأمور العامّة، وكالعوارض المشكّكة، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهته، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أنّ نسبة الوجود إلى كلّ غير نسبته إلى الآخر، والجهة مختلفة بلا ريب، وهذا قوله سبحانه: ﴿قل هَـذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(1)، مع أنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلى الله عليه وسلم) مندوبة في غيره، ولهذا قال الأُصوليون: القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة.

ثمّ إنّه أجاب عن حديث عدم وقوع التردد مع اقتضاء (إِنَّمَا) له بأنّه: يظهر من بعض أحاديث أهل السُنّة أنّ بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبـيّ(صلى الله عليه وسلم) الاستخلاف؛ فقد روى الترمذي عن حذيفة (أنّهم قالوا:

يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: (لو استخلفت عليكم فعصيتموه عُذّبتم، ولكن ما حدّثكم حذيفة فصدّقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه)).

وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمّن يكون إماماً بعده (صلى الله عليه وسلم)؛ فقد أخرج أحمد عن عليّ كرّم الله تعالى وجهه، قال: (قيل: يا رسول الله من نؤمّر بعدك؟ قال: (إن تؤمروا أبا بكر رضي الله تعالى عنه تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمّروا عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قوياً أميناً

____________

1- يوسف (١٢): ١٠٨.


الصفحة 448

لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمّروا عليّاً ـ. ولا أراكم فاعلين ـ. تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم))، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كلّ منهما وقوع التردد في حضوره (صلى الله عليه وسلم) عند نزول الآية، فلم يبطل مدلول (إِنَّمَا). انتهى.

وفيه أنّ محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر ونازع بعضهم بعضاً بعدما سمعوا من النبـيّ(صلى الله عليه وسلم) جواب ما سألوه لتحقّق المدلول، وليس فليس، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض لـ(إنّما) ولا من مقاماته، بل هو من مقامات (إنّ)، والفرق مثل الصبح ظاهر، وأيضاً لو سلّمنا التردد، ولكن كيف العلم بأنّه بعد الآية أو قبلها، منفصلاً أو متّصلاً، سبباً للنزول أو اتّفاقياً، ولا بدّ من إثبات القبلية والاتّصال والسببية، وأين ذلك؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال.

وبعد هذا كلّه الحديث الثاني ينافي الحصر صريحاً؛ لأنّه(صلى الله عليه وسلم) في مقام السؤال عن المستحقّ للخلافة ذكر الشيخين، فإن كانت الآية متقدّمة لزم مخالفة الرسول(صلى الله عليه وسلم) القرآن، أو بالعكس لزم التكذيب، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما قرّر، ومع ذا تقدم كلّ على الآخر مجهول، فسقط العمل.

فإن قالوا: الحديث خبر الواحد، وهو غير مقبول في باب الإمامة.

قلنا: وكذلك لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف عليه التمسّك بالآية، والحديث الأوّل يفيد أنّ ترك الاستخلاف أصلح فتركه ـ. كما تفهمه الآية بزعمهم ـ. تركه، وهم لا يجوّزونه؛ فتأمّل!

وذكر الطبرسي في (مجمع البيان) وجهاً آخر غير ما ذكره صاحب (إظهار الحقّ) في أنّ الولاية مختصّة، وهو: (أنّه سبحانه قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ، فخاطب


الصفحة 449

جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبـيّ(صلى الله عليه وسلم) وغيره، ثمّ قال تعالى: ﴿وَرَسُولُهُ فأخرج نبيّه عليه الصلاة والسلام من جملتهم؛ لكونهم مضافين إلى ولايته، ثمّ قال جلّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلّا لزم أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وأن يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّ نفسه وذلك محال). انتهى.

وأنت تعلم أنّ المراد ولاية بعض المؤمنين بعضاً، لا أن يكون كلّ واحد منهم وليّ نفسه، وكيف يتوهّم من قولك مثلاً: أيّها الناس لا تغتابوا الناس، أنّه نهي لكلّ واحد من الناس أن يغتاب نفسه؟

وفي الخبر أيضاً: (صوموا يوم يصوم الناس)، ولا يختلج في القلب أنّه أمر لكلّ أحد أن يصوم يوم يصوم الناس، ومثل ذلك كثير في كلامهم.

وما قدّمناه في سبب النزول ظاهر في أنّ المخاطب بذلك: ابن سلام وأصحابه.

وعليه لا إشكال إلّا أنّ ذلك لا يعّد مخصّصاً، كما لا يخفى، فالآية على كلّ حال لا تدلّ على خلافة الأمير كرّم الله تعالى وجهه على الوجه الذي تزعمه الإمامية، وهو ظاهر لمن تولّى الله تعالى حفظ ذهنه عن غبار العصبية.

ما جواب هذا التفسير؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: قال: (ثمّ إنّه سبحانه لمّا قال: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء وعلّله بما علّله... إلى قوله: فاختصّوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير).. وقد


الصفحة 450

حاول فيه أن يدّعي وحدة السياق وإن لم يصرّح به، ولكن ظاهر عبارته ذلك، من خلال ربطه بين هذه الآية وبين الآيات التي سبقتها، الناهية عن ولاية اليهود والنصارى، وهو هنا لم يفسّر الولاية في هذه الآية وإنّما أورد نفس معناها في الآية السابقة عليها، وقد ذكر هناك أنّ المراد: النهي عن ولاية النصرة لليهود والنصارى، وما فعل ذلك إلّا لكي لا يلزم بما سوف يرد عليه ممّا سنذكره! محاولاً ــ بهذه التعمية في العبارة ــ التخلّص من القصر الظاهر من لفظة ﴿إِنَّمَا، المنافي لولاية النصرة.

ومحاولة الاستدلال بوحدة السياق ذكرها قبله كثير من علماء أهل السُنّة، منهم التفتازاني في (شرح المقاصد)(1)، وابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة)(2)، وأشار إليها أكثر من فسّر هذه الآية منهم.

وقد أجاب علماؤنا عن ذلك قديماً، ولكن الآلوسي غضّ الطرف عن أجوبتهم لما يريد من غاية، وإلّا لو كان من أهل التحقيق لأوردها ثمّ ذكر ما يمكن أن يجيب عنها، لا أن يطرح كلامه ــ تبعاً وتقليداً لسلفه ــ كأنّه آخر ما قيل ولا معقّب عليه!

وأمّا ما يرد على ادّعاهم بوحدة السياق، فأُمور:

١ــ إنّ سبب النزول كما هو الصحيح يردّ وحدة السياق.

٢ــ عدم وجود وحدة السياق بين الآية المقصودة وهذه الآية؛ لبعدها أوّلاً، ولفصلها بآية الارتداد ثانياً. وهذا ظاهر واضح لمن قرأ الآيات من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا

____________

1- شرح المقاصد في علم الكلام ٢: ٢٨٩ الفصل الرابع، المبحث الخامس.

2- الصواعق المحرقة ١: ١٠٤، الباب الأوّل، الفصل الخامس، الشبهة العاشرة.


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية