المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 481 - ص 510)

فعليتها لا تتم إلّا بعد انتقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحياة الدنيا، ولكنّا نعتقد ثبوت الولاية الطولية حتّى في البرزخ.

٦ــ لو سلّمنا من أنّ زمن الخطاب غير مراد بخصوصه(عليه السلام) ، ولكنّه يثبت له(عليه السلام) في أوّل آن بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمقتضى ظاهر الآية والحصر الذي فيها، فكيف دخل الأغيار في البين، ومن أين لهم ذلك النقض على الآية؟

٧ــ إنّ قضية العطف في الآية تثبت للمعطوف نفس ما للمعطوف عليه، وولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة في كلّ الأحوال، فكذلك ولايته(عليه السلام) ، وبما أنّ الدليل قام على عدم ثبوتها له(عليه السلام) بالعرض مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بل الطول، ثبتت له بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة.

بل إنّ ولايته(عليه السلام) ثابتة على الدوام؛ لاسمية الجملة، إنّ كلمة الوليّ صفة مشبّهة، وهما دالّتان على الدوام والثبات؛ فيثبت كونه وليّاً للمسلمين دائماً وإن تسلّط غيره على رقابهم.

ثاني عشر: قوله: (ومن العجائب أنّ صاحب إظهار الحقّ...) الخ.

والجواب عليه:

١ـ ليس غاية صاحب (إظهار الحقّ) تصحيح الاستدلال؛ فإنّ الاستدلال، كما مضى آنفاً، تام لا خدشة فيه، وإنّما غرضه إلزام المخالفين، حتّى على قولهم بأنّ المراد من الولاية في الآية: المحبّة.

٢ــ إنّ ما نقله الآلوسي مترجماً من (التحفة الاثني عشرية) لم ينقله بالكامل، بل لم ينقله بالدقّة والضبط! ولذا فإنّ فيه اختصاراً وبعض الأخطاء، ونحن سنحاول أن نجيب على ما نعتقد أنّه مراده بالمقارنة بين (تفسير روح المعاني) و(التحفة الاثني عشرية).


الصفحة 482

٣ــ على التسليم بأنّ المراد بالولاية في الآية هي: المحبّة، فهي قطعاً ليست المحبّة الواقعة بين كلّ المؤمنين، كما في الآية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(1), وذلك لوجهين:

أ ــ مقام الحصر، والتعاطف بين الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) والذين آمنوا؛ فإنّ الحصر لا يصحّ إلّا بالتغاير بين هذه المحبّة وتلك، كما أنّ محبّة الله مطلقة غير مقيّدة فالمعطوف عليها كذلك؛ إذ لم يذكر القيد، ولا توجد قرينة على ذلك، ومحبّة المؤمنين لبعضهم ليست مطلقة.

ب ــ لو أخذنا بمعنى المحبّة في الآيتين وجمعنا بينهما، نجد كأنّ آية (ولاية الله ورسوله والذين آمنوا) ناظرة إلى آية (ولاية المؤمنين)، فكما في الآية الأُولى ادّعاء وتنزيل بأنّ ولاية المؤمنين، أي: محبّتهم العامّة، في الآية الثانية كـ(لا محبّة) أو ليست محبّة كاملة حقيقية، بل هي ظاهرية، وذلك لمقام (إنّما) في الآية الأُولى، ويكون التقدير كقولنا: (إنّ المؤمنين والمؤمنات يحبّون بعضهم بعضاً، إنّما (ولكنّ) المحبّة لله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، ولا بدّ لهذا الادّعاء والتنزيل من نكتة أو إضافة معنى في هذه المحبّة فوق معنى تلك المحبّة العامّة، وهي ليست إلّا هذه المحبّة محبّة مطلقة غير مقيّدة بقيد ولا شرط. وهذا هو قولنا.

٤ــ والمحبّة المطلقة دون قيد وشرط وجهة، أي: من جميع الجهات الثابتة في الآية على فرض لا يمكن أن تتحقّق إلّا بمعرفة مصاديقها فرداً فرداً ومن جميع

____________

1- التوبة (٩): ٧١.


الصفحة 483

الجهات، حتّى لا يمكن معاداتهم من أي جهة، على عكس المحبّة العامّة من جهة الإيمان، لأنّها منصبّة على العنوان وترجع إلى محبّة إيمانهم؛ وبالتالي يصحّ معاداة بعض أفراد المؤمنين من جهة أُخرى، كالخصومة مثلاً.

إذاً المحبّة المطلقة لا يمكن أن يراد بها جميع المؤمنين؛ لاستحالة معرفتهم كلّهم من جميع جهاتهم، ولا بدّ أن يكون المعني بها: البعض، الموصوف بالصفات المذكورة في الآية، وهذه الصفات لم يتصف بها كلّ المؤمنين قطعاً، فضلاً من عدم إمكان معرفة تحقّقها فيهم، وهي لم تثبت لأحد سوى لعليّ(عليه السلام) ؛ فكان هو المراد.

٥ـ وإذا ثبت وجوب المحبّة المطلقة، ثبت وجوب الطاعة والاتّباع؛ لقوله تعالى: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ(1)، وهي كبرى القياس في القضية، وصغرى القياس: ما ثبت في النقطة السابقة من الآية مورد البحث من ثبوت المحبّة المطلقة لعليّ(عليه السلام) ، كما هي ثابتة لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وإذا ثبتت له(عليه السلام) الطاعة مطلقاً، ثبتت له(عليه السلام) الإمامة والعصمة. وهذا الاستدلال شبيه باستدلال الإمامية بآية المودّة.

٦ــ إنّ ما قاله صاحب (إظهار الحقّ) يرجع إلى هذا الدليل، وإن لم يفهمه صاحب (التحفة الاثني عشرية)، ولا صاحب (مختصر التحفة)، ولا صاحب (روح المعاني)..

إذ مراد صاحب (إظهار الحقّ) من قوله: (إنّ الأمر بمحبّة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون بطريق الوجوب لا محالة)، هو ما ذكرناه من وجوب المحبّة مطلقاً لا

____________

1- آل عمران (٣): ٣١.


الصفحة 484

مقيّدة بجهة من الجهات، وهي التي تستلزم وجوب الطاعة والعصمة، ومعنى أنّها واجبة مطلقاً، أي: واجبة دائماً، وفي كلّ الأوقات، وليست بسبب جهة من الجهات، فهي محبّة مساوية لمحبّة ذواتهم، بل هي محبّة لذواتهم؛ لما ثبت من أنّ ذواتهم طاهرة.

ودليله على كونها واجبة: عدم صحّة إرادة معنيين في كلام ذو سياق واحد؛ اذ لا يمكن الحكم بأنّ محبّة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة، وحكم محبّة الذين يتصدّقون حال الركوع مندوبة، وقد وردت كلّها في جملة واحدة.

ودليله على أنّها مطلقة، هو: عدم وجود القيد في ولاية الذين آمنوا، وعطفها على ولاية الله ورسوله المطلقة.

ومعنى قوله: (إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متّحداً ومحموله متّحداً أو متعدّداً ومتعاطفاً)، هو: أنّ ظاهر الكلام الواحد من المسند والمسند إليه لا بدّ أن يكون له معنىً واحداً، وفي موردنا لا بدّ أن يكون حكم الولاية (أي: المحبّة) واحداً؛ لأنّ المحمول عليها متعاطف، وحكم التعاطف الاتّحاد، فلا يمكن أن تكون الولاية بمعنى المحبّة لله ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة، وتكون لما عطف عليهما مندوبة؛ إذ يلزم من ذلك إرادة معنيين من لفظ واحد، وهو باطل، كما حقّق في علم الأُصول..

فلابدّ من أن يكون حكم المحبّة إمّا واجبة في الكلّ أو مندوبة في الكلّ، وبما أنّه لا يمكن أن تكون المحبّة مندوبة بالنسبة لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) فكذلك لا يمكن أن تكون مندوبة للذين آمنوا، بل هي واجبة في الكلّ، فثبت المطلوب.

وسيأتي مزيد بيان في الجواب على إشكالاته.


الصفحة 485

ثمّ إنّ كلّ كلامه في الموضوع والمحمول على مصطلح الأُصوليين، لا على مصطلح المناطقة كما فهمه صاحب (التحفة) خطأ، ومن ثمّ أخطأ في الجواب عليه!

كما أنّ مراده من الحكم: الحكم الشرعي، لا الحكم في القضية المنطقية، والفرق واضح بينهما وإن خفي على المجيب.

والكلام على بناء الجملة من وجهة نظر أُصولية يختلف عليها من وجهة نظر منطقية، والخلط بينهما يؤدّي إلى الهفوات التي وقع بها صاحب (التحفة).

ومعنى قوله: (فإذا كانت محبّة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبّة الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، امتنع أن يراد منهم كافّة المسلمين وكلّ الأمّة، باعتبار أنّ من شأنهم الاتّصاف بتلك الصفات؛ لأنّ معرفة كلّ منهم ليُحبّ ويوالى ممّا لا يمكن لأحد من المكلّفين بوجه من الوجوه)، هو: أنّه إذا كانت محبّة المؤمنين الموصوفين في الآية واجبة مطلقاً، كما هي محبّة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) الواجبة المطلقة، استحال أن يراد منهم جميع المسلمين وكلّ الأمّة؛ لأنّ المحبّة المطلقة من جميع الجهات متفرّعة على المعرفة لكلّ منهم من جميع الجهات، حتّى لا يُعادى من أيّ جهة، وهذا مستحيل لأي أحد من المكلّفين، على عكس المحبّة من جهة الإيمان المنصبّة على عموم المؤمنين؛ إذ يمكن معاداة بعضهم من جهة أُخرى غير الإيمان، كـ(الفسق) مثلاً.

ثالث عشر: قوله: (ويرد عليه أنّه مع تسليم المقدّمات أين اللزوم بين الدليل والمدّعى؟ وكيف استنتاج المتعيّن من المطلق؟).

والجواب عليه:

١ــ لقد بيّنا اللزوم بين الدليل والمدّعى في النقطة السابقة, فالدليل: ما ذكر


الصفحة 486

من الكبرى والصغرى، والمدّعى أو النتيجة: وجوب إطاعته (عليه السلام) مطلقاً، وهو معنى الإمامة، وقد بيّناه.

٢ــ وإذا امتنع إرادة وجوب المحبّة المطلقة لعموم المؤمنين، ثبت إرادة البعض منهم، والاستدلال على التعيين وأنّ البعض المراد هو: عليّ(عليه السلام) ، وقد اتّضح سابقاً بما لا مزيد عليه من خلال الآية والأوصاف المذكورة فيها المنحصرة في عليّ(عليه السلام) بشهادة الروايات وما وقع في الخارج.

٣ــ وأمّا قوله: (وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة...) الخ. فلقد ذكرنا على التنزّل بأنّ معنى الولاية: المحبّة، وأنّ المحبّة الواجبة في الآية هي المحبّة المطلقة غير المقيّدة بقيد ولا شرط ولا جهة؛ لأنّها جاءت مطلقة في الآية، وهي غير المحبّة المشروطة بقيد الإيمان الشاملة لجميع المؤمنين.

وعندما نقول أنّها واجبة مطلقاً، أي: واجبة دائماً، وعلى طول الزمان، ولا تكون مندوبة في وقت من الأوقات، ومعنى مطلقاً أي: غير مقيّدة بأيّ قيد وشرط، فلا تجب محبّتهم بسبب فعل، أو صفة ما، أو في وقت دون وقت، بل تجب محبّتهم دائماً سواء وجد هذا الفعل أو الصفة أو لا.

وعندما نقول: من دون جهة، أي: تجب محبّتهم من جميع جهاتهم لا حصرها بجهة معيّنة، بحيث يمكن معاداتهم من جهة أُخرى، كـ(الفسق) مثلاً؛ فإنّ وجوب محبّتهم من جميع الجهات يعني أنّه لا يمكن معاداتهم بحال من الأحوال، كما هي محبّة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة دائماً، وعلى طول الأزمان، وعلى كلّ حال، ومن جميع الجهات، ولكلّ أفعالهم وأقوالهم، وأوامرهم ونواهيهم،


الصفحة 487
وإقدامهم أو توقّفهم، وغير ذلك.

وبالتالي فلا وجه للنقض بالآية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(1)؛ لأنّا لو سلّمنا بأنّ المحبّة فيها واجبة وليست مندوبة، ولكنّها غير مطلقة بل مقيّدة من جهة الإيمان، فيمكن معاداتهم من جهة أُخرى كـ(الفسق) أو الخصومة مثلاً، بل الآية قيّدت تلك المحبّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) , وأين هذا من الوجوب المطلق في آية الولاية؟! فلاحظ!

ولا يمكن القول بأنّ محبّة البعض في الآية، وهو: عليّ(عليه السلام) ، مقيّدة بالإيمان أيضاً؛ وذلك لأنّها جاءت مطلقة ومعطوفة على محبّة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهما مطلقتان، أي: لا يمكن معاداتهما بحال من الأحوال، فكذا المعطوف عليهما, فتكون الأوصاف المذكورة في الآية لأجل تعيّن الشخص المراد، كما بيّنا سابقاً، وإن كانت ربّما تشعر بنوع من العلّية ولكن ليست على سبيل العلّة التامّة بل جزء العلّة.

والعجب من هذا المستشكل! فهو بعد أن يقول: إنّ موالاة المؤمنين من جهة الإيمان وأنّها ترجع إلى موالاة إيمانهم لا ذواتهم، وهي جهة صريحة، يرجع ويقول: بأنّها أمر عام بلا قيد ولا جهة؛ فلاحظ وتعجّب!!

وكذا القياس على معاداة الكفّار من جهة كونهم كفّاراً؛ فإنّها مقيّدة من جهة الكفر.

وصفة الإيمان في المؤمنين والكفر في الكافرين، اللتان أخذتا كعنوان، ثابتة للطائفتين على العموم؛ فصحّ الحكم بالشمول لهما، أو ما يسمّيه هو بالإجمال.

____________

1- التوبة (٩): ٧١.


الصفحة 488

ولكن كلام صاحب (إظهار الحقّ) ليس في المحبّة المقيّدة بل في المحبّة المطلقة، وهي لا تثبت في الآية إلّا لمن انطبقت عليه الصفات من المؤمنين، وهي: التصدّق وهو راكع، فكيف يجعلها شاملة لكلّ المؤمنين؟

ولا يستطيع أحد أن يحقّق هذه الصفة للكلّ، بل من المستحيل ذلك، فضلاً عن أنّه لم تقع لأحد غير عليّ(عليه السلام) في وقته.

ثمّ إنّ كلامه هذا في حمل الولاية في الآية على العموم والإجمال إعادة لما سبق من استدلالهم على أنّها تفيد النصرة للمؤمنين، المنفية عن اليهود والنصارى، والتي أجبنا عنها بأنّها تنافي الحصر، (وإن كان بين معنى الإجمال هنا ومعنى العموم الذي طرحوه هناك اختلاف سنبيّنه في النقطة اللاحقة)، فإنّ إرادة العموم من الآية ينافي الحصر المستفاد من (إنّما) بأيّ معنىً أخذت الولاية فيها، وبأيّ معنىً أخذ العموم؛ فلاحظ وتأمّل!

٤ــ أمّا قوله: (متى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت تعلم أنّ ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة ممّا لا شكّ في وقوعها، فضلاً عن إمكانها، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك). فالظاهر وقوع قصور من الآلوسي في فهم المعنى المراد من الآية، بل وقوع الخلط بين المعاني عنده، وعدم تدقيق في بعض المفاهيم الأُصولية..

فإنّ العموم، بلحاظ تعلّق الحكم بالموضوع، منه ما هو (عموم مجموعي)، ومنه ما هو (عموم استغراقي)، والعموم المجموعي يكون لحاظ الموضوع فيه: المجموع بما هو مجموع، أي: ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة، وهي التي سمّاها الآلوسي الملاحظة الإجمالية، ويكون المجموع بما هو مجموع كالمصداق الواحد للحكم، وأمّا في العموم الاستغراقي فيكون لحاظ الموضوع فيه الأفراد


الصفحة 489

بما هي أفراد، أي كلّ واحد واحد، ويكون المجموع كعنوان لها، فينصبّ الحكم على كلّ فرد فرد.

والعموم المجموعي غير مراد في آية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، بل العموم الاستغراقي؛ بقرينة قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، فخلط الآلوسي هنا وجعله من العموم المجموعي.

وأمّا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فلا يراد منه العموم مطلقاً، لا المجموعي ولا الاستغراقي؛ لما ذكرنا سابقاً من أنّ إرادة العموم مطلقاً تنافي الحصر في الآية وتعارض الجملة الحالية في الآية.

إضافة إلى أنّ العموم المجموعي غير مراد من قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا في الآية؛ لأنّ علماء الأُصول قد نصّوا على أنّ الأصل في العموم المراد من الأسماء الموصولة والجمع المُعرّف هو: العموم الاستغراقي، ولا ينصرف إلى المجموعي إلّا بقرينة؛ لأنّ فيه مؤنة زائدة، ولا قرينة، بل القرينة على خلافه لو سلّمنا بإرادة العموم في الآية، والقرينة هي عطفه على المفرد (الله ورسوله)، واتباعه بالجملة الحالية: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

كما لا يراد العموم الاستغراقي؛ لعدم مناسبة الحكم، وهو: المحبّة المطلقة من جميع الجهات للموضوع، لما نبّه عليه صاحب (إظهار الحقّ) من أنّ المحبّة المطلقة تستلزم معرفة كلّ المؤمنين فرداً فرداً من جميع الجهات، وهذا مستحيل.

فلم يبق إلّا إرادة الانطباق على بعض المصاديق، ولا مانع من الإتيان بعرف جمعي وإرادة مصداق واحد، وهو حاصل في القرآن، كما بيّنا سابقاً.

وهذا الكلام لا ربط له بـ(علم الوضع)، وإنّما هو تابع لكيفية لحاظ


الصفحة 490

الموضوع وتعلّق الحكم به من قبل الشارع، وهو ما يُفصل في علوم الأُصول.

ولكن الآلوسي قال بإرادة العموم من آية الولاية ثمّ جعل العموم المجموعي بالملاحظة الإجمالية، ثمّ شبّهه بالعموم في آية ولاية المؤمنين، وهو استغراقي، ثمّ أرجع إلى علم الوضع، فأخطأ في أربعة مواضع.

هذا كلّه لو كانت القضية في الآية مأخوذة على نحو القضية الحقيقية، كما في الأحكام التشريعية، مع أنّا ذكرنا سابقاً أنّ القضية في الآية مأخوذة على نحو القضية الخارجية، التي يكون الحكم فيها منصباً على الأفراد المتحقّقة الوقوع خارجاً لا الأفراد المقدّرة الوقوع.

٥ــ لقد وقع صاحب (التحفة) ــ الذي هو الأصل في هذا الكلام ــ في الخطأ في جوابه نتيجة الخلط بين ما بُيّن في علم أُصول الفقه وما ذكر في علم المنطق، وسبب ذلك: تطوّر علم الأُصول عند الإمامية وتقدّمه بمراحل على علم الأُصول عند أهل السُنّة.

فإنّ صاحب (إظهار الحقّ) كان يتكلّم حسب ميزان علم الأُصول، ولمّا لم يفهمه صاحب (التحفة) ظنّ نتيجة لتشابه بعض الاصطلاحات أنّه يتكلّم حسب ميزان علم المنطق، فجاء جوابه خاطئاً وليس له علاقة بالاستدلال؛ فإنّ علم أُصول الفقه مبني على قواعد اعتبارية، وعلمي المنطق والفلسفة مبنيان على قواعد حقيقية واقعية, ولا ينطبق ما ثبت اعتباراً على ما ثبت واقعاً.

فقوله: (والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس؛ إذ الأُولى أصل والثانية تبع والثالثة تبع التبع)، ليس له أيّ تأثير على صحّة استدلال صاحب (إظهار الحقّ)!

فإنّ المفهوم المشكّك المتحقّق في الخارج على مراتب يبقى واحداً وإن


الصفحة 491

تعدّدت مراتبه، ولا يكون لكلّ مرتبة معنى غير معنى المرتبة الأُخرى، ثمّ إنّ الترتّب الطولي من الأصل والتبع وتبع التبع لا يؤثّر في الحكم وكونه متّحداً لو جاء في سياق واحد ومنصبّاً على متعلّق واحد؛ فيبقى الموضوع واحداً (وهو المتعلّق حسب اصطلاح علم الأُصول) والمحمول متعدّداً (وهو الموضوع حسب اصطلاح علم الأُصول) والحكم واحداً، فإذا كان الحكم واحداً والمعنى واحداً مشكّكاً كفى في صحّة الاستدلال، ولا يؤثّر فيه اختلاف مادّة القضية المنطقية في الواقع، مع أنّ اعتبارها في مرتبة واحدة جاء باعتبار الشارع، وهو ظاهر من كلامه، وكونها على مراتب ثلاث واقعاً جاء من دليل خارج.

ثمّ إنّ (مادّة القضية) تختلف عن (جهة القضية)، فإنّ الجهة موطنها الذهن، وقد تذكر في الكلام حسب ادّعاء المتكلّم وما يريده، وأمّا مادّة القضية فإنّ موطنها الواقع وظرف التحقّق، وقد تتّحد المادّة مع الجهة وقد تختلف..

فما مثّل به من (الموجود في الخارج الواجب والجوهر...) متّحد الجهة، وهي: الإمكان العام، وهو مراد المتكلّم من إثبات حكم الوجود للكلّ، والوجود له معنى واحد لا غير وإن اختلفت مادّة القضية بالنسبة للواجب والجوهر والعرض في الواقع، فالتشكيك يقع في المصداق الخارجي، مع أنّا قد ذكرنا بأنّ هذا خارج عن الموضوع من البداية.

٦ــ أمّا ما استشهد به من الآية: ﴿قُل هَـذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي...(1). فإنّه من أوّل الكلام، أنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، ومندوبة على غيره ممّن اتبّعوه، فإنّ ما ذكره يحتاج إلى دليل، بل صياغة الجملة

____________

1- يوسف (١٢): ١٠٨.


الصفحة 492

الخبرية في الآية، إذا قلنا أنّها تصبّ مصبّ الإنشاء، يكون حكم الدعوة فيها واحداً بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبعه حسب ظاهر الآية.

ولو ادّعى من دليل خارج بأنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، مندوبة على غيره؛ فإنّها تكون دعوى خارجة عن مدلول ظاهر الآية, فإنّ ظاهرها اتّحاد الحكم بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين من تبعه.

٧ــ قوله: (القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم). لو سلّمنا به فإنّ ما نحن فيه ليس من مورده؛ إذ أنّ صاحب (إظهار الحقّ) استدلّ بالعطف والإطلاق لا بالقِران، فإنّ القِران يكون في الجمل؛ قال السرخسي: فإنّ كلاً من الجمل معلوم بنفسه وليس في واو النظم دليل المشاركة بينهما في الحكم إنّما ذلك في واو العطف، وفرق ما بينهما أنّ واو النظم تدخل بين جملتين كلّ واحدة منها تامّة بنفسها مستغنية عن خبر الآخر، كقول الرجل: جاء زيد وتكلّم عمرو، فذكر الواو بينهما لحسن النظم به لا للعطف.

ــ ثمّ قال ــ : وأمّا واو العطف فإنّه يدخل بين جملتين، أحدهما ناقص والآخر تام، بأن لا يكون خبر الناقص مذكوراً، فلا يكون مفيداً بنفسه، ولا بدّ من جعل الخبر المذكور للأوّل خبراً للثانية حتّى يصير مفيداً، كقول الرجل: جاءني زيد وعمرو، فهذا الواو للعطف... الخ(1).

ومع ذلك فإنّ الفخر الرازي استدلّ بالقِران في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(2) لإثبات شمول قوله: ﴿كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ لكلّ الأزمان..

____________

1- أُصول السرخسي ١: ٢٧٣، فصل في الوجوه الفاسدة.

2- التوبة (٩): ١١٩.


الصفحة 493

قال: (الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، أمر لهم بالتقوى، وهذا الأمر إنّما يتناول من يصحّ منه أن لا يكون متّقياً، وإنّما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالّة على أنّ من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين، فهذا يدلّ على أنّه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتّى يكون المعصوم عن الخطأ مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ.

وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كلّ الأزمان)(1).

فاستدلّ الرازي به هنا لإثبات الإطلاق، وكان استدلال صاحب (إظهار الحقّ) بالإطلاق أيضاً.

رابع عشر: قوله: (ثمّ إنّه أجاب عن عدم وقوع التردّد مع اقتضاء (إنّما) له...) إلخ.

والجواب عليه:

١ــ لقد ذكرنا سابقاً أنّ الحصر الإضافي يقتضي التردّد لا الحصر الحقيقي، وقد بيّنا صحّة الاستدلال على القول بكلا الحصرين.

٢ــ إنّ إيراده لهذه الروايات إنّما هو من باب الإلزام لأهل السُنّة وليس معناه الإيمان بما جاء فيها.

٣ــ إنّ محض السؤال يقتضي التردّد في الذهن؛ إذ لولا الجهل المحتاج إلى تعيين، وهو أحد مداليل (إنّما)، أو التردّد في تعيين أحد الأطراف، وهو مدلول آخر

____________

1- تفسير الرازي ١٦: ٢٢١ قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)).


الصفحة 494

لـ(إنّما)، لما ورد السؤال من السائل، فإنّ السؤال يكشف أنّ وراءه نوع من الترديد أو الجهل، وإذا كان هذا هو منشأ السؤال صحّت الإجابة بـ(إنّما) لا بـ(أنّ)؛ لقطع العذر.

٤ــ أمّا إنّه وقع قبل نزول الآية أو بعدها، فإنّه واضح من تصفّح السيرة ومشاهدة كثرة تنافسهم للإمارة تحقّق القبلية، والشاهد الأوضح: ما وقع في خيبر وتصريح عمر بأنّه تساور إليها، وهو قبل نزول الآية؛ فإنّها نزلت على الأصحّ قبل حجّة الوداع، حسب ما في بعض الروايات.

٥ــ ذكرنا سابقاً بأنّ علم الله بأنّه سيقع النزاع في المستقبل كافٍ في تحقيق معنى (إنّما) وتصدّر الآية بها.

٦ــ إنّ الاستدلال سيكون هكذا بالإلزام: بأنّه كيف تقولون بأنّه لم يقع التردّد والسؤال عن من هو الخليفة وعندكم روايات تدلّ على ذلك؟

فإمّا أن تسلّموا بوقوع التردّد ومن ثمّ صحّة ورود (إنّما) بالحصر الإضافي، أو إسقاط هذه الروايات.

وأمّا نحن فلا تلزمنا هذه الروايات من البداية.

خامسة عشر: قوله: (وذكر الطبرسي في مجمع البيان...) الخ.

والجواب عليه:

لا يجوز حمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا في الآية على الاستغراق حقيقة ــ أي: جميع المؤمنين ــ لوجوب التغاير بين من خوطب بالآية بـ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ، وهم المؤمنون، وبين المشار إليه في الخطاب، وهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا؛ إذ لو كان المراد في الاثنين الجميع لأصبح المعنى هكذا: (إنّما أنتم أولياء أنفسكم)، أو: (إنّما وليّكم أنتم)، وهو بمعنى أنّ كلّ واحد وليّ نفسه، فالمضاف، وهو: الضمير (كم)، سيكون بعينه المضاف إليه، وهو: (الولي), ولا بدّ من تغاير المضاف والمضاف إليه..


الصفحة 495

هذا إضافة إلى ما يدلّ عليه إفراد لفظة (الوليّ) وعدم جمعها من أنّها متعلّقة بأفراد مخصوصين؛ إذ لو قال: (إنّما أولياؤكم) لكان في الكلام مجال.

وقول الآلوسي: (وأنت تعلم أنّ المراد: بعض المؤمنين بعضاً) خطأ واضح! كيف؟! وقد عيّنت الآية صفات من يجب تولّيه، وهو: الذي يؤتي الزكاة وهو راكع، فكلامه إن كان له مجال فهو عند عدم تعيين البعض المولى ولا البعض المولى عليه، فيصبح الكلام مجملاً، وهو خلاف نصّ الآية، ومعارض بروايات أسباب النزول.

ولو سلّمنا إمكان حمل الآية على ما يريده من معنى مجازاً، فتكون بمعنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.... ولكن لاحظ كيف عبر هنا بلفظة (بعض) ولم يعبرّ بها هناك، فحمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا في الآية على الاستغراق حقيقة يؤدّي إلى كون المعنى: أنّ كلّ واحد وليّ نفسه, وحملها على المجاز: أنّ بعضهم أولياء بعض، يحتاج إلى قرينة أوّلاً, وثانياً لا يؤخذ به إلّا إذا تعذّر الحمل على الحقيقة أو مجاز أقرب منه.

وحمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا في الآية على الخصوص، وأنّ المراد به: البعض دون الجميع، مجاز أيضاً، ولكنّه كثير الاستعمال في القرآن إذا لم نقل أنّه أصبح حقيقة عرفية، فهو أقرب من ذلك المجاز المدّعى. إضافة لوجود النص عليه من الروايات والقرينة الحالية من الخارج.

فقول المستشكل: (وأنت تعلم أنّ المراد: ولاية بعض المؤمنين بعضاً)، لو سلّمنا به معنى مجازي للآية لا معنى حقيقي، وما قلناه من خصوص ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مجاز أقرب من هذا المدّعى قامت عليه القرينة، فتعيّن الأخذ به.

وكذلك ما مثّل به من المثالين؛ فإنّها تحمل على المعنى مجازاً؛ لتعذّر


الصفحة 496

الحقيقة، ولعدم وجود مجاز أقرب وأكثر استعمالاً، بل المعنى المقصود في المثالين هو المجاز الأقرب، فتعيّن.

فظهر بذلك ثبوت دلالة الآية على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) لكلّ من هداه الله وأنار نفسه وترك ما ران على قلبه من العناد وحجب العصبية.

(الدليل على كون الولاية بمعنى الإمامة)

« عبد الوكيل ــ الجزائر ــ سنّي »

السؤال:

السلام عليكم..

ما الدليل على أنّ (الولاية) المذكورة في آية الولاية بمعنى: الإمامة، وليست بمعنى النصرة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لو كانت الولاية بمعنى النصرة، لما صحّ حصرها بأداة الحصر (إنّما) بعد الله ورسوله بالذين آمنوا المتّصفين بكونهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، أي: طائفة خاصّة من المؤمنين؛ إذ الولاية بهذا المعنى تشمل جميع المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ


الصفحة 497
بَعْضٍ(1)، فعلمنا من قرينة حصر الولاية بـ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ أنّها بمعنى آخر غير النصرة، وإلّا لم تكن فائدة من الحصر! ولا يصحّ غير معنى: أولى بالأمر من بقية المعاني.

فظهر أنّ المقصود من الولاية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ: من يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال تعالى بحقّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(2)، أي أحقّ بتدبيرهم وتصريفهم وأنّ طاعته عليهم واجبة، فإذا ثبت ذلك لغير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كعليّ(عليه السلام) ، وهو الذي أتى بالزكاة راكعاً باتّفاق جميع المسلمين، فلا بدّ أن يكون هو الوليّ الأولى بالمؤمنين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وليست ولايته سوى الإمامة؛ لأنّ الإمامة هي الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا، وذلك هو مفاد كون الوليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فتأمّل!

(الإيمان بولاية الإمام عليّ(عليه السلام) يتحصّل من التواتر لا من ظاهر الآية فقط)

« السيّد محمّد ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

١ــ إنّنا نستدلّ على خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) بآية الولاية، بأنّ (إنّما) ظاهرة

____________

1- التوبة (٩): ٧١.

2- الأحزاب (٣٣): ٦.


الصفحة 498

في الحصر، وأنّ باقي المعاني للمولى لا تستقيم مع الحصر.

ولکن السؤال في أنّ هذا الاستدلال متوقّف على حجّية الظواهر في العقائد، وکيف يجتمع هذا مع أنّا نقول: لا يکفي الظنّ في العقائد، بل اللازم العلم.

٢ــ ما الوجه في استعمال الجمع في المفرد في هذه الآية؟

أُريد جواباً واضحاً، مع ذکر المصدر من الکتب البلاغية، أو العلماء البلاغيين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة للسؤال الأوّل:

فإنّ تمسّكنا بدلالة (إنّما) على الحصر، وأنّه لا يتناسب مع معاني المولى غير الأولى بالأمر (أي: الولاية)، ليس من الظهور فحسب، بل من دلالة الروايات المتواترة في شأن نزول الآية، فتواتر الروايات قطعي باختصاص الآية بعليّ(عليه السلام) .

كما أنّ العلم بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) لا يختص بالآية المشار إليها، وهي آية (٥٥ من سورة المائدة)، فقد تعدّدت الآيات إضافة إليها، وتضافرت الروايات وتواترت بهذا المعنى، ونصّ على تواتر جملة منها علماء أهل السُنّة قبل الشيعة، كما هو الحال في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، الذي نصّ على تواتره السيوطي في (قطف الأزهار المتناثرة)(1)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(2)، والكتاني في (نظم المتناثر)(3)، وهكذا غيرهم.

____________

1- قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: ٢٧٧ الحديث (١٠٢).

2- سير أعلام النبلاء ٨: ٣٣٥ ترجمة المطلب بن زياد ]٨٦[.

3- نظم المتناثر من الحديث المتواتر: ١٩٤ الحديث (٢٣٢) (من كنت مولاه فعليّ مولاه).


الصفحة 499

فالطرق المتعدّدة لهذا المعنى ــ أي: ولاية عليّ(عليه السلام) ـ. وإن كانت بمفردها يفيد كلّ منها ظهوراً هو حجّة في بابه، أي: في باب الأخبار، فهي بمجموعها تفيد تواتراً يكون حجّة في باب العقائد، فحجّية الإيمان بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) تتحصّل من مجموع هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسُنّة وليس بمفردة واحدة دون أُخرى.

وأمّا عن السؤال الثاني، فنقول:

الجمع الوارد في الآية الكريمة (٥٥ من سورة المائدة) والذي يراد به المفرد وهو أمير المؤمنين(عليه السلام) إنّما ورد بهذه الصيغة للتعظيم، كما وقع في كثير من الآيات والأخبار.

وعن الشيخ الطريحي في (مجمع البحرين) في بيان معنى مفردات الآية المذكورة أعلاه قال: (المعنى: الذي يتولّى تدبيركم، ويلي أموركم الله ورسوله والذين آمنوا، هذه صفاتهم: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

قال الشيخ أبو علي: قال جار الله: إنّما جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله، ولينبّه أنّ سجيّة المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان.

ثمّ قال الشيخ أبو علي: وأقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه، فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحّة إمامة عليّ(عليه السلام) بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل)(1).

____________

1- مجمع البحرين ٤: ٥٥٥، باب ]و[، مادّة (و ل ي).


الصفحة 500

فهذا النصّ الوارد عن هذا اللغوي المعروف الذي يستشهد بكلام اثنين من كبار المفسّرين من الفريقين، وهما الزمخشري والطبرسي، المعروفين بتفسير القرآن وبيان النكات اللغوية والأدبية والبلاغية الواردة فيه، يفيد أنّ المجيء بهذه الصيغة ــ أي: صيغة الجمع في المفرد ــ إنّما كان لغرض التعظيم والترغيب في الفعل، على حدّ قول الزمخشري. ولهذا الاستعمال شواهد كثيرة في القرآن والسُنّة وكلام العرب لا تخفى على المتتبّع.

(الوجه في مجيء (والذين آمنوا) بصيغة الجمع)

« منتظر النبوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

في آية الولاية, قلنا: إنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في عليّ(عليه السلام)، وقلنا أيضاً: جاء الجمع للتعظيم، فإذا كان لتعظيم العمل، فكلّ من يعمل هذا العمل يدخل في مصداق الآية، وإذا قلنا: لتعظيم الذات، أي: شخص عليّ(عليه السلام)، نقول: لماذا لم يعظّم الله نفسه ولا رسوله وعظّم فقط عليّاً(عليه السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مجيء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بهذه الصيغة، أي صيغة الجمع في حقّ عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه فيها إشارة إلى أمرين مهمين سوى التعظيم:

الأوّل: إنّ الذي يستحقّ منصب الولاية العظمى هو من صدّق إيمانه بالعمل الصالح ولم يتخلّف عن الخير والصلاح في كلّ مجالاته المتاحة, فهو الذي


الصفحة 501

يصدق في حقه ما جاء في قوله تعالى في مورد آخر من القرآن: ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ(1).

الثاني: الحثّ والترغيب للمسلمين على الاقتداء بهذا العمل، كما نصّ على هذا الأمر الزمخشري في تفسيره (الكشّاف)؛ قال: (إن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ(رضي الله عنه) واللفظ لفظ الجماعة؟!

قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغّب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه). انتهى(2).

(لماذا جيء بلفظ الجمع والمراد شخص واحد)

« ياسمين ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يحتجّ بعض من أهل السُنّة على أنّ لفظ الجمع في آية الولاية لا يدلّ على التعظيم، وأنّه لم يرد في الإمام عليّ(عليه السلام) لتعظيمه، وإلّا لكان الأحقّ منه بصيغة الجمع لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأشاروا إلى أنّه لم يرد في الآيات الشريفة لفظ الجمع للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا في أحد بخصوصه.

فما الردّ على هذه الشبهة؟

أفيدونا يرحمكم الله..

____________

1- الأنبياء (٢١): ٩٠.

2- الكشّاف ١: ٦٢٤ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ...)).


الصفحة 502

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: لقد أجاب المفسّر الزمخشري، الذي كتب تفسيره لبيان النكات البلاغية في القرآن الكريم على ذلك، فقال بخصوص هذا الموضوع: (فإن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّt واللفظ لفظ الجماعة؟

قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها)(1).

أمّا الاعتراض بأنّ هذا اللفظ لا يدلّ على التعظيم وإلّا لكان الأحقّ منه بصيغة الجمع لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهذا غريب! فالكلام إنّما هو في أصل الجواز لا في كيفيته، وإذا كان هناك اعتراض فينبغي أن يكون في أصل جواز استعمال الجمع في المفرد، فإذا ثبت جوازه لا يحقّ لنا أن نقول: إنّه ينبغي أن يأتي الكلام على هذه الكيفية دون هذه، فهذا من ضيق الخناق في المجادلة، وتجاوز الأدب مع المولى سبحانه، فالمولى سبحانه أدرى بكيفية البيان، وعلينا نحن بذل الجهد في معرفة النكتة التي بسببها ورد النزول بهذا الشكل بعد ثبوت جواز ذلك عقلاً واستعمالاً، لا أن نعترض ونتجاوز الأدب.

وأمّا دعوى أنّ لفظ الجمع لم يرد بخصوص الفرد، فهذا أمر مردود، فهناك جملة من الآيات التي جاءت بلفظ الجمع والمراد منها شخص واحد؛ فليراجع على سبيل المثال تفاسير المسلمين عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ

____________

1- الكشّاف ١: ٦٢٤.


الصفحة 503

النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ(1)، فلينظر من القائل الذي جاء ذكره بلفظ الناس!

(مجيء التعظيم بصيغة الجمع متسالم بلاغياً)

« منتظر النبوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

(الذين) في آية الولاية جاءت بالجمع للتعظيم، فهل ذكر الله نفسه في القرآن الكريم بـ (اسم الموصول): الذين، ودلّ على التعظيم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

استعمال (الذين) في المفرد للتعظيم من المتسالم عليه بلاغياً سواء ورد في القرآن هذا الأمر أم لا؛ إذ اللغة وبلاغة العرب هي أمر سماعي, وقد ثبت هذا المعنى في الكتب المختصّة بهذا الشأن، فلا حاجة لإطالة البحث في أمر مسلّم.

وأمّا لماذا لم يعظّم الله نفسه بلفظة (الذين) في القرآن، فلأنّه لا يصحّ بحسب اللغة العربية أن يعبّر الله عن نفسه بلفظة (الذين)؛ إذ القرآن كلام الله، ولكن جاء في آيات كثيرة تعبير الله عن نفسه بلفظة (نحن)، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(2)، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ

____________

1- آل عمران (٣): ١٧٣.

2- الحجر (١٥): ٩.


الصفحة 504

الْقَصَصِ(1)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ(2)، وغيرها كثير في القرآن.

(الزكاة من أفراد الصدقة)

« محمّد ــ ايران »

السؤال:

أشکل بعض على دلالة آية الولاية وقضية التصدّق بالخاتم، بأنّ الزکاة في القرآن تستعمل في الزکاة الواجبة، والحال أنّا نعلم أنّ أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لم يكن عليه زکاة واجبة، ولو کان كذلك لم يكن من حقه تأخيرها ويبدأ بالصلاة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ردّ صاحب (الميزان) عن الإشكال، وهو: أنّ كون التصدّق بالخاتم لا يسمّى زكاة بقوله:

(وأمّا قولهم: إنّ الصدقة بالخاتم لا تسمّى زكاة، فيدفعه: أنّ تعيّن لفظ الزكاة في معناها المصطلح إنّما تحقّق في عرف المتشرّعة بعد نزول القرآن بوجوبها وتشريعها في الدين، وأمّا الذي تعطيه اللغة، فهو أعمّ من الزكاة

____________

1- يوسف (١٢): ٣.

2- التوبة (٩): ١٠١.


الصفحة 505

المصطلحة في عرف المتشرّعة، ويساوق عند الإطلاق أو عند مقابلة الصلاة إنفاق المال لوجه الله.

كما يظهر ممّا وقع في ما حكاه الله عن الأنبياء السابقين، كقوله تعالى في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلَيْهمْ فعْلَ الْخَيْرَات وَإقَامَ الصَّلاة وَإيتَاءَ الزَّكَاةayebase(1).

وقوله تعالى في إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهْلَه بالصَّلاة وَالزَّكَاة وَكَانَ عنْدَ رَبّه مَرْضيّاً(2).

وقوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام) في المهد: ﴿وَأَوْصَاني بالصَّلاة وَالزَّكَاة مَا دمْت حَيّاً(3).

ومن المعلوم أن ليس في شرايعهم الزكاة المالية بالمعنى الذي اصطلح عليه في الإسلام.

وكذا قوله تعالى: ﴿الَّذي يؤْتي مَالَه يَتَزَكَّى(4), وقوله تعالى: ﴿الَّذينَ لا يؤْتونَ الزَّكَاةَ وَهمْ بالْآخرَة همْ كَافرونَ(5), وقوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ همْ للزَّكَاة فاعلونَ(6), وغير ذلك من الآيات الواقعة في السور المكّية وخاصّة السور النازلة في أوائل البعثة، كـ(سورة حم) وغيرها، ولم تكن شُرّعت الزكاة المصطلحة بعد, فليت شعري ماذا كان يفهم المسلمون من هذه الآيات في لفظ الزكاة؟!

بل آية الزكاة، أعني قوله تعالى: ﴿خذْ منْ أَمْوَالهمْ صَدَقَةً تطَهّرهمْ وَتزَكّيهمْ

____________

1- الأنبياء (٢١): ٧٣.

2- مريم (١٩): ٥٥.

3- مريم (١٩): ٣١.

4- الليل (٩٢): ١٨.

5- فصلت (٤١): ٧.

6- المؤمنون (٢٣): ٤.


الصفحة 506

بهَا وَصَلّ عَلَيْهمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهمْ(1), تدلّ على أنّ الزكاة من أفراد الصدقة، وإنّما سمّيت: زكاة؛ لكون الصدقة مطهّرة مزكّية مطلقاً، وقد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة..

فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة والإنفاق في سبيل الله: زكاة)(2).

(تصدّق عليّ(عليه السلام) بالخاتم أثناء الصلاة عبادة)

« حميد عبد الشهيد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

سؤالي حول تصدّق الإمام عليّ(عليه السلام) بالخاتم، وهو يصلّي، والمعروف أنّ الإمام إذا صلّى لا تتعلّق روحه في عالم الدنيا، ولكن تسبح في ملكوت الله، فكيف إذاً كانت حالة الإمام يوم أجاب دعوة الفقير؟

لا بدّ أنّ هناك يداً خفية في ذلك الوقت، يوم كان الإمام يصلّي من حيث إجابة السائل.

وبودّي أنّ توضّحوا لي ماذا حدث؟ هل توجد اجتهادات في حقيقة المسألة؟ لأنّ ما يقال: إنّه كان في وقت عبادة، والتصدّق عبادة هو كلام صحيح لا خلاف عليه، لكن هذا الجواب لا يغنيني.

شاكرين لكم.

____________

1- التوبة (٩): ١٠٣.

2- تفسير الميزان، للطباطبائي ٦: ١٠ قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...)).


الصفحة 507

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للجواب على سؤالك نشير إلى عدّة نقاط:

١ـ لو كان لهذا الإشكال أدنى مجال، لما عدّت هذه القضية عند الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المؤمنين من مناقب عليّ(عليه السلام) .

٢ــ هذا الالتفات من أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يكن إلى أمر دنيوي، وإنّما كان عبادة في ضمن عبادة.

٣ــ المعروف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه جمع في صفاته بين الأضداد، حتّى إنّه لمّا سئل ابن الجوزي الحنبلي المتعصّب ــ الذي ردّ كثيراً من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) ــ عن هذا الإشكال نفسه الذي ذكرتموه أجاب ببيتين:


يسقي ويشرب لا تلهيه سكرتهعن النديم ولا يلهو عن الناس(الكاس)
أطاعَهُ ســكرُهُ حتّى تمكّن منفعل الصُحاةِ فهذا واحد الناس

كما نقله عنه الآلوسي في (روح المعاني)(1).

(تصدّقه (عليه السلام) بالخاتم لا يخلّ بعبادته)

« حوراء حسن محمّد ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

كيف يمكن أن نوفّق بين التفات الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) للسائل أثناء صلاته مع العلم بأنّه يكون في قمّة الخشوع إلى درجة تنتزع السهام من رجله دون أن يشعر؟

____________

1- تفسير روح المعاني ٦: ١٦٩.


الصفحة 508

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ حالات العبادة تختلف بحسب الأوضاع والظروف, فرُبّ عبادة يكون التفكّر والتدبّر بالخالق سبحانه وآلائه والحرص على طاعته هو الشغل الشاغل للعابد , وهذا الأمر لا يخلّ بالعبادة، بل يزيدها بهاءً على بهاء، كما ورد في الحديث عن الأئمّة(عليهم السلام) : (ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة, وإنّما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله)(1).

ورُبّ عبادة يكون الخشوع فيها والانبهار بجمال الله وجلاله هو الحالة السائدة للعابد, وهذه الحالات المذكورة يمر بها الأنبياء وكذلك الأئمّة(عليهم السلام) .ومن هنا نوفّق بين حالتي أمير المؤمنين(عليه السلام) حين تصدّق بخاتمه وسمع كلام السائل في المسجد، وقد كان فعله (عليه السلام) في هذا المورد طاعة في طاعة, وبين حالته الأخرى من الخشوع والانقطاع إلى الله سبحانه حتّى تأخذه الغشية في الدعاء.

(لا تعارض بين تصدّق الإمام ورواية وردت عن الصادق(عليه السلام)

« أحمد ناجي ــ النرويج ــ إمامي »

السؤال:

ما هو الردّ على هذه الشبهة التي كتبها أحد الوهّابيين: ــ الإمام الباقر يضعّف حديث تصدّق أمير المؤمنين بخاتمه:

____________

1- تحف العقول، لابن شعبة: ٤٤٢ من قصار كلمات الإمام الرضا(عليه السلام).


الصفحة 509

(علي بن إبراهيم, عن أبيه, ومحمّد بن إسماعيل, عن الفضل بن شاذان جميعاً, عن حمّاد بن عيسى, عن حريز, عن زرارة، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك, فإنّما يحسب لك منها ما أقبلت عليه, ولا تعبث فيها بيدك, ولا برأسك, ولا بلحيتك, ولا تحدّث نفسك...).

والحديث صحيح، كلّهم ثقات. (الكافي ٣ صفحة ٣٠٠ باب الخشوع في الصلاة).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: الرواية المذكورة ليست في صدد بيان صحّة أو بطلان الصلاة، وإنّما تنهى عن العبث في أثناء الصلاة؛ تنـزيهاً واعتناءً بشأن الصلاة.

وعلى كلّ حال، فالحركة اليسيرة لا تضر بصحّة الصلاة، ولذا أفتى الفقهاء من الفريقين بصحّة الصلاة مع الحركة اليسيرة، ورووا في ذلك روايات تدلّ على إباحة العمل اليسير.

ثانياً: إنّ الحركة اليسيرة غير المقصود بها العبث، فضلاً عن كونها قد تكون عبادة، كما في المورد، لا تضرّ بكمال الصلاة..

ففي (أحكام القرآن) للجصّاص قال: (وقد روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار في إباحة العمل اليسير فيها, فمنها: أنّه خلع نعليه في الصلاة. ومنها: أنّه مسّ لحيته, وأنّه أشار بيده. ومنها: حديث ابن عبّاس أنّه قام على يسار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه. ومنها: أنّه كان يصلّي وهو حامل أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع, فإذا سجد وضعها, وإذا رفع رأسه حملها.

ثمّ قال: فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة؛ لأنّه إن كان المراد:


الصفحة 510

الركوع، كان تقديره: (الذين يتصدّقون في حال الركوع), فقد دلّت على إباحة الصدقة في الحال, وإن كان المراد: وهم يصلّون, فقد دلّت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة, فكيفما تصرفت الحال فالآية دالّة على إباحة الصدقة في الصلاة)(1).

ومنه يظهر: عدم صحّة النقض على رواية الصادق(عليه السلام) بتصدّق أمير المؤمنين(عليه السلام) في صلاته؛ لأنّه ينقض بفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سواء كان مراده من النقض بطلان الصلاة, أو معارضة الفعل القليل للتوجّه في الصلاة والانقطاع إلى الله, أو معارضته لكمال الصلاة كما تدلّ عليه رواية الصادق(عليه السلام) .

ومنه يعلم أيضاً: أنّ فعل عليّ(عليه السلام) لم يكن من العبث, بل كان عبادة في عبادة, وبالتالي فلا تعارض بين رواية الصادق(عليه السلام) وبين روايات تصدّق عليّ(عليه السلام) في صلاته.

كما يظهر أيضاً: عدم إمكان جعل فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اليسير في الصلاة من العبث أيضاً, أو منافٍ لكمال الصلاة؛ لأنّه بعيد عن ساحتهما معاً، رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام) .

(الآية عامّة والعام يتحقّق بوجود مصداقه في الخارج فكيف تخصّص؟)

« سيّد محمّد ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

إنّنا نستدلّ على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) بآية الولاية، ولکن هناك إشكال

____________

1- أحكام القرآن ٢: ٥٠٧.


الصفحة 511
الصفحة السابقةالصفحة التالية