المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 511 - ص 540)

يقول: إنّ الآية عامّة والعام يتحقّق بوجود مصداقه، فإذا فعل فرد تلك الأعمال المذکورة في الآية فهو الإمام، والظاهر أنّه أوّل من فعل تلك الأعمال عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ولکن الظاهر أيضاً أنّه تصدّق بعد ذلك عمر وهو راکع، فلعلّه أُنزلت فيه آية فتحقّق أيضاً بفعل عمر مصداقاً للآية، کيف نجيب عن هذا السؤال؟

وإن قلت: إنّ الملاك يتحقّق في أوّل من فعل.

قلت: ما الدليل على ذلك؟

وإن قلت: الدليل عليه أنّه إن لم يكن کذلك، لفعل ذلك العمل کلّ مكلف وأصبح إماماً، وهذا لا يناسب حکمة الله تعالى.

قلت: فکيف نستدلّ بحديث يوم الدار وفيه أيضاً هذه المنافاة؟

وإن قلت: إنّ علم الله تعالى السابق بالمصداق يدفع الإشکال.

قلت: فکذلك نقول في آية الولاية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نجمع الجواب على شكل نقاط:

١ــ إنّ الآية جاءت بصيغة الجملة الخبرية لا الإنشائية، وما يقرّب ذلك: إثبات الولاية لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ للذين آمنوا، ولا يصحّ إنشاء الولاية لله؛ فإنّها ثابتة وإنّما يُخبر عنها، بل إثباتها لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً؛ لأنّه من المفروض أنّ ولايته قد ثبتت قبل هذه الآية بثبوت الرسالة، فليكن إثباتها للذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون كذلك.

وبعبارة أُخرى: إنّ الآية إرشادية بالنسبة لولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإرشاد إلى علامة يعرف ويُميز بها الوليّ من الذين آمنوا، وهي: التصدّق أثناء الركوع،


الصفحة 512

وهذه الميزة والعلامة فارقة للوليّ عن غيره من الذين ثبت لهم الإيمان المنصوص عليه في الآية. فتكون الآية على نحو القضية الخارجية المحقّقة الموضوع، لا القضية الحقيقية المقدّرة الموضوع الغالبة في الأحكام الشرعية.

فليس كلّ المؤمنين أولياء، وإنّما الوليّ يكون من المؤمنين حصراً، وبالتالي فلا وجود لإنشاء حكم شرعي يثبت الولاية لكلّ من يتصدّق وهو راكع في الآية، فضلاً عن كونه غير معقول؛ فلاحظ!

٢ـ إنّ الآية أخبرت بثبوت الولاية لمن هو متأخّر في المرتبة عن الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) طولاً، عن طريق ذكر صفات على شكل قيود بصيغة الجمع، فإنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا جمع، ولكنّه يخرج غير المؤمن عن الولاية، و﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ قيد آخر يخرج من ليس فيه هذه الصفة، ولكنّه بصيغة الجمع أيضاً.

وبعبارة أُخرى: إنّ صيغ الجمع في الآية الدالّة على العموم غير مخصّصة، ولكنّها من جهة كونها قيود يترتّب أحدها على الآخر مقيّدة لإطلاق الموضوع، أو لنقل: إنّ إطلاق جمل القيود الواردة بصيغة الجمع مقيّد، فكلّ جملة يقيّد إطلاقها بالجملة التي تأتي بعدها وإن كانت بصيغة الجمع. وهو يرجع بالحقيقة إلى التخصّص في الموضوع لا التخصيص حتّى يلزم على القول به تخصيص الأكثر، وهو قبيح.

إذ قبح تخصيص الأكثر مسلّم عندما يكون مصبّ التخصيص الأفراد الخارجية الداخلة تحت العموم فرداً فرداً، كما لو قال: كُلْ جميع الرمّان، وكان هناك مئة رمانة، ثم استثنى منها رمّانة رمّانة حتّى تبقى واحدة، لا فيما إذا كانت القيود واقعة على المفهوم الكلّي حتّى تضيّق نطاقه بمصداق خارجي واحد، كما لو قال: أكرم


الصفحة 513

العالم العادل الفقير الزاهد الورع حتّى لا يبقى إلّا واحد.

وقد قرّر العلاّمة المظفّر الإشكال بما يأتي: إنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا صيغة جمع فلا تصرف إلى الواحد إلّا بدليل، وقول المفسّرين: (نزلت في عليّ) لا يقتضي الاختصاص، ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنية على جعل ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ حالاً من ضمير ﴿وَيُؤْتُونَ، وليس بلازم، بل يحتمل العطف؛ بمعنى: أنّهم يركعون في صلاتهم لا كصلاة اليهود خالية من الركوع، أو بمعنى: أنّهم خاضعون(1).

وأجاب: وفيه أنّ (الحالية) متعينة لوجهين:

الوجه الأوّل: بُعد الاحتمالين المذكورين؛ لاستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل، لأنّ لفظ ﴿الصَّلاةَ مغن عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم؛ لتبادر ذات الركوع منها، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف، فيبطل الاحتمال الثاني أيضاً.

الوجه الثاني: إنّ روايات النزول صريحة بـ(الحالية)، وإرادة الركوع المعروف... ثمّ ذكر عدّة روايات، إلى أنّ قال: إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى، الصريحة في الحالية وإرادة الركوع المعروف، الدالّة على أنّ المراد تعيين أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذه الأوصاف، كما لا ريب بإرادة المفسّرين اختصاص الآية بأمير المؤمنين(عليه السلام) ؛ لأنّ تفسيرهم مأخوذ من هذه الروايات ونحوها(2).

وأنت تلاحظ تصريحه بالاختصاص دون التخصيص.

٣ــ وبملاحظة أنّ المراد من الولاية في الآية هي: ولاية الأمر، بمعنى منصب الحكومة (وإثبات ذلك في محلّه)، وأنّ العقل لا يجوّز ثبوتها لأكثر من واحد

____________

1- شرح المقاصد ٢: ٢٨٩، شرح تجريد العقائد: ٣٦٩.

2- دلائل الصدق ٤: ٣٠٨ تعيين إمامة عليّ(عليه السلام) بالقرآن.


الصفحة 514

في وقت واحد عرضاً، مع تجويزه لذلك طولاً (وهو مفاد آخر للآية)، وملاحظة ورود الآية بصيغة الخبر، وذكر عدّة قيود متراتبة تضيّق الموضوع، خاصّة مع ورود لفظة ﴿وَلِيُّكُمُ مفردة في الآية، ودخولها على لفظين مفردين (الله ورسوله)، ثمّ العطف بالجمع ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وما فيه من المقابلة بين الإفراد والجمع، يؤدّي إلى أن يفهم المخاطبين اختصاص الآية بواحد متعيّن، وأنّه لا بدّ من وجود قيد أو قيود تشخّصه في الخارج ولم تذكر اسمه لحكمة، وهو ما فهمه الصحابة على ما ورد في بعض الروايات وطلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر هذه القيود المشخّصة، وذلك بأن سألوه تعيين هذا الشخص الذي تثبت له الولاية من الآية في الخارج، وهو ما فعله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

فقد نقل صاحب (تفسير البرهان) عن الصدوق بإسناده: (عن أبي الجارود، عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا, قال: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن ياسين وابن صوريا، فأتوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا نبيّ الله! إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟ [لاحظ سؤالهم عن شخص معيّن].

فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ, قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (قوموا). فقاموا وأتوا المسجد، فإذا سائل خارج، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : (يا سائل! هل أعطاك أحد شيئاً؟) [لاحظ فهم أهل اللغة من إرادة واحد معيّن في الآية].

قال: نعم، هذا الخاتم.

قال: (من أعطاكه؟).

قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي.

قال: (على أيّ حال أعطاك؟) [لاحظ السؤال عن الحال المفهم من أنّ الواو


الصفحة 515

في (ويؤتون) حالية].

قال: كان راكعاً. فكبّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكبّر أهل المسجد، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (عليّ وليّكم بعدي). [وهذا تصريح بالاختصاص].

قالوا: رضينا بالله ربّاً وبمحمّد نبيّاً وبعليّ بن أبي طالب وليّاً.

فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(1))(2).

ومن الواضح فهم الصحابة للاختصاص من هذه الآية بعد معايشتهم الحال وسماع اللفظ، حتّى إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) احتجّ عليهم بهذا في حديث المناشدة المشهور عن أبي ذرّ في يوم الشورى، كما أورده الشيخ في المجالس(3)؛ فراجع!

ومع أنّا لا نحصر بيان هذا القيد المشخّص للمعنيّ في الخارج عن طريق النقل؛ إذ لا يمنع معرفته عن طريق العقل، وذلك بعد إدراك أنّ الولاية لا تثبت إلّا للمعصوم، فلا بدّ أن يكون هو المعنيّ بالآية، ولكن ذلك قد يكون لازم غير بيّن من الآية، ومن البعيد أن يتعبد الشارع جمهور المكلفين به وحده؛ فإنّ إدراك ذلك قد يقتصر على القليل منهم ويخفى على جمهور المكلّفين، فتمسّ الحاجة إلى البيان النقلي الصريح وعدم الاكتفاء بدلالة العقل، وهو ما فعله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتصريح باسم عليّ(عليه السلام) ، وتشخيصه في الخارج وأمام الناس في المسجد، حسب ما ورد في الروايات، بحيث لم يبق مجال للمنكر إلّا الجحود والمكابرة.

____________

1- المائدة (٥): ٥٦.

2- تفسير البرهان، للبحراني ٣: ٤٢٣ سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...ayebase.

3- أمالي الطوسي: ٥٤٥ الحديث (١١٦٨) مجلس يوم الجمعة السادس والعشرين من محرّم سنة سبع وخمسين وأربعمائة.


الصفحة 516

٤ــ ونستطيع أن نقول: إنّه لو كان كلامنا في الآية بلحاظ عالم الثبوت، فإنّ العقل، بل حكم العقلاء، لا يجوّز ثبوتها لأكثر من واحد في وقت واحد عرضاً، وإن جوّزه طولاً، إنّ هذا الواحد لا بدّ أن يتّصف بالعصمة مع أنّ العصمة ملكة باطنية لا تُعلم إلّا بالإخبار، فإدراك هذا المعنى من قبل بعض ذوي الفطنة أو عن طريق الفطرة يؤدّي بهؤلاء إلى البحث عنه والمطالبة بالدلالة والنص عليه، ويكفيهم في هذا انطباق الصفة والعلامة الواردة على شكل معرف جمعي في الآية، أي: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

وأمّا لو كان كلامنا بلحاظ عالم الإثبات، الذي هو الطريق الأقرب إلى أكثر الناس، فإنّ النصّ من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على انطباق الآية على عليّ(عليه السلام) يكون القيد الأخير المشخّص والمعيّن من سلسلة القيود المذكورة في الآية، والتي تعالج ناحية الإطلاق وإن بقي العموم على عمومه في هذه القيود لنكتة سوف نشير إليها، فيكون الدليل مقيّداً بقيدين: قيد من نصّ القرآن، وقيد من السُنّة، وهو ما ورد من أحاديث اختصاص عليّ(عليه السلام) بهذه الآية.

وورود أخبار أو إنشاء (تشريع) في آيات القرآن على شكل معرّف جمعي، أو قيد جمعي، ولا يكون له إلّا مصداق واحد في الخارج ليس بعزيز في الكتاب الكريم.

وقد ذكر بعضهم أنّ النكتة في ورود اللفظ بصيغة الجمع، هي: لبيان أنّ مثل هذه المقامات العالية لا يمكن الحصول عليها إلّا بالمجاهدة والإخلاص في العمل، أو: للترغيب في مثل هذا العمل.

ولعلّنا نستقرب نكتة أُخرى، وهي: إدخال بقية الأئمّة(عليهم السلام) في الآية، كما


الصفحة 517

ورد في بعض الروايات من أنّهم كلّهم تصدّقوا في أثناء الصلاة، ويكون النصّ عليهم هنا أيضاً مقيّداً للإطلاق في الآية بهم(عليهم السلام) ، فالإطلاق الشامل للبعض، وهو: المؤمنون المتصدّقون، ورد في القرآن، وتقييده لبيان الأشخاص المستحقّين للولاية يكون من السُنّة؛ فتأمّل!

والكلام نفس الكلام في حديث الدار من ورود قيود عديدة ثمّ ذكر القيد الأخير لها على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن قام عليّ(عليه السلام) وقبل النصرة له، مع وضوح الأمر أكثر فيه؛ لأنّه لم يرد المعرّف فيه على صفة الجمع، إذ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (من يؤازرني...) الحديث..

ومع ملاحظة معقولية كون القيود المذكورة فيه علّة تامّة لتسنّم منصب الإمامة، بخلافه في الآية: إذ أقصى ما يمكن تعقّله كون التصدّق في أثناء الركوع جزء العلّة؛ فتأمّل!

(إِنَّمَا) فيها أداة حصر)

« علي ــ أمريكا »

السؤال:

الإخوة المسؤولين عن الموقع المحترمين..

لدي سؤال أرجو مساعدتي في الإجابة عليه، وجزاكم الله خير الجزاء:

إنّ آية الولاية التي جاءت في القرآن الكريم، جاءت مقيّدة بأداة (إِنَّمَا)، والسؤال هو: هل أداة (إنّما) تستخدم أحياناً لأغراض أُخرى عدا الحصر؟ وما هي هذه الأغراض؟


الصفحة 518

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

(إِنَّمَا) أداة حصر على ما يظهر من تصريح أهل اللغة، بل عن بعضهم أنّه لم يظهر مخالف فيه، وعن آخر دعوى إجماع النحاة عليه، وهو المنقول عن أئمّة التفسير، ويقتضيه التبادر؛ إذ لا إشكال في ظهورها في انحصار المتقدّم بالمتأخّر.

قال العلاّمة الطباطبائيR: (إنّ القصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... لقصر الإفراد، كأنّ المخاطبين يظنّون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الآية وغيرهم، فأفرد المذكورين للقصر، ويمكن بوجه أن يُحمل على قصر القلب(1).

وعلى كلّ حال فالأداة (إِنَّمَا) أداة حصر هنا بل دائماً ــ كما ذكرنا آنفاً ــ عندما تكون متكوّنة من (إنَّ) المشبّهة بالفعل و(ما) الكافّة، وهي تفيد قصر صفة على الموصوف أو العكس.

(الحصر الموجود في الآية وكيفية استفادة الولاية لباقي الأئمّة(عليهم السلام) )

« سالم السيلاوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

قال لي أحد المخالفين: إنّ معنى (إنّما) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ

____________

1- الميزان في تفسير القرآن ٦: ١٤.


الصفحة 519

وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ...(1) تفيد الحصر, وهذا يعني إنّ مَن تجب ولايته في هذه الآية، أي: يقصد آية الولاية، هم: الله والرسول والذين يؤتون الزكاة وهم راكعون, فكيف نثبت الولاية لباقي الأئمّة الأطهار؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد فُسّرت الآية الكريمة بالأئمّة الاثني عشر من آل البيت(عليهم السلام) ، كما يروي ذلك الشيخ الصدوق بسند صحيح عن سليم بن قيس الهلالي، عمّا رآه وسمعه من عليّ(عليه السلام) من حديث المناشدة، وفيه:

(إنّ الناس سألوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية لمّا نزلت: أهي خاصّة في بعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلمهم ولاة أمرهم, وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم, وزكاتهم, وصومهم, وحجّهم... إلى أن يقول: فقالا: يا رسول الله: هذه الآيات خاصّة بعليّ؟ قال: بلى فيه وفي أوصيائه إلى يوم القيامة)(2).

وروى الكليني: عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عبد الله، عن عبد الوهّاب ابن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(3)؟

قال: (إنّ الله تعالى أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يظلم، ولكنّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ... يعني الأئمّة منّا).. ثمّ قال في موضع آخر: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٧٦، الباب الرابع والعشرون.

3- البقرة (٢): ٥٧.


الصفحة 520

كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، ثمّ ذكر مثله(1).

وروى أيضاً: عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: ذكرت لأبي عبد الله(عليه السلام) قولنا في الأوصياء: أنّ طاعتهم مفترضة، قال: فقال: (نعم، هم الذين قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ(2)، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ...)(3).

وغيرها من الروايات الكثيرة.

فإذا سلّمنا بهذا وأخذنا بتفسير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للآية بالأئمّة(عليهم السلام) جميعاً، عرفنا أنّها تعني النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام) والأئمّة من ولده..

وعرفنا أيضاً معنى الروايات التي وردت بحصول هذا الفعل ــ التصدّق عند الركوع ــ من بقية الأئمّة(عليهم السلام) (4).

(بيان المراد من آية الولاية والآيات المكتنفة بها ردّاً على دعوى وحدة السياق)

« عبد الوهاب ــ الجزائر ــ سنّي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم..

تفاسير الشيعة وتأويلاتهم للقرآن الكريم التي يوظّفونها لتأييد مذهبهم كلّها

____________

1- الكافي ١: ١٤٦ح١١، باب النوادر.

2- النساء (٤): ٥٩.

3- الكافي ١: ١٨٧ح٧، باب فرض طاعة الأئمّة.

4- الكافي ١: ٢٨٨ح٣، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة واحداً فواحد.


الصفحة 521

مغالطات عجيبة تلوي النصوص ليّاً وتصادم اللغة العربية والعقل مصادمة واضحة.

وإليكم بيان هذا القول مفصّلاً نقطة نقطة حول ما سُمّي: آية الولاية:

١ــ موضوع الولاية أو الولاء أو الموالاة لم تكن بداية الكلام عنه في هذه الآية، وإنّما هذه الآية، وهي برقم ـ ٥٥ـ من سورة المائدة، وردت وسط سياق موحّد الموضوع، واضح الاتّصال، وجاءت ما قبل الآيتين الخاتمتين للموضوع، أي: الآيتين (٥٦ و٥٧).

هذه واحدة.

٢ــ ما هي الآية التي بدأت السياق المتعلّق بهذا الموضوع؟

سياق الموضوع ابتدأ في الآية ـ٥١ـ، التي تقول بصراحة ووضوح لا يحتاجان إلى تفسير، فضلاً عن التأويل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

إذاً الآية ذكرت كلمة ﴿أَوْلِيَاء مرّتين، وهي جَمْع مفردها: (وليّ)، وهما متبوعتان بالفعل المضارع (يتولّى).

وكلمة (وليّ) هي نفس الكلمة التي ستذكر في ختام السياق، أي: في الآيات (٥٥ و٥٦ و٥٧).

٣ــ ماذا أفادت الآية ـ٥١ـ؟

الآية كما هو واضح تنهى المؤمنين عن أمر ما.

فهل هذا الأمر المنهي عنه هو: اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء، بمعنى تنهى المؤمنين أن يجعلوا بينهم وبين اليهود والنصارى مودّة ونصرة وإخلاصاً وغيرها


الصفحة 522

من المظاهر التي تدلّ على الولاء، أم تنهاهم أن يتّخذوا ويُنصّبوا اليهود والنصارى أئمّة عليهم؟

الجواب طبعاً أوضح من أن يبيّن.

٤ــ ثمّ ما الذي تبع الآية ـ٥١ـ؟

الآيتان (٥٢ و٥٣): تتحدثان عن المنافقين الذين يبررون مسارعتهم ومبادرتهم للارتماء في أحضان اليهود والنصارى وموالاتهم، بأنّهم يرجون العون والمساعدة من هؤلاء الكفّار خشية نازل ينزل بهم من حرب أو فقر أو جائحة، أو غير ذلك من النوازل والمصائب، وتفضحانهم وتبينان حبوط عملهم وخسرانهم عقب تلك الموالاة:

﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ _ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ.

٥ــ ثمّ تأتي الآيةـ(٥٤ـ لتبيّن للمؤمنين خطر موالاة اليهود والنصارى على الدين، وأنّ من يقترفونها فقد ارتدّوا عن دينهم، وأنّ الله سيخلفهم بقوم آخرين خير منهم.

في ماذا يختلف هؤلاء القوم الذين يأتي بهم الله عن المرتدّين الذين والوا الكفّار؟

إنّهم يختلفون عنهم بالتحديد في مسألة (الموالاة)، التي عبّرت عنها الآية بكلّ وضوح بـ : محبتهم لله (أي: تولّيهم له)، ومحبّة الله لهم (أي: توليه لهم)، ومحبّتهم


الصفحة 523

لإخوانهم المؤمنين وتذلّلهم لهم (أي: تولّيهم لهم)، وعزّتهم على الكفّار (إظهار عكس الولاء لهم، أي: البراءة منهم)، أي: يتّصفون بخلاف ما اتّصف به هؤلاء الذين بادروا بموالاة الكفّار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم.

٦ــ الآية ـ٥٥ـ، وهي بيت القصيد في نهاية السياق ــ قبل ختامه بالآيتين (٥٦ و٥٧) ــ وهو السياق الذي استهلّ بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى، جاءت لتحدّد حصراً: من هم الذين تجب موالاتهم؟ وبنفس اللفظ المعبر به للنهي عن موالاة اليهود والنصارى، وهو هنا في الآية ـ٥٥ـ لفظ: (وليّ) وهو مفرد جمعه: (أولياء)، الذي ورد في بداية السياق في الآية ـ٥١ـ.

إذاً هل يفهم أنّه بعد النهي عن اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء، الذي اتّضح معناه في بداية السياق، يتغيّر من دون سبب مدلول لفظ (وليّ) في هذه الآية ليصير دالاً على الإمارة أو الإمامة؟

وهل يصحّ تقدير الآية بناء على هذا المعنى كالآتي: إنّما (إمامكم أو أميركم) الله ورسوله والذين آمنوا...

طبعاً هذا من جهة لا يصحّ عند أي عاقل، ومن جهة أُخرى لا يتوافق مع السياق الموحّد الذي يتحدّث عن الوَلاية (بفتح الواو)، وليس عن الوِلاية (بكسر الواو)، التي تعني: الإمارة.

٧ــ ثمّ تأتي بعدها مباشرة الآية ـ٥٦ـ مواصلة السياق لتزيد الوضوح وضوحاً وتأكيداً، وقد ورد فيها الولاء بصيغة الفعل المضارع (يتولّى): ﴿وَمَن يَتَوَلَّ مبيّنة أنّ من يتولّون الذين حدّد الله وجوب وَلايتهم حصراً، وهم: الله ورسوله والذين


الصفحة 524

آمنوا، هم حزب الله، وهم أهل الغلبة، فلا داعي ولا مبرّر لتولّي غيرهم: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.

٨ــ ثمّ تأتي الآيةــ٥٧ـ الخاتمة لسياق الوَلاية (بفتح الواو طبعاً) لربط آخر السياق ببدايته، فتعود إلى نفس النهي الذي ابتُدئ به السياق، ولكن ليس للتكرار، ولكن لتضيف تعليلاً وجيهاً تذكر به المؤمنين لعدم اتّخاذهم اليهود والنصارى وعموم الكفّار أولياء، مع التنويه إلى أنّ الآية عمّمت النهي على موالاة عموم الكفّار؛ لاشتراكهم في استهزائهم بدين الإسلام.

٩ــ إذاً الآية ـ٥٥ـ حدّدت وحصرت من يجب ولاء المؤمنين لهم، وهم: الله ورسوله وعموم الذين آمنوا، ثمّ اتّبعت الذين آمنوا بوصف يميّزهم ويظهر إخلاصهم بنعتهم أنّهم: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

سؤال وجيه:

قد ذُكرت إقامة الصلاة كصفة للمؤمنين فلماذا يعاد وصفهم في نفس الجزء من الآية بـ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ، (وهي حال) مع أنّ الركوع جزء من الصلاة المذكورة؟

هل هذا تكرار أم أنّ في الأمر شيء آخر؟

طبعاً بلاغة القرآن الكريم التي فاقت كلّ بلاغة تنزّهه عن تكرار بدون فائدة ولا مبرر.

إذاً هل (راكعون) هي تعبير عن هيئة الركوع في الصلاة؟

إذاً كان الأمر كذلك فإنّ المعنى سيصير وصف الذين آمنوا بأنّهم هم أولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤدّون زكاتهم حال ركوعهم في الصلاة.

وهذه في الحقيقة هيئة في منتهى الغرابة لأداء الزكاة.


الصفحة 525

وإذا علمنا أنّ المنسوبة له هذه الهيئة هو عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) فإنّ الغرابة والعجب يزدادان! لأنّه(رضي الله عنه) أجدر وأولى أن يحوّل استغراقه في الخشوع في صلاته وهو راكع، واضع كفّيه على ركبتيه دون الالتفات إلى أي شيء آخر، والاشتغال به عن الصلاة.

أضف إلى ذلك: أنّ التصدّق سواء أكان على سبيل النفل أو الفرض يمكن إرجاؤه إلى حين الفراغ من الصلاة، وليس هناك داعٍ للاستعجال على حساب الخشوع في الصلاة.

ثمّ إنّه من المعروف المشهور أنّ عليّاً(رضي الله عنه) لم تكن تجب عليه زكاة؛ لفقره، ولأنّ المذكورة في الآية هي الزكاة وليست صدقة النفل، حيث إنّ الزكاة يصحّ تسميتها بالصدقة، كما ورد ذلك في القرآن، أمّا صدقة التطوّع فلم ترد تسميتها بالزكاة التي تعني حصراً الزكاة كركن.

فما المقصود بالركوع إذاً؟

إذا عرفنا أنّ معنى الركوع مثله مثل السجود لغة، هو: الخضوع والانقياد، أدركنا أنّ اللفظ في الآية مستعمل بمعناه اللغوي لا بالمعنى الذي اشتهر به، وهو هيئة الركوع في الصلاة، وبهذا ينجلي أمامنا معنى هذا الجزء من الآية بوضوح فيكون تقديرها:

...والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راضون خاضعون خاشعة قلوبهم منقادون لأمر الله.

أي يؤتون الزكاة عن حب وإيمان وطيب خاطر وخشوع.

وهذا ما تؤيده الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ


الصفحة 526

رَاجِعُونَ(1).

١٠ــ (الذين يقيمون الصلاة) (و يؤتون الزكاة) (وهم راكعون) جمل وردت في صيغة جمع الغائب وعليّ(رضي الله عنه) مفرد.

وأمّا من قال أنّ الجمع جاء على سبيل التعظيم، فهذه مغالطة لا يمكن لها أن تصمد لحظة واحدة.

نعم، يمكن استعمال الجمع ولكن لمخاطبة المفرد على سبيل التعظيم، أمّا استعمال جمع الغائب للكلام عن المفرد الغائب فليس في ما عرف من كلام العرب الفصيح ما يثبت ذلك، إلّا أن يؤوّل كلام في صيغة الجمع الغائب على أنّه يشير إلى من اشتهر بقول أو فعل، ولكنّه لم ينفرد بذلك، بل يشاركه غيره في ذلك القول أو الفعل.

وهذا كاف لينهدم أي احتجاج بهذه الآية كنصّ من القرآن على خلافة عليّ(رضي الله عنه) ممّا يغنينا عن الدخول في أي جدال حول ما قيل عن سبب نزول الآية سواء أكان بحقّ أو بغير حقّ.

أنا في انتظار نشر التعليق وردّكم.

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يوجد في تفسير الشيعة لهذه الآية تأويلات، وإنّما هو استدلال بالظاهر وبالروايات مقابل شبهات يثيرها المخالفون. فراجع معنى التأويل وفرقه عن

____________

1- المؤمنون (٢٣): ٦٠.


الصفحة 527

التفسير لتعرف ما نقول. ولقد أجبنا عمّا ذكرت وأكثر منه في ردّنا على ما قاله الآلوسي في السؤال السابق، اقرأه بتمعّن وتركيز حتّى تفهم ما كتبنا، ولا ترجع وتكرّر ما أرسلته لنا.

ومع ذلك سنعيد الجواب على ما ذكرته من نقاط باختصار:

١ــ إنّ معظم ما ذكرته يدور حول نقطة واحدة وهي الاستدلال بالسياق، ولكنّك لم تذكر منه سوى الدعوى من دون دليل؛ فانظر إلى قولك: (وردت وسط سياق موحّد الموضوع واضح الاتّصال) فهو لا يخرج عن مجرد الدعوى، بل دعوى الوضوح لهذه الدعوى.

نعم، إذا كنت تريد أنّها جاءت بترتيب واحد في القرآن فقولك صحيح، ولكن هذا لا يعني وحدة السياق؛ فإنّ السياق المراد هو النزول، وإثبات ذلك دونه خرط القتاد.

بل حتّى في هذا الترتيب الموجود في القرآن لا توجد وحدة للموضوع بين الآيات؛ فإنّ موضوع النهي عن موالاة اليهود والنصارى يبدأ من الآية ـ٥١ـ، وينتهي بنهاية الآية (٥٣)، ثمّ يبدأ موضوع جديد في الآية ـ٥٤ـ متعلّق بالارتداد، ويبدأ بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ وينتهي بنهاية الآية ـ٥٦ـ، وآية الولاية، وهي الآية ـ٥٥ـ من ضمن هذه الآيات، ثمّ يأتي موضوع آخر في الآية ـ٥٧ـ ويبدأ أيضاً بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، فأين وحدة السياق فضلاً عن وحدة الموضوع واتصاله؟

وإن تنزّلنا عن ذلك فإنّ السياق ليس بحجّة إذا قام الدليل على خلافه عند الكلّ، وخاصّة إذا كان من أسباب النزول.


الصفحة 528

٢ــ قبل الكلام عن مجيء لفظة (الولي) بمعنى واحد في جميع الآيات، يجب الكلام عن معناها في اللغة، ومن ثمّ النظر في أنّها هل جاءت بمعنى واحد في الآيات أو لا.

إنّ معنى (الوليّ) هو: الأولى والأحقّ، وهو متّحد مع (المولى)، قال الفرّاء: (إنّ الوليّ؛ والمولى في لغة العرب واحد، وقال أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباري: إنّ المولى: الوليّ، والمولى: الأولى بالشيء، وحكى الأخطل عن أبي العبّاس المبرّد أنّه قال: الوليّ: الذي هو الأحقّ والأولى، ومثله: المولى)(1).

و(الأولى) هو أصل المعنى الذي ترجع إليه باقي المعاني، فكلّها متضمّنه لمعنى: الأولى؛ لأنّ المعنى لو كان مالك الرق فهو أولى بتدبير عبده، ولو كان هو المعتق كان أولى بالميراث، وبالعكس كان أولى بتحمّل جريرته، ولو كان ابن العمّ لكان أولى بالنصرة، ولو كان الناصر فقد اختص بالنصرة فهو أولى بها، ولو كان الحليف والجار كانا أولى بالنصرة والمعونة، ولو كان بمعنى الإمام كان الأولى بالرعية.

وكانت هذه المعاني ترجع إلى الأولى لما تضمّنت من القرب وعدم الفصل، توسعةً للقرب من حيث المكان.

قال الراغب في (المفردات): (الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً، حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد)(2).

ومن هنا يعلم أنّ معنى المولى والوليّ يتحدّد بحسب متعلّقه، وقد جاءت

____________

1- العمدة: ١١٣، الفصل الرابع عشر.

2- مفردات غريب القرآن: ٥٣٣ مادّة (ولي).


الصفحة 529

في قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءayebase(1) مطلقة، ولكن قوله تعالى بعده: ﴿بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ(2) يحدّد أنّ المراد منها: ولاية المحبّة والمودّة؛ لأنّها هي التي تجعل اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وذلك من جهة المحبّة القومية والدينية لا التحالف والنصرة.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم(3)؛ لأنّ ولاية النصرة لا تجعله منهم، بل ولاية المحبّة والمودّة تجعله كأنّه منهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ(4)، مع ما في معنى النصرة من مناقضة لذكر النصارى في الآية؛ فإنّه لم يكن للنصارى وجود في المدينة.

٣ــ ومن هنا يظهر أنّ ما جَمعته من المعنيين (المودّة والنصرة) وأنّهما المرادان من الولاية في الآية ـ٥١ـ غير صحيح، كما بيّناه آنفاً، وأنّ المعنى المراد والمنهي عنه هو: ولاية المحبّة، والذي هو أحد مصاديق معنى الأولى.

وأنت تلاحظ أنّنا لم نستعمل التأويل لبيان معنى الآية هنا! وإنّما اعتمدنا على أقوال أهل اللغة في بيان المعنى المراد من الولي، وهو ما يسمّى بالتفسير.

٤ــ وأمّا قولك بأنّ الآية ـ٥٢ـ والآية ـ٥٣ـ تتحدّثان عن المنافقين، فغير صحيح؛ لأنّ القرآن جاء فيه: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وهم غير المنافقين، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا

____________

1- المائدة (٥): ٥١.

2- المصدر نفسه.

3- المصدر نفسه.

4- الممتحنة (٦٠): ١.


الصفحة 530

غُرُوراً(1)؟ فجمع بينهما وهو دلالة المغايرة، وجاء ذلك في آيات أُخر أيضاً.

ومرض القلب يتناسب مع المحبّة كما لا يخفى؛ لأنّ المحبّة شيء جوانحي موضعه القلب.

٥ــ وأمّا الآية ـ٥٤ـ فهي تتكلّم عن موضوع جديد كما بيّنا: وهو: الارتداد، ولا يكون الارتداد إلّا بنوع ردّ ورفض لأمر من أوامر الله ورسوله، وهو ما تبيّنه الآية التي بعدها وهو الولاية لله ورسوله والذين آمنوا.

فجعلك هذه الآية ـ٥٤ـ مرتبطة سياقاً بما قبلها لا يخرج عن الدعوى، ولم تأت بدليل عليه سوى الرغبة بردّ كلام الشيعة.

كيف وفي الآية نصّ على محبّة الله لهم؟ وهي محبّة مطلقة لم تقيّد في الآية بجهة من الجهات، وهذهِ المحبّة المطلقة لا تكون بسبب عدم محبّة اليهود والنصارى فقط ومن دون أدنى ريب، وإنّما تكون لمن له المكانة السامية والمنزلة العظيمة، ومنهم الأئمّة(عليهم السلام) ، وهل يشكّ أحد في أنّ محبّة الله لا تكون لمن كره اليهود والنصارى وإن كان عاصياً من جهة أُخرى؟!!

وقد وردت الروايات الكثيرة عندنا بأنّ المراد من هذه الآية: عليّ(عليه السلام) وأولاده الأئمّة(عليهم السلام) ومن تبعهم.

ولا نعرف كيف غاب عنك معنى النصرة هنا واقتصرت على معنى المحبّة! إذ قلت: بمحبّتهم لله (أي: تولّيهم له)، ومحبّة الله لهم (أي: تولّيه لهم)، ومحبّتهم لإخوانهم المؤمنين وتذلّلهم (أي: تولّيهم لهم)، أليس كان من الأجدى لك أن تقتصر على معنى المحبّة فقط من البداية؟!

____________

1- الأحزاب (٣٣): ١٢.


الصفحة 531

٦ــ وأمّا بخصوص الآية ـ٥٥ـ، أي: آية الولاية مورد البحث، فقد ذكرنا سابقاً أن لا سياق يجمعها مع الآيات السابقة، وما هو إلّا مجرّد دعوى، بل هناك دعوى مقابلها على أنّها منفردة خارج السياق المفترض، ومع هذه الدعوى الثانية دليل، ألا وهو الروايات المتواترة بشأن نزولها في عليّ(عليه السلام) ..

وقد بيّنا أيضاً أنّ معنى الوليّ هو: الأولى بالأمر والأحق، وأنّ معناها يتحدّد حسب المتعلّق بها، وهنا جاء لفظها مفرداً (وليّكم)، ومتعلّقها مفرداً (الله ورسوله)، وولاية (الله ورسوله) مطلقة فلا يناسبها من مصاديق معنى الولاية إلّا: الأولى بالأمر والأحقّ، ثمّ عطف عليها (الذين آمنوا)، الموصوفون بالصفة المذكورة، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وهم بعض المؤمنين قطعاً لا كلّهم، وإلّا لانتفت فائدة الوصف، فأثبتت الآية الولاية لهؤلاء البعض بعد الله ورسوله، وهو ما لا يتوافق مع الحصر لو كان المراد من الولاية: الولاية العامّة، أي: المحبّة؛ فولاية المحبّة عامّة لكلّ المؤمنين لا للبعض، فلا يصحّ ما لوّحت به من معنى الآية بأنّها جاءت لتحدّد حصراً من هم الذين تجب ولايتهم، أي: ما عدا اليهود والنصارى حسب السياق المدّعى، الذي تحاول التمسّك به جاهداً!

ومعنى الولاية في الآية ليس الإمامة والإمارة كما ظننت، وإنّما: الأولى به والأحقّ به، وهو ينطبق على الله ورسوله وعلى الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ويتحدّد معنى الوليّ حسب متعلّقه، فيكون أحد مصاديق معناه: الإمامة والإمارة للموصوفين في الآية.

وأمّا ادّعاؤك أنّ المراد في الآية (الوَلاية) بالفتح دون (الوِلاية) بالكسر فهو دعوى مثل دعاويك السابقة؛ لأنّهما مشتقّان من أصل واحد، وهو (وليّ) أي: الولاء،


الصفحة 532

وقد جاءت في القرآن بلفظة (وليّكم) ولم تأت بـ (الوَلاية) ولا (الوِلاية)؛ قال الراغب الأصفهاني: (ولي: الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداًَ، حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد.

والولاية: النصرة، والولاية: تولّي الأمر، وقيل: الوِلاية والوَلاية، نحو: الدِلالة والدَلالة، وحقيقته: تولّي الأمر، والوليّ والمولى يستعملان في ذلك، كلّ واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي: الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالى)(1).

٧ــ أمّا الآية اللاحقة وهي الآية رقم ـ٥٦ـ، فهي مرتبطة بما قبلها، وتبيّن أنّ النصر والغلبة ستكون للذين تولّوا مَن أمر الله بولايتهم خاصّة؛ إذ فيها إشارة للحزب، ولا بدّ للحزب من إمام، فضلاً عن ورود الروايات بأنّ المعني بها: عليّ(عليه السلام) وشيعته.

٨ــ وأمّا الآية ـ٥٧ـ فقد شرعت بخطاب جديد للذين آمنوا، فهي مرتبطة بالآية التي بعدها رقم (٥٨) لا بالتي قبلها؛ إذ فيها إدخال للكفّار مع اليهود والنصارى، ولم يذكروا في تلك الآيات، وفيها إشارة إلى حقيقة أهل الكتاب والكفّار بأنّهم: ﴿اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً(2)، ولم ترد إشارة من ذلك في الآيات السابقة، ثمّ تتبعها آيات تُعدّد مساوئ ومثالب أهل الكتاب والكفّار؛ فهي نازلة في غرض آخر جديد غير غرض الآيات التي سبقتها.

٩ــ إذاً الآية ـ٥٥ـ حصرت الولاية بمعنى: (الأولى بالأمر)، بالله ورسوله والذين آمنوا، ثمّ بيّنت المراد من (الذين آمنوا)، بذكر وصف خاص لهم، وهو: إقامتهم

____________

1- مفردات غريب القرآن: ٥٣٣ مادّة (ولي).

2- المائدة (٥): ٥٧.


الصفحة 533

للصلاة وإعطاءهم الزكاة حال الركوع، وهذا الوصف يكون قيداً إضافيّاً يضيّق المعنى المراد، ويحدّد المصداق؛ فليس المراد كلّ المؤمنين قطعاً، وإنّما من يتّصف بهذه الصفة، والمراد من الركوع في الآية: ركوع الصلاة، بما ينطبق على المعنى اللغوي والشرعي، وقد بيّناه في السؤال السابق بما لا فائدة من التكرار هنا.

وهو وإن كان فيه هيئة غير معتادة لإعطاء الزكاة، لكنّ الغرض منه في الآية هو: لتمييز وتحديد من هذا فعله ليوالى، وليدلّ على شدّة مسارعتهم لفعل الخيرات حتّى في حال ركوع الصلاة، ولم يُذكر الركوع وحده ليكون تكراراً، وإنّما ذُكر كحال لإعطاء الزكاة، فلا تكرار.

وأمّا إشكال الجهّال بأنّ إعطاء الزكاة على هذه الحال منافٍٍ لخشوع عليّ(عليه السلام) في الصلاة، فكان الأجدر بمن يورده أن يراجع سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في صلاته، كما بيّناه مكرّراً في عدّة أسئلة سابقة، ولكن أعماه غرضه من الردّ على الشيعة عن ذلك.

والإشكال بأنّه كان بإمكان عليّ(عليه السلام) أن يرجئ إعطاء زكاة النفل حتّى الفراغ من الصلاة، فيه غفلة عمّا ورد من أسباب النزول في الآية، من أنّ السائل رفع يده للدعاء وطلب الشهادة من الله بأنّه لم يعطه أحد في مسجد المسلمين، كما فيه غفلة عمّا ورد من الحثّ على المسارعة في الخيرات..

والغفلة نفسها تأتي في الإشكال بعدم وجوب الزكاة على عليّ(عليه السلام) في ذلك الوقت؛ لأنّ كلّ الروايات أجمعت على أنّ عليّاً(عليه السلام) أعطى صدقة، أي: زكاة نافلة.

وأمّا الادّعاء بأنّ الصدقة لم تسمّ زكاة في القرآن، فهو من العجب العجاب!!

فأين ذهب قوله تعالى في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ


الصفحة 534

الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ(1)، وقوله تعالى في إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً(2)، وقوله تعالى حكاية عن عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(3)؟! ولم تكن زكاة ركنية في شرائعهم كما هي موجودة في شريعة الإسلام.

وأمّا دعواك أنّ معنى الركوع لغة هو: الخضوع، فليتك ذكرت أنّه معنىً مجازي، والحمل على المعنى الحقيقي المطابق للشرعي أولى وأظهر وأصحّ.

١٠ــ وأمّا الإتيان بلفظ الجمع والمراد: واحد، فقد بيّنا في الأسئلة السابقة صحّة إعطاء حكم كلّي، أو الإخبار بمعرّف جمعي بلفظ الجمع ولا يكون المصداق إلّا واحد في الخارج، وإلّا ماذا تقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ(4)، وقد أجمع المفسّرون أنّ المراد به: واحد، وهو: حاطب بن أبي بلتعة؟!

وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ(5)، والقائل هو: عبد الله بن أبّي بن سلول؟!

وغيرها من الآيات بصيغة الجمع للغائب، ولا يوجد أصدق من القرآن شاهد!

والقول كما قلت بأنّه: يؤوّل (على أنّه يشير إلى من اشتهر بقول أو فعل، ولكنّه لم ينفرد بذلك، بل يشاركه غيره في ذلك القول والفعل) لا يفيد؛ لأنّه:

____________

1- الأنبياء (٢١): ٧٣.

2- مريم (١٩): ٥٥.

3- مريم (١٩): ٣١.

4- الممتحنة (٦٠): ١.

5- المنافقون (٦٣): ٨.


الصفحة 535

أوّلاً: يدلّ على جواز استعمال الجمع للغائب لنكتة ما مجوّزة، فلتكن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ نكتة مجوّزة، وهي: الإشارة إلى أنّ الولاية الثابتة في الآية لم تُعط جزافاً لبعض دون بعض، وإنّما تتبع الإخلاص والمسارعة والسبق في العمل، وأنّ هناك آخرين مشاركين في هذه النكتة، وهم الأئمّة الاثنا عشر من أهل البيت(عليهم السلام) .

وثانياً: تأويل باطل، خاصّة بالنسبة للآيات المتقدّمة، فإنّه وإن احتملنا رضى الآخرين بفعل حاطب وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن من كتب الكتاب ومن قال القول واحد لا غير، وهما: حاطب، وابن أُبيّ بن سلول.

وأمّا قولك في النهاية: (وهذا كاف لينهدم أي احتجاج بهذه الآية كنصّ من القرآن على خلافة عليّ(رضي الله عنه)) غير كاف، بل خطأ واضح، وعناد سافر؛ إذ حتّى لو سلّمنا بكلّ ما قلت من أوّله إلى آخره، ثمّ جاء الدليل من الروايات القطعية على سبب النزول، لكان الواجب حسب القواعد تقديم مدلولها على كلّ ما حاولت ليّه من معاني الآيات القرآنية.

وقد أجبنا على مضمون هذا الإشكال بصورة أكثر علمية وصناعة تحت عنوان: (آية الولاية/الآية عامّة والعام يتحقّق بوجود مصداقه في الخارج فكيف تخصّص؟!)، فليراجع!

تعليق:

«عبد الوهاب ــ الجزائر ــ سنّي»

السلام عليكم..

عطفاً على ما سبق..


الصفحة 536

نكتة لطيفة جدّ هامّة..

لو كانت الآية نزلت في عليّ وحده بسبب أنّه آتى الزكاة وهو راكع، فهل ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ هم جميع المؤمنين، أم فقط عليّ(رضي الله عنه)؟

لو كان عليّ هو وحده المعني بهذا الوصف: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ والذي هو الوصف المزعوم لحال خاصّة به، ألم يكن أولى وأجدر أن تقتصر الآية على هذه الميزة الاستثنائية الخاصّة به والكافية لتعريفه، من أن يوصف أيضاً بـما يشترك فيه بداهة جميعُ المؤمنين: (إقامة الصلاة)، وهي أصلاً ركن من أركان الإسلام؟

حيث ــ لو تنّزلنا وقلنا بجواز الكلام عن المفرد الغائب بصيغة جمع الغائب، وغضضنا أيضاً الطرف عن كون الفعل المضارع يفيد الحاضر والاستمرار، أي: بما يعني في الآية أنّ فعل إيتاء الزكاة يتكرر ويتعدّد ــ كان يكفي ويلزم أن تأتي الآية على التقدير الآتي: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون).

لأنّ إقامة الصلاة هي من الصفات المعروفة لجميع المؤمنين، الملازمة على الأقل لجميع المخلصين منهم، فما الداعي لذكرها والمقام ــ جدلاً ــ ليس مقام ذكر صفات، أو واحدة من الصفات المشتركة بين جميع المؤمنين، وإنّما مقام نعت وتمييز من تعيّن أن يكون أميراً للمؤمنين بصفة وميزة خاصّة به لم يشترك فيها معه أحد منهم؟

فهل كان ذكر إقامة الصلاة ضرورياً لتمييز عليّ(رضي الله عنه)؟ أي: ألم يكن ذكر ما تميّز به من صفة استثنائية كافياً لنعته وأولى لتعيينه؟

إذاً ألا تكفي هذه النكتة لكلّ غافل أو مستغفَل عاقل كي ينتبه أنّ المعنيّين بالآية هم: جميع المؤمنين، وأنّها وصفت المؤمنين بأنّهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ


الصفحة 537

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، كإرشاد إلى الصفات الظاهرة لتمييز المؤمنين الصادقين المخلصين المستحقّين حصراً للولاء بجميع مظاهره، من مودّة، ونصرة، ونصيحة (أي: إخلاص)، وما إلى ذلك، من المنافقين الذين هم أيضاً (يُصلون) ولكنّهم لا يقيمون الصلاة، وإنّما: ﴿... إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إلّا قَلِيلاً(1)، و﴿لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إلّا وَهُمْ كُسَالَى(2)، وهم أيضاً ينفقون أموالهم ولكنّهم: ﴿... لاَ يُنفِقُونَ إلّا وَهُمْ كَارِهُونَ(3)، عكس المؤمنين الصادقين الذين ينفقون ويؤتون زكاتهم كما وصفهم الله تعالى في آية أُخرى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ(4)، أي: يؤتون الزكاة في حال من الخضوع والانقياد لله تعالى والخشوع والإيمان واليقين.

وهذا ما يتّفق مع صفة إيتاء المؤمنين الصادقين للزكاة الواردة في الآية ـ٥٥ـ من سورة المائدة.

هذا، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّك تجاهلت جوابنا على ما ذكره الآلوسي، والذي كان جواباً لك في الوقت نفسه، ولم تعلّق عليه بشيء، ولم تعلّق على جوابنا لك بالخصوص أيضاً،

____________

1- النساء (٤): ١٤٢.

2- التوبة (٩): ٥٤.

3- التوبة (٩): ٥٤.

4- المؤمنون (٢٣): ٦٠.


الصفحة 538

وبدلاً عن ذلك أرسلت لنا الآن ما تعدّه دليلاً آخر, وهذا ليس من أسلوب البحث العلمي، ولا من أدب الحوار.

ثانياً: في تعليقك السابق استدللت بالسياق لتشخيص معنى الولاية الواردة في الآية، وقد أرشدناك إلى جوابه بما أجبنا الآلوسي وبما أجبناك.

وهنا في هذا التعليق تريد أن تستدلّ ــ زعماً منك ــ بظاهر اللغة، وبالقرائن الداخلية في الكلام، على أنّ المراد والمصداق الذي تنطبق عليه الآية هم: جميع المؤمنين، وقد أجبنا عن ذلك أيضاً في جوابنا على الآلوسي، من أنّ ظاهر اللغة العربية لا يمنع صحّة استعمال لفظة الجمع وإرادة المفرد.

فإنّ للفظة الجمع استعمالان في اللغة العربية: أحدهما: حقيقي، وهو: إرادة الجمع، والآخر: مجازي، للتعظيم أو لنكتة أُخرى، وهو: إرادة المفرد، ولو كنّا نحن وظاهر الآية فقط لكان الأولى الأخذ بالظاهر الحقيقي، وهو: إرادة الجمع، لا لأنّ الاستعمال في المفرد خطأ، ولكن لأنّه مجازي يحتاج إلى قرينة للعدول عن الحقيقي, فإذا جاءت القرينة من الخارج، وهي: الروايات المشخّصة للمصداق، وأنّه: عليّ(عليه السلام) وحده، قدّمت على الظاهر اللغوي وعلى السياق أيضاً؛ لأنّهما دلالتان ظنّيتان.

فتأمّل هنا جدّاً، ولا يختلط عليك مرتبة ومصب حجّية كلّ دليل؛ فإنّ سبب النزول مقدّم في جميع الموارد على السياق، وعلى الظاهر؛ لأنّ سبب النزول نصّ, وإذا كان قطعي الصدور فأحرى, ومن ذلك أمثلة كثيرة في القرآن.

ثالثاً: إنّ جواب ما ذكرته من نكتة يتّضح من الإجابة على هذا السؤال, وهو: هل أعطى عليّ(عليه السلام) الزكاة وهو راكع، أي: منحني الظهر، بدون صلاة؟

فإنّ لهذا المعنى وجهاً ظاهراً لو كانت الآية مقتصرة على ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ


الصفحة 539

وَهُمْ رَاكِعُونَ؛ لظهور (راكعون) بانحناء الظهر لغة, ولكان هناك وجه في قولكم: إنّ معنى (راكعون) أي: خاشعون، وإن خالف الظهور اللفظي.

ولكن بما أنّ القرآن يريد أن يبيّن أنّ إعطاء الزكاة كان في ركوع الصلاة لا أي ركوع لزم الإتيان بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ، ومن بعده: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ؛ لأنّها قيود (صفات) متعدّدة كلّما كثرت ضيّقت المصداق حتّى اختص بواحدٍ، وهو: عليّ(عليه السلام) .

فلاحظ: أنّ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ يمكن أن ينطبق على جميع المؤمنين، وكذلك ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، ولكن ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ لا ينطبق إلّا على واحد، وهو: عليّ(عليه السلام) ..

وكان لكلّ لفظة هنا فائدة ومعنى زائد مفيد للسامع، ولا يكفي أن يقتصر على قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ؛ لما أشرنا إليه أوّلاً من احتماله لمعانٍ غير مرادة.

وأمّا ادّعاؤك أنّه جاء للتمييز بين المؤمنين الذين يقيمون الصلاة بإخلاص وبين المنافقين الذين يقيمونها من دون إخلاص، فغير صحيح؛ لأنّ المنافقين قد خرجوا سابقاً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ، فالمنافقون ليسوا مؤمنين وإنّما مظهرين للإيمان.

ولا يشتبه عليك الحال وتظنّ أنّنا لا نلتزم بحجّية الظاهر في هذه الآية، الدالّ على أنّ إعطاء الزكاة كان حال وقوع ركوع الصلاة, ولكنّنا نقدّم سبب النزول على ظهور الجمع ما دام استعماله في المفرد ممكناً وصحيحاً، أي: نقدّم سبب النزول؛ لتشخيص المصداق الخارجي, وأمّا ادّعاؤكم ظهورات أُخرى من كون الركوع بمعنى الخشوع أو غيره، فلا قرينة عليه.


الصفحة 540


الصفحة 541
الصفحة السابقةالصفحة التالية