المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 541 - ص 570)

آية ولاية الأمر*

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً

النساء (٤): ٥٩

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الإمامة)


الصفحة 542


الصفحة 543

(صحّة أسانيد الروايات المفسّرة للآية)

« نور الهدى ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

لدي استفسار عن بعض الأسانيد، ومنها: هذا السند في الكافي ١/١٧٢ــ١٧٣ح١؛ فعندما يُذكر في السند: علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس. وعلي بن محمّد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللَّه(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ(1). فقال: (نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهم السلام) ).

فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يُسَمِّ عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام) في كتاب الله عزّ وجلّ؟

قال: فقال: (قولوا لهم إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت عليه الصلاة ولم يُسَمِّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أُسبوعاً حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ

____________

1- البقرة (٢): ٢٨٢.


الصفحة 544

مِنكُمْ ونزلت في عليّ والحسن والحسين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه...) إلى آخر الحديث المذكور.

١ــ هل يعني هذا أنّ السند المذكور هو سندٌ واحد أم سندين؟

٢ــ إذا كانا سندين فهل هما يشتركان في روايتهما عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير، كما يُفهم من قراءة سند الرواة للحديث؟

وبمعنى آخر: هل يكون السند الأوّل في الرواية هكذا: علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير؟

والسند الثاني في الرواية هكذا: علي بن محمّد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير.

٣ــ وهل يكون هذان السندان صحيحين، أم أنّ أحدهما هو الصحيح فقط؟

وأمّا ما يخصّ التوثيقات لرواة الحديث:

ففي بحثنا عن توثيقات هؤلاء الرواة توضّح بأنّ جميعهم من الثقات، إلّا سهل بن زياد أبي سعيد، ضعّفه النجاشي وشيخ الطائفة، ونقل عنهم العلاّمة

أبو منصور الحلّي ذلك واختلاف الشيخ الطوسي في توثيقه، ونقل ما قاله النجاشي والغضائري عنه في القسم الثاني فيمن لا يعتمد على روايتهم من كتابه (خلاصة الأقوال)، وأيضاً نقل تضعيفه الشيخ الحسن بن علي بن داود الحلّي، ولم يعتنِ بتوثيق الشيخ الطوسي له، في كتابه (رجال ابن داود). وكذلك السيّد الخوئي استبعد توثيقه أيضاً.

ورغم ذلك فقد وثّقه السيّد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية)، والشيخ النوري الطبرسي في (خاتمة المستدرك).

٤ــ فهل نأخذ بتوثيق السيّد بحر العلوم والشيخ النوري رحمهم الله (للراوي


الصفحة 545

سهل بن زياد أبي سعيد)؟

وكما أشرنا سابقاً، فهل يمكننا أن نحكم على السند الذي فيه (سهل) أنّه صحيح، نظراً لثبوت التعارض مع ما ذكرناه ممّن ضعّفوه، في حال القبول بالأخذ بتوثيق السيّد والشيخ؟

وإذا كان الجواب بـ(لا)، هل يرتفع السند الذي فيه سهل إلى (الموثوق) أو (الحسن) نظراً لوجود سند آخر صحيح لنفس الحديث؟

وذكر الكليني (رحمه الله) بعد الحديث المذكور مباشرة: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحرّ وعمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، مثل ذلك.

وبحسب اطّلاعي على توثيقات كتب الرجال لم أجد في هذا السند راوٍياً واحداً ضعيفاً.

ونحن هنا نسألكم، فأنتم أصحاب الخبرة في هذا المجال، فأفيدونا في ذلك: هل قول الكليني عندما ذكر سند الحديث بقوله: (مثل ذلك)، فهل قصد بأنّه نفس الحديث السابق؟

وماذا عن السند لهذا الحديث هل هو صحيح بهذا السند؟

وهل هنالك أحد من كبار علمائنا الإمامية علّق على هذا الحديث وحدّد أي درجة من درجات الحديث: صحيح أم حسن أم ضعيف؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ الرواية قد ذكرت بثلاثة أسانيد عند الكليني:


الصفحة 546

السند الأوّل: علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) .

السند الثاني: علي بن محمّد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) .

السند الثالث: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد ابن خالد والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحرّ وعمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) .

وقد قال المجلسي في (مرآة العقول): صحيح بسنديه(1)، والظاهر أنّه يريد السند الأوّل والسند الثالث إذ عدّ الأوّل والثاني كسند واحد، ويحتمل أنّه يريد السند الأوّل والثاني على بعد، وذلك لأنّه قال في رجاله المعروف بـ(الوجيز)، بخصوص سهل بن زياد: (ضعيف، وعندي لا يفيد ضعفه لكونه من مشايخ الإجازة)(2)..

وأيضاً نصَّ على صحّة هذه الرواية السيّد الخوئي(قدس سره) في تفسيره (البيان)(3).

٢ــ أمّا بشأن توثيق سهل بن زياد، فنقول: هناك بحث ظريف للعلاّمة الفاني في كتابه (بحوث في فقه الرجال)(4) بشأن وثاقة سهل يمكنكم الاطّلاع عليه، ولكن على أية حال قد ضعّف السيّد الخوئي(قدس سره) سهلاً(5)، الأمر الذي يستفاد منه أنّه لم يعتمد في تصحيحه للرواية المتقدّمة على السند الذي فيه سهل.

____________

1- مرآة العقول ٣: ٢١٣.

2- رجال المجلسي: ٢٢٤ (٨٧٠).

3- البيان في تفسير القرآن: ٢١٣ الشبهة الثالثة.

4- بحوث في فقه الرجال: ١٧١ الخاتمة، البحث الأوّل.

5- انظر: معجم رجال الحديث ٩: ٣٥٦ (٥٦٣٩).


الصفحة 547

وأمّا ارتفاع السند الذي فيه سهل إلى الموثّق أو الحسن بلحاظ صحّة بعض المتون الأُخرى التي يتّحد سهل في رواياتها مع الثقات، فهذا ليس من اصطلاح علم الحديث، بل المبنى السليم ــ والذي يقول به البعض ــ هو: توثيق الرواية لا الراوي.

٣ــ أمّا سؤالكم عن قول الكليني(رحمه الله): (مثل ذلك)، فيريد به أي: نفس المتن، والسند المذكور سند صحيح.

(لا يعقل الأمر بالطاعة المطلقة من دون العصمة والاصطفاء)

« فراس ــ بريطانيا ــ سنّي »

السؤال:

في آية ولاية الأمر، هل من المعقول نقلياً وقرآنياً وعقلياً أن يأمر الله جلّ وعلا بطاعة إنسان من دون أن يصطفيه بعلمه وحكمته؟

أرجو التعليق على هذا الأمر وبيانه للمؤمنين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا الذي ذكرتموه بعينه قد استفاد منه الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْayebast عصمة (ولاة الأمر)؛ لأنّ الطاعة المطلقة لفرد هي فرع عصمته عن الخطأ، وإلّا كان الأمر بالطاعة المطلقة مع فرض حصول الخطأ أمر باتّباع الباطل، وهو محال على المولى سبحانه... فإذاً لا بدّ من العصمة والاصطفاء ثمّ الأمر بالطاعة.

قال الفخر الرازي: (والدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر


الصفحة 548

على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً)(1).

ثمّ تمحّل بأنّ المراد من (أُولي الأمر) أهل الحلّ والعقد من الأمّة، وأنّ ذلك يوجب القطع بأنّ اجتماع الأُمّة حجّة، مع أنّه واضح البطلان بنصّ الآية؛ فإنّها تنصّ على أنّ (أُولي الأمر) بعض الأمّة، فقد قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.

(بيان معنى الولاة في الآية)

« ع م أ ــ الهند »

السؤال:

يتمسّك مخالفو الشيعة بالآية ـ٨٣ـ من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ... بأنّ المراد: خصوص حالة الخوف

____________

1- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ قوله تعالى: ((أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...)).


الصفحة 549

ــ كما في صدر الآية ــ وذلك يكشف أنّ المراد من ﴿أُوْلي الأَمْر هم: أُمراء السرايا والغزوات الذين كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ينصّبهم ويعيّنهم، وليس المراد بهم الأئمّة، وهذا من الآية واضح..

وتُفسّر هذه الآية، أي: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(1) بالآية السابقة, وإذا أردنا أن نستعين في تفسير هذه الآية بالروايات على أنّها نصّ في الخلافة، فذلك خلاف (القرآن يفسّر بعضه بعضاً)؛ ففي هذه الآية عيّن موارد لزوم الرجوع إلى الله وإلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للإجابة عمّا تمسّك به المخالفون في هذه الآية نقول:

أوّلاً: إنّ الأُمّة قد اختلفت في تعيين وليّ الأمر، وهذا ممّا لا شكّ فيه, ولكنّهم مهما اختلفوا فقد اتّفقوا وأجمعوا، من حيث يريدون أو لا يريدون، على ما يوجب كون الآية تنطبق على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) دون من سبقه أو من لحقه ممّن تولّى أمر الخلافة، وذلك أنّ الأقوال في تفسير أُولي الأمر ستّة:

١ــ أُمراء السرايا والغزوات(2)، وهو ما أُشير إليه في السؤال.

٢ــ العلماء، كما عن بعض المفسّرين(3).

____________

1- النساء (٤): ٥٩.

2- تفسير ابن أبي حاتم ٣: ٩٨٨ قوله تعالى: ((يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...)).

3- معاني القرآن، للنحاس ٢: ١٢١ (١٣٤)، تفسير الواحدي ١: ٢٧١.


الصفحة 550

٣ــ الأُمراء والولاة(1).

٤ــ أهل الرأي من الصحابة(2).

٥ــ هم: القوّام على الناس والآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر(3).

٦ــ هم: عليّ وأبناءه الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) ، كما هو قول الشيعة(4).

ولا شكّ أنّ عليّاً(عليه السلام) كان من أُمراء السرايا، كما كان من العلماء ومن القوّام على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من الأُمراء والولاة، ومن أهل الرأي من الصحابة، فهو مرادٌ بالآية على أيّ تقدير بالإجماع، كما بيّناه, أمّا غيره مهما كان ومَن كان فليس عليه مثل هذا الاتّفاق.

فإذا ثبت ذلك له(عليه السلام) وكان هو وليّ الأمر، فهو الذي يعيّن الذي بعده بحكم ولايته, وإذا قلنا بأنّه(عليه السلام) ليس له ذلك، فهو خلاف القول بالولاية.

ثانياً: إنّ الاستعانة في تفسير الآية بالروايات خلاف (القرآن يفسّر بعضه بعضاً)، فليس كذلك صغرى وكبرى، أمّا الكبرى وهي (القرآن يفسّر بعضه بعضاً) فهي ليست آية، وهذا كتاب الله خال منها, ولا رواية عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن زُعم أنّها رواية فلماذا لم يلتزم بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه؟

ولنضرب مثلاً واحداً في فريضة واحدة هي من أهم فرائض الإسلام، وهي الصلاة المفروضة خمس مرّات يومياً, ولنأخذ منها فعلاً واحداً من واجباتها

____________

1- تفسير البيضاوي ٢: ٢٠٥، جامع البيان ٥: ٢٠٢.

2- معاني القرآن، للنحاس ٢: ١٢١، تفسير الثعلبي ٣: ٣٣٤.

3- الفصول المختارة، للمفيد: ١١٨.

4- الفصول المختارة: ١١٨، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ١٨٩ قوله تعالى: ((أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...)).


الصفحة 551

كشاهد على ما نقول، وذلك هو: التشهّد، ونختار من أذكاره كيفية الصلاة على النبيّ وآله(عليهم السلام) فيه.

ولا يفوتنا التنبيه على أنّه قد ذهب إلى وجوبها من غير الشيعة الشافعي، وقال ابن حجر في (الصواعق): (...الذي ذهب إليه الشافعي هو الحقّ الموافق لصريح السُنّة ولقواعد الأُصوليين، ويدلّ له أيضاً أحاديث صحيحة كثيرة استوعبتها في شرحي الإرشاد والعباب، مع بيان الردّ الواضح على من شنّع على الشافعي، وبيان أنّ الشافعي لم يشذ، بل قال به قبله جماعة من الصحابة، كـ : ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبي مسعود البدري وغيرهم، والتابعين، كـ : الشعبي والباقر وغيرهم، كإسحاق بن راهويه وأحمد، بل لمالك قول موافق للشافعي رجّحه جماعة من أصحابه, بل قال شيخ الإسلام خاتمة الحفّاظ ابن حجر ــ العسقلاني ــ : لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلّا ما نقل عن إبراهيم النخعي مع إشعاره بأنّ غيره كان قائلاً بالوجوب)(1).

نقول: فإنّ كيفية هذه الصلاة في التشهد لم يکن يعرفها الصحابة، فسألوه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كيفيّتها لمّا نزلت الآية: ﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلَائكَتَه يُصَلّونَ عَلَى النَّبيّ يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنوا صَلّوا عَلَيْه وَسَلّموا تَسْليماً(2)، فقد صحّ عن كعب بن عجرة، قال: (لمّا نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلّم عليك فكيف نصلّي عليك؟ فقال: (قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد... الخ))(3).

____________

1- الصواعق المحرقة ٢: ٤٣٣، الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبوي، الفصل الأوّل، الآية الثانية.

2- الأحزاب (٣٣): ٥٦.

3- صحيح البخاري ٧: ١٥٦، باب (الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) )، سنن الدارمي ١: ٣٠٩، باب (الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ).


الصفحة 552

فهذه الآية أمرت المؤمنين بالصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أمّا كيف؟ ومتى؟ فذلك ما تكفّلت السُنّة ببيانه, ولم يُذكر في شيء من مصادر التفسير أو الحديث أنّ أحداًَ من الصحابة اعترض على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: كيف فسّرت القرآن من نفسك، وإنّما (القرآن يفسّر بعضه بعضاً)؟ أو قال له: إنّ الآية أمرتنا بالصلاة عليك وحدك ولم تذكر الآل معك، فمن أين أوجبت الصلاة عليهم ولم يرد ذلك في آية أُخرى تفسّر هذه الآية؟

وهذا الذي ذكرناه هو ما يأتي به المصلّي كلّ يوم في فرائض الصلوات الخمس، فكيف بباقي الأحكام؟ إذاً ليس (القرآن يفسّر بعضه بعضاً)، وقد تبيّن حال الصغرى ممّا سبق أيضاً.

ثالثاً: لو التزمنا جدلاً بأنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، فإنّ في آي الذكر الحكيم ما يدلّ على تعيين (وليّ الأمر) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)، وحيث ثبت أنّ الولاية ــ في هذه الآية ــ هي لله ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وللذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون لا لغيرهم بقرينة (إنّما)، وهي أداة حصر، فهذه فسّرت من هو المراد بـ(أُولي الأمر) في الآية المشار إليها في السؤال.

بقي تعيين مَن تنطبق عليه تلك الأوصاف الثلاثة مجتمعة: (الإيمان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وهو راكع)، وهو ما ثبت لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، كما في تفسير ابن جرير، وكشّاف الزمخشري، والفخر الرازي، والقرطبي، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، والدرّ المنثور للسيوطي، وغيرهم(2).

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- جامع البيان ٦: ٣٨٩ ــ ٣٩٠، الكشّاف ١: ٦٢٤، تفسير الرازي ١٢: ٢٦، تفسير القرطبي ٦: ٢٢١ ــ ٢٢٢، شواهد التنزيل ١: ٢٠٩ ــ ٢٣٩ ح٢١٦ ــ ٢٤٠، الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، ٢٩٤.


الصفحة 553

وبهذه الآية التي تكفّلت معنى الولاية في المقام وأنّها من سنخ ولاية الله وولاية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسّر الآية المشار إليها آنفاً في السؤال؛ فلاحظ!

وتعقيباً على ما تقدّم من أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، نقول: إنّ آية المباهلة التي هي قوله تعالى: ﴿...فقلْ تَعَالَوْاْ نَدْع أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكمْ وَنسَاءنَا وَنسَاءكمْ وَأَنفسنَا وأَنفسكمْ...(1) قد نصّت على أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ حيث أخرج مسلم والترمذي وأحمد والبيهقي والحاكم والرازي والزمخشري وابن جرير والواحدي وابن حجر وغيرهم: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي...)(2)، فإذا كان عليّ(عليه السلام) نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنصّ الآية المذكورة، فلماذا تخلّف المسلمون عنه وقد أمرهم الله تعالى بأن لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْل الْمَدينَة وَمَنْ حَوْلَهم مّنَ الأَعْرَاب أَن يَتخلّفواْ عَن رَّسول اللّه وَلاَ يَرْغَبواْ بأَنفسهمْ عَن نفسه...(3)؟

ولو لم يكن عليّ(عليه السلام) هو المراد لمّا عبّر تعالى عنه بقوله: ﴿عَن نفسه، ولقال: (ولا يرغبوا بأنفسهم عنه)؛ فلاحظ!

وأمّا أنّ المراد من (أولوا الأمر) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدّوه إلى الرَّسول وَإلَى

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.

2- صحيح مسلم ٧: ١٢٠ كتاب فضائل الصحابة، باب (فضائل علي عليه السلام)، سنن الترمذي ٤: ٢٩٣ أبواب تفسير القرآن عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن تفسير آل عمران ح٤٠٨٥، ومناقب عليّ بن أبي طالب ح٣٨٠٨، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٥ مسند سعد بن أبي وقّاص، السنن الكبرى، للبيهقي ٧: ٦٣، باب (اليه ينسب أولاد بناته)، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٠ مناقب أهل البيت، تفسير الرازي ٨: ٨٥، الكشّاف ١: ٤٣٤، جامع البيان ٣: ٤٠٧ ــ ٤١٠، أسباب نزول الآيات: ٦٧ سورة آل عمران، فتح الباري ٧: ٦٠ مناقب علي بن أبي طالب.

3- التوبة (٩): ١٢٠.


الصفحة 554

أوْلي الأَمْر منْهمْ لَعَلمَه الَّذينَ يَسْتَنبطونَه منْهمْ...(1)، هم: أُمراء السرايا، فهو أوّل الكلام!

كيف وقد عممت الآية في أوّلها الأمر على حالتي الأمن والخوف لا خصوص حالة الخوف، كما يدّعي هذا المستشكل؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدّوه...؟!

والآية نازلة لبيان حالة إشاعة الأراجيف بين المسلمين من قبل ضعاف النفوس، وأنّهم لو ردّوا الأمر إلى الرسول وإلى أُولي الأمر لأعلموهم حقيقة الحال وواقع هذه الأراجيف.

فهذه الآية ناظرة إلى ما يمس أمن الدولة واستقرارها، واتّخاذ القرار في هذا الشأن أنسب بمنصب الإمام ورئيس الدولة لا بأُمراء السرايا الذين هم قادة عسكريون. مع أنّ الآية ساوت في الردّ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر، وأخبرت بأنّ ما يستنبطونه يحصل به العلم، ولا يصحّ ذلك إلّا إذا ثبتت لهم العصمة كرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّ من قوله يحصل العلم لمحلّ العصمة، وأُمراء السرايا لا يصيبون دائماً؛ لأنّهم غير معصومين.

ومن هنا وردت الروايات الكثيرة عندنا بأنّ المراد من (أُولوا الأمر) في الآية هم: الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) (2).

فظهر من هذا أنّ (أُولي الأمر) في آية الولاية هم المعنيون نفسهم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدّوه إلى الرَّسول وَإلَى أوْلي الأَمْر منْهمْ لَعَلمَه الَّذينَ يَسْتَنبطونَه منْهمْ....

____________

1- النساء (٥): ٨٣.

2- تفسير العيّاشي ١: ٢٦٠ قال تعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ...))، تفسير القمّي: ١٤٥، التبيان، للطوسي ٣: ٢٧٣، بشارة المصطفى، للطبري الشيعي: ١٧٠، خطبة الحسن بن علي(عليه السلام)، المحاسن، للبرقي ١: ٢٦٨ح٣٥٦.


الصفحة 555

(عدم عمومها لكلّ من يدعي الولاية)

« عبد العزيز السعراني ــ السعودية ــ سنّي »

السؤال:

السلام عليكم..

أشكركم على الإجابات السابقة الوافية المفحمة (كلمة حقّ) يجب قولها؛ لأنّي باحث عن الحقّ، ومجرّد نفسي عن الطائفية، وجزاكم الله ألف خير. لكن لديّ سؤال على بالي من تأمّل الآية التالية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ وكلمة ﴿مِنكُمْ ضمير راجع للذين آمنوا، أي: من الذين آمنوا، أي: الناس، وهي عامّة، أي: من ولي أميراً يجب الطاعة له من الذين آمنوا منكم للمؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، وكلمة ﴿مِنكُمْ أي: من الذين آمنوا، عامّة للمؤمنين من وليّ أميراً منهم وجبت له الطاعة.

فكيف قلتم أنتم الشيعة: إنّ الآية خاصّة في الأئمّة؟

أرجو توضيح دلالتكم بشكل واضح؛ لأنّها بحث مصيري بالنسبة لي، وأرجو التوفيق والحقّ للجميع.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الذي يخصّص العموم المستفاد من جمع (أُولي الأمر) في الآية هو دلالة الآية على عصمة (أُولي الأمر)، فالآية قرنت طاعة (أُولي الأمر) بطاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشكل مطلق؛ فلا يصحّ أن يكون أُولي الأمر غير معصومين، وإلّا كيف يأمر الله بطاعة أهل المعاصي والذنوب؟!

لذا ثبت أنّ المراد بـ(أُولي الأمر) ليس كلّ من تسلّط على رقاب المسلمين


الصفحة 556

حتّى لو بويع بذلك مع ارتكابه للمعاصي والذنوب، بل المراد: مجموعة من المؤمنين الذين ثبتت لهم العصمة، وبالرجوع إلى ما ذكرناه في الأجوبة السابقة يتّضح لك الأمر بشكل كامل.

وأمّا لفظة ﴿مِنكُمْ ففيه دلالة على أنّ المتولي لأمر الحكومة، أي: الإمام، هو من بينكم لا من غيركم، ولا تدلّ على عموم (أُولي الأمر) من قريب أو بعيد، وقد جاء مثل هذا التعبير كثيراً في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا...(1)، ويتّضح المعنى أكثر من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ...(2).

وأنت تعلم بوضوح أنّ الآيتين لا تعنيان جواز اختيار الرسل من قبل الناس لورود لفظة ﴿مِنكُمْ، أو ﴿مِن أَنفُسِكُمْ، ولا صحّة رسالة كلّ من ادّعى الرسالة، وإنّما تعيين الرسل واختيارهم من قبل الله، ولكن من بينكم لا من غيركم، فكذا (أُولي الأمر)؛ فلاحظ!

(بيان الملازمة بين طاعة الرسول وبين طاعة ولاة الأمر)

« ع م أ ــ الهند »

السؤال:

أكثر المخالفين لمذهب الشيعة يسألون عن الآية ـ٥٩ـ من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿أَطيعواْ اللّهَ وَأَطيعواْ الرَّسولَ وَأوْلي الأَمْر منكمْ، فيقولون: إذا كانت

____________

1- البقرة (٢): ١٥١.

2- آل عمران (٣): ١٦٤.


الصفحة 557

إطاعة (أُولي الأمر) ــ كما يقول الشيعة ــ ملازمة لطاعة الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) , فيلزم أن يذكر (أُولوا الأمر) أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، ومن عدم ذكرهم يكشف أنّ الإمامة ليست نصّاً، وأنّ إطاعة الإمام ليست كطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يجاب السؤال بما يلي:

أوّلاً: نفي دعوة الملازمة بين ذكر طاعة (أُولي الأمر) في بداية الآية وبين ذكرهم في الردّ إلى الله وإلى الرسول في المقطع الثاني من الآية؛ فقد وردت آيات كثيرة تضمّنت وجوب طاعة الله وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) , وقرنت بينهما في الطاعة كما في آيات (١٤،٨٠) من سورة النساء، و(٢٠، ٤٦) من سورة الأنفال، وـ٥٢ـ من سورة النور، وـ٧١ـ من سورة الأحزاب، وغيرها..

فإذا وردت آيات بطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(1)، فهل يحتمل إنسان عدم وجوب طاعة الله لخلو الآية المذكورة عن ذلك؟

أو الآية التي وردت في ردّ الحكم إلى الله عند الاختلاف، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ(2)، فهل يعني ذلك عدم وجوب الرجوع إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عند وقوع الاختلاف؟!

مع أنّه تعالى قرن بين ذكره جلّ وعلا، وذكر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عند التنازع، كما في

____________

1- النور (٢٤): ٥٦.

2- الشورى (٢٦): ١٠.


الصفحة 558

قوله تعالى: ﴿فإن تَنَازَعْتمْ في شَيْء فردّوه إلى اللّه وَالرَّسول(1)، فعدم ذكر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية الأُولى التي أرجعت الحكم إلى الله وحده في ما اختلف فيه هل يعني ذلك عدم الرجوع إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّه لم يذكر في الآية؟! وهذا ممّا لا يخفى على أحد.

ثانياً: إنّ عدم ذكر (أُولي الأمر) في قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لا يدلّ على عدم إرادتهم، بعد أن ذكرهم تعالى في صدر الآية، وساواهم في وجوب الإطاعة لهم على حدّ إطاعته وإطاعة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) , واكتفى عن ذكرهم ثانياً بما ذكرهم أوّلاً.

ولذا أجاب السيّد محمّد تقي الحكيم على هذا الإشكال في كلام الفخر الرازي بقوله: (يبقى الإشكال الثالث، وهو عدم ذكره لأُولي الأمر في وجوب الردّ إليهم عند التنازع، بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول، وهذا الإشكال أمره سهل؛ لجواز الحذف اعتماداً على قرينة ذكره سابقاً، وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيّد هذا المعنى: ما ورد في الآية الثانية: ﴿وَلَوْ رَدّوه إلى الرَّسول وَإلَى أوْلي الأَمْر منْهمْ لَعَلمَه الَّذينَ يَسْتَنبطونَه منْهمْ(2))(3).

ثالثاً: إنّ هذه الآية المشار إليها في السؤال تدلّ على عصمة (أُولي الأمر) من حيث المقارنة في الذكر والمساواة في وحدة السياق في وجوب طاعتهم كوجوب طاعة الله وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) , ومن البديهي أنّ من تجب طاعته من (أُولي الأمر) لا بدّ أن يكون معصوماً عن ارتكاب الزلل والخطأ وسائر ما يشينه وينقصه؛ إذ لو لم يكن كذلك وجاز عليه ارتكاب المعصية فكيف يأمر الله

____________

1- النساء (٤): ٥٩.

2- النساء (٥): ٨٣.

3- الأُصول العامة للفقه المقارن: ١٥٩ (الثالثة: بيان المراد من أهل البيت الآية الثانية).


الصفحة 559

بطاعته وهو غير مأمون في نفسه من الذنوب, والله سبحانه ينهى عن طاعة العصاة في كثير من الآيات؟ أليس في ذلك ما فيه من التضاد والتناقض؟!

وحاشا ربّنا تعالى أن يأمرنا بطاعة من يرتكب ما نهى عنه جلّ وعلا.

قال الفخر الرازي في تفسيره: (إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ــ يعني ﴿أَطيعواْ الرَّسولَ وَأوْلي الأَمْر منكمْ ــ ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ أن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته, فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهيّ عنه, فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال.

فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم, وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ, فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بدّ وأن يكون معصوماً)(1).

نقول: وإذا دلّت الآية على عصمة (أُولي الأمر), والعصمة من الأمور الخفية التي لا يمكن أن يطّلع عليها كلّ أحد, وإلّا لزم تصديق كلّ من يدّعيها, فلا بدّ أن يكون جلّ وعلا المطّلع على السرائر هو الذي يبيّن للناس من هو ذلك المعصوم الذي تجب طاعته وولايته باطّلاع نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) , والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بدوره يكشف ذلك للناس، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿وَرَبّكَ يَخْلق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهم الْخيَرَة(2).

فمن هنا كانت الآية من أدلّة إثبات النصّ على الأئمّة الهداة(عليهم السلام) كما دلّت على عصمتهم؛ فلاحظ!

____________

1- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ قوله تعالى: ((أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...)).

2- القصص (٢٧): ٦٨.


الصفحة 560

(اللفظ في آخر الآية لا ينفي عصمة أُولي الأمر)

« حميد ــ الإمارات ــ سنّي »

السؤال:

الآية ـ٥٩ـ من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، أليست فيها دلالة واضحة تامّة وقاطعة على نفي العصمة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ آية أُولي الأمر علّقت الإطاعة لـ(أُولي الأمر) بصورة مطلقة، ولا يكون الأمر بوجوب الإطاعة المطلقة إلّا لمعصوم؛ إذ لو لم يكن معصوماً جاز عليه الخطأ, فلا يمكن أن يوجب الله علينا إطاعة الخاطئ, ومن هنا كانت دلالة الآية على العصمة واضحة وصريحة حتّى تنبّه إلى ذلك الفخر الرازي(1).

ولكن الوهّابية يغضّون النظر عن أوّل الآية ويتمسّكون بآخرها، بأنّه لا يدلّ على العصمة، وإلّا لما أرجع الله المتنازعين إلى الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وترك أُولي الأمر!

ولكن هذا فهم غير صحيح للآية؛ فإنّ التنازع المفروض في الآية تنازع كلّي شامل للنزاع حتّى مع أُولي الأمر، فإنّ لفظة (شيء) يصدق على: كلّ أمر متنازع فيه، أي: فإن تنازعتم أيّها المؤمنون في شيء مع أُولي الأمر بعد أن أُمرتم بطاعتهم فارجعوا إلى الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لتعرفوا حكمه.

فإذا كان التنازع مع أُولي الأمر أنفسهم فكيف يصحّ الإرجاع إليهم؟!

____________

1- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤.


الصفحة 561

وهل من نازعهم سوف يؤمن بقولهم وصوابهم وأحقّيتهم؟

كيف؟! وإلّا لم ينازعهم من البداية, بل الذي ينازعهم لا يعترف بوجوب طاعتهم، فضلاً عن عصمتهم.

فلا بدّ من إيجاد جامع مشترك بين أُولي الأمر وبين الذين ينازعونهم، يعودون إليه ليصبح الميزان في فصل الدعوى والتنازع, ولا يوجد بينهم إلّا القرآن والسُنّة، وهما القانون الكلّي والدستور الإسلامي، وهذا واضح من فعل عليّ(عليه السلام) مع طلحة والزبير عندما دعاهم للقرآن قبل القتال, وكذلك فعله(عليه السلام) مع أهل الشام قبل القتال, ولكنّهم أصرّوا على القتال لعلمهم بكونهم محجوجين, ولكنّهم عند الهزيمة رفعوا المصاحف خدعة.

فلا دلالة في الآية على نفي العصمة، وإنّما فيها دلالة على أنّ مرجع الكلّ في الشريعة الإسلامية والذي لا يخرج عنه حتّى أُولي الأمر هو: حكم الله وحكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أي: القرآن والسُنّة، فحكم أُولي الأمر لا يخرج عن حكم الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهم معصومون تابعون لشريعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .

فارجع إلى الآية واقرأها بتمعّن تجد ما قلناه واضحاً؛ إذ كيف يصحّ التنازع في شيء وهم مسلّمون بطاعة أُولي الأمر؟! فإنّ أُولي الأمر سيقولون لهم عليكم بطاعتنا بنصّ القرآن ولا مجال للنزاع, وهل سيكون هذا إلّا تناقض! فإنّهم مأمورون بإطاعتهم ثمّ يجوّز القرآن لهم عدم اتّباعهم وتركهم والرجوع إلى الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) !! ولذا فإنّ المخاطبين بالردّ لا يدخل فيهم أولو الأمر، وإنّما هم من خوطبوا في أوّل الآية بوجوب طاعة الله والرسول وأُولي الأمر أوّلاً.

وبهذا يتّضح أنّ فرض التنازع المذكور في الآية لا يصحّ ولا يقع إلّا من الذين ينكرون وجوب إطاعة أُولي الأمر, إمّا بالكلّية، أي: لكلّ وليّ أمر، وإمّا بالتعيين، أي: وليّ الأمر المعيّن والمشخّص، كعليّ(عليه السلام) ، ويقولون: أنّه ليس وليّ


الصفحة 562

الأمر مثلاً، فعند ذلك لا بدّ من إرجاعهم إلى القرآن والسُنّة لفض النزاع؛ فتأمّل!

فالآية تطرح معالجة واقعية لحلّ ما يعتري طريق المسلمين من مشاكل في مستقبلهم، ففيها نوع استشراف من الغيب لما سيحدث في واقع الأُمّة الإسلامية.

تعليق:

« دفاع محسن علي ــ اليمن ــ إمامي »

تعليق: لي ملاحظات على هذه الإجابة التي لا تخلو من مغالطات, وهي كما يلي:

١ــ من قال: إنّ الآية تدلّ على الطاعة المطلقة لأُولي الأمر؟

فالمتأمّل في الآية يجد أنّها كررت لفظ الطاعة مع الرسول كون طاعته مطلقة؛ لأنّه المعصوم, ولم تفعل ذلك مع أُولي الأمر، أي: لم تفردهم بطاعة مستقلّة فتقول: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أُولي الأمر)، ولو كانت الآية كذلك لقلنا بطاعتهم المطلقة ــ أي: الطاعة المستقلّة ــ فدلّت الآية على أنّ أُولي الأمر ليس لهم طاعة مستقلة وإنّما هي طاعة في إطار طاعة الله والرسول، كما في الحديث: (إنّما الطاعة في المعروف)، وكما في الحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق), ولذا لم تفردهم الآية بلفظ الطاعة، كما جاء في حقّ الله والرسول، وهذا يدلّ على عدم العصمة، وإلّا لو كان أُولو الأمر معصومين لشمل النزاع أُولي الأمر والرسول معاً، وعندئذ لا يصحّ الإحالة في آخر الآية إلى الرسول؛ لكونه طرفاً في النزاع، كما قلتم ذلك في أُولي الأمر حينما لم يحل الأمر إليهم في النزاع.

٢ــ قولكم: إنّ الآية في حقّ مَن لم يؤمن بطاعتهم وعصمتهم، فهذا غير صحيح، بل هي في حقّ المؤمنين، كما نصّت الآية في أوّلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ،


الصفحة 563

وكيف يصحّ لفظ الإيمان في حقّ مَن لم يقل بعصمة أُولي الأمر وطاعتهم؟

يبدو يا سيّدي أنّنا بحاجة إلى مراجعة موقفنا من بعض الأمور، وعلى رأسها: الأمر بالعصمة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ هناك فرق بين إفراد أُولي الأمر بطاعة مستقلة، وبين القول بأنّ طاعة أُولي الأمر طاعة مطلقة، ويبدو من كلامك أنّك تخلط بينهما!

فنحن لا نقول: إنّ طاعة أُولي الأمر مستقلّة، بل هي في طول طاعة الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن على الرغم من ذلك تبقى طاعة أُولي الأمر مطلقة, فكما أنّ الآية تأمر بطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك تأمر بطاعة أُولي الأمر بحرف العطف, ولم تقيّد الآية الطاعة في حدود معيّنة، فمن أين استفدت التقييد؟!

ولو كانت طاعة أُولي الأمر تتعارض مع طاعة الله وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لما جاز الأمر بها!

وبعبارة أُخرى: إنّ دلالة حرف العطف هي وحدة نوع الطاعة اللازمة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأُولي الأمر، فهذا مقتضى التشريك بالعطف، وأمّا ما يمكن استفادته من إفراد طاعة لله ثمّ إفراد أُخرى للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر، فهو أنّ طاعة الله طاعة بالاستقلال والأولوية؛ لأنّه الحاكم الحق, وأمّا طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن عطف عليه فقد ثبتت بالنيابة والطولية, ولا دلالة في البين للتقييد والإطلاق ــ أي: لسعة وضيق الطاعة ــ وإنّما لنوعها أو رتبتها الوجودية بالأصالة أو التبع.

فافهم إن كنت طالب حقّ! فالقول بأنّ الطاعة هنا مطلقة هو ظاهر المنطوق من الآية والواضح عند أهل اللغة العربية دون لبس.


الصفحة 564

٢ــ وأمّا قولك: (وإلّا لو كان أولو الأمر معصومين لشمل النزاع أُولي الأمر والرسول معاً)، فإنّ لفظ الشيء في الآية وإن كان عامّاً فيشمل كلّ نزاع حتّى مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن قوله تعالى في أوّل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ يخرج هكذا نزاع بين الناس والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّ مثل هذا النزاع يخرجهم عن الإسلام، والمخاطب في الآية هم الذين آمنوا لله ولرسوله بكلّ ما جاء به.

ولا ملازمة في البين، بين الردّ إلى الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبين عدم عصمة أُولي الأمر، بل بالعكس، فلو دلّت الآية على عدم عصمة أُولي الأمر لدلّت على عدم عصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّ الله شركها في طاعة واحدة، وهذا لا يقوله مسلم.

٣ــ إنّ لفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ في آيات كثيرة يشمل من آمن بالتوحيد والنبوّة، ولذا تجد بعض الآيات القرآنية التي ذكرت هذه الكلمات لا يمكن حصرها بالمؤمنين بالإمامة فقط، فمثلاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ(1) لا تستطيع القول: إنّه كتب على من يعتقد بالإمامة فقط، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ(2). فأنت أيضاً لا تستطيع أن تقول: إنّ هذا الحكم خاص بالمؤمنين بالمعنى الأخص، ومن هنا يظهر أنّ الأسلوب القرآني استخدم لفظة (المؤمنون) في معنى يشمل كلّ المسلمين في بعض الآيات، واستخدمها للإيمان الحقيقي دون الإسلام الظاهري في آيات أُخرى، ونميّز ذلك بالقرائن.

____________

1- البقرة (٢): ١٨٣.

2- البقرة (٢): ٢٨٢.


الصفحة 565

(الرجوع إلى أُولي الأمر حال النزاع)

« شيماء سامي ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم وبارك الله فيكم جميعاً..

ورد رأي بأنّ عدم ذكر أُولي الأمر بعد التنازع هو لعلّ التنازع قد يكون في تعيّن أُولي الأمر وتحديدهم, فيجب الرجوع آنذاك إلى الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لأنّهم قد بيّنوا من هم أولو الأمر بالكتاب والسُنّة.

فما مدى صحّة هذا الرأي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إنّ فرض عدم جواز الرجوع إلى أولي الأمر؛ لأنّ التنازع قد يحصل فيهم لا يعني عدم صحّة الرجوع إليهم, بل يجب الرجوع إليهم؛ لأنّ الآية في صدرها فرضت طاعتهم, والمفروض طاعته لا بدّ من الأخذ بقوله حتّى لو كان هناك نزاع بشأنه.

نعم, يمكن صياغة الكلام هكذا, وهو: أنّ ولاة الأمر وإن كان المؤمنون مأمورين بطاعتهم, إلّا أنّ تشخيصهم وتحديد مصداقهم الصحيح مختلف فيه, فهناك أكثر من واحد يدّعي أنّه هو وليّ الأمر, فالإرجاع إلى أُولي الأمر مع اختلافهم مصداقاً لا يحلّ النزاع, فلا معنى للإرجاع إليهم مع هذا الاختلاف.

نعم, يبقى الرجوع إلى أُولي الأمر الحقيقيين صحيح ومطلوب لحلّ النزاع,


الصفحة 566

ولذا قال تعالى في آية أُخرى: ﴿وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم(1).

(حذف ولاة الأمر في المقطع الثاني لا يفيد عدم وجوب إطاعتهم)

« سالم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، قال لي أحد المخالفين: إنّ أُولي الأمر قد حذف من شطر الآية الثاني وهذا يدلّ على عدم إطاعتهم في كلّ شيء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للجواب عن هذا الإشكال نقول:

أوّلاً: إنّ واو العطف ــ كما هو مقرّر في محلّه من علمي النحو والأُصول ــ موضوعة للجمع المطلق, وعليه تكون الإطاعة المطلقة ثابتة في حقّ ولاة الأمر ــ بحسب الآية الكريمة ــ كما هي ثابتة لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) , وذلك لمحلّ العطف بالواو في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.

____________

1- النساء (٤): ٨٣.


الصفحة 567

وعدم تكرار الفعل ﴿أطيعوا لا يدلّ على عدم عموم الطاعة، وإلّا لدلّ هذا المعنى في حقّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير هذا المورد؛ فقد قال تعالى في مورد آخر من كتابه الكريم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَه(1)، ولم يستفد منه أحد بأنّه لا تجب إطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ شيء ومطلقاً لعدم تكرار الفعل في الجملة.

بل القول به باطل بالإجماع، والمستفاد منه هو على العكس من ذلك تماماً، وهو المعنى الصحيح المتّفق عليه ولا نزاع فيه بين المسلمين. هذا أوّلاً.

أمّا ثانياً: إنّ توجيه الخطاب إلى المؤمنين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ كاشف عن أنّ المراد بالتنازع هو: تنازع بينهم، لا تنازع مفروض بينهم وبين أُولي الأمر, وكذا لا تنازع مفروض بين أُولي الأمر أنفسهم, فإنّ الأوّل ــ أي: التنازع بينهم وبين أُولي الأمر ــ لا يلائمه افتراض طاعة أُولي الأمر عليهم (نعم يمكن في فرض عصيانهم على أُولي الأمر). والثاني ــ أي: التنازع بين أُولي الأمرــ لا يلائمه افتراض طاعتهم والتنازع الذي أحد طرفيه على الباطل.

ومن هنا قال السيّد الطباطبائي في (الميزان) عند تفسيره للآية الكريمة: (ولفظ (الشيء) ــ ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ــ وإن كان يعمّ كلّ حكم وأمر من الله ورسوله وأُولي الأمر كائناً ما كان, لكن قوله بعد ذلك: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ يدلّ على أنّ المفروض هو النزاع في شيء ليس لأُولي الأمر الاستقلال والاستبداد فيه من أوامرهم في دائرة ولايتهم، كأمرهم بنفر أو حرب أو صلح أو غير ذلك؛ إذ لا معنى لإيجاب الردّ إلى الله والرسول في هذه الموارد مع فرض طاعتهم فيها. فالآية تدلّ على وجوب الردّ في نفس

____________

1- الأنفال (٨): ٢٠.


الصفحة 568

الأحكام الدينية التي ليس لأحد أن يحكم فيها بإنفاذ أو نسخ إلّا الله ورسوله)(1).

(لِمَ لم يذكر وليّ الأمر في آخر الآية؟)

« سيّد علي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

﴿يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعوا اللّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ وَأولي الأَمر منكم فَإن تَنَازَعتم في شَيء فَردّوه إلَى اللّه وَالرَّسول إن كنتم تؤمنونَ باللّه وَاليَوم الآخر ذَلكَ خَيرٌ وَأَحسَن تَأويلاً...(2)

في الآية الكريمة أمر إلزامي بإطاعة أُولي الأمر, وطبعاً المراد بـ(أُولي الأمر) هم: الأئمّة صلوات الله تعالى عليهم, إلّا أنّه في منتصف الآية ﴿فإن تَنَازَعتم في شَيء فردّوه إلَى اللّه وَالرَّسول إن كنتم تؤمنونَ باللّه وَاليَوم الآخر ذَلكَ خَيرٌ وَأَحسَن تَأويلاً , لا نجد إلحاق أُولي الأمر في التنازع. فما تفسير ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول صاحب (تفسير الميزان):

(قوله تعالى: ﴿يا أَيّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ, لمّا فرغ من الندب إلى عبادة الله وحده لا شريك له وبثّ الإحسان بين طبقات المؤمنين، وذمّ من يعيب هذا الطريق المحمود، أو صدّ عنه صدوداً، عاد إلى أصل المقصود بلسان آخر يتفرّع عليه فروع أُخر، بها يستحكم أساس

____________

1- الميزان في تفسير القرآن ٤: ٤٠١ ــ ٤٠٢.

2- النساء (٤): ٥٩.


الصفحة 569

المجتمع الإسلامي، وهو: التحضيض والترغيب في أخذهم بالائتلاف والاتّفاق، ورفع كلّ تنازع واقع بالردّ إلى الله ورسوله.

ولا ينبغي أن يُرتاب في أنّ قوله: ﴿أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ جملة سيقت تمهيداً وتوطئة للأمر بردّ الأمر إلى الله ورسوله عند ظهور التنازع، وإن كان مضمون الجملة أساس جميع الشرائع والأحكام الإلهية.

فإن ذلك ظاهر تفريع قوله: ﴿فَإن تَنَازَعتم في شَيء فَردّوه إلَى اللّه وَالرَّسول، ثمّ العود بعد العود إلى هذا المعنى بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...(1)، وقوله: ﴿وَمَا أَرسَلنَا من رَسول إلَّا ليطَاعَ بإذن اللَّه...(2)، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ(3).

ولا ينبغي أن يُرتاب في أنّ الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلّا إطاعته في ما يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف والشرائع، وأمّا رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) فله حيثيّتان:

إحداهما: حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربّه من غير كتاب، وهو ما يبيّنه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب وما يتعلّق ويرتبط بها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلنَا إلَيكَ الذّكرَ لتبَيّنَ للنَّاس مَا نزّلَ إلَيهم(4).

والثانية: ما يراه من صواب الرأي، وهو الذي يرتبط بولايته الحكومة والقضاء، قال تعالى: ﴿لتحكم بَينَ النَّاس بمَا أَرَاكَ اللَّه(5), وهذا هو الرأي الذي كان يحكم به

____________

1- النساء (٤): ٦٠.

2- النساء (٤): ٦٤.

3- النساء (٤): ٦٥.

4- النحل (١٦): ٤٤.

5- النساء (٤): ١٠٥.


الصفحة 570

على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، وهو الذي كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم به في عزائم الأمور، وكان الله سبحانه أمره في اتّخاذ الرأي بالمشاورة فقال: ﴿وَشَاورهم في الأَمر فإذَا عَزَمتَ فتوَكَّل عَلَى اللَّه(1), فأشركهم به في المشاورة ووحّده في العزم.

إذا عرفت هذا علمت أنّ لإطاعة الرسول معنى ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر، وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة؛ لأنّ الله هو المشرّع لوجوب إطاعته، كما قال: ﴿وَمَا أَرسَلنَا من رَسول إلَّا ليطَاعَ بإذن اللَّه(2), فعلى الناس أن يطيعوا الرسول في ما يبيّنه بالوحي، وفي ما يراه من الرأي.

وهذا المعنى ــ والله أعلم ــ هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله: ﴿أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ، لا ما ذكره المفسّرون: أنّ التكرار للتأكيد؛ فإنّ القصد لو كان متعلّقاً بالتأكيد كان ترك التكرار، كما لو قيل: (وأطيعوا الله والرسول)، أدلّ عليه وأقرب منه؛ فإنّه كان يفيد: أنّ إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه وأنّ الإطاعتين واحدة، وما كلّ تكرار يفيد التأكيد.

وأمّا أولو الأمر فهم ــ كائنون من كانوا ــ لا نصيب لهم من الوحي، وإنّما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه، فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم، ولذلك لمّا ذكر وجوب الردّ والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم، بل خصّ الله والرسول، فقال: ﴿فَإن تَنَازَعتم في شَيء فَردّوه إلَى اللّه وَالرَّسول إن كنتم تؤمنونَ باللّه وَاليَوم الآخر، وذلك أنّ المخاطبين بهذا الردّ هم المؤمنين المخاطبون بقوله في صدر الآية: ﴿يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنوا، والتنازع تنازعهم بلا ريب، ولا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أُولي الأمر مع افتراض طاعتهم، بل هذا

____________

1- آل عمران (٣): ١٥٩.

2- النساء (٤): ٦٤.


الصفحة 571
الصفحة السابقةالصفحة التالية