المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180)

فإذا رجعنا إلى صحيح مسلم، والترمذي، والنسائي، وإلى مسند أحمد، والبزّار، وإلى المستدرك، وتفسير الطبري، وابن كثير، والدرّ المنثور، نجد أنّهم يروون عن ابن عبّاس، وعن أبي سعيد، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعن سعد بن أبي وقاص، وعن زيد بن أرقم، وعن أُمّ سلمة، وعن عائشة: أنّه لمّا نزلت آية التطهير جمع (صلى الله عليه وآله وسلم) أهله، أي: عليّ وفاطمة والحسن والحسين وألقى عليهم كساءً وقال: (هؤلاء أهل بيتي)(1).

وقد أشتمل لفظ الحديث في أكثر طرقه على أنّ أُمّ سلمة أرادت الدخول معهم تحت الكساء فلم يأذن لها بالدخول، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لها: (وإنّك على خير)، أو (إلى خير)، وبالإضافة إلى ذلك كلّه فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حدّد المراد من البيت بشكل عملي؛ فكان يمرّ ببيت فاطمة عدّة شهور كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: (الصلاة أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2))(3).

____________

1- انظر: صحيح مسلم ٧: ١٣٠، باب (فضائل أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) )، مسند أحمد ابن حنبل ٦: ٢٩٢ حديث أُمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٤١٦ تفسير سورة الأحزاب، شواهد التنزيل، للحسكاني ٢: ٥٥ (إنّما يريد الله ليذهب...) الآية، ينابيع المودّة، للقندوزي ٢: ٤١، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ١٤٩، باب (أهل بيته الذين هم آله)، الدرّ المنثور، للسيوطي ٥: ١٩٨ سورة الأحزاب، الجامع الكبير ٥: ٣٢٨، جامع البيان، للطبري ٢٢: ٨ قوله تعالى: ((وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ...))، تفسير ابن كثير ٣: ٤٩٢ قوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ...)).

2- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

3- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحكام ٢: ٤١٦، مسند أبي يعلى ٧: ٥٩ و١٢: ٤٥٦، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ٥٣، شواهد التنزيل، للحسكاني ٢: ٦٣، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ١٤٢.


الصفحة 152

وأمّا الروايات التي تقول: إنّ الآية نزلت في حقّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأزواجه، فإنّها تنتهي إلى عكرمة الخارجي الحروري، وعروة بن الزبير، المعروف بالانحراف عن عليّ(عليه السلام)، ومقاتل بن سليمان الذي يُعدّ من أركان المشبهة.. ومن قراءة بسيطة في ترجمة هؤلاء يعرف قيمة رواياتهم، وأنّها لا تقف في قبال تلك الروايات الصحيحة والكثيرة التي تحدّد أهل البيت بالخمسة أصحاب الكساء.

وأمّا بخصوص سارة فإنّها كانت ابنة عمّ نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) فدخلت في أهل بيته من هذا الوجه.

وأمّا آية نبيّ الله موسى(عليه السلام) ففيها مصطلح آخر متّفق عليه، وهو: (أهل الرجل)، وهو يختلف عن مصطلح (أهل بيت الرجل)، فنرجوا عدم الخلط والمغالطة والتدليس عند الاستدلال؛ فقد قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا(1)، وهذا المصطلح لغوي معروف مشهور، مستعمل بكثرة، وليس هو مصطلح خاص، وهو يختلف عن مصطلح (أهل بيت الرجل)، وبالتالي أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

تعليق ١:

« د: علي الموسوي ــ العراق ــ إمامي »

السادة المحترمون:

إنّ من يقرأ الآية الكريمة يجد أنّ الله عزّ وجلّ يخاطب نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) موجّهاً لهنّ ومرشداً، والآيات واضحات لا تحتاج إلى تأويل ولا جدال, فالله بعد كلّ هذا التوجيه والحرص على استقامتهنّ، يوضّح سبب ذلك، لأنّه يريد إبعاد

____________

1- طه (٢٠): ١٠.


الصفحة 153

الرجس عنهنّ أمام المسلمين، وفعلاً جعلهنّ مطهّرات ولا يجوز لأحد النكاح منهنّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثمّ وبعد الآية مباشرة، هناك استمرارية المخاطبة لهنّ استكمالاً لنفس الموضوع ولنفس الغرض، ممّا يؤكد أنّ المقصود هنا هو: أنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته، وبكلّ ما تعنيه كلمة (أهل) لغةً.

ولا ينفي حديث الكساء أنّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لسن بأهله، أمّا كون الإمام عليّ وفاطمة والحسنين(عليهم السلام) أهل بيته، فلا يلغي حقيقة أنّ نساؤه هنّ أهل بيته شرعاً وعرفاً، وأنّ الآية الكريمة تقصدهنّ بكلّ تأكيد، ولا تقبل التأويل لأيّ غرض أو قصد.

كما أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) وزوجه الطهور وولديه هم أطهار، فكيف لا وهم بضعة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما قلته مجرّد دعوى، وأساس الاحتجاج بها هو: وحدة السياق, ووحدة السياق معارضة بأمرين، إن لم تكن أمور:

١ــ تغيّر ضمير الخطاب من نون النسوة إلى ميم الجمع، وهذا يعني أنّ الخطاب قد تحوّل من النساء إلى جهة أُخرى, وإلّا كان المناسب الاستمرار بمخاطبتهنّ بنون النسوة، كما هو الشأن في الآيات السابقة واللاحقة لآية التطهير.

٢ــ جاءت جملة وفيرة من الروايات تبلغ حدّ التضافر بل التواتر تشير إلى أنّ أهل بيته(عليهم السلام) هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، وهذه الروايات كانت تبيّن سبب النزول لآية التطهير، وتقرنه بفعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بإدارة الكساء حولهم(عليهم السلام) , وفي كثير منها ورد قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (هؤلاء أهل بيتي) ــ أي:


الصفحة 154

بتعريف الجزءين ــ وتعريف الجزءين، كما هو المعروف بلاغياً يفيد الحصر وينفي عمّا عداه(1), بل في بعضها تصريح واضح بإخراج النساء عن معنى أهل البيت, ومعنى الآية الكريمة.

بالإضافة إلى أنّ بعض الروايات كانت تشير إلى نزول آية التطهير قبل إتمام بنائه(صلى الله عليه وآله وسلم) بتسع نساء, وهذا يعني أنّ هذه الآية نزلت قبل الآيات التي جاءت مخاطبة للنساء.

وهناك مسألة أُخرى:

إنّ الذي استفاده جمع كبير من المفسّرين ــ سُنّة وشيعة ــ أنّ الآية تشير إلى معنى التنزيه وإذهاب الرجس بالإرادة الإلهية، والذي يعني: العصمة، بحسب استفادة المتكلّمين الشيعة, وهذا المعنى ينافي واقع حال بعض نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو مدلول عليه قرآناً وسُنّة.

إضافة إلى مسألة أخرى مهمّة، أفصح عنها المحدّثون وأصحاب المسانيد والصحاح من أهل السُنّة قبل الشيعة، وهي: أنّهم عدّوا هذه الآية وما ورد من سبب نزول لها، من فضائل الخمسة أصحاب الكساء دون نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وما ذكرناه ليس من التأويل في شيء، وإنّما هو من التفسير؛ فلا يختلط عليك الحال! فإنّ التفسير هو بيان الظاهر، وأمّا الجدال فهو الإصرار على رأي بدون دليل، أو التمسّك بدليل عليل, وأمّا إذا ساق المدّعي أدلّة على الخصم لا يستطيع الإجابة عليها، فلا ينجيه التشبّث بالدعوى المجرّدة ورمي المقابل بالجدل.

____________

1- انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي: ٥٦٠ النوع الثاني والأربعون.


الصفحة 155

وأمّا أنّ معنى لفظة (أهل) يدخل فيه امرأة الرجل, فليس الكلام في هذه اللفظة، وإنّما الكلام في مصطلح (أهل البيت)، فما تجده عند بعضهم من الاستدلال بتسمية الله تعالى في القرآن لأهل موسى بـ(أهله) لا يجدي.

تعليق ٢:

« توفيق ــ الجزائر ــ سُنّي »

لنقل أخي المحترم, إنّ تفسيركم لهذه الآية بهذا الليّ, يحتم علينا الحذر في آيات أُخرى. كتفسير بعض الخطباء للآيات من سورة المدّثّر: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ _ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ _ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ _ إِنَّهَا لَإحْدَى الْكُبَرِ _ نَذِيراً لِلْبَشَرِ(1)، فسياق الآيات لا يدع مجالاً للشكّ أنّها (سقر)، أي: جهنّم.

لكنّهم يقولون: إنّ الله يقصد بها: (فاطمة)؟؟

إذاً لا مجال لسياق الآيات.

إذاً القرآن ليست آياته بيّنات!!

أيّها السادة الكرام، إنّ الغلوّ في آل البيت هو الذي أوجد هذا التفسير الملتوي.. محاولة إخراج الآيات عن سياقها لإلصاقها بآل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا جاء الكلام من المعصوم، كالنبيّ مثلاً، يوضّح لنا المراد بـ(أهل البيت)، فلا معنى للاعتراض على ما جاء من كلام المعصوم، ولا القول بأنّ السياق لا

____________

1- المدّثّر (٧٤): ٣٢ ــ ٣٦.


الصفحة 156

يقبل ذلك؛ لأنّه مؤخّر عن قول المعصوم، والنبيّ المعصوم المطّلع على القرآن يقول لنا: إنّ المراد بأهل البيت هم الخمسة أصحاب الكساء دون نسائه، فلا معنى لأن تعترض على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتقول: إنّ السياق يغاير كلامه؛ لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم بمراد الآيات القرآنية والألفاظ الواردة فيها.

(سبب تذكير الضمير في آية التطهير)

« سعد العبّاسي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

في آية التطهير جاءت ميم الجمع بدل نون النسوة؛ لأنّ النساء دخل معهنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو رأس أهل بيته(عليهم السلام)، فما هي الإجابة على هذه الشبهة التي تريد أن تخرج أهل البيت الأربعة من الآية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للإجابة على ما ذكرت نقدّم نقاط:

١ــ ذُكرت عدّة آراء في المراد من (أهل البيت) في هذه الآية، نذكر المهمّ منها، فبعضها شاذّ، أو لم يقل به قائل محدّد:

أ ــ إنّها نزلت خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) الخمسة أصحاب الكساء.

ب ــ إنّها نزلت في الخمسة أهل الكساء، وأزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 157

ج ــ إنّها نزلت في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة.

٢ــ إنّ القول الثالث قال به عكرمة ومقاتل وعروة بن الزبير، ونقل عن ابن عبّاس، وهو قول شاذّ لم يأخذ به إلّا المتعصّب ضدّ أهل البيت(عليهم السلام) ، مع أنّه مردود؛ لأنّ عكرمة ومقاتل لا يؤخذ بقولهما؛ إذ كانا كذّابين مطعون بدينهما، وعروة كان يناصب أمير المؤمنين ً(عليه السلام) أشدّ العداء، وعدّه بعضهم ممّن يضعون الأخبار في عليّ ً(عليه السلام).

وما عن ابن عبّاس فضعيف؛ لأنّ فيه مجاهيل، مع أنّ له معارضاً من قول ابن عبّاس نفسه.

وقد استدلّ الرادّون له وللقول الثاني، بأدلّة كثيرة على بطلانهما:

منها: الروايات الصحيحة الكثيرة الواردة على أنّ (أهل البيت) هم: خصوص أصحاب الكساء؛ حيث جلّلهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) به حصراً.

ومنها: إنّ الأهل والآل تدلّ على النسب دون السبب.

ومنها: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بأهل بيته للمباهلة، وقد كانوا هؤلاء الخمسة حصراً.

ومنها: إنّ الآية تفيد الحصر لإرادة الله بإذهاب الرجس عن جماعة مخصوصين، ولم يدّع أحد العصمة لغير هؤلاء.

ومنها: إنّ الأزواج لم يدّعين دخولهنّ فيها، بل صرّحن في روايات عديدة بعدم دخولهنّ.

ومنها: الردّ على وحدة السياق بعدّة وجوه، كدلالة تغيير الضمير، وأنّ ما قبل الآية فيه تهديد ووعيد، ولا يناسب ذلك إذهاب الرجس، وأنّ اختلاف


الصفحة 158

المخاطب لا يقدح بوحدة السياق، وقد ورد كثيراً في القرآن، وأنّ الالتزام بوحدة السياق اجتهاد مقابل النصّ الوارد في الروايات الصحيحة، وعدم الالتزام بالسياق إذا جاءت قرينة على خلافه، وعدم التسليم بالسياق والترتيب الموجود، وأنّه هو المنزل، بل إنّ الروايات تدلّ على أنّ الآية نزلت منفردة.. وغيرها.

٣ــ المهمّ إنّ الذين اختاروا اختصاصها بالنساء احتجّوا بالسياق، وقد عرفت الردّ عليه، ولكن عندما جوبهوا باختلاف الضمير من المؤنث إلى المذكّر، حاولوا التملّص بما ذكرت من قولهم بدخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معهنّ، ولكنّك عرفت أنّ أصل القول مردود ضعيف شاذّ، وهو الاختصاص بالنساء، فما تفرّع عليه واشتقّ منه يكون أضعف؛ إذ مع سقوط الأصل فلا مجال للفرع.

مع أنّ أكثر من حاول صرفها عن أهل البيت(عليهم السلام) خاصّة، وجعل الآية عامّة في نساء النبيّ ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، كان لنفس السبب، وهو تذكير الضمير؛ فراجع أقوالهم، كابن كثير، وابن روزبهان، بل وابن تيمية، ولم يستفد أحد منهم أنّ تذكير الضمير كان بسبب دخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع النساء فقط.

وبعبارة أُخرى: إنّ سبب قولهم بأنّ تذكير الضمير كان لدخول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، هو التزامهم السابق بأنّ الآية نزلت في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بمقتضى السياق، وكان قولهم تخلّصاً وتملّصاً من ورود الإشكال عليهم؛ إذ ليس لهم مخرج من الإشكال، سوى هذا الادّعاء، ولم يستندوا فيه إلى


الصفحة 159

حديث، أو قول لغويّ، أو دليل عقليّ، فإذا لم نلتزم بالقول بأنّ الآية نازلة في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، ورددناه وأثبتنا بطلانه! فما هو الملزم والملجئ لنا لتعليل تذكير الضمير بدخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فقط معهنّ؟

ثمّ إنّهم لم يبيّنوا لنا: لماذا أدخل الله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هنا في هذه الآية بالخصوص، ولم يدخله في الآيات الأُخر، التي جاء فيها الضمير مؤنّثاً، فإن قالوا: أدخله، فقد كذبوا؛ لما فيها من ظاهر الضمير، وظاهر التهديد والوعيد، المبرأ عنه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإذا قالوا: لم يدخله في الآيات الأُخر وأدخله في هذه الآية فقط، فلماذا، بعد أن حصرتم النزول في النساء فقط؟

٤ــ فإذا قالوا: أدخله في هذه الآية فقط، لما فيها من ميزة من نفي الرجس وإثبات التطهير والمدح.

قلنا: إذاً أقررتم بأنّ هذه الآية لا تختصّ بالنساء فقط، وإنّما دخل معهنّ غيرهنّ، بمقتضى تذكير الضمير، وأنّ الاعتماد على وحدة السياق كان غير تامّ.

وعليه؛ فإذا كنّا نحن والآية فقط، نضيف: أنّ تذكير الضمير لوحده لا يدلّ على تشخيص الداخل من هو؟ أو أنّه شخص واحد أو أكثر، فما هو دليلكم على دخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، فلعلّ معه غيره.

وليس لكم نفي دخول غيره إلّا القول باختصاص الآية بالنساء، وهذا عود على البدء، وهو دور صريح.

فلا يبقى إلّا الاعتماد على قرينة من داخل الآية، وهو المعنى المراد من أهل البيت(عليهم السلام) ، وفي هذا عودة إلى الآراء المختلفة التي ذكرناها أوّلاً، ومنها مدّعاكم، وقد رددناه بما لا مزيد عليه، بل إنّ القرينة (الداخلية) في الآية


الصفحة 160

تخرج النساء أصلاً؛ لأنّ نفي الرجس واثبات التطهير ينافي ما خوطب به النساء من التهديد والوعيد، واحتمال صدور المعصية منهنّ..

أو الاعتماد على قرينة من خارج الآية من سُنّة أو لغة، وهي معنا كما عرفت سابقاً.

تعليق:

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سنّي »

في جوابكم ذكرتم: (وعدم التسليم بالسياق والترتيب الموجود، وأنّه هو المنزل, بل إنّ الروايات تدلّ على أنّ الآية نزلت منفردة.. وغيرها).

هل معنى هذا الكلام: إنّه تمّ اللعب بترتيب الآيات في القرآن؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سوف يأتي رأينا في إجاباتنا في قسم (القرآن وعلومه) من الأسئلة العقائدية(1)، وهو: أنّنا نؤمن بترتيب آيات السور في الجملة كما هي موجودة في القرآن الكريم, ولكن لا نقطع بذلك على نحو الكلّية، بحيث نجزم أن كلّ آية قد وضعت في مكانها الصحيح, ولذلك احتملنا أنّ آية التطهير قد أقحمت بين آيات النساء في سورة الأحزاب لوجود دواعٍ لذلك, وهو واضح من محاولة الاستدلال بالسياق في هذه الآية على الرغم من ورود سبب للنزول صريحاً بحصرها في الخمسة أصحاب الكساء، والنصّ على نزولها لوحدها منفردة دون أي علاقة لها بآيات النساء التي قبلها وبعدها, فهي لم تنزل مع تلك الآيات التي

____________

1- سوف يأتي إن شاء الله في محلّه؛ فليراجع.


الصفحة 161

تخاطب نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) , وضمير المخاطب فيها مذكّر لا يشبه ما قبلها ولا ما بعدها.

فكتبت في المصحف جزءاً من آية, وليست آية كاملة, وأُقحمت كجملة معترضة بين الآيات التي تحذر نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) , وتأمرهنّ وتنهاهنّ، كلّ ذلك ليدّعى أنّها في سياق الكلام مع النساء لتكون نازلة في النساء, مع عدم وجود رواية واحدة، ولو ضعيفة، بأنّها نزلت في النساء, أو أنّ لها علاقة بالنساء, أو دخول النساء فيها, أو ادّعاء إحدى نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بدخولها وشمولها في آية التطهير, أو نزول آية التطهير فيها!!

فمع كلّ ذلك يُدّعى دخولهنّ, ويُدّعى أنّ السياق يقتضي ذلك، مع أنّ السياق ليس حجّة دائماً خصوصاً مع وجود قرينة, أو دليل على إرادة خلاف السياق, أو الدلالة على معنى لا علاقة له بالسياق، كما هو حاصل هنا.

مع وجود شواهد كثيرة في القرآن تنفي حجّية السياق، كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ المَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللّهِ بِهِ وَالمُنخَنِقَةُ وَالمَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلّا مَا ذَكَّيتُم وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَستَقسِمُوا بِالأَزلاَمِ ذَلِكُم فِسقٌ اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم فَلاَ تَخشَوهُم وَاخشَونِ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضطُرَّ فِي مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(1).

فما قبل آية (إكمال الدين) وما بعدها يتكلّم عن محرّمات وذبائح وصيد

____________

1- المائدة (٥): ٣.


الصفحة 162

واستقسام بالأزلام, وهي أمور محرّمة منذ بداية الإسلام في مكّة, وآية إكمال الدين نزلت منفردة في حجّة الوداع في غدير خم, (أو في عرفة على قول)، مع كونها في القرآن الآن ضمن آية المحرّمات التي لا علاقة لها بها, وأمثال هذه الآيات كثيرة تطلب في مظانّها، من التنقّل بين الموضوعات في السياق الواحد, أو الإضراب عن الموضوع فجأة, أو الاعتراض بجملة اعتراضية في أثناء آية واحدة أو سياق واحد، كما هو الشأن في آية التطهير, وآية إكمال الدين، وغيرهما كثير.

ولذلك لا يمكن جعل السياق دليلاً مطلقاً دون قيد, أو شرط, أو تخصيص, أو استثناء، أي: على نحو القاعدة الكلّية.

وبالجملة: إنّما يستدلّ, أو يستأنس, أو يستفاد من السياق عند غياب الدليل, أو القرينة على عدم نقضه بشيء كما قدّمنا في آيتي التطهير وإكمال الدين وغيرها.

والانتقال من موضوع إلى موضوع أسلوب موجود في القرآن الكريم لوجود مناسبة ما, أو حكمة معيّنة تجعل إقحام بعض الآيات في سياق موضوع آخر لعلاقة ما، قد ندركها وقد لا ندركها, فلا يمكن بعد هذا الاحتجاج بالسياق لتفسير آية مع وجود أدلّة على عدم حجّية السياق هناك.

(السياق لا يوجب دخول النساء في آية التطهير)

« م / علي ــ البحرين »

السؤال:

هل يعتقد أهل السُنّة والجماعة بأنّ القرآن الكريم ليس مرتّباً؟

مثلاً.. في آية التطهير.. أنّها في غير مكانها..

مع ذكر المصدر، يرحمكم الله؟


الصفحة 163

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس المهم في مفروض السؤال الاعتقاد أو عدم الاعتقاد بالترتيب في آية التطهير، بل البحث في المراد من (أهل البيت)، فنقول:

إنّ العدول عن السياق المتناول في الآية، وهو خطاب التأنيث إلى خطاب التذكير، بل والرجوع منه ثانياً في الفقرات التالية بعده إلى خطاب التأنيث، يدلّ بكلّ وضوح على تمييز المخاطبين بهذه الفقرة بالذات عن باقي المخاطبين في الآية، حتّى أذعن الرازي في تفسيره للآية بهذه النقطة الحسّاسة(1)، فالحكم بالتطهير المطلق عن كافّة الأرجاس إنّما يخصّ هذه المجموعة التي تسمّى: (أهل البيت)، وهو ما يسمّى بـ(العصمة).

ثمّ على فرض قبول وحدة السياق ــ مع ما يأباه الظهور الخطابي ــ نقول بالتخصيص في هذا المجال استناداً إلى مصادر أهل السُنّة؛ إذ ورد في كثير منها أنّ المراد من (أهل البيت) هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، وقد صرّح فيها بأنّ أُمّ سلمة لم تكن من هؤلاء مع أنّها على خير..

والمصادر الروائيّة في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، فعلى سبيل المثال ينبغي مراجعة: (صحيح مسلم ٧/١٣٠ باب فضائل أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، مسند أحمد ٦/٢٩٢ حديث أُمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، المستدرك على الصحيحين ٢/٤١٦ تفسير سورة الأحزاب، سنن الترمذي ٥/٣٢٧ مناقب أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٤٩ منزلة عليّ كرّم الله وجهه، ٦٣ قول

____________

1- التفسير الكبير ٩: ١٦٨.


الصفحة 164

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الله لا يخزيه أبداً، ٨١ الاختلاف في حديث المنزلة): وغيرها من المصادر. ولا يخفى أنّ في الآيات السابقة على هذه الآية إشارة لطيفة إلى عدم إعطاء هذه الرتبة السامية للأزواج مطلقاً، وفي كلّ الأحوال؛ إذ يقول تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(1)، فيقيّد الأجر بالمحسنات منهنّ، والحال لم يقيّد التطهير والعصمة من الأرجاس عن أهل البيت(عليهم السلام) بشيء! فنستنتج بأنّ عنوان (أهل البيت) يختلف موضوعاً عن عنوان (الأزواج).

تعقيب:

«باقر ــ السعودية ــ إمامي»

السلام عليكم ورحمة الله..

أرى من المهم على الإخوة الأعزاء في الموقع أن يجيبوا على ما يثيره المخالفون حول سياق آية التطهير، ببيان أنّ ذلك لا يتناقض مع حديث الكساء، وأنا هنا أطرح هذا البحث المتواضع حول هذا الموضوع..

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاة َ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلا _ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَة َ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة ٍ مُّبَيِّنَة ٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً _ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٢٩.


الصفحة 165

فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفاً _ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة ِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاة َ وَآتِينَ الزَّكَاة َ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1).

إنّ لعنوان أهل البيت معنى لغوياً عاماً، ومعنى اصطلاحي خاص، كما للكثير من المفردات، فمثلاً للصلاة معنىً لغوي عام وهو: الدعاء، ومعنىً اصطلاحياً خاصاً وهو الصلاة المعروفة، فبأيّ معنى استخدم القرآن عنوان أهل البيت في آية التطهير؟

وللإجابة على ذلك، لا بدّ من الرجوع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لكونه مبيّناً للقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وها هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نجده قد جمع معه عليّاً وفاطمة والحسنين(عليهم السلام) تحت الكساء ليشير إلى الحصر، ثمّ قرأ هذا المقطع من الآية دون غيره، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وحينما أرادت إحدى أزواج النبيّ الدخول معهم تحت الكساء منعها، وقال لها: (مكانك، إنّك على خير)..

بل إنّنا نجد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتف بذلك، وإنّما كان ولعدّة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة يأتي باب فاطمة، ويقول: (الصلاة يا أهل البيت)، ثمّ يقرأ هذا المقطع من الآية دون غيره، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، في إشارةٍ واضحةٍ منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ لعنوان أهل البيت في الآية معنىً اصطلاحي خاص.

وهنا لا بدّ من بيان أنّ سياق آية التطهير لا يتناقض مع حصر عنوان أهل

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٢٨ ــ ٣٣.


الصفحة 166

البيت بأصحاب الكساء دون أزواج النبيّ، ولتوضيح هذه المسألة يمكننا أن نطرح هذا التساؤل:

عندما يكون هناك شخص تهتم لأمره بالغ الاهتمام، أفلن تحذّر كلّ من يحاول أن يسيء إليه؟ وهذا تماماً ما تشير إليه هذه الآيات، فهي قد حذّرت أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من ارتكاب أي عملٍ قد يسيء إلى أهل البيت(عليهم السلام) (محمّد وعليّ وفاطمة والحسنين)..

ففي هذه الآيات خطابٌ من الله لنبيّه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاة َ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلا _ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَة َ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة ٍ مُّبَيِّنَة ٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً _ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفاً _ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة ِ الأُولَى.

ثمّ قال الله بعد ذلك لنبيّه موضحاً له: إنّما أردتُ من كلّ تلك الأوامر والنواهي لأزواجك أن أذهِبَ عنكم يا أهل البيت (محمّد وعليّ وفاطمة والحسنين) الرجس الذي قد يصدر منهنّ.

فإن قال قائلٌ: بأنّ قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ... إنّما هو خطاب منه تعالى


الصفحة 167

للنساء مباشرة.

فإنّنا نقول أيضاً: إنّه لا يضر في ما نرمي إليه؛ لأنّه قد جاء على سبيل الالتفات إليهنّ، فالله سبحانه وتعالى خاطب نبيّه وأمره أن يقول لأزواجه: ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاة َ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلا _ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَة َ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة ٍ مُّبَيِّنَة ٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً _ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً _ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفاً _ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة ِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاة َ وَآتِينَ الزَّكَاة َ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

ثمّ رجع الله مخاطباً النبيّ الذي هو من أصحاب الكساء وممثلهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ _ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ(1)؛ ففي هذه الآيات من سورة يوسف خاطب عزيز مصر زوجته قائلاً لها: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، ثمّ التفتَ إلى يوسف قائلاً له: ﴿يُوسُفُ

____________

1- يوسف (١٢): ٢٨ ــ ٢٩.


الصفحة 168

أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، ثمّ رجع مخاطباً زوجته قائلاً لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ.

ومّما يؤكد أنّ الآيات كانت بصدد تحذير أزواج النبيّ من الإساءة إلى أهل البيت (محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين)، هو: ما حدث بالفعل على أرض الواقع.. فإنّنا نجد أنّ من ضمن ما ذكرته الآيات، هو أنّ الله قد خيّر أزواج النبيّ بين التسريح ــ أي الطلاق ــ أو الاستقامة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاة َ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَميلاً، لما كان يصدر منهنّ من إساءةٍ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

والآيات القرآنية صريحة في ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ _ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَة ُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ _ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً(1).

وكذلك تصرّح الآيات بأنّ الله قد أمرهنّ بالقرار في البيت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة ِ الأُولَى، ولكن بعضهنّ خالفنَ هذا الأمر الإلهي كما حدث في معركة الجمل التي قادتها بعض أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ضد الإمام عليّ(عليه السلام).

____________

1- التحريم (٦٦): ٣ ــ ٥.


الصفحة 169

(الاستدلال بآية مخاطبة امرأة إبراهيم(عليه السلام) على عود الضمير للنساء)

« علاء منصور الماري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

قد يستشكلّ المخالف على استدلال الشيعة بأنّ تبدّل الصيغة في آية التطهير من نون النسوة إلى ميم الجمع يخرج النساء، بأنّ هناك آية أُخرى تخاطب الملائكة فيها امرأة إبراهيم(عليه السلام)، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ(1)، والخطاب مباشر لامرأة إبراهيم ومع ذلك خاطبها بصيغة الأهل؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

صحيح أنّ الخطاب في بداية الآية موجّه إلى امرأة إبراهيم(عليه السلام)، لكن المقصود من ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ في آخر الآية أوسع من امرأة إبراهيم(عليه السلام)، وإلّا لَما صحّ الخطاب بصيغة الجمع بالإضافة إلى استخدام ضمير التذكير لا التأنيث، ونحن من خلال الضمائر نعرف المراد من الخطاب.

فأنت إذا قلت: إنّ الخطاب موجّه في أوّل الآية إلى امرأة إبراهيم(عليه السلام)؛ لأنّه استخدم ضمير الخطاب إلى المؤنّث، قبلنا منك ذلك.

وإذا قلت: بأنّها داخلة مع جماعة في كلمة ﴿عليكم من خلال السياق، قبلنا منك ذلك.

____________

1- هود (١١): ٧٣.


الصفحة 170

ولكن إن تقول: أنّ الخطاب موجّه إليها فقط مع ضمير الجمع والتذكير! فكلام غير مقبول، وخارج عن قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن.

ثمّ لا يشكل بأنّ: امرأة إبراهيم(عليه السلام) دخلت في أهل البيت في الآية, فلماذا لا تدخل نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أيضاً في آية التطهير؟ فإنّا نقول: إنّ زوجة إبراهيم(عليه السلام)، وهي سارة، كانت ابنة عمّه، فدخلت في أهل البيت من هذه الجهة لا من جهة الزوجية.

(مناقشة رواية ظاهرها أنّ زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل هذه الآية)

« عبد الرضا سلمان ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يحتجّ بعض من المخالفين بهذه الرواية الواردة عندهم لإثبات دخول النساء في آية التطهير الكريمة, وإثبات عدم وجود التخصيص في روايات الكساء. فكيف الردّ عليهم؟

الرواية: ما رواه البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ غير مرّة, وأبو عبد الرحمن محمّد بن الحسين السلمي من أصله, وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي, قالوا: ثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب, ثنا الحسن بن مكرم, ثنا عثمان ابن عمر, ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار, عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلمة، قالت: في بيتي أنزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1).

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 171

قالت: فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين.

فقال: هؤلاء أهل بيتي.

وفي حديث القاضي والسلمي: هؤلاء أهلي, قالت: فقلت: يا رسول الله! أما أنّا من أهل البيت؟ قال: بلى، إن شاء الله تعالى).

قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح سنده, ثقات رواته.

قال الشيخ: وقد روي في شواهده, ثمّ في معارضته أحاديث لا يثبت مثلها, وفي كتاب الله البيان لما قصدناه في إطلاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الآل, ومراده من ذلك أزواجه، أو هنّ داخلات فيه.(السنن الكبرى ٢: ١٥٠، باب الدليل على أن أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل بيته).

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: نقول: هذه الرواية تدحض الدعوى المألوفة عند أهل السُنّة، بأنّ الآية نزلت في خصوص نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) , أو نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع ضم الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إليهنّ، ليصحّ توجيه الخطاب بضمير الجمع (عنكم, يطهّركم) الوارد في الآية الكريمة..

فهي من هذه الناحية تكون ملزمة للقائلين بصحّتها في عدم تبنّي الدعوى المذكورة التي يروّج لها البعض ــ من دون تحصيل ــ وإلّا لزم التهافت في الدعوى والأدلّة.

ثانياً: الرواية المذكورة معارضة بروايات كثيرة متضافرة، تفوقها عدداً ودلالة، في بيان أنّ المراد بأهل البيت هم: الخمسة أصحاب الكساء: محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)


الصفحة 172

وعليّ, وفاطمة, والحسن والحسين(عليهم السلام) حصراً, بل إنّ في نفس الرواية المذكورة ما يدلّ على هذا المعنى؛ إذ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (هؤلاء أهل بيتي) يفيد الحصر، كما نصّ عليه علماء اللغة والبيان في أنّ تعريف الجزءين (المسند والمسند إليه) يفيد الحصر(1).

فإذا عرفنا ذلك، فربّما يشكل التمسّك بالرواية المذكورة؛ لمحلّ التهافت بين إرادة الحصر وعدمه فيها, الأمر الذي يرجّح رواية المستدرك على رواية السنن هذه، كما ستأتي الإشارة إليها في الأمر الرابع.

وعن ابن حجر في (الصواعق المحرقة), قال: (إنّ أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين)(2).

وعند التعارض يلاحظ الجانب الذي تتفوق رواياته عدداً, بل ودلالةً، فيقدّم على الآخر.. والروايات الوارد أنّها نزلت في خصوص الخمسة أصحاب الكساء دون غيرهم، متضافرة تفوق كلّ رواية أُخرى تناهضها في هذا المعنى.

ثالثاً: هذه الرواية معارضة بروايات أُخرى، وردت عن أُمّ سلمة نفسها، يتحصّل منها بأنّها ليست من أهل هذه الآية, كهذه الرواية التي يرويها الترمذي في سننه: (قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنتِ على خير)(3).

وأيضاً ورد بمضمون هذه الرواية رواية أُخرى عن عائشة, قالت فيها ــ بعد أن رأت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يجلّل عليّاً وفاطمة والحسن والحسين بالكساء، يدعو لهم ويتلو عليهم

____________

1- انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي: ٥٦٠ في دلالة تعريف الجزءين على إفادة الحصر والتعين.

2- الصواعق المحرقة: ١٤١ سورة الأحزاب.

3- سنن الترمذي ٥: ٣١ سورة الأحزاب.


الصفحة 173

آية التطهيرــ: (وأنا من أهل بيتك؟ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (تنحّي فإنّك على خير))(1).

وبلحاظ هذا التعارض، تتساقط هذه الروايات، وتصير الرواية المذكورة ــ الواردة في السؤال ــ لا قيمة لها في معارضة الروايات المتضافرة الدالة على نزول آية التطهير في خصوص الخمسة أصحاب الكساء.

رابعاً: الرواية المذكورة، رواها الحاكم في مستدركه ــ بالسند نفسه مع اختلاف العبّاس بن محمّد الدوري بدل الحسن بن مكرم ــ وفيها ما يخالف الدعوى المذكورة بدخول أُمّ سلمة في مفهوم (أهل البيت) الوارد في الآية, والرواية فيها: (قالت أُمّ سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: (إنّك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أهلي أحقّ)), وهذا الحديث قد صحّحه الحاكم على شرط البخاري(2), وأقرّه الذهبي على شرط مسلم.

وإذا سلّمنا بأنّ الرواية المذكورة في المستدرك هي نفسها رواية سنن البيهقي، فلا نجزم عندئذٍ بأنّ أيّ النصّين هو الصادر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) , هل هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمّ سلمة: (بلى إن شاء الله)، أي: أنت من أهل بيتي, أم هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي)، المتحصّل منه أنّها ليست من أهل بيته, وأنّها أهله بالمعنى المتعارف بأنّ الزوجة أهل الرجل؟

وهذا المعنى ــ بهذا الشكل الأخير الذي بيّناه ــ لازمه الإجمال وسقوط هذه الرواية برمتها عن معارضة الروايات المتضافرة بأنّ أهل بيته هم خصوص: علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) .

____________

1- انظر: تفسير ابن كثير ٣: ٤٩٣ قوله تعالى: ((يَا نِسَاء النَّبِيِّ...)) الآيات.

2- انظر: المستدرك على الصحيحين ٢: ٤١٦ سورة الأحزاب.


الصفحة 174

بل ربّما يُرجّح الوارد في رواية المستدرك على الوارد في رواية السنن؛ لمحلّ التهافت الذي أشرنا إليه سابقاً في رواية السنن، ولما موجود من تحريف في السند.

وعندئذٍ لا توجد معارضة بين الرواية المذكورة, والمعنى المعروف بنزول الآية في خصوص الخمسة من أصحاب الكساء (عليهم السلام) دون غيرهم.

(أُمّ سلمة ليست من أهل البيت(عليهم السلام)

« عيسى الشيباني ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إخواني، أهل السُنّة يستدلّون بهذا الحديث على دخول (أُمّ سلمة) رضوان الله تعالى عليها تحت الكساء.. الرجاء من سيادتكم التكرّم بتوضيح الردّ على ذلك بالأدلّة، وفّقكم الله تعالى:

أحمد بن حنبل في (المسند ٦/٢٩٨) ح/ حدّثنا أبو النضر هاشم بن القاسم, ثنا عبد الحميد ــ يعني ابن بهرام ــ قال: حدّثني شهر بن حوشب, قال: سمعت أُمّ سلمة زوج النبيّ حين جاء نعي الحسين بن عليّ(عليه السلام) لعنت أهل العراق، فقالت: قتلوه قتلهم الله، غرّوه وذلّوه لعنهم الله, فإنّي رأيت رسول الله جاءته فاطمة الزهراء غدية ببرمة, قد صنعت له فيها عصيدة، تحمله ]تحملها[ في طبق لها، حتّى وضعتها بين يديه، فقال لها: (أين ابن عمّك؟).

قالت: هو في البيت.


الصفحة 175

قال: (فاذهبي فادعيه وأئتني بابنيه).

قالت: فجاءت تقود ابنيها كلّ واحد منهما بيد، وعليّ يمشي في أثرهما, حتّى دخلوا على رسول الله، فأجلسهما في حجره، وجلس عليّ عن يمينه، وجلست فاطمة عن يساره.. قالت أُمّ سلمة: فاجتبذ ]فاجتذب[ من تحتي كساء خيبرياً كان بساطاً لنا على المنامة في المدينة, فلفّه النبيّ عليهم جميعاً، فأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى ربّه عزّ وجلّ، قال: (اللّهمّ أهلي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً).

قلت: يا رسول الله! ألست من أهلك؟

قال: (بلى, فادخلي في الكساء).

قالت: فدخلت في الكساء بعدما قضى دعاءه لابن عمّه عليّ(عليه السلام)، وابنيه وابنته فاطمة الزهراء(رضي الله عنهم).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن ردّ هذه الرواية من عدّة جهات:

١ــ إنّ هذه الرواية واردة في مصادر السُنّة فلا يمكن الاحتجاج بها علينا.

٢ــ إنّ هذه الرواية معارضة بروايات متعدّدة صحيحة تحصر أصحاب الكساء بالخمسة، بل يُصرّح في بعضها أنّ أُمّ سلمة ليست من أهل البيت.

٣ــ الرواية توضّح في آخرها أنّ أُمّ سلمة لم يشملها الدعاء بالتطهير, معنى ذلك أنّ خصوصية الخمسة وشمولهم بالتطهير ــ أي بالعصمة ــ تختلف عن أُمّ سلمة، التي هي إن كانت من أهل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فذلك وفق المعنى اللغوي لكلمة


الصفحة 176

(أهل)، بخلاف الخمسة الذين دخلوا في أهل البيت الذين لهم خصوصية العصمة, فالرواية لا تدخل أُمّ سلمة في أهل البيت بل تدخلها في أهل النبيّ, وهناك فرق بينهما.

٤ــ إنّ الحديث من جهة السند لا يصحّ الاحتجاج به؛ فشهر بن حوشب: قال عنه أبو حاتم: لا يُحتجّ به. وقال عنه ابن عون: إنّ شهراً تركوه. وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: شهر ممّن لا يُحتجّ به ولا يتديّن بحديثه. وسئل ابن عون عن شهر، فقال: ما يصنع بشهر؟ إنّ شعبة قد ترك شهراً. وسئل شعبة عن عبد الحميد بن بهرام، فقال: صدوق, إلّا أنّه يحدّث عن شهر. وقال عنه ابن حجر: كثير الإرسال والأوهام.

فلعلّ هذه الرواية من أوهامه، خصوصاً إذا عرفنا أنّه خالف بها الثقات ممّن قال بأنّ أُمّ سلمة ليست من أهل البيت.

٥ــ الرواية رويت عن شهر بطرق أُخر صحيحة أخرجت أُمّ سلمة من أهل البيت؛ فعن بلال بن مرداس، عن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة: (... ألست من أهل البيت؟ قال: (إنّك على خير وإلى خير)).

وعن زبيد، عن شهر، عن أُمّ سلمة مثل ذلك: (قالت: أنا منهم؟ قال: (إنّك على خير))(1), وقال الترمذي عن هذا الحديث: (هذا الحديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب)(2).

وأصرح من هذين: ما روي عن علي بن زيد، عن شهر، عن أُمّ سلمة، قالت:

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ١٤٢ الحسن بن عليّ بن أبي طالب، مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٠٤ حديث أُمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

2- سنن الترمذي ٥: ٣٦٠ ما جاء في فضل فاطمة(رضي الله عنها).


الصفحة 177

(فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي، وقال: (إنّك على خير))(1).

ومثله ما روي عن عقبة، عن شهر، عن أُمّ سلمة, قالت: (فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من يدي, وقال: (إنّك على خير))(2).

ويقرب منه: ما رواه حبيب بن أبي ثابت، عن شهر، عن أُمّ سلمة, قالت: (فجئت أدخل معهم، فقال: (مكانك.. إنّك على خير))(3).

فبعد هذا كيف يمكن الاحتجاج بتلك الرواية عن شهر وقد روى عنه العدّة خلافها؟!

(إذا كان سلمان من أهل البيت(عليهم السلام) فلماذا لا تكون زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منهم؟)

« سيّد صالح ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

ما معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (سلمان منّا أهل البيت)؟

هناك سؤال تطرحه أخت سنّية، تقول: إذا كان سلمان من أهل البيت، فلماذا لا تكون زوجات النبيّ من أهل البيت وهنّ أقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

والسلام عليكم ورحمة الله.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٢٣ حديث أُمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

2- مسند أبي يعلى ١٢: ٣٤٤ الحديث (٦٩١٢).

3- الذرّية الطاهرة، للدولابي: ١٥٠ الحديث (١٩٢) سند حديث فاطمة(عليها السلام).


الصفحة 178

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ سلمان(رضي الله عنه) وصل إلى تلك الدرجة الرفيعة بالعلم والمعرفة، وبشدّة ولائه لأهل البيت(عليهم السلام) ؛ فعن أبي جعفر(عليه السلام): (... وقال رسول الله: سلمان منّا أهل البيت، إنّما عنى بمعرفتنا وإقراره بولايتنا)(1)، فهو من أهل البيت بالتولّي لهم، كما قال إبراهيم(عليه السلام) في ما حكاه الله تعالى من قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي(2)، فكأنّه (عليه السلام) يقول: من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنّه من أقاربي، ملحق بي، ومن أبنائي تنزيلاً(3).

وإنّ سبب دخول سلمان في أهل البيت(عليهم السلام) ليس هو القرب النسبي؛ فإنّه لا قرابة نَسَبية له مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولدخل كلّ من كان من أقربائه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهل البيت(عليهم السلام) من جهة النسب، بل إنّ دخوله كدخول جبرائيل مع أهل البيت(عليهم السلام) ، حينما سئل: (وأنا منكم؟ فقال صلوات الله عليه: (وأنت منّا))(4)، فصار جبرئيل يفتخر بأنّه من أهل بيت محمّد(صلوات الله عليه وآله)، فدخول جبرئيل لم يكن بقرب نسبي، فكذلك دخول سلمان لم يكن بقرب نسبي.

ثمّ إنّ الذي أدخل سلمان في أهل البيت(عليهم السلام) هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والذي أخرج زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل البيت هو الرسول أيضاً! فقد قال (صلوات الله عليه وآله) ــ عندما سألته أُمّ سلمة عن كونها من أهل البيت؟ ــ : (إنّك

____________

1- تفسير فرات الكوفي: ١٧٠ الحديث (٢١٨)، بحار الأنوار ٦٥: ٥٥.

2- إبراهيم (١٤): ٣٦.

3- انظر: تفسير الميزان، للطباطبائي ١٣: ٧١ قوله: ((فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)).

4- أمالي الطوسي: ٣٦٨ سبب نزول قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...)).


الصفحة 179

على خير وهؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أهلي أحقّ)(1)، أو: (إنّك على مكانك، وأنت على خير)(2)، أو: (لا، وأنت على خير)(3)، أو: (وأنت مكانك، وأنت على خير)(4)، أو: (أنت على خير، إنّك من أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) )..

ولم يقل: إنّك من أهل البيت(5).

فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منع أُمّ سلمة من الدخول معه تحت الكساء، ولم يقل لها: إنّها من أهل البيت، على الرغم من طلبها ذلك، وكونها من خيرة نسائه! وما كان ردّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا لغرض بيان عدم دخول أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أهل البيت، وعدم قبول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، وإذا فعلنا ذلك فإنّنا عملنا خلاف ما يريده الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) !

(المقارنة بين لفظتي: (أهل البيت) و(بيوت النبيّ)

« أبو جعفر ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

وفّقكم الله إخواني الكرام القائمين على هذا الموقع العظيم، وجعله في ميزان أعمالكم، ورزقنا الله وإيّاكم شفاعة محمّد وآل محمّد(عليهم السلام).

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٤١٦ جمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته وقوله: هؤلاء أهل بيتي.

2- المصدر نفسه.

3- سنن الترمذي ٥: ٣١ سورة الأحزاب.

4- المعجم الكبير، للطبراني ٩: ٢٦ ما أسند عمر بن أبي سلمة.

5- خصائص الوحي المبين، لابن بطريق: ١٠٢ الفصل الرابع.


الصفحة 180

أمّا بعد.. من منطلق التدبّر بآيات القرآن الكريم، لاحظت أمراً يتعلّق بآية التطهير، وسأعرضه، طالباً منكم أن تتكرّموا بإعطائنا رأيكم في ما رأينا ودمتم موفقين:

لاحظنا أنّ في سورة الأحزاب وردت كلمة ﴿بيوتكنَّ مرتين في الآيتين ـ٢٣ ــ ٣٤ـ، وورد أيضاً لفظ ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ في الآية ٥٣، ووردت كلمة (بيت) بصيغة المفرد، كما هو معروف، مرّة واحدة في الآية ٣٣, الملفت هنا أنّه لو كانت آية التطهير تضم زوجات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكان الأولى ــ والله أعلم ــ أن لا تأتي كلمة: ﴿وَقَرنَ في بيوتكنَّ، والعائدة لزوجات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يوافق ما بعده من جمع كلمة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ، فالأولى أنّ هناك تناسقاً بالألفاظ، وهذا ما تؤكّده الآيةـ٥٣ـ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ، أتت بصيغة الجمع للدلالة على بيوت زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن ضمن نفس الآية نجد كلمة: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، فهي تتوافق مع سياق جمع كلمة: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ.

والذي يؤكّد أيضاً أنّ آية التطهير لا يدخل فيها زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : الأحاديث والروايات التي أثبتت أنّ آية التطهير مختصّة بأصحاب الكساء(عليهم السلام) فقط.

أتمنّى أنّي قد وفقت بإيصال ما أريد بهذه الكلمات. والله من وراء القصد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في مقام التعليق على ما ذكرت، نقدّم أمور:


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية