المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210)

أوّلاً: يُحدّد المفهوم اللغوي لكلمة (أهل) بما يضاف إليها، فأهل القرى: سكّانها، وأهل الكتاب: أتباعه، وأهل الرجل: عشيرته وذو قرباه(1)، وأخص الناس به(2)، ومن يجمعه وإياهم نسب أو دين(3)، وأهل بيت الرجل: ذو قرباه ومن يجمعه وإيّاهم نسب(4)، وأُطلقت في الكتاب الكريم على أولاد إبراهيم(عليه السلام) وأولاد أولاده، قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(5).

وهناك فرق بين أهل الرجل، وأهل بيت الرجل، فقد عبّر في اللغة مجازاً بأهل الرجل عن: امرأته؛ قال الزبيدي في (تاج العروس): (ومن المجاز: الأهل للرجل: زوجته)(6)، أمّا أهل بيت الرجل: فهم من يجمعه وإيّاهم نسب، وتعورف في أُسرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (7)(8).

ثانياً: من الواضح أنّ (أهل البيت) متكوّنة من لفظتين:

الأولى هي: (أهل)، التي ذكروا أنّها ولفظة (آل) بمعنى واحد, وذكروا لهما معانٍ متعدّدة بين الضيق والسعة، يرجع إليها في البحث المتعلّق بمعنى (الآل)، وهل هم أقرباء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو أتباعه، أو غير ذلك؟!

____________

1- القاموس المحيط، مادّة (أهل).

2- لسان العرب، مادّة (أهل).

3- مفردات الراغب، مادّة (أهل).

4- مفردات الراغب، مادّة (أهل).

5- هود (١١): ٧٣.

6- تاج العروس، مادّة (أهل).

7- مفردات الراغب، مادّة (أهل).

8- انظر: مودّة أهل البيت، المبحث الأوّل: أهل البيت في اللغة والاصطلاح، ط مركز الرسالة.


الصفحة 182

واللفظة الأُخرى هي: (البيت)؛ فهل المراد منها: المعنى الموضوع لها، وهو مكان السكن المتكون من الطين والخشب، أي: البيت المادي, أو المراد منها هنا: المعنى الاستعمالي، وهو بيت الذروة والشرف ومجمع السيادة، أي: بيت النبوّة؟

مع أنّه قد عرفنا من تنصيص أهل اللغة ما هو المعنى المراد من استعمال (أهل البيت) إذا جاءا معاً عند العرب، وبالتالي لا فرق بين تعيين أي من المعنيين، ولكنّ المعنيين المذكورين أصبحا مورداً لظهور شبهة سوف تأتي الإشارة إليها في النقاط التالية.

ثالثاً: من الواضح أنّ المقصود من البيوت في: ﴿وَقَرنَ في بيوتكنَّ، و﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ هي: البيوت المبنية من الطين والخشب، وكذا في قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ، وهو غير المعنى المراد من مجموع لفظتي (أهل البيت) كما عرفت من تنصيص أهل اللغة، سواء قلنا: إنّ المراد من لفظة (بيت) فيه: الطين والخشب، أو بيت الذروة والشرف، وذلك واضح من الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)..

لأنّه إذا قلنا إنّ: المراد من (البيت) فيها هو: بيت الطين والخشب، فلأنّه قد أضاف جمع البيوت في ﴿بُيُوتِكُنَّ إلى النساء وفي ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى النبيّ، وهنا عرّف البيت بالألف واللام العهدية لا الجنسية أو الاستغراقية، كما هو واضح؛ فإنّه لا يريد جنس البيوت، ولا كلّ بيت بيت، فتحصّل أنّ هذا البيت المعهود ليس أحد تلك البيوت المنسوبة للنساء! وإلّا فما هو المرجّح بينها؟! وإنّما هو بيت آخر غيرها كان معهوداً بين المتكلّم والمخاطب (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قد يكون

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 183

بيت عليّ(عليه السلام)، كما ذكر ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، عندما أشار إليه أبو بكر، وقال: هل هذا البيت منها؟ أي: من البيوت التي أذن الله أن ترفع، كما جاء في الآية (النور: ٣٦)، فأجابه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن: (نعم, بل من أفضلها)(1) ــ وبيت عليّ(عليه السلام) هو بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إشكال.

هذا، فيما لو تنزّلنا وقلنا بأنّ المراد هو هذا المعنى، (أي: المصنوع من الطين والخشب)، وهو مورد الشبهة التي جاءت عن العامّة، الذين قالوا بأنّ أهله كلّ من دخل تحت سقفه، فالأزواج من أهله، وقد عرفت الجواب! مع أنّا قد ذكرنا أنّ المعنى المستعمل في المركّب من اللفظين (أهل) و(البيت) هو غير المعنى المفرد لكلّ منهما، كما عرفت من تنصيص أهل اللغة؛ فلاحظ!

وأمّا إذا أريد من البيت، هو: بيت الذروة والشرف وبيت النبوّة، وأنّ المراد منه كما يراد من مثل قولهم: أهل القرآن، وأهل الله، فعند ذلك لا يصحّ الدخول فيه إلّا لمن حصل له الأهلية والاستعداد الكامل الذي يكون السبب في التنصيص عليهم من قبل الله، فلا يراد منه إلّا المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج روحية خاصّة، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوّة من طريق السبب أو النسب فحسب، ولذا سألت أُمّ سلمة عن دخولها فيه، فجاءها الجواب بالنفي، وهذا البيت هو المراد من: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ... (2)، كما تقدّم سابقاً في جواب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر.

____________

1- تفسير الثعلبي ٧: ١٠٧ قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ...))، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٥٣٢ سورة النور، الدرّ المنثور، للسيوطي ٥: ٥٠ قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ...)).

2- النور (٢٤): ٣٦.


الصفحة 184

وورد أيضاً أنّ قتادة لمّا جلس أمام الباقر(عليه السلام) قال: (لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك؟!

قال له أبو جعفر الباقر(عليه السلام): (ويحك: أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ _ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فأنت ثمّ، ونحن أولئك).

فقال قتادة: صدقت والله، جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين)(1).

ولعلّ هذا المعنى الثاني للبيت مأخوذ من المعنى المستعمل فيه (أهل البيت)، كما نقلنا عن أصحاب اللغة.

رابعاً: وبعد كلّ ما تقدّم فقد عرفت ما هو المراد من لفظتي (أهل البيت) فيما إذا وردتا معاً، وقد عرفت أنّ النزاع قائم في أنّ معنى (أهل البيت) هل هو واسع يشمل الزوجات، أو أنّه مقتصر على أشخاص معيّنين هم أصحاب الكساء؟

افترق المسلمون إلى أقوال، ونحن نستدلّ بحديث الكساء الصحيح على حصرهم بالخمسة أصحاب الكساء، إضافة إلى ما تقدّم كلّه.

فإذا تقرّر ذلك: نرجع إلى سؤالك، وهو: هل يمكن أن نستفيد من نفس الآية حصراً ــ بغض النظر عن الأدلّة الأُخرى ــ اختلاف المراد من ﴿بُيُوتِكُنَّ، و﴿أَهْلَ الْبَيْتِ، وبالتالي عدم دخول الزوجات في أهل البيت(عليهم السلام) ؟

____________

1- الكافي، للكليني ٦: ٢٥٦، باب (ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها).


الصفحة 185

فنقول: من الواضح أنّ المراد في ﴿بُيُوتِكُنَّ هو: بيت الطين والخشب، وهو يجمع؛ إذ لو كان لشخص معيّن عدّة زوجات وكلّ منها أسكنها في بيت، فيقال: (هذه بيوت هذا الرجل)، أو: (بيوت زوجاته)، وأنّ المراد من (أهل البيت) معنى آخر، هو: ذو قرباه ومن يجمعه وإيّاهم نسب(1)، ولا تُجمع لفظة (البيت) فيه بهذا المعنى، إذ لم يعرف من كلام العرب أن يقولوا: (أهل بيوت النبيّ) ويراد به هذا المعنى المتقدّم، فإذا كان للرجل عدد من الأولاد من زوجات مختلفة أسكنهم في بيوت مختلفة، فإنّه يقال لكلّ أولاده: (أهل بيت الرجل).

نعم، قد يستعمل (أهل بيوت الرجل) لكن بمعنى من كان تحت سقوف بيوته، أي: يمكن أن يجمع بذلك المعنى الأوّل.

فإذا نظرنا إلى الآية نجد أنّ البيوت جاءت مجموعة عندما أضيفت إلى النساء، وأنّها جاءت مفردة عندما عُرّفت بالألف واللام وتعلّقت بالأهل.. فنعرف أنّ البيوت المرادة هناك غير البيت المراد هنا.

ويمكن أن تكون إشارة لطيفة بلاغية على الاختلاف، نظراً لإبدال التعبير من الجمع إلى المفرد، ثمّ إلى الجمع في نفس الآيات، ولكن لا يمكن أن يكون دليلاً مستقلاً؛ وذلك لأنّا قلنا: إنّ البحث في دخول الزوجات أو عدم دخولهنّ مرتبط بتحديد معنى ومفهوم (أهل البيت)، سواء من اللغة أو القرآن أو السُنّة، على الخلاف بين الآراء، فاختلاف المعاني المرادة من البيت لا يعني بالضرورة عدم دخول النساء في (أهل البيت)، ألا ترى أنّه لا تناقض في الآيات لو ثبت فرضاً من دليل خارج أن النساء داخلات في (أهل البيت) ولو مجازاً!

____________

1- مفردات الراغب، مادّة (أهل).


الصفحة 186

نعم، نعود ونقول: إنّه مؤيّد وإشارة لطيفة، تتم إذا ادّعى مدّعٍ أنّ المراد من (البيت) في (أهل البيت) في الآية هو البيت المحسوس من الطين والخشب، وتتأكّد هذه الإشارة التي نوّهنا إليها هنا، إذا لاحظنا العودة إلى جمع (البيوت) مرّة أُخرى في آية ﴿وَاذْكُرْنَ بعد آية التطهير، فكأنها تؤكّد أنّ هذه البيوت غير ذلك البيت، و إلّا لماذا عاد للتفريق بالجمع والإضافة إليهنّ بعد الإفراد والتعريف بالألف واللام العهدية؟!

(تفسير الآية ضمن الآيات المتصلة بها)

« كريم ــ مصر »

السؤال:

نتمنّى منكم شرح هذه الآية: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ وَقُلنَ قَولاً مَّعرُوفاً _ وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً _ وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً(1).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جاء في (تفسير الميزان) للسيّد الطباطبائي:

(قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخضَعنَ

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٢ ــ ٣٤.


الصفحة 187

بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ الخ، الآية تنفى مساواتهنّ لسائر النساء إن اتّقين، وترفع منزلتهنّ على غيرهنّ، ثمّ تذكر أشياء من النهي والأمر متفرّعة على كونهنّ لسن كسائر النساء، كما يدلّ عليه قوله: فلا تخضعن بالقول، وقرن، ولا تبرجن... الخ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر النساء.

فتصدير الكلام بقوله: ﴿لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيتُنَّ، ثمّ تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه، يفيد تأكّد هذه التكاليف عليهنّ، كأنّه قيل: لستنّ كغيركنّ، فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف، وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء، وتؤيد بل تدلّ على تأكد تكاليفهنّ مضاعفة جزائهنّ خيراً وشرّاً، كما دلّت عليها الآية السابقة؛ فإنّ مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف.

وقوله: ﴿فَلَا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ بعدما بيّن علوّ منزلتهنّ ورفعة قدرهنّ؛ لمكانهنّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وشرط في ذلك التقوى فبيّن أنّ فضيلتهنّ بالتقوى لا بالاتصال بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، نهاهنّ عن الخضوع في القول، وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال، بحيث يدعو إلى الريبة ويثير الشهوة، فيطمع الذي في قلبه مرض، وهو: فقدانه قوّة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء.

وقوله: ﴿وَقُلنَ قَولاً مَعرُوفاً، أي: كلاماً معمولاً مستقيماً يعرفه الشرع والعرف الإسلامي، وهو: القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله معرّى عن الإيماء إلى فساد وريبة.

قوله تعالى: ﴿وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً، من: قرّ يقرّ، إذا ثبت، وأصله: أقررن، حذفت إحدى الرائين، أو من: قارّ يقارّ، إذا اجتمع، كناية عن ثباتهنّ في بيوتهنّ


الصفحة 188

ولزومهنّ لها.

والتبرّج: الظهور للناس كظهور البروج لناظريها.

والجاهلية الأولى: الجاهلية قبل البعثة، فالمراد: الجاهلية القديمة، وقول بعضهم: إنّ المراد به زمان ما بين آدم ونوح(عليهما السلام) ثمان مائة سنة، وقول آخرين: إنّها ما بين إدريس ونوح، وقول آخرين: زمان داود وسليمان، وقول آخرين: إنّه زمان ولادة إبراهيم، وقول آخرين: إنّه زمان الفترة بين عيسى(عليه السلام) ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أقوال لا دليل يدلّ عليها.

وقوله: ﴿وَأَقِمنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(1)، أمر بامتثال الأوامر الدينية، وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات، ثمّ جمع الجميع في قوله: ﴿وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وطاعة الله هي: امتثال تكاليفه الشرعية وطاعة رسوله في ما يأمر به وينهى بالولاية المجعولة له من عند الله، كما قال: ﴿النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم(2).

قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً(3)، كلمة (إنّما) تدلّ على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، وكلمة (أهل البيت) سواء كان لمجرد الاختصاص، أو مدحاً أو نداء، يدلّ على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير بالمخاطبين بقوله: ﴿عَنكُمُ، ففي الآية في الحقيقة قصران: قصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت.

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

2- الأحزاب (٣٣): ٦.

3- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 189

وليس المراد بـ(أهل البيت) نساء النبيّ خاصّة؛ لمكان الخطاب الذي في قوله: ﴿عَنكُمُ، ولم يقل: عنكنّ؛ فإمّا أن يكون الخطاب لهنّ ولغيرهنّ، كما قيل: إنّ المراد بأهل البيت، أهل البيت الحرام، وهم المتّقون؛ لقوله تعالى: ﴿إِن أَولِيَاؤُهُ إِلَّا المُتَّقُونَ(1)، أو أهل مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم: الذين يصدق عليهم عرفاً أهل بيته من أزواجه وأقربائه، وهم: آل عبّاس، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عليّ، أو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأزواجه، ولعلّ هذا هو المراد ممّا نسب إلى عكرمة وعروة أنّها في أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة.

أو يكون الخطاب لغيرهنّ، كما قيل: إنّهم أقرباء النبيّ من آل عبّاس وآل عقيل وآل جعفر وآل عليّ.

وعلى أي حال، فالمراد بـ(إذهاب الرجس والتطهير): مجرد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي وامتثال الأوامر، فيكون المعنى أنّ الله لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف إليكم وإنّما يريد إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم، على حدّ قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجعَلَ عَلَيكُم مِن حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعمَتَهُ(2)، وهذا المعنى لا يلائم شيئاً من معاني أهل البيت السابقة؛ لمنافاته البيّنة للاختصاص المفهوم من أهل البيت؛ لعمومه لعامّة المسلمين المكلّفين بأحكام الدين.

وإن كان المراد بـ(إذهاب الرجس والتطهير): التقوى الشديد البالغ، ويكون المعنى: إنّ هذا التشديد في التكاليف المتوجّهة إليكنّ أزواج النبيّ، وتضعيف الثواب والعقاب، ليس لينتفع الله سبحانه به، بل ليذهب عنكم الرجس ويطهّركم، ويكون من تعميم الخطاب لهنّ ولغيرهنّ بعد تخصيصه بهنّ، فهذا المعنى لا

____________

1- الأنفال (٨): ٣٤.

2- المائدة (٥): ٦.


الصفحة 190

يلائم كون الخطاب خاصّاً بغيرهنّ، وهو ظاهر، ولا عموم الخطاب لهنّ ولغيرهنّ، فإنّ الغير لا يشاركهنّ في تشديد التكليف، وتضعيف الثواب والعقاب.

لا يقال: لم لا يجوز أن يكون الخطاب ــ على هذا التقدير ــ متوجّهاً إليهنّ مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتكليفه شديد كتكليفهنّ.

لأنّه يقال: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤيّد بعصمة من الله، وهي موهبة إلهية غير مكتسبة بالعمل، فلا معنى لجعل تشديد التكليف وتضعيف الجزاء بالنسبة إليه، مقدّمة أو سبباً لحصول التقوى الشديد له، امتناناً عليه؛ على ما يعطيه سياق الآية، ولذلك لم يصرّح بكون الخطاب متوجهاً إليهنّ مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط أحد من المفسّرين، وإنّما احتملناه لتصحيح قول من قال: إنّ الآية خاصّة بأزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وإن كان المراد: إذهاب الرجس والتطهير بإرادته تعالى ذلك مطلقاً، لا بتوجيه مطلق التكليف، ولا بتوجيه التكليف الشديد، بل إرادة مطلقة لإذهاب الرجس والتطهير لأهل البيت خاصّة بما هم أهل البيت، كان هذا المعنى منافياً لتقييد كرامتهنّ بالتقوى، سواء كان المراد بالإرادة: الإرادة التشريعية، أو التكوينية.

وبهذا الذي تقدّم يتأيّد ما ورد في أسباب النزول، أنّ الآية نزلت في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسنين(عليهم السلام) خاصّة لا يشاركهم فيها غيرهم. وهي روايات جمّة تزيد على سبعين حديثاً، يربو ما ورد منها من طرق أهل السُنّة على ما ورد منها من طرق الشيعة..

فقد روتها أهل السُنّة بطرق كثيرة عن: أُمّ سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد، ووائلة بن الأسقع، وأبى الحمراء، وابن عبّاس، وثوبان مولى النبيّ، وعبد الله بن جعفر، وعليّ، والحسن بن عليّ(عليهما السلام)، في قريب من أربعين طريقاً.

وروتها الشيعة عن: عليّ والسجاد والباقر والصادق والرضا(عليهم السلام) ، وأم سلمة،


الصفحة 191

وأبي ذرّ، وأبى ليلى، وأبي الأسود الدؤلي، وعمرو بن ميمون الأودي، وسعد بن أبي وقاص، في بضع وثلاثين طريقاً.

فإن قيل: إنّ الروايات إنّما تدلّ على شمول الآية لعليّ وفاطمة والحسنين(عليهم السلام) ، ولا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهنّ.

قلنا: إنّ كثيراً من هذه الروايات، وخاصّة ما رويت عن أُمّ سلمة ــ وفي بيتها نزلت الآية ــ تصرّح باختصاصها بهم، وعدم شمولها لأزواج النبيّ، وسيجيء الروايات وفيها الصحاح.

فإن قيل: هذا مدفوع بنصّ الكتاب على شمولها لهنّ، كوقوع الآية في سياق خطابهنّ.

قلنا: إنّما الشأن كلّ الشأن في اتّصال الآية بما قبلها من الآيات؛ فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصّة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتّى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبيّ، ولا ذكره أحد، حتّى القائل باختصاص الآية بأزواج النبيّ، كما ينسب إلى عكرمة وعروة، فالآية لم تكن بحسب النزول جزء من آيات نساء النبيّ ولا متصلة بها، وإنّما وضعت بينها، إمّا بأمر من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عند التأليف بعد الرحلة، ويؤيّده أنّ آية: ﴿وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ على انسجامها واتّصالها لو قدّر ارتفاع آية التطهير من بين جملها، فموقع آية التطهير من آية: ﴿وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ كموقع آية: ﴿اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا(1) من آية محرّمات الأكل من سورة المائدة، وقد تقدّم الكلام في ذلك في الجزء الخامس من الكتاب.

____________

1- المائدة (٥): ٣.


الصفحة 192

وبالبناء على ما تقدّم تصير لفظة (أهل البيت) اسماً خاصّاً ــ في عرف القرآن ــ بهؤلاء الخمسة وهم النبيّ وعليّ وفاطمة والحسنان عليهم الصلاة والسلام لا يطلق على غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين، وإن صحّ بحسب العرف العام إطلاقه عليهم.

والرجس ــ بالكسر فالسكون ــ صفة من: الرجاسة، وهي: القذارة، والقذارة: هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها، وتكون بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير؛ قال تعالى: ﴿أَو لَحمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجسٌ(1)، وبحسب باطنه ــ وهو الرجاسة والقذارة المعنوية ــ كالشرك والكفر وأثر العمل السيئ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتهُم رِجساً إِلَى رِجسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ(2)، وقال: ﴿مَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجعَلُ اللَّهُ الرِّجسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ(3). وأيّاً ما كان فهو: إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل، أو العمل السيئ، وإذهاب الرجس ــ واللام فيه للجنس ــ : إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تخطئ حقّ الاعتقاد والعمل، فتنطبق على العصمة الإلهية، التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيئ العمل.

على أنّك عرفت أنّ إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص الخطاب في الآية بأهل البيت، وعرفت أيضاً أنّ إرادة ذلك لا تناسب

____________

1- الأنعام (٦): ١٤٥.

2- التوبة (٩): ١٢٥.

3- الأنعام (٦): ١٢٥.


الصفحة 193

مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من العصمة.

فمن المتعيّن حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة، ويكون المراد بالتطهير في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً ــ وقد أكّد بالمصدر ــ: إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أنّ ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ، فتطهيرهم هو: تجهيزهم بادراك الحقّ في الاعتقاد والعمل، ويكون المراد بالإرادة أيضاً غير الإرادة التشريعية، لما عرفت أنّ الإرادة التشريعية التي هي توجيه التكاليف إلى المكلّف لا تلائم المقام أصلاً.

والمعنى: إنّ الله سبحانه تستمرّ إرادته أن يخصّكم بموهبة العصمة، بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيئ عنكم أهل البيت، وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم، وهي: العصمة.

قوله تعالى: ﴿وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً.

ظاهر السياق أنّ المراد بالذكر: ما يقابل النسيان، إذ هو المناسب لسياق التأكيد والتشديد الذي في الآيات، فيكون بمنزلة الوصية بعد الوصية بامتثال ما وجّه إليهنّ من التكاليف، وفي قوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ تأكيد آخر.

والمعنى: واحفظن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة، وليكن منكنّ في بالٍ حتّى لا تغفلن ولا تتخطّين ممّا خط لكم من المسير.

وأمّا قول بعضهم: إنّ المراد: واشكرن الله إذ صيّركنّ في بيوت يتلى فيهنّ القرآن والسُنّة، فبعيد من السياق، وخاصّة بالنظر إلى قوله في ذيل الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)(1).

____________

1- تفسير الميزان ١٦: ٣٠٨ ــ ٣١٣.


الصفحة 194

(هل الإرادة في آية التطهير تشريعية أم تكوينية؟)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد..

١ــ هل الإرادة في هذه الآية ــ آية التطهير ــ تشريعية أم تكوينية؟ مع ذكر الأدلّة على ما تتفضّلون بطرحه جواباً عن سؤالي هذا.

حيث إنّ في القرآن المجيد يوجد تطهير إلهي بإرادة تشريعية، كما في آية الوضوء المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(1).

وأيضاً: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ(2).

حيث إنّ كليهما أتيا بعنوان الإرادة الإلهية بالتطهير على النحو التشريعي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، و﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ

____________

1- المائدة (٥): ٦.

2- الأنفال (٨): ١١.


الصفحة 195
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ.

فإذا قال لي المخالف: هذان الموضعان يشبه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1). وبذلك يقول لي: إنّ الإرادة بالتطهير وإذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام) يشبه التطهير في آية الوضوء (الإرادة التشريعية): ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ. وإذهاب الرجس كإذهاب الرجز والتطهير في: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وبالتالي لا يثبت هنالك فضل لأهل البيت(عليهم السلام) بخصوص آية التطهير المباركة, كما يزعم المخالف!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يمكن أن يكون المراد بالإرادة في الآية هي الإرادة التشريعية؛ لأنّها تنص على قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ، وإنّما تفيد الحصر والقصر.

والمعنى: إنّ الله طلب من أهل البيت(عليهم السلام) فقط أن يكونوا كذلك, وإذا كانت الإرادة تشريعية، فلا معنى لأن يكون طلب الطهارة والتنزّه عن الرجس مختصاً بأهل البيت(عليهم السلام) ، ومحصوراً بهم دون غيرهم؛ فالله سبحانه وتعالى أنزل الشريعة الإسلامية لا لكي يتطهّر أهل البيت(عليهم السلام) وحدهم, ويتنزّهوا عن الرجس دون سواهم, وإنّما لكي يتطهّر المسلمون جميعاً دون غيرهم، ويتنزه كلّ من بلغه هذا الدين.

ولو حملنا الإرادة على التشريع فسيكون الحصر في غير محلّه, ولا يلائم

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 196

الآية المباركة أساساً, وبذلك لا يمكن أن تكون الإرادة في الآية تشريعية، وإنّما هي إرادة تكوينية.

وبعبارة أُخرى: إنّ الإرادة لو كانت تشريعية، وأنّ الله يريد بيان أنّ الهدف من إرادته ــ أي من التكاليف ــ هو تطهير أهل البيت(عليهم السلام) ، فهو غير مختص بهم, إذ أنّ إرادته تعالى متعلّقة بصدور الفعل الواجب تشريعاً من غيره بإرادته واختياره، وحملها هنا عليهم فقط لا خصوصية فيه، فلا بد من أن تكون الإرادة هنا تكوينية.

وقد أُورد على كون الإرادة في الآية تكوينية: إنّ ذلك يؤدّي بنا إلى شبهة الجبر والاضطرار, أي أنّ ذلك ينافي إرادية واختيار المعصوم في أفعاله!

ونجيب على ذلك:

بأنّ الله سبحانه وتعالى عالم بكلّ شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء, فهو يعلم بأفعال عبيده قبل أن يخلقهم، فمن علم منهم أنّهم لا يريدون لأنفسهم إلّا الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى، أعانهم على ذلك، وأخبر عن مشيئته التي منشؤها العمل بما يريدون الوصول إليه.

فالمسألة لا ترجع إلى اختيار جزافي، بل تتحرّك في إطار هادف, فحيث علم الله من هؤلاء أنّهم لا يريدون لأنفسهم إلّا الطاعة والعبودية، تعلّقت إرادته التكوينية بهم فطهّرهم من كلّ رجس، فعِلمه بهم منشأ لهذه الإرادة التكوينية, وبذلك تنتهي شبهة الجبر، وتسقط مسألة الاضطرار بإرادة الفاعل على الفعل.

أمّا الدليل القرآني على أنّ المراد بأهل البيت(عليهم السلام) هم: العترة دون غيرهم, فإنّ نفس الآية القرآنية تدلّ على ذلك؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً دالّ على العصمة، وقد عرفنا أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ هو إخبار وليس إنشاء,


الصفحة 197

فالآية لا يمكن أن تشمل أقرباء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا نساؤه ولا أعمامه، ولا أيّ مصداق آخر غير العترة خاصّة؛ لأنّ جميع فرق المسلمين تتّفق على عدم عصمة أولئك.

ولو كانت الآية تنطوي على الإطلاق بحيث تشمل أعمام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرابته ونسائه, لكان منهم من ادّعى هذا الفخر، وهو وسام عظيم لا يمكن لإنسان أن يزهد فيه, ولكن من خلال العودة إلى التأريخ لم نجد أحداً يدّعي ذلك. ومن ناحية ثانية تشير الوقائع التاريخية إلى أنّ هؤلاء كانوا مشركين ثمّ صاروا مسلمين, وحتّى بعد أن أسلموا صدرت منهم أخطاء واشتباهات وبدرت من بعضهم معاص وانحرافات, وهذا ما يخالف العصمة التي من المفروض أنّ الآية نصّت عليها بهم.

(التطهير في الآية على سبيل الدفع لا الرفع)

« علي محمود ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

كيف نستدل على عصمة الأئمّة أو أهل البيت(عليهم السلام) منذ ولادتهم؛ فإنّ آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1) جاءت في حياتهم. فهل يعني هذا: أنّه لمّا نزلت الآية صاروا معصومين، وقبل نزول الآية كانوا غير معصومين، لأنّ الآية تقول: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُم، ولم تقل: إنّ

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 198

الله أذهب عنكم الرجس.

فكيف نستدلّ على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) منذ الولادة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الإتيان بصيغة المضارع في مقام المدح أو الذم أو الشكر ونحوه، إنّما يفيد الاستمرار في الاتّصاف، وليس التقيّد بهذا الاتصاف في الحال أو الاستقبال، ألا ترى أنّ قوله عزّ وجلّ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(1)، ليس ناظراً إلى أنّه يستهزئ بهم في الحال أو الاستقبال، ولم يستهزئ بهم في الماضي، وإنّما يفيد أنّه سبحانه شأنه مع هؤلاء هو الاستهزاء بهم.

أي: أنّه سبحانه يجازيهم جزاء الاستهزاء؛ لأنّه سبحانه لا يستهزئ حقيقة, وذلك لأجل نفاقهم واستهزائهم برسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وهكذا الحال في المقام؛ فإنّه تعالى شأنه في مقام تنزيه أهل بيت النبوّة(عليهم السلام) عن الرجس, فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ناظر إلى أنّه عزّ وجلّ إنّما يتّصف بإرادة تنزيه أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الرجس, ويستمرّ في هذا الاتّصاف, ولا نظر للكلام إلى أنّه يتّصف بها في الحال, ولم يتّصف بها من قبل, بل تبيين ضمير المخاطب بقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ تنبيه على أنّه تعالى إنّما يريد إذهاب الرجس عنهم من جهة أنّهم (أهل البيت)، وهذه الخصوصية ثابتة لهم في الماضي والحال والاستقبال, فلا مجال حينئذ للتفكيك بين الأزمنة, وتعلّق الإرادة بالتنزيه في الحال دون الماضي..

____________

1- البقرة (٢): ١٥.


الصفحة 199

وأيضاً قد أجمع المسلمون سُنّة وشيعة، وكما دلّت عليه بعض الروايات على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) داخل ومشمول في مدلول آية التطهير, وهو لا يُتصوّر في حقّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وجود الرجس قبل نزول الآية ــ نعوذ بالله ــ وأنّ الله أذهبه عنه بعد ذلك, وكذلك لا يُتصوّر هذا المعنى في حقّ الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) اللذين كانا صغيرين حين نزول الآية؛ إذ كيف يُتصوّر وجود الرجس في حقّهما حتّى يتم إذهابه؟!

فإذهاب الرجس والتطهير الوارد في الآية إنّما هو على سبيل الدفع لا الرفع؛ إذ تارة يستعمل الإذهاب ويراد به: إزالة ما هو موجود, وأُخرى يستعمل ويراد به: المنع من طريان أمر على محلّ قابل له, كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ(1)؛ فإنّ يوسف(عليه السلام) لم يقع في الفحشاء قطعاً حتّى يصرفها الله عنه بمعنى رفعها, وإنّما هو على سبيل الدفع لا الرفع.

وأيضاً حين تقول في الدعاء لغيرك: (صرف الله عنك كلّ سوء، وأذهب الله عنك كلّ محذور)، فإنّك قد تخاطب بقولك هذا من لا يكون شيء من ذلك متحقّقاً فيه، ولا حاصلاً له أثناء خطابك له, وإنّما الخطاب يجري على سبيل الدفع لا الرفع.

تعليق:

« عبد الرحيم ــ إسبانيا ــ مستبصر »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ آية التطهير لم تخبر بعصمة آل البيت(عليهم السلام) الذاتية فهي ثابتة لهم قبل

____________

1- يوسف (١٢): ٢٤.


الصفحة 200

نزول الآية, وإنّما جاءت لتطهّر تشريعياً المحيط الذي يعيش فيه أهل البيت(عليهم السلام) كرامة للعصمة الذاتية التي خصّهم الله بها، ولذلك فهي جاءت في سياق الأوامر الموجّهة لنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

أي: إنّ الغاية من الأوامر المشدّدة لنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومضاعفة الثواب للمحسنة منهنّ وضعف العذاب لمن أساءت منهنّ, هي: إبعاد الرجس عن بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، باعتبار أنّ من تعمل الرجس من نسائه فقد ارتكبت الإثم والإساءة لآل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت واحد, فتعاقب على الإثم وعلى الإساءة. ولذلك فالإرادة هنا تشريعية، أي: أنّ هذه الآية لا تعصم من وجّهت إليهنّ الأوامر المشدّدة من المعصية.

أمّا إذا أردنا إثبات العصمة لآل البيت(عليهم السلام) ، فيكفي أنّا نصلّي عليهم في صلاتنا (...كما صلّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد)؛ فلأنّه تعالى حميد مجيد، فقد صلّى وبارك على آل محمّد وعلى آل إبراهيم في العالمين، أي: عالم الدنيا والآخرة، كما أخبر الله تعالى، فقال له الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ(1)، فهم عباد الله المخلصون (بفتح اللام).

ألم تقرأ قوله تعالى عن يوسف ﴿(عليه السلام) كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(2) (بالفتح)، ولم يقل سبحانه: كذلك لنصرفه عن السوء والفحشاء؛ أنّ يوسف(عليه السلام) صامد على عبوديّته لله، والسوء والفحشاء هم الذين يقتربون منه, فتدخّل الله ليصرف عنه ما اقترب منه بمعجزة فتح الباب الذي

____________

1- الحِجر (١٥): ٤٢.

2- يوسف (١٢): ٢٤.


الصفحة 201

أغلقته امرأة العزيز, كذلك: ليذهب عنكم أهل البيت ما قد يلحقكم من أذى في حال عصيان نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لله ولرسوله, وليس: ليذهبكم عن الرجس، فهم صامدون على عبوديّتهم لله تعالى.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ الظاهر من كلامك الأوّل حدوث خلط بين الإنشاء والإخبار؟ فإنّ الإنشاء هو: جعل حكم لشيء، والإخبار هو: الإخبار عن شيء واقع سابقاً على ما هو عليه. ولذا فالآية هنا إخبار عن وجود العصمة لأهل البيت(عليهم السلام) واستمرارها، وكلامك: (لم تخبر بعصمة آل البيت(عليهم السلام) الذاتية فهي ثابتة لهم قبل نزول الآية) وَهم!

وأمّا استدلالنا بالآية على عصمتهم(عليهم السلام) فهو في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت ــ أي: الواقع ــ فإنّ العصمة ثابتة لهم في جميع الأزمنة، ولكن نحن نستدلّ لإثبات وجودها بهذه الآية.

٢ــ إنّ متعلّق الإذهاب هم أهل البيت(عليهم السلام) في الآية لا نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى يصحّ ما قلته: (إنّما جاءت لتطهّر تشريعياً)! فإنّ الكلام عن الآية بالذات هل هي تشريعية أو تكوينية؟ فلا تخلط بها الآيات التي سبقتها!

نعم، المجيء بها في هذا الموضع فيه إشارة للنساء بفضيلة هذا البيت، وما يتوجّب عليهنّ نحوه، كما أشرت أنت.

نعم، حثّ النساء في الآيات الخاصّة بهنّ تشريع لهنّ، لكنّه لا يتعارض مع الإرادة التكوينية الخاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) في الآية حتّى تنقلب الإرادة تشريعية.

٣ــ أمّا اعتبار الإرادة الواردة في الآية الكريمة تشريعية، فيرد عليه محذور أنّ الحصر في غير محلّه، فالتشريع بطلب التطهّر ــ لو حملنا الإرادة في الآية على


الصفحة 202

التشريع دون جعل العصمة ــ لا وجه في اختصاصه بأهل البيت(عليهم السلام) دون غيرهم؛ إذ ما وجه التشريع بطلب التطهّر من الذنوب وعمل المعاصي من جماعة دون جماعة؟! وروح الشريعة من هذه الناحية واحدة؛ إذ المطلوب من الجميع أن يكونوا منزّهين عن ارتكاب الذنوب واجتراح المعاصي..

فلا محيص من حمل الآية على الإرادة التكوينية، والتي يستفاد منها جعل العصمة لأهل البيت(عليهم السلام) ، وهذا هو الذي فهمه المفسّرون من الآية الكريمة:

قال الطبري في تفسيره: (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ(1)، يقول: إنّما يريد الله أن يذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويطهّركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيراً..

ثمّ قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.. حدّثنا بشر، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سعيد بن قتادة، قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ، فهم أهل بيت طهّرهم الله من السوء، وخصّهم برحمة منه.. وروى أيضاً عن ابن زيد قوله: الرجس ها هنا: الشيطان)(2).

وقال ابن عطية الأندلسي (المتوفى٤٥٦هـ) في (المحرّر الوجيز): (والرجس: اسم يقع على الإثم والعذاب، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت(عليهم السلام) )(3).

٤ــ دعوى أنّ الآية نزلت بحقّ نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، يخالفه ظهور الخطاب في ميم الجمع الذي يخاطب به الأعمّ من الذكور والإناث. ولو سلّمنا دخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الخطاب، لا يستقيم عندها قولكم: إنّ العصمة الذاتية ثابتة لأهل البيت(عليهم السلام)

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

2- انظر: جامع البيان ٢٢: ٩ قوله تعالى: ((وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ)).

3- المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤: ٣٨٤ الآية (٣٣) من سورة الأحزاب.


الصفحة 203

(محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين)؛ إذ ما فائدة خطاب المعصوم بتشريع يطالبه بالاجتناب عن الذنوب، أليس هذا تحصيل للحاصل، وهو محال؟!

(الإرادة الإلهية بإذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام) خاصّة)

« مهدي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

إذا قال شخص: إنّ (إنّما) تحصر ــ فقط سبب الإرادة ــ في إذهاب الرجس، بحيث يكون معنى الآية: إنّ سبب إرادة الله هو لمنفعة الناس لا لمنفعته هو عزّ وجلّ..

لا أنّ (إنّما) ــ أيضاً تحصرــ المخاطبين بآل البيت فقط.. ممّا يجعل الإرادة لهم ولعامة الناس، فيجعل المراد بها: الإرادة التشريعية!

فما هو الرد؟

وإذا قال: إنّ هناك أحكاماً خاصّة لبعض الناس دون بعض، مثل زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيحرم عليهنّ الزواج بأيّ رجل بعد زوجهنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) , بينما لا يحرم ذلك على باقي النساء.. ممّا يبطل قولنا: إنّ التشريع لا يمكن أن يكون خاصاً!

فما هو الرد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا الإشكال طرح من قبل الفخر الرازي في تفسيره ولكن ليس بهذا الشكل؛ فقد قال: (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ


الصفحة 204

تَطْهِيراً(1)، يعني ليس المنتفع بتكليفكنّ هو الله، ولا تنفعن الله في ما تأتين به، وإنّما نفعه لكُنّ، وأمره تعالى إياكنّ لمصلحتكنّ)(2).

فهو كأنّما قد خصّ الآية بنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فجعلها تعليلاً لما جاء من أوامر ونواهٍ سابقة عليها تخص النساء، وهذا فيه ما فيه، أقلّه عدم تفسير إبدال الضمير في (عنكم) من التأنيث إلى التذكير؛ فإنّ الآية لا يمكن أن تختص بالنساء فقط لمكان (عنكم)، فلا بدّ أن يكون الخطاب في الآية لهنّ ولغيرهنّ، أو لغيرهنّ خاصّة.

فإذا قلنا: إنّ المراد بإذهاب الرجس مجرد التقوى والالتزام بالأوامر الإلهية واجتناب النواهي، وإنّ المعنى هو كما ذكره الرازي: بأنّ الله لا ينتفع من توجيهه هذه التكاليف لكُنّ، وإنّما نفعه عائد إليكنّ، سوف لا يتّفق ولا يتلاءم مع المعنيين اللذين فرضناهما لأهل البيت؛ إذ أنّه يعمّ جميع المسلمين كما لا يخفى، فإنّ الله يريد منهم بالأوامر والنواهي منفعتهم لا منفعته، ولا يبقى معنى للاختصاص بأهل البيت بكلمة ﴿إِنَّمَا في الآية، فلم يبق إلّا أن نقول: إنّ المراد بإذهاب الرجس هو: العصمة، ولا يكون المراد بأهل البيت سوى: غير النساء؛ لأنّهنّ غير معصومات بالاتّفاق؛ فيثبت المطلوب.

ثمّ إنّ هذا المستشكل لمّا رأى أدلّة الشيعة على عدم نزول الآية في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأدلّتهم على كون الإرادة في الآية تكوينية لا تشريعية؛ لظهور ﴿إِنَّمَا في الاختصاص، حاول تطوير استدلال الفخر الرازي وطرحه بأسلوب آخر على أنّه إشكال جديد، وذلك بإبدال كون المنفعة في كلام الرازي من كونها راجعة

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

2- التفسير الكبير ٢٥: ٢٠٩ قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)).


الصفحة 205
إلى النساء وجعلها راجعة إلى عموم المسلمين، ونسي أنّ الأساس في قول الرازي هو بناؤه على أنّ الإرادة في الآية تشريعية لا تكوينية، وبالتالي الاضطرار لجعل مصب الآية التعليل لا التأسيس.

وعلى كلّ نقول:

أوّلاً: إنّ الآية تصدرت بـ﴿إِنَّمَا، وهي ــ كما نقل أهل اللغة ــ من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية، وتفيد إثبات ما بعدها ونفي ما عداه، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّما يدافع عن أحسابهم أنا ومثلي)، والمعنى ما يدافع عن أحسابهم إلّا أنا أو مثلي(1).

فيكون معنى الآية: ما يريد الله إذهاب الرجس إلّا عنكم أهل البيت. فعليه يكون في الآية قصران: حصر الإرادة الإلهية بإذهاب الرجس، وقصرها على أهل البيت(عليهم السلام) خاصّة.

فما قاله المستشكل: أنّها تحصر سبب الإرادة فقط، وهو كونها لمنفعة الناس، غير صحيح؛ لأنّ في الآية قصران لا قصر واحد. وهو خلاف الظاهر جدّاً.

ثانياً: إنّ من قال ــ الفخر الرازي ــ بأنّ الآية تعليلية، أُلزم بذلك، بعد أن بنى على أنّها نازلة في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط؛ لورود الخطاب لهنّ في الآيات السابقة، ولا نعلم من أين جاء ذكر الناس كلّهم في الآيات حتّى يدّعي هذا المدّعي حصر الإرادة بالتبع لهم؟!

فهذا أجنبي وبعيد عن مراد الآية، والآيات الأُخرى أيضاً، ولا دخل للناس أو المسلمين بها، وإنّما الأمر يدور على أقصى الاحتمال في تفسير أهل البيت بين نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع آخرين، وبين الآخرين فقط دون النساء.

____________

1- لسان العرب ١٣: ٣١ مادّة (أنن).


الصفحة 206

ثالثاً: إذا كانت إرادته تعالى لمنفعة الناس، فلماذا حصر إرادة التطهير بأهل البيت(عليهم السلام) فقط، بإيراد ﴿إِنَّمَا في أوّل الآية؟!

ونحن نعلم بشكل كلّي أنّ لا نفع ولا فائدة ترفع لله سبحانه وتعالى من خلق الكون وعالم الممكنات كلّه، لا فقط إرادة التطهير وإذهاب الرجس، سواء قلنا أنّها عامّة لكلّ الناس أم خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) ؛ لأنّه لا يطلب النفع إلّا من فيه جهة من جهات النقص يريد إكمالها، ونعوذ بالله جلّ جلاله من نسبة ذلك لله تعالى.

رابعاً: نحن لا ننكر أنّ هناك أحكاماً خاصّة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن نقول:

إنّ إرادة الله التشريعية بالتطهير عامّة لكلّ المسلمين بلا جدال، فلا وجه لتخصيصها وحصرها هنا بأهل البيت(عليهم السلام) ، إلّا إذا كان للإرادة معنى آخر هو: الإرادة التكوينية، التي لا يتخلّف المراد منها.

ثمّ إنّ هناك طريقاً آخر لا مجال للتفصيل فيه هنا، ولكن لا بأس بالإشارة إليه، وهو: لو سلّمنا أنّ هذه الإرادة خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) وأنّها من التكاليف الخاصّة، فما هو السبب لهذا الاختصاص؟ إذ لا بدّ من ميزة لهم في ذلك. والتأمّل في هذه الميزة يقرّب لك قولنا.

(إنّما) جاءت للحصر لا للتعليل)

« م / ضياء ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

سؤال حول إشكال على آية التطهير، أشكل به علينا أحد العلماء من أهل السُنّة، وحاصله: أنّه ما المانع من حمل كلمة (إنّما) الواردة في آية التطهير على


الصفحة 207

التعليل لا على الحصر، وذلك نحو قولك: (كُل يا ولدي، إنّما أريد أن تقوى وتصحّ)، بمعنى: آمرك بالأكل لأنّي أريدك أن تقوى وتصحّ.

فما المانع من أنّ (إنّما) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(1)، هي لا للحصر، كما ندّعي نحن الشيعة، بل للتعليل..

وذلك لأنّ (إنّما) إذا كانت للتعليل هنا بطل استدلالنا بها على حصر التطهير بأهل البيت، وتعيّن إدخال نساء النبيّ معهم، وبذلك يبطل كون الإرادة الواردة في الآية تكوينية،ويتم الجمع بين السياق وبين الروايات التي فسّرت أهل البيت بأصحاب الكساء، وذلك لأنّ الأصل في الكلام هو جمع القرائن الداخلية والخارجية مع السياق، لأنّ الجمع مع التمكّن أولى من العدول عن السياق، فإن تعذّر الجمع قدّمنا القرائن على دلالة السياق.

وجزاكم الله خيراً..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يمكن حمل (إنّما) على التعليل؛ لما نصّ عليه علماء اللغة من كونها أوضح أدوات الحصر.

نعم، أقصى ما يمكن أن يدّعى: أنّها تحصر العلّة، كما في المثال الذي ذكره المستشكل: (كُل يا ولدي إنّما أريد أن تقوى وتصحّ)، فمن الواضح أنّ (إنّما) جاءت هنا أيضاً للحصر ولكن لحصر العلّة وسبب الأمر بالأكل، فحصرت الإرادة بالقوّة والصحّة.

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 208

ولو قال: (إنّما أريد يا ولدي أن تقوى وتصحّ)، لأصبح في قوله قصران: قصر الإرادة بالقوّة والصحّة، وحصرها بولده.. وهذا هو الذي جاء في آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فإنّ فيها قصرين: قصر الإرادة، وأنّها خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام).

هذا، ولا دخل لمعنى (إنّما) بمفردها في تعيّن المراد من أهل البيت، وإنّما لها دخل في تعيين المراد من الإرادة، وأنّها التكوينية، سواء قلنا: بأنّ معنى (إنّما) للحصر أو لحصر العلّة، وسواء قلنا: إنّ أهل البيت يشمل النساء أو لا؛ لأنّ الحصر عموماً لا يتوافق مع التشريع العام..

إذ يأتي السؤال: بأنّ إرادة التطهير التشريعية شاملة لكلّ الناس، فلما خصّت هذه الإرادة هنا بـ (أهل البيت)، حتّى لو شمل النساء؟

ولكن لا يخفى أنّ هذا كلّه فيما لو ثبتت وحدة السياق، وهي لا تثبت قطعاً؛ إذ من الواضح أنّ الروايات الصحيحة المستفيضة في سبب النزول تنص على أنّ هذا المقطع من الآية نزل وحده، إضافة إلى دلالة الآية على العصمة المخرجة للنساء.

(الفرق في معنى (التطهير) في الآية عن معناه في بقية الآيات)

« حسين حبيب عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

سؤالي يدور حول آية التطهير، فأبناء السُنّة يقولون: إنّ الآية كانت عادية، فلم ترفع أهل البيت إلى مستوى العصمة، واستدلّوا بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم


الصفحة 209

مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ(1)، ويقولون: إنّ التطهير كان في هذه الآية للمؤمنين، كما سبق في آية التطهير، فما الفرق بين الآيتان؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ التطهير في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وكذا في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ(2)، يختلف عنه في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(3)..

لأنّه هناك عامّ لجميع المسلمين، والمقصود منه فيهما: رفع الحدث، سواء بالوضوء، كما في آية المائدة، أو بالغسل من الجنابة، كما في آية الأنفال.

أمّا آية التطهير ففيها خصوصيات كثيرة، تجعلها لا تشابه أيّة آية أُخرى في ذكر التطهير، منها:

١ــ أداة الحصر ﴿إِنَّمَا؛ فهي تدلّ على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير.

٢ـ كلمة ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ، سواء كان لمجرّد الاختصاص، أو مدحاً، أو نداءً؛ فهو يدلّ على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير بالمخاطبين بقوله: ﴿عَنكُمُ.

ففي الآية في الحقيقة قصران: قصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت(عليهم السلام).

____________

1- الأنفال (٨): ١١.

2- المائدة (٥): ٦.

3- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 210

٣ــ قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً يدلّ على العصمة؛ لأنّ المراد بالتطهير المؤكّد بمصدر فعله، هو: إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أنّ ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ، فتطهيرهم هو: تجهيزهم بإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل، ويكون المراد بالإرادة أيضاً غير الإرادة التشريعية.

٤ــ اللام في كلمة ﴿الرِّجْسَ لام الجنس، والمراد من الرجس: كلّ ما يشين، كما ذُكر في كتب اللغة.

فالآيات الأُخرى من القرآن تتكلّم عن التطهير من النجاسات المادّية أو المعنوية، كالغسل والوضوء، أمّا في هذه الآية، فالطهارة هنا أعمّ وأشمل من كلّ نجاسة وقذر ومعصية وشرك وعذاب، فهي تتكلّم عن أعلى مراتب الطهارة لا مرتبة بسيطة من مراتب الطهارة، كما في الآيات الأُخريات.

وبالتالي فآية التطهير تدلّ على الطهارة بأعلى درجاتها، وهي ما نسمّيه بـ(العصمة)، وأمّا ما سواها من الآيات التي تذكر تطهير المؤمنين فلا ترتقي قطعاً لهذه الآية ولا تشابهها، وإنّما تدلّ على طهارة مادّية أو معنوية، كالوضوء والتيمّم والغسل وما شابه.

وأدلّ دليل على مدّعانا: ما رواه العامّة والخاصّة في الصحاح ــ كمسلم وغيره ــ من تطبيق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهذه الآية بدقّة عالية، من جمع أهل البيت(عليهم السلام) المخصوصين بالعصمة معه، ووضعه الكساء عليهم، وعدم إدخال أحد معهم، حتّى أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة رفض إدخالها، مع مكانتها وتقواها، وبيّن اختصاص أهل البيت(عليهم السلام) بهذه الآية، مع طلبها الشديد، وأخذها الكساء، فهي تخبرنا بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جذب منها الكساء، وقال لها: (ابق إلى مكانك إنّك إلى خير)، وفي رواية: (أنت من أزواج النبيّ)، مع ما يحمله النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) من خُلق عظيم،


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية