المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240)

وعدم ردّ طلب أيّ أحد، ناهيك عن نسائه، بل أعزّ واتقى نسائه في زمانها ـ أي: بعد خديجة ـ ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع.

ثمّ إخراج يده الشريفة من الكساء ورفعها إلى السماء، ودعا ربّ السماء بأنّ: هؤلاء هم أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً؛ فأين هذه الآية من تلك؟!

(معنى الرجس في الآية)

« عبد الله ــ أمريكا »

السؤال:

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، هل هذا الرجس معنوي أم مادّي، أم كلاهما؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الرِجْس ــ بالكسر فالسكون ــ صفة من: الرجاسة, وهي القذارة, والقذارة: هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها, وتكون بحسب ظاهر الشيء، كرجاسة الخنزير؛ قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ(2).

وبحسب باطنه: وهو الرجاسة والقذارة المعنوية, كالشرك والكفر وأثر

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

2- الأنعام (٦): ١٤٥.


الصفحة 212

العمل السيئ, قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(1)، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ(2).

وأيّاً ما كان؛ فهو: إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيئ، وإذهاب الرجس ـــ واللام فيه للجنس ــ إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تخطئ حقّ الاعتقاد والعمل، فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيئ العمل(3).

فالقرآن إذاً يستخدم الرجس في الدلالة على القذارة المادّية, كما يستعملها في الأمور المعنوية أيضاً؛ فلحم الخنزير هو من مصاديق الرجاسة المادّية, والكفر من المصاديق المعنوية، أي: من مصاديق الرجس والقذارة الباطنية.

ومن الجدير بالذكر أنّ قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ عامٌ شامل في إذهاب الرجس, وذلك لما تفيده (أل) في الرجس من العموم والشمولية؛ إذ هي إمّا أن تكون للجنس، أو للاستغراق.

ولم يتقدّم ذكر أو إشارة إلى الرجس في الآيات السابقة حتّى تكون (أل) حينئذ عهدية, وهذه الشمولية تعني نفي الرجس عن هؤلاء البررة نفياً عامّاً شاملا ً لجميع مستويات الرجس, فكلّ رجس وكلّ قذارة قد أذهبها الله تعالى عن

____________

1- التوبة (٩): ١٢٥.

2- الأنعام (٦): ١٢٥.

3- انظر: تفسير الميزان، للطباطبائي ١٦: ٣١٢ قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ)).


الصفحة 213

هؤلاء البررة، وهو معنى: العصمة.

(دلالة آية التطهير على عصمة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) )

« أبو جعفر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

كيف نثبت عصمة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من خلال آية التطهير، مع العلم أنّها نزلت بأصحاب الكساء الخمسة ولم تشمل باقي الأئمّة(عليهم السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: يمكن بيان قاعدة أُصولية يذكرها علماء الأُصول في كتبهم، والمفسّرون في تفاسيرهم، وهي: (إنّ المورد لا يخصّص الوارد), أو: (إنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب), بمعنى أنّ المورد الذي تنزل فيه آية ما فيها حكم معيّن، أو إخبار عن قضية ما، أو قاعدة كلّية، لا يمنعها ــ أي المورد ــ عن العموم أو الشمول لما يمكن أن يدخل تحت عنوانها العام، وإن لم يكن حاضراً ساعة نزول النص, وإلّا لاقتصرت الأحكام الشرعية، أو الأخبار العامّة، أو القواعد الكلّية، الواردة في آيات القرآن على خصوص المخاطبين بها، وهذا ممّا لا يمكن المصير إليه.

ثانياً: نقول: إنّ عنوان (أهل البيت) شامل، حسب أدلّة خارجية متضافرة لباقي الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، الوارد عددهم في الحديث المشهور عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (لا يزال هذا الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش)(1).

____________

1- صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة، باب (الناس تبع لقريش والخلافة في قريش).


الصفحة 214

ومن تلك الأدلّة: حديث الثقلين المتواتر المشهور؛ حيث نجد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر بشكل واضح أنّ التلازم بين القرآن والعترة (أهل البيت) متواصل إلى يوم القيامة, الأمر الذي يعني وجود أئمّة غير الخمسة أصحاب الكساء هم من أهل البيت, وداخلون في عنوان أهل البيت المشار إليه في آية التطهير؛ فقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين: (إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي, فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)(1).

وأيضاً قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : (من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي, ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً من بعدي, وليوال وليه, وليقتدِ بالأئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي, خلقوا من طينتي, رزقوا فهمي وعلمي, فويل للمكذبين بفضلهم من أمّتي, القاطعين فيهم صلتي, لا أنالهم الله شفاعتي)(2).

وأيضاً ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (في كلّ خلوف من أُمّتي عدول من أهل بيتي, ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين, ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ, فانظروا بمن تفدون)(3).

ثالثاً: على أنّا لا نحتاج في تشخيص بقية المعصومين إلى أكثر من معصوم واحد يكون لنا المرجع في تعيين غيره؛ لأنّ عصمته تعيّن تنزّهه عن المناحي

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٠٩ (وصيّة النبيّ في كتاب الله وعترة رسوله).

2- كنز العمال، للمتّقي الهندي ١٢: ١٠٣ الباب الخامس (في فضل أهل البيت، الفصل الأوّل).

3- ذخائر العقبى، للطبري: ١٧ (ذكر إخباره(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهم سيلقون بعده أثرة).


الصفحة 215

العاطفية, أو الخطأ في التطبيق، كما هو واضح, ويكفينا من آية التطهير إثبات عصمة الخمسة، الذين ضمّهم كساء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالفعل, وهم بدورهم يعينون لنا المعصومين من بعدهم.

وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد جاءت مئات النصوص عن المعصومين بعضهم عن بعض في تعيين الإمام السابق للإمام اللاحق من بعده, وهنالك أحاديث نبوية ذكرها علماء العامّة في كتبهم، كـ(ينابيع المودّة), و(تذكرة الخواص)، بالإضافة إلى المجاميع الحديثية عند الشيعة الإمامية، التي ذكرت هذا الأمر بكلّ وضوح, وعلى سبيل المثال يمكن مراجعة كتاب (الإرشاد) للشيخ المفيد، و(إعلام الورى) للطبرسي، لتطّلع على جملة من هذه الأحاديث.

(هل يدخل في الآية الأئمّة التسعة من ولد الحسين(عليه السلام)؟ وهل حديث الكساء يخرجهم؟)

«الفقير الإماراتي ــ الإمارات ــ إمامي »

كيف حالكم سادتي، أتمنّى أن تصل رسالتي وأنتم بأفضل حال، بارك الله فيكم ووفّقكم.

هذه مجموعة مداخلات متفرّقة جرت بين طرفين، أتمنى الجواب عليها أساس هذه الشروط:

الاستدلال يكون من الكتاب والسُنّة الصحيحة، ولا فرق إن كانت صحيحة عند أهل السُنّة أو الشيعة، وأن لا تخرج عن الموضوع، بحيث أن تناقش آية آية، ودليل دليل، وحديث حديث، حتّى لا يتشتّت الموضوع ونستفيد منه بإذن الله، هذه هي الشروط.


الصفحة 216

وهي كالآتي:

ــ مداخلة:

البحث في آية التطهير من أهم البحوث؛ حيث أشبع المحقّقون والباحثون من الشيعة والسُنّة البحث فيها، ومنهم من ألّف كتباً في هذا الموضوع، ولكن موضوعي الذي سأطرحه يختلف نوعاً ما، وهو بعنوان آخر:

ما هو الدليل على دخول التسعة من أولاد الحسين(رضي الله عنهم) في آية التطهير؟ أو ما هو الدليل على دخولهم في مصطلح أهل البيت المطهّرين؟

أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، عن أُمّ سلمة، قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، قالت: فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: (هؤلاء أهل بيتي).

قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري(1).

وقال أيضاً السيوطي في الدرّ المنثور: وأخرج أيضاً الترمذي وصحّحه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصحّحه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أُمّ سلمة(رضي الله عنها)، قالت: في بيتي نزلت الآية... وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين فجلّلهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكساء كان عليه ثمّ قال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)(2).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٦.

2- الدرّ المنثور ٦: ٦٠٤.


الصفحة 217

وقال أيضاً الآبي في شرحه لصحيح مسلم، المسمّى: إكمال إكمال المعلم(1) ما نصّه: الآية تدلّ على أنّ المراد بأهل البيت: هؤلاء المعظّمون... إلى أن يقول: وقال الجمهور: والمراد: من أدخلهم معه المرط لا غير؛ لأحاديث وردت...

وعلى هذا فإنّي عندما قلت: إنّ كثيراً من علماء أهل السُنّة قالوا بأنّ الآية نزلت في الخمسة، هو قول الآبي في كتابه إكمال إكمال المعلم.

فلنذهب الآن إلى كتب الشيعة ونقوم بإخراج حديث الكساء، منها:

روى الكليني في الكافي بسند صحيح في باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحد، ما نصّه: عن أبي عبد الله(عليه السلام) ــ والحديث طويل إلى أن يقول ــ: لكن الله عزّ وجلّ أنزل في كتابه تصديقاً لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الآية... فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة، ثمّ قال: (اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي)(2).

والآن بعد أن أخرجنا حديث الكساء من كتب السُنّة والشيعة بأسانيد صحيحة، نستنتج ما يلي:

١ــ إنّ آية التطهير نزلت في الخمس فقط.

٢ــ إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام جلّلهم بالكساء، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)، وأخرج أُمّ سلمة من الكساء(رضي الله عنها).

٣ــ إنّ أبا عبد الله(رضي الله عنه) أخرج التسعة من مصطلح أهل البيت، وبيّن أنّ الآية نزلت في الخمسة فقط، وأنّها لا تخصّ التسعة من أولاد الحسين(رضي الله عنهم).

____________

1- إكمال إكمال المعلم ٨: ٢٧٧.

2- مرآة العقول، للمجلسي ٣: ٢١٣.


الصفحة 218

إذاً نستنتج أنّ الرسول أراد أن يبيّن للأُمّة من هم أهل البيت المطهّرين، أراد أن يجعل في اعتقاد كلّ صحابي وكلّ مسلم أنّ هؤلاء هم أهل البيت فقط، أراد أن يحصر مصطلح أهل البيت المطهّرين الشرعي في أهل الكساء؛ لأنّه خاص بهم، أراد أن يوضّح للأُمّة أنّه عندما يقول: أهل البيت، فالمراد بهم هم الخمسة، لا غيرهم.

وسؤالي هو: ما هو الدليل على دخول التسعة في مصطلح أهل البيت؟ وما هو الدليل الذي جعلهم من أهل البيت المطهّرين؟ وإذا كانوا من أهل البيت المطهّرين، لماذا لم يقل الرسول في حديث الكساء: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ومعهم تسعة من أولاد الحسين؟!!

ولماذا أخرج الإمام جعفر الصادق التسعة من الآية ومن مصطلح أهل البيت المطهّرين؟

والمراد من سؤالي هذا: أنّه لا دليل على دخول التسعة في مصطلح أهل البيت؛ لأنّه خاص بالخمسة فقط.

ــ وهذه فقرات من مداخلة أُخرى:

والردّ على هذه الشبهات: ...

ثانياً: إذاً ولله الحمد إنّنا متّفقون على أنّ مصطلح أهل البيت خاص بالخمسة، بدليل حديث الكساء وتجليل الرسول عليه الصلاة والسلام لهم، وهذا طبعاً هو قول جميع علماء الشيعة وجمهور أهل السُنّة، كما نقلت أنا وكما نقلت أنت مشكوراً.

ثالثاً: أراك شيخنا أدخلت التسعة في مصطلح أهل البيت المطهّرين، وكان دليلك فقط حديث الثقلين، إذاً استنتج أنّ دليلك في دخول التسعة (رضي الله عنهم) هو


الصفحة 219

حديث الثقلين الصحيح الذي أجمع الشيعة على صحّته وجلّ علماء السُنّة على صحته، ولنا بإذن الله وقفات مع دليلك شيخنا، وهي كالآتي:

١ــ كان اعتمادك على دخول التسعة في أهل البيت هو لفظة: (وعترتي أهل بيتي)، وللعلم! إنّ الحديث الصحيح في مسلم، المقدّم على باقي الأحاديث، كان به لفظة: (أهل البيت) من غير العترة، فهذا دليل على أنّ المراد بأهل البيت هم: الخمسة الذين خصّص لهم الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المصطلح دون غيرهم، سواء كانوا في زمانهم أم في غير زمانهم، ومع هذا حتّى لو تواترت لفظة: (وعترتي أهل بيتي)، إذاً نطمئن أنّ لفظة العترة المراد منها: الخمسة فقط، وهذا معلوم عند أهل اللغة؛ حيث إنّ العترة لا تخص فقط الأبناء وإنّما أيضاً تخص الأقرباء، فيدخل معهم الإمام عليّ(رضي الله عنه)، ونحصر فقط الإمام عليّ دون غيره بلفظة: (أهل البيت) بدليل حديث الكساء، إذاً كلامك يقوّي كلامي شيخنا العزيز.

٢ــ قولك: (إنّه لو كانوا موجودين (التسعة) في زمان الرسول لأدخلهم الرسول مع الخمسة) يحتاج إلى دليل قوي، فهذا ــ شيخنا العزيز ــ قول مردود بالأدلّة القوية؛ حيث إنّ الكلّ متّفق على أنّ الرسول أخبر ببعض الأمور الغيبية عن طريق إخبار الله سبحانه وتعالى له، فلو كان الرسول يريد التسعة من أولاد الحسين لأخبر عن طريق الغيب، وقال أيضاً: تسعة من أولاد الحسين، لا أن يحصر الرسول مصطلح (أهل البيت) في الخمسة فقط، حيث إنّه لو جاء شخص وادّعى أنّه من أهل البيت المراد بهم بالمصطلح الشرعي الذي خصّصه الرسول، لقلنا له: غير صحيح؛ لأنّ الرسول حصر هذا المصطلح بالخمسة فقط دون غيرهم.


الصفحة 220

٣ــ شيخنا الكريم؛ إنّ ابن حجر لم ينفرد بهذا الكلام، فقد قال السمهودي والمناوي نفس كلامه تقريباً مع اختلاف الألفاظ وتوافق المعنى، وكان اعتمادهم على هذا الكلام هو لفظة: (ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)، فهذه اللفظة فيها نظر؛ لأنّه لا دليل فيها على وجود رجل من أهل البيت في كلّ زمان ومكان ومتأهل منهم لحفظ السُنّة، فالمراد من لفظة: (لن يفترقا) هو: أنّ تراث وسُنّة أهل البيت(عليهم السلام) التي ينقلونها عن الرسول موجودة ومحفوظة في كلّ زمان، كما أنّ القرآن محفوظ وموجود في كلّ زمان، لا أنّه هناك رجلاً منهم في كلّ زمان ومكان!

وبمعنى آخر: بما أنّ القرآن موجود، إذاً سُنّة أهل البيت موجودة، وبما أنّ القرآن موجود، إذاً أحاديث أهل البيت موجودة، وبما أنّ القرآن موجود، إذاً عقيدة أهل البيت موجودة، وبما أنّ القرآن موجود، إذاً فقه أهل البيت موجود، وبما أنّ القرآن موجود إذاً أخلاق أهل البيت موجودة، فهذا هو المعنى لهذا الحديث، وإذاً هذا الحديث يقوّي قولي: إنّ مصطلح (أهل البيت) خاص بالخمسة دون غيرهم من أقرباء الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن أهل بيته الكرام.

٤ــ أمّا تعليقك شيخي الكريم على كلامي، عندما نقلت قول الإمام جعفر الصادق(رضي الله عنه)، فإنّ كلامي صحيح.

وأمّا قولك: إنّ الإمام الصادق كان بصدد تبيين حادثة الكساء، فصحيح، فبهذا أيضاً يتقوّى قولي؛ لأنّ الإمام الصادق لم يقل: ونحن معهم، بل خصّص هذا المفهوم للخمسة فقط دون غيرهم، بل في قوله تصريح واضح وجليّ على أنّ مصطلح (أهل البيت) خاص بالخمسة دون غيرهم.


الصفحة 221

الخلاصة: نقول: إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يبيّن للجميع من الصحابة والمسلمين مصطلح (أهل البيت) عن طريق تجليل الخمسة بالكساء، وهذا والله فعل لا يفعله إلّا رجل عظيم ورجل كبير ورجل مسدد من قبل الله، حيث إنّه بيّن لنا من هم آل البيت، من هم عترته، من هم المراد بهم بحديث الثقلين.

فعندما يأتي أحد من السُنّة ويقول: إنّ النساء معهم أيضاً، نقول له: قف لو سمحت، إنّ الرسول حصر هذا المصطلح بالخمسة فقط دون غيرهم، وإدخال النساء معهم يحتاج إلى دليل قوي لإدخالهم.

وإذا جاء أحد من الشيعة وقال: إنّ التسعة أيضاً من أهل البيت المطهّرين، نقول له: قف لو سمحت، فأنت تحتاج إلى دليل قوي لإدخالهم؛ فإنّ الرسول بيّن من هم أهل البيت، بدليل حديث الكساء، ولو أراد أن يدخل الرسول معهم التسعة لقال أيضاً: وتسعة من أولاد الحسين. فلله درّك يا رسول الله، ولله درّك

يا حبيب الله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك الكرام.

ــ وهذه أيضاً فقرات من مداخلة أُخرى:

الوجه الأوّل: قولك: أنّي زعمت أنّ حديث الثقلين الذي في مسلم مقدّم على باقي الأحاديث!!

فأقول: نعم، إنّه مقدّم؛ لأنّ صحيح مسلم ثاني أصحّ الكتب عند أهل السُنّة بعد البخاري، ولكن هناك من أهل العلم من فضّله على صحيح البخاري، فرحم الله الإمام البخاري والإمام مسلم، وجزاهم الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.


الصفحة 222

الوجه الثاني: شيخنا العزيز! لم أقل أنّ (وعترتي أهل بيتي) لم تصدر من الرسول، فأنا قلت: لا فرق عندي بينها وبين لفظة (وأهل بيتي)، وإليك كلامي ــ شيخنا العزيز ــ في مداخلتي السابقة: (ومع هذا حتّى لو تواترت لفظة (وعترتي أهل بيتي)، إذاً نطمئن أنّ لفظة العترة المراد منها: الخمسة فقط، وهذا معلوم عند أهل اللغة؛ حيث إنّ العترة لا تخص فقط الأبناء، وإنّما أيضاً تخص الأقرباء، فيدخل معهم الإمام عليّ(رضي الله عنه)، ونحصر فقط الإمام عليّاً دون غيره بلفظة: (أهل البيت) بدليل حديث الكساء، إذاً كلامك يقوّي كلامي شيخنا العزيز). وهذا هو كلامي. فتدبّر بارك الله فيك!

الوجه الثالث: وأمّا قولك شيخنا الكريم: (فالحقّ أنّه لا دليل عندك على عدم شمول مفهوم أهل البيت لغير أصحاب الكساء).

فأقول: نعم، لدي الدليل على هذا الكلام؛ لأنّ الرسول عندما جلّلهم بالكساء قال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)، ولو أراد الرسول التسعة لقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ومعهم تسعة من أولاد الحسين رضي الله عنه وعنهم.

الوجه الرابع: أمّا قولك شيخنا الفاضل: (إنّ محاولتك تخصيص لفظة (عترتي) الواردة في حديث الثقلين بأصحاب الكساء كما خصّصت مفهوم (أهل البيت) من قبل بهم عليهم الصلاة والسلام دون غيرهم، باطلة، وغير صحيحة، ولا مستندة إلى دليل).

فأقول: نعم، هي بدليل، وبيّنت لك سابقاً أنّ مصطلح (أهل البيت) الشرعي خاص بالخمسة، حيث إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام هو من أطلق عليهم هذا المصطلح، فيخرج التسعة من هذا المصطلح ويدخلون مجازاً لا شرعاً في مصطلح أهل البيت.

الوجه الخامس: وأمّا قولك شيخنا الحبيب العزيز: (وقولك أنّ المراد بـ (لن


الصفحة 223

يفترقا): أن تراث أهل البيت وسُنّة أهل البيت التي ينقلونها عن رسول الله موجودة ومحفوظة في كلّ زمان، كما أنّ القرآن محفوظ وموجود في كلّ زمان...الخ، فهو ترجيح بلا مرجّح؛ لأنّه كما يحتمل هذا يحتمل ما قلناه، وما قاله قبلنا بعض من علماء أهل السُنّة، من أنّ حديث الثقلين يدلّ على وجود شخص من أهل البيت بذاته مع القرآن الكريم إلى يوم القيامة، فترجيحك لرأيك ــ حسب ما يظهر لنا ــ أنّه بلا مرجّح، فما هو يا ترى الدليل المرجّح الذي اعتمدت عليه لترجيحك رأيك على رأينا؟).

فأقول: بالله عليك، هل اعتمدت على الدليل على أنّه يجب أن يكون هناك رجل من أهل البيت في كلّ زمان ومكان، أم أنّك اعتمدت على الظنّ؟

وأقول أيضاً: إنّ لفظة: (ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) لها عدّة معان.

فأنت تقول: إنّه يجب أن يكون رجل من أهل البيت في كلّ زمان ومكان، وأنا أقول: لا طبعاً، وهذا مستحيل! لأنّ هذه اللفظة يمكن أن تعني أيضاً: أنّه بما أنّ القرآن محفوظ فسُنّة أهل البيت محفوظة، وبما أنّ القرآن موجود فسُنّة أهل البيت موجودة، وبما أنّ القرآن موجود فعقيدة أهل البيت موجودة، وبما أنّ القرآن موجود ففقه أهل البيت موجود.

وبمعنى آخر واضح: بما أنّ القرآن مجموع وموجود بين أيدي المسلمين فسُنّة أهل البيت موجودة محفوظة بين أيدي المسلمين.

بعد أن انتهيت من تبيين بعض الأمور التي غابت عنك شيخنا الكريم، سأقوم الآن بالردّ على الأدلّة والأحاديث التي وضعتها:

الحديث الأوّل الذي عند الصفّار: (لمّا نزلت: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ


الصفحة 224

بِإِمَامِهِمْ(1)، قال: فقال المسلمون: يا رسول الله! ألست إمام الناس كلّهم أجمعين؟

فقال: أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون بعدي أئمّة على الناس من الله من أهل بيتي، يقومون في الناس، فيكذَّبون، ويظلمهم أئمّة الكفر والضلال وأشياعهم، ألا ومن والاهم واتّبعهم وصدّقهم فهو منّي ومعي وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذّبهم فليس منّي ولا معي وأنا منه بريء)(2).

سأقوم الآن بإذن الله بمناقشة متن الحديث:

أوّلاً: ليس المراد من الآية هم الأئمّة التسعة، وأين الدليل على أنّهم هم الأئمّة التسعة فقط؟ وأين الدليل على دخول الإمام عليّ والحسن والحسين في هذه الآية؟ أو أين الدليل على أنّها نزلت بهم؟

ثانياً: لاحظ لفظة: (أئمّة.. من أهل بيتي)، فلماذا لا تقول: إنّ المراد بهم هم الإمام عليّ والحسن والحسين(رضي الله عنهم) فقط؟ ولماذا أدخلت التسعة معهم؟ وبأي دليل أدخلتهم شيخنا الفاضل؟

ثالثاً: لقد أورد المفسّرون عدّة أقوال في تفسير آية: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، ولم يقتصروا على إيراد تفسير واحد.

ومن التفاسير التي يطمئن لها قلبي، هو القول: إنّ المراد من الأئمّة في هذه الآية؛ هو الكتب التي نزلت على كلّ أُمّة، مثل التوراة والإنجيل والقرآن، والدليل: تكملة الآية ﴿... فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ...، ولا يمكنك شيخنا أن تجعل

____________

1- الإسراء (١٧): ٧١.

2- بصائر الدرجات: ٥٣، باب (١٦).


الصفحة 225

هذه الآية هي خاصّة بالأئمّة، لأنّ لفظة: (الإمام) لها عدّة معانٍ في القرآن، ولا أُريد أن أُطيل في بحث هذه الآية؛ لأنّني سوف أخرج عن موضوعنا.

الحديث الثاني: كتابه الآخر (معاني الأخبار)، قال: (حدّثنا أحمد بن زياد ابن جعفر الهمداني ــ رضي الله عنه ــ قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين(عليهم السلام) ، قال: سُئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي): مَن العترة؟

فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم، حتّى يردوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحوض)(1).

وسأقوم أيضاً بمناقشة متن هذا الحديث شيخنا العزيز:

أوّلاً: هذا الحديث به جريمة عظمى وكبرى، ألا وهي إخراج الزهراء بالدرجة الأُولى من مصطلح (أهل البيت)، وإخراجها أيضاً بالدرجة الثانية من (حديث الثقلين)، أحلفك بالله، ألم يجلّل الرسول الزهراء، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)؟ ألم تكن الزهراء تحت الكساء؟ أليست الزهراء من أهل البيت المطهّرين؟ ألا تدخل الزهراء في حديث الثقلين؟ وهل كلام الزهراء حجّة أم لا؟

فأقول يا شيخنا العزيز: هذا الحديث يسقط؛ لأنّه يخرج الزهراء، والزهراء طبعاً تدخل في مصطلح أهل البيت بدليل حديث الكساء. فتدبّر بارك الله فيك!

____________

1- معاني الأخبار: ٩٠.


الصفحة 226

الحديث الثالث: والصحيحة التي رواها العلاّمة الكليني في (الكافي)، قال: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قال: (إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجّته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا))(1).

وسأقوم أيضاً بمناقشة متن هذا الحديث شيخنا الكريم:

من الذي طهّرهم الله وعصمهم في هذا الحديث، أليس هم الخمسة فقط؟

وإذا قلت: أيضاً التسعة يدخلون، فأقول لك: أين الدليل شيخنا الكريم؟ أليس كلام الإمام عليّ واضح وجليّ، أنّ المراد من أهل البيت هم الخمسة فقط؟ أليس هذا دليل، أنّ هذا الحديث خاص بالخمسة؟

فإذا قلت: لا، فسأقول لك: أليس الذين طهّرهم الله في آية التطهير هم الخمسة؟

فإن قلت: نعم، إذاً تقول بمثل ما نقول، أنّ مصطلح أهل البيت خاص بالخمسة دون غيرهم. وإن قلت: لا، قلنا لك شيخنا: هات الدليل؟

الحديث الرابع: والصحيحة التي رواها العلاّمة الصفّار في (بصائر الدرجات)، قال: (حدّثني يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّا نجد الشيء من أحاديثنا في أيدي الناس، قال لي: لعلّك لا تدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنال وأنال، ثمّ

____________

1- الكافي ١: ٢٤٦.


الصفحة 227

أومأ بيده عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه، {وقال: }(وإنّا أهل البيت عندنا معاقل العلم وضياء الأمر وفصل ما بين الناس))(1).

وسأقوم أيضاً بمناقشة متن الحديث شيخنا الفاضل:

بالله عليك شيخنا، هل يصمد هذا الحديث أمام الحصر الذي قام به الرسول عندما قال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)؟

هل يخالف الإمام الصادق الرسول، ويقول: أنا من أهل البيت، والرسول خصّص هذا المصطلح بالخمسة؟

فكيف الإمام الصادق يقول: وإنّا أهل البيت، والرسول لم يطلق عليه وعلى التسعة(رضي الله عنهم) هذا المصطلح؟

يمكن أن يقال: إنّ الإمام الصادق كان يقصد أنّه من أهل البيت مجازاً وليس شرعاً؛ لأنّه أخذ علومه من أجداده أصحاب الكساء المراد بهم بأهل البيت المطهّرين.

الحديث الخامس: حسب ما ورد عنه في الرواية الصحيحة التي رواها العلاّمة الصفّار في (بصائر الدرجات صفحة ٣٨٢)، قال: (حدّثنا محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن ذريح بن يزيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّي تركت فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي، فنحن أهل بيته).

سأقوم أيضاً بمناقشة متن هذا الحديث شيخنا الكريم:

الإمام الصادق هنا بيّن حديث الثقلين، ولكن أسالك: من قائل الزيادة: فنحن

____________

1- بصائر الدرجات: ٣٨٥.


الصفحة 228

أهل بيته؟ هل هو الرسول أُمّ الإمام الصادق؟

وإذا كان الرسول أين الدليل؟

وإذا كان الإمام الصادق، فأقول: كيف الإمام الصادق يجتهد أمام النص الصريح الواضح؟ ألم يقل الرسول في حديث الكساء عن الخمسة: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)، فلماذا الإمام الصادق يدخل نفسه في مصطلح أهل البيت والرسول أخرجه؟

بعد أن انتهينا شيخنا من مناقشة متون الأحاديث، أنتقل إلى مناقشة بعض أقوالك، كما وضعتها في مداخلتك:

قلت شيخنا: (أمّا بخصوص ما ادّعيته على الإمام الصادق(عليه السلام) من أنّه حصر مفهوم أهل البيت في أصحاب الكساء، فليس بصحيح، فكما ذكرت لك سابقاً أنّ الإمام(عليه السلام) إنّما كان بصدد رواية حديث الكساء).

أقول: نعم الإمام الصادق حصر مصطلح أهل البيت في الخمسة فقط ولم يقل إنّه: معهم، والحديث الذي نقلته أنا من الكافي، الصحيح السند، يناقض الحديث الذي نقلته أنت، الذي يقول به الإمام الصادق: (فنحن أهل بيته)!!

قلت شيخنا: (أنّه قد تبيّن من كلّ ما أوردناه، أنّ مفهوم أهل البيت في آية التطهير لا يختص فقط بأصحاب الكساء، وإنّما يندرج تحته الأئمّة التسعة من ولد الحسين(عليهم السلام) ).

أقول: لا، لم يتبيّن شيخنا الكريم، فقد بيّنت لك متون الروايات التي نقلتها أنت، وبيّنت لك أنّها لا تصمد أمام حديث الكساء الذي خصّص مصطلح أهل البيت في الخمسة فقط.

وأمّا سؤالك: (بناءً على رأيك: أنّ مفهوم أهل البيت خاص بأصحاب


الصفحة 229

الكساء، فيا ترى ما هو السبب الذي جعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخص هذا المفهوم بهؤلاء؟ هل هناك سبب ما؟).

نعم شيخنا، السبب هو أنّ الرسول أراد أن يبيّن مَن هم أهل البيت المراد بهم بحديث الثقلين؛ حيث إنّه لو أتى شخص وادّعى أنّه من أهل البيت، فنقول له: كلامك مردود؛ فالرسول حصر هذا المصطلح في الخمسة فقط دون غيرهم.

وأعيد وأكرر أسئلتي شيخنا الكريم:

١ ــ ما هو الدليل على دخول التسعة في مصطلح أهل البيت المطهّرين؟

٢ــ لماذا الرسول حصر مصطلح أهل البيت في الخمسة فقط؟

٣ــ لو كان الرسول يريد التسعة معهم، لماذا لم يقل: وتسعة من أولاد الحسين معهم؟

الخلاصة: أريد أن أبيّن شيخنا الحبيب، أنّ حديث الكساء بيّن مَن هم أهل البيت، فالرسول(صلى الله عليه وآله) حصر هذا المصطلح بالخمسة فقط دون غيرهم، وعندما جلّلهم الرسول بالكساء.. فهذا دليل على عظمة الرسول، وأنّه مسدّد من قبل الله، حتّى لا يأتي أحد ويقول: أنا من أهل البيت المراد بهم في حديث الثقلين، حتّى لا يأتي سُنّي ويدخل النساء في مصطلح أهل البيت، وحتّى لا يأتي شيعي ويدخل التسعة في مصطلح أهل البيت.

ــ ومن مداخلة أُخرى:

الوجه الأوّل: سأقوم الآن شيخنا الكريم بوضع حديث الكساء مرّة أُخرى، حتّى تتبيّن لك الصورة، وتتخيّل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، لكي يتّضح لك قولي، وماذا أريد أكثر فأكثر، فاصبر؛ فإنّ في الصبر فائدة.


الصفحة 230

(أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين: عن أُمّ سلمة، قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، قالت: فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي).

انظر شيخنا وتدبّر! فإنّ الرسول أطلق مصطلح أهل البيت على هؤلاء الخمسة فقط، وعندما أقول: إنّه أطلق عليهم هذا المصطلح شرعاً وليس مجازاً، فعندما تأتي وتقول: إنّ التسعة منهم، فبأي دليل؟

ومن سمح لك، شيخنا العزيز، أن تأتي بأحاديث تخالف هذا الحديث وتدخل التسعة معهم؟

وانظر شيخنا الكريم إلى حديث الكساء، هذا الذي أخرجه الكليني عن الإمام الصادق: (روى الكليني في الكافي بسند صحيح، في باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحد، ما نصه: عن أبي عبد الله(عليه السلام) ــ والحديث طويل إلى أن يقول ــ : (لكن الله عزّ وجلّ أنزل في كتابه تصديقاً لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الآية، فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) ، فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة، ثمّ قال: اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي...))(2).

الله أكبر، انظر شيخنا إلى كلام الإمام الصادق وهو يصف الخمسة بأنّهم هم أهل البيت، وأنّهم هم الثقل الثاني بعد القرآن، فلماذا تترك هذا الحديث الذي

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

2- انظر: مرآة العقول ٣: ٢١٣.


الصفحة 231

يحصر الخمسة فقط، وتذهب إلى الأحاديث التي تدخل التسعة؟

الوجه الثاني: لن أردّ عليك شيخنا الفاضل بالنسبة لمسألة صحيح مسلم، حتّى لا يتشتّت الحوار ولا يتوسّع، حرصاً منّي أن يكون الحوار ممنهجاً وفق الشروط التي وضعتها أنا ووافقت عليها أنت، ولكن أقول: لماذا ظلمتني شيخنا الكريم؟ ولماذا لم تعلّق على كلامي هذا؟ لماذا تريد أن تبيّن للقارئ الكريم أنّني رفضت الحديث بلفظة (وعترتي وأهل بيتي)؟ وسأنقل لك وللقارئ الكريم كلامي مرّة أُخرى، حتّى تتبيّن الصورة والحقيقة التي لم ينتبه لها القارئ، وسأحسن الظنّ فيك، وأقول: وأنت أيضاً.

وهذا هو كلامي: (لو تواترت لفظة: (وعترتي أهل بيتي)، إذاً نطمئن أنّ لفظة العترة المراد منها الخمسة فقط، وهذا معلوم عند أهل اللغة، حيث إنّ العترة لا تخص فقط الأبناء وإنّما أيضاً تخص الأقرباء، فيدخل معهم الإمام عليّ(رضي الله عنه)، ونحصر فقط الإمام عليّاً دون غيره بلفظة أهل البيت بدليل حديث الكساء، إذاً كلامك يقوّي كلامي شيخنا العزيز...)، فهذا هو كلامي يا أستاذي الفاضل، فأنا لا أرفض هذه اللفظة، وإنّما أقرّ بها، فمالك كيف تحكم شيخنا الكريم؟!

الوجه الثالث: قولك شيخنا الكريم: وقلنا: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما حصر وقصر مفهوم أهل البيت في من جلّلهم؛ لأنّهم هم المصداق الوحيد لهذا المفهوم حينها، فيصحّ له أن يقول: إنّ هؤلاء أهل بيتي، ويريد بهم المصاديق الموجودة في زمانه، ولا إشكال في ذلك من حيث اللغة أو العرف.

لا، هناك إشكال طبعاً، وهو: أليس الرسول مسدّد من قبل الله؟ أليس الرسول يعلم بعض الأمور الغيبية؟ ألم يكن عالماً بمسألة الإمامة؟


الصفحة 232

فلماذا الرسول لم يدخل التسعة مع الخمسة، ولو لفظاً، لأنّهم غير موجودين وقتها في حديث الكساء، حتّى يبيّن للأُمّة من هم أهل البيت؟

لماذا الرسول لم يبيّن للأُمّة أنّ التسعة أيضاً من أهل البيت المطهّرين حتّى لا اختلف أنا وأنت؟

الوجه الرابع: قولك شيخنا الكريم: إنّ قولي: أنّ المراد بـ ((لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) يراد به: عدم الافتراق المادّي، أعني: وجود شخصية واحد من أئمّة أهل البيت مع القرآن الكريم، إنّما أيّدته بأدلّة من الروايات، تفيد أنّ مفهوم أهل البيت أشمل ممّا تدّعيه، وكانت تلك الروايات مجرّد نماذج أتيت بها على عجالة من أمري، وعندي غيرها ممّا يفيد أنّ مفهوم أهل البيت يشمل غير أصحاب الكساء، أمّا أنت فلم تأت بدليل واحد تؤيد به أنّ المراد بـ (لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)): تراث أهل البيت وسُنّة أهل البيت التي ينقلونها عن رسول الله، وأنّها موجودة ومحفوظة في كلّ زمان، كما أنّ القرآن محفوظ وموجود في كلّ زمان.. فأين دليلك على ترجيح رأيك على رأينا؟ علماً أنّ رأيي قد وافقني عليه جماعة من علماء أهل السُنّة..

أقول: أين هذه الأدلّة التي أتيت بها؟ هل كانت أدلّتك معارضة لحديث الكساء ولكلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أم لا؟

وأمّا قولك: (لفظة: (ولن يفترقا) يراد به: عدم الافتراق المادّي)، تحتاج إلى دليل لإثباته، فكلام الرسول له أكثر من معنى، ممكن أن يكون المعنى الأوّل الذي ذكرته، ويمكن أن يكون المعنى الذي ذكرته أنا، ألا وهو: بما أنّ القرآن موجود فسُنّة أصحاب الكساء موجودة، وبما أنّ القرآن موجود فعقيدة أصحاب الكساء موجودة، وبما أنّ القرآن موجود ففقه أصحاب الكساء موجود.


الصفحة 233

وقد أعجبتني كلمتك التي ذكرتها وهي: (ومع وجود مثل هذا الاحتمال يبطل الاستدلال)، وبما أنّك قلت: مع وجود هذا الاحتمال يبطل الاستدلال، فكذلك أنا أقول: بما أنّ احتمالي موجود في أنّ القرآن وسُنّة أهل البيت لن يفترقا، فيبطل استدلالك على أنّه في كلّ زمان ومكان يجب أن يكون هناك إمام!!

الوجه الخامس: أمّا قولك عن الرواية التي تفسر ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ(1)..: (بخصوص الرواية الأولى، فهي عندنا صحيحة ولا يوجد لها معارض، لا من الشرع ولا من العقل، فنحن نأخذ بها في تفسير الآية، واختلاف المفسّرين عندكم حول تفسير...).

سأذكّرك بكلامك مرّة أُخرى، شيخنا الفاضل، عندما قلت: ومع وجود مثل هذا الاحتمال يبطل الاستدلال، فالإمام ــ شيخنا ــ في القرآن الكريم له أكثر من معنى، وقد جاء الإمام بمعنى الكتاب، والدليل قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً(2). انظر شيخنا: لقد سمّى الله عزّ وجلّ التوراة إماماً، ومع وجود هذا الاحتمال ــ شيخنا العزيز ــ يبطل استدلالك أخي وحبيبي وقرّة عيني الشيخ التلميذ!!

الوجه السادس: أمّا قولك شيخنا الكريم: (لا جريمة كبرى ولا شيء من ذلك، فالإمام عليّ(عليه السلام) فسّر المراد من العترة وأهل البيت في حديث الثقلين لا المراد من أهل البيت في آية التطهير، وحديث الثقلين هو النص الخاص بالأئمّة من العترة الطاهرة، الذين يتولون قيادة الأُمّة من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والزهراء(عليها السلام)

____________

1- الإسراء: ٧١.

2- هود (١١): ١٧.


الصفحة 234

ليست واحدة منهم).

أقول: أين الدليل على أنّ الزهراء لا تدخل بحديث الثقلين؟ ولماذا الحديث هذا يخرجها من مصطلح أهل البيت والرسول أدخلها؟ وأين الدليل على أنّ حديث الثقلين خاص بالأئمّة دون الزهراء؟ وأين الدليل على أنّ الزهراء ليست واحدة منهم؟

وسأنقل لك حديث الإمام الصادق الذي يطلق على الزهراء ويقول عنها: أنّها الثقل الثاني بعد القرآن، فهذا هو الحديث: روى الكليني في الكافي بسند صحيح، في باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحد ما نصه: عن أبي عبد الله(عليه السلام) ــ والحديث طويل إلى أن يقول ــ: لكن الله عزّ وجلّ أنزل في كتابه تصديقاً لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الآية، فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة، ثمّ قال: اللّهمّ (إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي...) (مرآة العقول الجزء الثالث ص ٢١٣)..

لا أقول إلّا: الله أكبر! الرسول يصف الزهراء بالثقل، والحديث يقول: وعترتي أهل بيتي، وهذا الحديث يخرجها من مصطلح أهل البيت ويجعلها ليست الثقل الثاني بعد القرآن!!

وأُعيد وأكرّر؛ فإنّ هذا الحديث به جريمة كبرى وعظمى في حقّ سيّدة نساء العالمين(رضي الله عنها) وحشرنا الله معها.

الوجه السابع: أمّا قولك شيخنا الكريم: (أمّا بخصوص الرواية الخامسة، فواضح أنّ القائل: (فنحن أهل بيته) هو الإمام الصادق(عليه السلام)؛ لأنّ الضمير في لفظة: (بيته) راجع إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والرواية أيضاً دليل صريح على أنّ مفهوم أهل البيت أعمّ ممّا تدّعيه، وأنّ الإمام الصادق(عليه السلام) داخل تحت هذا المفهوم.


الصفحة 235

ودعواك أنّ إدخال الإمام نفسه في مفهوم أهل البيت هو اجتهاد في مقابل النص باطل؛ لأنّ الحصر الموجود في النص الذي تدّعي الاجتهاد في قباله إنّما للمصاديق الموجودة في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا أنّها كلّ المصاديق، يكون النص المزعوم مدّعى، ودعوى الاجتهاد في قباله من الإمام الصادق كذلك).

إذا كان القائل هو الإمام الصادق فكيف يدخل نفسه في مصطلح أهل البيت والرسول حصره بالخمسة بدليل حديث الكساء؟!

وكيف تقول: إنّ الحديث يدلّ على أنّ مفهوم أهل البيت أعم، والرسول حصر هذا المصطلح؟

وأين الدليل أنّ كلامي باطل عندما قلت: إنّ الإمام الصادق أدخل نفسه اجتهاداً مقابل النص؟

وهل يكون باطلاً لأنّه كان دليلي حديث الكساء؟

وأين الدليل أنّ الحصر كان في زمن النبيّ فقط؟

ولماذا الرسول حصر هذا المصطلح بالخمسة دون غيرهم؟

فتدبّر شيخنا الحبيب ولا تتسرّع بالإجابة؛ بارك الله فيك!

الوجه الثامن: وأمّا سؤالك شيخنا الكريم: (ما هي الخصّيصة التي امتاز بها عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) التي جعلت من الله عزّ وجلّ ورسوله يجعلانهم المصداق الوحيد لمفهوم أهل البيت دون غيرهم من أقرباء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟).

فأقول: عندما جلّلهم الرسول بالكساء كان هذا أمراً إلهياً، وهذا هو الدليل الذي جعلهم هم المصداق الوحيد لمصطلح أهل البيت، حيث إنّ أفعال الرسول حجّة، ولا يفعل فعلاً يخالف الأوامر الإلهية، فالادّعاء أنّ التسعة معهم يحتاج


الصفحة 236

إلى دليل قوي وواضح جدّاً جدّاً لا يحتمل التأويل ولا يدخل به الاحتمال، شيخنا الكريم.

وبهذا انتهيت من الردّ على أدلّتك شيخنا الحبيب والكريم، أستاذنا الفاضل الشيخ التلميذ، والآن سأقوم بمناقشة ردودك على أسئلتي، ولكي ترى ويرى القارئ الكريم: هل وفّقت في الإجابة عليها أم لا؟

إجابتك الأولى: (أمّا جواب سؤالك الأوّل: فلقد ذكرنا لك مجموعة من الأدلّة من الروايات، ومنها حديث الثقلين، ونقلنا لك من الروايات الصحيحة التي تخص مفهوم العترة وأهل البيت في هذا الحديث بعليّ والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين، ونقلت لك روايات صحيحة عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه أدخل نفسه في أهل البيت).

أقول: الاستدلال بحديث الثقلين لا يكفي ولا يرد على حديث الكساء، بل استدلالك بحديث الثقلين ظنّي، وليس لك دليل به على دخول التسعة مع الخمسة، وأمّا مفهوم العترة وأهل البيت، نعم، هو خاص بالخمسة دون غيرهم؛ لأنّ الرسول هو من أطلق عليهم هذا المصطلح، وأمّا رواية إدخال الإمام الصادق لنفسه للحديث، فقد بيّناها وقمنا بالردّ عليها؛ فراجع بارك الله فيك.

إجابتك الثانية: (أمّا جواب سؤالك الثاني: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حصر مفهوم أهل البيت في أصحاب الكساء، حتّى لا يدخل فيه غيرهم ممّن هو موجود في ذلك الوقت من أقربائه، أو غيرهم، لأنّه لا يشملهم).

أقول: أمّا قولك: إنّ النبيّ حصر هذا المفهوم في وقته فقط، فأقول: يا شيخنا الكريم! هذا به مغالطة، بل الرسول حصر هذا المفهوم في زمانهم وفي غير زمانهم، وأنت تحتاج إلى دليل قوي تبيّن فيه أنّ الرسول لم يحصر هذا


الصفحة 237

المصطلح بالخمسة فقط!

إجابتك الثالثة: (أمّا جواب سؤالك الثالث: فيظهر من خلال هذا الردّ، وبالتحديد في النقطة ثانياً).

أقول: لم تجب، ولم تبيّن شيخنا.. فقد أبطلنا كلّ إجابة أجبتنا عليها، فراجع بارك الله فيك.

النقطة الأخيرة: أمّا الأدلّة التي أتيت بها من كتب أهل السُنّة عن الإمام المهدي(عليه السلام)!

فأقول: هذه الأدلّة والأحاديث، شيخنا كريم، تبيّن أنّ الإمام المهدي مجازاً وليس شرعاً من أهل بيت الرسول، حيث إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام كان بصدد تبيين حقيقة الإمام المهدي، كان بصدد تبيين من هو الإمام المهدي، كان بصدد تبيين أنّ الإمام المهدي يرجع نسله إلى أهل البيت، لا أنّه من أهل البيت المطهّرين المراد بهم بحديث الكساء، فكلّ الأحاديث التي ذكرتها تبيّن أنّه مجازاً من أهل البيت وليس شرعاً، وإن قلت: إنّه من أهل البيت شرعاً، فتحتاج إلى دليل إلى إثبات كلامك، فالرسول أطلق المصطلح الشرعي على الخمسة فقط وفقط، ولازلت أقول: إنّه لا دليل على دخول التسعة مع أهل البيت المطهّرين.

وأمّا قولك شيخنا الحبيب: (وفي هذه الأدلّة كفاية لبطلان زعمك الذي انفردت به ولم أجد لك متابعاً عليه ــ حسب تتبّعي ــ من الأمّة، فهل تسلّم أو تكابر؟ الله يعلم!).

فأقول: أنا لم أنفرد شيخنا بهذا الرأي، حيث إنّ العلماء اختلفوا في مصطلح


الصفحة 238

أهل البيت، فمنهم من قال: النساء فقط، ومنهم من قال: الخمسة فقط، ومنهم من توسع وقال: هم كلّ بني هاشم، ومنهم من قال هم آل عليّ وآل عقيل... وغيرهم، بدليل حديث زيد بن أرقم(رضي الله عنه)، فأنا أتبنّى الرأي الثاني، لأنّه له دليل قوي وصحيح ويبطل كلّ الأدلّة الأُخرى.

وأمّا قولك: هل سأسلّم أم أُكابر؟ فأقول لك شيخنا: والله إنّني هنا ليس من أجل العناد، وإنّما من أجل الحصول على القناعة الشخصية واليقين، فإن أتيتني بما هو مقنع قبلته، وإن أتيتني بشيء لا يقنعني رفضته.

وشكراً لك شيخنا الحبيب على استمرارك بهذا الحوار الطيب الذي هو مليء بالعلم من ناحيتك ومليء بالجهل من ناحيتي، فأنت شيخنا وأُستاذنا ومعلّمنا، ونحن طلبتك الصغار الذين نتعلّم منك ونستفيد، فبارك الله بك شيخنا الكريم.

أختم كلامي بأسئلة أتمنّى الإجابة عليها:

١ــ ما هو الدليل القوّي والصريح على دخول التسعة (رضي الله عنهم) في مصطلح أهل البيت الخاص بالخمسة (رضي الله عنهم)؟

٢ــ لماذا أخرجت ــ شيخنا الكريم ــ الزهراء من حديث الثقلين والرسول أدخلها بمصطلح أهل البيت، والإمام الصادق بيّن أنّها الثقل الثاني بعد القرآن، والدليل الحديث الذي نقلته لك من الكافي؟

٣ــ لماذا يا شيخنا الكريم تترك النص الجليّ على أنّ الرسول حصر هذا المصطلح بالخمسة، وتذهب إلى حديث الثقلين الذي هو لا يصمد أمام حديث الكساء؟

وشكراً لكم..


الصفحة 239

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1), يمكن أن نأخذ مفهومين من الآية من ضمن المفاهيم الأُخرى التي تشتملها، يدخلان في موضوع المناقشة:

الأوّل: مفهوم أهل البيت(عليهم السلام) الذي هو غير النساء لغة، وإن أمكن أن يدخلن فيه مجازاً, ولا قرينة على دخولهنّ مجازاً إلّا ما يُدّعى من السياق، وروايات نزول الآية وحدها تدحض هذا القول، إضافة إلى الانتقال من أسلوب الخطاب التقريعي إلى أسلوب المدح.. بل القرائن المقالية في الآية تدلّ على خلافه؛ لموقع الضمير المذكّر في (عنكم)، إضافة إلى قرائن دلالية من مفهوم الآية الدالّة على العصمة، التي لا تثبت للنساء، وبغضّ النظر عن القرائن الحالية التي يدلّ عليها حديث الكساء.

الثاني: مفهوم العصمة المتحقّق من إذهاب جنس الرجس والتأكيد على التطهير, وثبوت العصمة أمر باطني لا يمكن الاطّلاع عليه إلّا بإخبار من يطّلع على الأفئدة، ولا يمكن أن يكون كلّ أهل البيت بالمعنى اللغوي معصومين؛ لأنّه يشمل الأولاد والذرّية وهم لا يُعدّون، كما ربّما يدّعى من أنّ الآية نفسها هي إخبار عن عصمة كلّ من يشملهم معنى (أهل البيت) لغة وذلك بعد ملاحظة دلالة الحصر الموجود فيها.

ومن هنا جاءت الحاجة لبيان وتحديد أشخاص هؤلاء المعصومين

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 240

المطهّرين من أهل البيت، الذين كانوا سبباً لنزول الآية، فجاء البيان من الصادق المصدّق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما قاله وفعله في حديث الكساء وغيره، وأحاديث أُخرى من الأئمّة(عليهم السلام) تأتي في محلّها.

٢ــ ممّا تقدّم ثبت لنا ومن الآية مجرّدة، أنّها خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) فقط، ولا يدخل فيها النساء ولا الآخرون، وأنّها ــ وبدلالة ألفاظها التي تدلّ على العصمةــ ضيّقت المراد من (أهل البيت)، بسبب نزولها بالمطهّرين المعصومين منهم.

فالعلاقة الدلالية تبادلية بين مفهوم أهل البيت وبين مفهوم العصمة (التطهير)؛ فنفهم أنّ المراد من الآية والمعني بها هم أشخاص معيّنون، ينطبق عليهم كونهم من أهل البيت ومعصومين, ومن التركيب بين هذين المفهومين ينتج عندنا مصطلح جديد يمكن أن نسمّيه: مصطلح شرعي منقول من المعنى اللغوي، هو: (أهل البيت المطهّرون).

ولا يبقى إلّا تعيين أشخاصهم في الخارج, وهو أمر كان بعهدة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر منه سبحانه بلا امتراء.

وهنا جاء دور حديث الكساء، الذي هو مصداق البيان والإخبار النبوي، ولكن قد يطرح سؤال، وهو: هل ينحصر بيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بحديث الكساء، أو أنّ الحديث أحد أفراده وجزء من البيان والأخبار عن معنى الآية؟

فمن يدّعي أنّ البيان منحصر فقط بحديث الكساء، فعليه الدليل, والدليل دلّ على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن من هم أهل بيته المعصومون المطهّرون في أكثر من موضع، ولا يضلّ المتتبّع في الوقوف عليها, ولكن قد يدّعي مدّع: إنّ مدلول حديث الكساء فيه حصر للخمسة لا يمكن إدخال غيرهم فيه، وبالتالي يكون


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية