المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 1) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270)

مدلوله معارضاً للروايات الأُخرى الصادرة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) ، لو سلّمنا بوجودها! فكيف نحل التناقض المدّعى؟

ولا بدّ قبله من إثبات الروايات الأُخرى التي تنص على دخول غير الخمسة في أهل البيت(عليهم السلام) .

وهذا ما سنناقشه في النقطة التالية:

٣ــ إنّ دعوى الشيعة؛ بأنّ سبب نزول ومورد آية التطهير هم الخمسة أصحاب الكساء صحيحة لا غبار عليها بدلالة روايات حديث الكساء، ولكن سبب النزول لا يخصّص الوارد (وبعبارة أُصولية: إنّ المورد لا يخصّص الوارد)، فلا تلازم في الانطباق على مصداق بسبب النزول وبين نفيه للمصاديق الأُخرى الداخلة في العموم.

وهذا الوهم يقع فيه كثيرون، منهم صاحب الإشكال, ودعوى أنّ البيان الذي احتيج إليه لتعيين أشخاص المطهّرين، المتمثل بحديث الكساء، حاصر للمصاديق بالخمسة فقط، دعوى ضعيفة البرهان!

فأوّلاً: مصطلح أصحاب الكساء، وهم الخمسة، بلا ريب يختلف عن مصطلح أهل البيت المطهّرين المعنيين بالآية؛ فأصحاب الكساء أخص.

ونحن لا ندّعي دخول غير الخمسة في أصحاب الكساء، ولكنّا نقول: إنّ أهل البيت المطهّرين يشملهم وغيرهم، وهم التسعة الباقين, ودعوى المساواة وهم ناجم عن عدم الدقّة في تعيين مدى الحصر المستفاد من حديث الكساء، والأخذ بظاهر كلمات العلماء دون الفهم التام لها.

ثانياً: إنّ حديث الكساء بمنطوقه، والقرائن الحالية الحافّة به من فعل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، دالّة على الحصر بلا ريب, ولكن ما مدى ومقدار هذا الحصر من


الصفحة 242

جهة الزمان؟ هل هو حصر في الظرف الزماني المعيّن ولا يشمل بقية الأزمان، أو هو حصر على طول امتداد الزمان إلى يوم القيامة؟

ومدّعانا: أنّه حصر محدّد بالظرف الزماني المعيّن، وهذا الظرف يحدّد مقداره عرف أهل اللغة، وليس حصراً على طول الزمان أبداً.

وبعبارة أُخرى: إنّ سعة هذا الحصر ممكن أن تشمل آخرين لم يكونوا في ظرف زمان الحديث يمكن أن يدخلهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمّة(عليهم السلام) ببيان وأخبار أُخر.

والمثال العرفي عليه هو: لو أنّ أحد الأشخاص خرج أمام الناس وجمع أولاده الثلاثة أو الأربعة بين يديه من دون العدد الكبير من الأطفال في مدرسة معيّنة، وقال: هؤلاء أولادي، فإنّ فيه دلالة بلا شكّ على أنّ غير هؤلاء الثلاثة أو الأربعة من جميع الحاضرين في ظرف الفعل ليسوا أولاده، وهو لا يعني بأنّه سوف لا يكون له، أو لا يرزق بولد أو أولاد آخرين في المستقبل؛ فلاحظ!

فالحصر في حديث الكساء مقيّد بالظرف الزماني الآني لفعل وقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يشمل امتداد الزمان، وبالتالي يمكن للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وببيان آخر أن يوضّح أنّ هناك آخرين يدخلون في مصطلح أهل البيت المطهّرين المشمولين بآية التطهير، وهم مصداق من مصاديقها؛ فتأمل!

ومنه نفهم تصدير الإمام الصادق(عليه السلام) كلامه بالفعل: (كان)، الدالّ على الماضي في ذلك الزمان، عندما قال: (فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة...) الحديث، ولا صحّة لقول المستشكل: إنّ الصادق(عليه السلام) أخرج التسعة الآخرين؛ فلا دلالة في كلامه على إخراجهم إلّا ادّعاء الحصر في الخمسة فقط، وقد أوضحنا عدم صحّة ذلك.


الصفحة 243

ثمّ أنّ كلام الشخص ــ خاصّة المعصوم ــ يجمع كلّه ويقارن بعضه ببعض، حتّى يفهم المراد منه، لا أن يقتصر على بعض كلامه, ومنه يظهر ضعف قول المستشكل: (لماذا لم يقل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الكساء: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ومعهم تسعة من أولاد الحسين)، فقد بيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) دخول التسعة في أهل البيت المطهّرين في نصوص أُخرى عديدة.

نعم، هم لا يدخلون في مصطلح أصحاب الكساء, وهذا البحث يفصّل عادة في بحث القرائن التي تنقسم إلى متّصلة ومنفصلة.

والحكم واحد فيهما من هذه الجهة.

٤ــ بعد أن تبيّن عدم صحّة الحصر على امتداد الزمان في حديث الكساء، وأنّ دعوى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند بيانه لمصداق آية التطهير حصرهم بالخمسة أصحاب الكساء فقط ليس عليها دليل.

وبعد أن تبيّن أنّ معرفة أهل البيت المطهّرين بأشخاصهم يحتاج إلى بيان وإخبار، وأنّه منوط بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه لا مانع عقلي وشرعي من تعدّد البيانات وتعدّد المصاديق، يصحّ لنا أن نبحث عن أخبار أُُخر يمكن أن نعرف منها مصاديق أُخرى للمطهّرين من أهل البيت(عليهم السلام) ، وهذه الأخبار موجودة بكثرة في التراث الحديثي الشيعي على الأقل، لا حاجة لذكرها, ويمكن للمراجع أن يطّلع عليها في مظانّها.

كما أنّه إذا دلّ دليل نقلي أو عقلي على شمول آية التطهير للتسعة الآخرين(عليهم السلام) ، فلا معارضة في البين بينه وبين حديث الكساء، وإنّما يتم الجمع بالجمع العرفي.

٥ــ من هذا يتبيّن عدم صحّة القول بإجماع علماء الشيعة والسُنّة على أنّ


الصفحة 244

مصطلح أهل البيت خاص بالخمسة؛ فإنّ هذه النسبة إلى علماء الشيعة بالخصوص ممّا يضحك الثكلى، فأيّ عالم منهم أخرج بقية الأئمّة(عليهم السلام) ، فضلاً عن دعوى الإجماع على إخراجهم؟!

وكذا دعوى قولهم بأنّ الحصر في حديث الكساء يخرج التسعة(عليهم السلام) من مصطلح أهل البيت المطهّرين، أو دعوى إجماعهم على مفهوم الحصر بمعناه المدّعى من حديث الكساء.

٦ــ لا ينحصر دليلنا على دخول التسعة(عليهم السلام) في أهل البيت بحديث الثقلين فقط، فهذه مجازفة في القول, ولكنّه من الأدلّة الواضحة على ذلك؛ لكونه منقولاً لدى الطرفين.

٧ــ وأمّا حديث مسلم، فلنا وقفة معه:

أــ إنّ دخول التسعة(عليهم السلام) في أهل البيت كما يتم من دلالة لفظة: (عترتي)، يتم أيضاً من دلالة لفظة: (أهل البيت)، كما أوضحنا آنفاً، وعليه فحتّى حديث مسلم فيه شمول للتسعة(عليهم السلام) ، وإن لم يذكر فيه لفظ: (عترتي)، وجاء بلفظ: (أهل البيت) فقط.

ب ــ إنّ صحيح مسلم ليس له اعتبار عندنا؛ فهو ليس من كتبنا، نعم هو من الصحيح عندهم ومقدّم على غيره، ولذا نلزمهم به ولا يصحّ منهم أن يلزمونا به.

ج ــ ومع عدم التفاتنا إلى ما يدّعى لصحيح مسلم، فإنّ حديث الثقلين فيه رواية آحاد؛ إذ أنّه لم يروَ إلّا عن يزيد بن حيّان في كلّ طرقه، فنصّه وإن كان صحيحاً عندهم لا يرقى إلى التواتر حتّى نحتجّ به في العقيدة، كما هو الحال بنصّ حديث الثقلين عند غير مسلم.

د ــ ومع ذلك فإنّ مسلم قد تلاعب في هذا الحديث واقتطع من متنه ما فيه دلالة تساعد على فهمه! فقد حذف منه الجزء الأخير الذي فيه نهي ابن زياد لزيد


الصفحة 245

ابن أرقم عن التحديث بحديث الحوض واتّهامه له بالخرف والكذب، فهو موجود بالسند نفسه عند أحمد(1)؛ فراجع!

هـ ــ ومع ذلك كلّه فإنّ زيداً في هذا الحديث وفي بدايته يعتذر من الذين طلبوا منه الحديث، ويرجوهم عذره عمّا لا يحدّثهم به بحجّة كبر سنّه, ومع ذلك يذكر في الحديث لفظ الثقلين صراحة، ثمّ يذكر القرآن وهو الثقل الأوّل، ويذكر قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره بالتمسّك به، ثمّ يأتي في المتن قوله: (ثمّ قال: وأهل بيتي...) الحديث، (وثم) تدلّ على التراخي، وفيها دلالة على وجود قطع أو حذف في الكلام تجنّب زيد بن أرقم أن يرويه، كما نصّ على ذلك محمّد نافع في كتابه (حديث الثقلين) بلغة الأردو عند كلامه على حديث مسلم.

و ــ إنّ لفظة (ثمّ قال) وما تدلّ عليه في متن الحديث، دعتنا للبحث والتنقيب عن رواية أو روايات أُخرى لحديث الثقلين تنقل تمام كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، نجد فيه الفقرة المحذوفة بين دعوته للتمسّك بالقرآن وبين تذكيره المسلمين بأهل البيت(عليهم السلام) ، عندما قال: (أذكركم الله في أهل بيتي) ثلاث مرّات،

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٦٧ حديث زيد بن أرقم، وفيه: ((قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً خطيباً فينا بماء يدعى: خمّاً، بين مكّة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال: أمّا بعد، ألا يا أيّها الناس! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجلّ فأجيب، وإنّي تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب الله عزّ وجلّ، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي...
إلى أن قال: بعث إليّ عبيد الله بن زياد فأتيته، فقال: ما أحاديث تحدّثها وترويها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا نجدها في كتاب الله، تحدّث أنّ له حوضاً في الجنّة؟ قال: قد حدّثنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووعدناه. قال: كذبت، ولكنّك شيخ قد خرفت).


الصفحة 246

ونجد فيه ذكر حوضه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة.

وهذا البحث دلّنا على رواية أو أكثر رواها الخزّاز (ت٤٠٠هـ) في (كفاية الأثر) بهذا السند: (حدّثنا محمّد بن وهنا بن محمّد البصري، قال: حدّثنا محمّد ابن عمر الجعالي، قال: حدّثني إسماعيل بن محمّد بن شيبة القاضي البصري، قال: حدّثني محمّد بن أحمد بن الحسين، قال: حدّثني يحيى بن خلف الراسي، عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا يزيد بن الحسن، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أُسيد، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول على منبره: (معاشر الناس! إنّي فرطكم وإنّكم واردون عليَّ الحوض، أعرض ما بين بصرى وصنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضّة، وأنا سائلكم حين تردون عليَّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر: كتاب الله، سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لن تضلّوا، ولا تبدّلوا في عترتي أهل بيتي؛ فإنّه قد نبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، انتظر من يرد عليَّ منكم، وسوف يتأخّر أُناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمّتي، فيقال: يا محمّد! هل شعرت بما عملوا؟ إنّهم ما برحوا بعدك على أعقابهم)، ثمّ قال: (أوصيكم في عترتي خيراً) ثلاثاً، أو قال: (في أهل بيتي)، فقام إليه سلمان، فقال: يا رسول الله! ألا تخبرني عن الأئمّة بعدك؟ أما هم من عترتك؟ فقال: (نعم، الأئمّة بعدي من عترتي عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين(عليه السلام) ، أعطاهم الله علمي وفهمي، فلا تعلّموهم؛ فإنّهم أعلم منكم، واتّبعوهم؛ فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم))(1).

وفي هذه الرواية ذكر للحوض الذي خاف زيد بن أرقم أن يذكره لتهديد

____________

1- كفاية الأثر: ١٢٧ ما جاء عن حذيفة بن أسيد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 247

ابن زياد، وفيه الفقرة المحذوفة بين الأمر بالتمسّك بالقرآن وبين التذكير بأهل البيت(عليهم السلام) ، وهي: (أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)، وفيه أنّ التسعة من ولد الحسين من أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن عترته، وهم الأئمّة بعده، فهو يجيب على كلّ ما أشكل به المدّعي.

وفي الكتاب ــ أعني: (كفاية الأثر) ــ روايات أُخرى، منها عن عمر فيها نفس الدلالة(1)؛ فراجع!

ز ــ ولا يقول قائل بأنّ: كتاب (كفاية الأثر) لمؤلّف شيعي؛ فلا حجّة فيه علينا! فإنّا نقول: بأنّا لا نحتجّ هنا بما تدلّ عليه الرواية كرواية، بل احتجاجنا بالأساس هو بالمقارنة بين رواية مسلم ورواية الخزّاز؛ فإنّ الفارق بين عصريهما أقلّ من مائة وخمسين سنة، ولا يوجد احتمال ولو واحد بالألف، من أنّ الخزّاز قد وضع وفبرك الرواية حتّى يأتي شخص بعد ألف سنة ويقارن بين روايته ورواية مسلم ويستخرج ما سقط من روايته، فإنّ العقل لا يقبل بمثل هكذا احتمال، ولا يصدّق ادّعاء الوضع المتعمّد من الخزّاز بهذه النسبة الضعيفة؛ فتأمّل! فضلاً عن وجود روايات أُخرى عند الخزّاز تدلّ بنفس الدلالة عند مقارنتها مع رواية مسلم؛ فراجع!

ح ــ إنّ من أحد الأسباب التي دعتنا إلى المقارنة بين رواية مسلم وروايات الخزّاز، هو دحض الشبهة التي يتمسّك بها المخالفون من عدم وجود أمر من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) ــ كما هو الحال مع القرآن الكريم ــ في رواية مسلم التي لا يصحّ غيرها حسب مدّعاهم، كما أورد ذلك ابن تيمية في كتابه (منهاج السُنّة).

____________

1- كفاية الأثر: ٩١ ما جاء عن عمر بن الخطّاب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 248

فإنّ المقارنة تثبت أنّه قد وقع الحذف والاقتطاع في رواية مسلم، إمّا من قبل زيد نفسه لخوفه، أو من قبل أحد رواتها المغرضين، وأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر في الواقع بالتمسّك بهما كليهما، وقال بأنّهما: لا يفترقان، كما هو نصّ الروايات الأُخرى المتواترة لحديث الثقلين عند غير مسلم!

ط ــ ومن هذا الحديث، فضلاً عن كثير غيره, يثبت أيضاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن أنّ التسعة(عليهم السلام) هم من أهل البيت ومن العترة في نفس وقت إعلانه لحديث الثقلين؛ فالادّعاء بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذكر ذلك وهم في وهم، والادّعاء بأنّ الحصر في حديث الكساء يخرج التسعة (عليهم السلام) من أهل البيت وهم آخر.

٨ــ وأمّا النظر الذي أبداه من فهمه لجملة: (لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) وأنّ المراد منها هو: (أنّ تراث وسُنّة أهل البيت(عليهم السلام) التي ينقلونها عن الرسول موجودة ومحفوظة في كلّ زمان، كما أنّ القرآن محفوظ وموجود في كلّ زمان، لا أنّه هناك رجلاً منهم في كلّ زمان ومكان)، فهو فهم بعيد عن الظاهر المراد؛ فإنّ مراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) باللذين (لن يفترقا): الثقلان اللذان نصّ عليهما في كلامه، وهما: القرآن وأهل بيته, أي: نفس وجود القرآن ونفس وجود أهل البيت(عليهم السلام) , لا اللازم لهما؛ فإنّ سيرة أهل البيت(عليهم السلام) من لوازم وجودهم، وهي أيضاً موجودة إلى يوم الحوض، ولكن بوجود موضوعها وهم نفس أهل البيت(عليهم السلام) , فإنّ قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ في ذلك, وإلّا لو كان مراده ما قاله هذا المستشكل لجاء بألفاظ أُخر تدلّ على سيرتهم وسُنّتهم.

ثمّ إنّ ما ادّعاه هذا من الفهم سوف لا يجعلهما ثقلين، وإنّما سيكون هناك ثقل واحد؛ فإنّ سيرتهم وسُنّتهم لا تخرج عن سُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبالتالي لا تخرج عن الأمر بالتزام القرآن، فيكونا عند تصريف معنى الكلام واحد، ولا


الصفحة 249

يكون كذلك لو كان يعني(صلى الله عليه وآله وسلم) وجوديهما، فإنّهما سيكونان وجودان، وإن كان لازم ذلك في المآل إتحادهما أيضاً؛ فلاحظ!

وهذا ما فهمه أعلام أهل السُنّة، وإلّا لما ادّعوا تارة: أنّ المراد بالثقل الثاني: وجود علماء من أهل البيت(عليهم السلام) يحفظون الدين إلى يوم القيامة، وأُخرى: أنّ إجماع العترة لا يكون إلّا حقّاً, فهم في كلا القولين يريدون أعيانهم.

ومع ذلك فإنّ قولك هذا حجّة عليك أيضاً، وهو دليل للشيعة على غيرهم؛ فهم المتمسّكون فعلاً بسيرة وسُنّة أهل البيت(عليهم السلام) ، ولا يزايد على ذلك إلّا مبطل.

ولكن الفصل بيننا في المراد هو: أحاديث وروايات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الأُخرى، ومنها الخاصّة بالإمام المهدي(عليه السلام) ، فإنّ فيها النص على أنّه من أهل البيت(عليهم السلام) ؛ فلاحظ!

٩ــ نرجع ونقول: إنّ قول الإمام الصادق(عليه السلام) كان في بيان الربط الموضوعي بين آي القرآن الكريم وبين حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان من هم أهل البيت، وأنّه لا ينطبق في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا على الخمسة أهل الكساء خاصّة، لا أنّه كان يريد حصر أهل البيت(عليهم السلام) فيهم على طول الزمان، وإلّا فإنّ هناك روايات عديدة فيها النص من مولانا الصادق(عليه السلام) نفسه على أنّه من أهل البيت(عليهم السلام) ؛ فلاحظ!

١٠ــ إنّ قولنا بأنّ جملة (لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) بأنّها تدلّ على: وجود فرد معيّن من أهل البيت(عليهم السلام) يلازم القرآن إلى يوم القيامة، ليس من باب الترجيح بلا مرجّح بين ظاهرين لمعنى الجملة، بل هو من باب التمسّك بالظاهر، الذي هو حجّة عند الكلّ، مقابل التأويل، سواءً كان قريباً أم بعيداً؛ إذ لو وجد هناك في كلّ كلام ظاهرٌ يمكن الالتزام به، فلا يتعدّى منه إلى الفهم والتأويل البعيد، إلّا إذا كان هناك مانع لفظي أو شرعي أو عقلي من الالتزام بهذا الظاهر, وليس من هذا في البين.


الصفحة 250

١١ــ إنّ الاستدلال بحديث الصفّار، ليس لتعيين الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) بأشخاصهم؛ فإنّ هذا لا يتم بالحديث وحده، ولكن الاستدلال به يكون على أنّ هناك أئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) يجب اتّباعهم، وأنّهم سيكونون في كلّ زمان، وإلّا لما تم الاستدلال بالآية؛ إذ لو لم يكونوا في كلّ زمان لوجد أُناس لا إمام لهم واجب الاتّباع يُدْعَوْن به يوم القيامة, ولخلا زمان ما من هذا الإمام، فتكون في ذلك الحجّة للناس على الله ـ. نعوذ بالله ــ وليس بالعكس؛ أيّ: الحجّة لله على الناس؛ فلاحظ!

وأمّا التذرع بالتفاسير، فهذا خروج عن البحث؛ إذ أنّ الكلام بعد التسليم بالرواية لا ردّ الرواية والرجوع إلى التفاسير.

١٢ــ وأمّا ما اعترض عليه في حديث (معاني الأخبار) من إخراج الزهراء(عليها السلام)، فليس له محلّ في الكلام, لأنّ من الواضح أنّ جواب الإمام(عليه السلام) كان في بيان الأئمّة(عليهم السلام) ، توضيحاً لما أشكل في ذهن السائل، مقابل المخالفين، ومن الواضح أنّ الزهراءI ليست بإمام، وإن كانت حجّة وهو بحث آخر.

والظاهر أنّ المستشكل يخلط بين مفهوم الحجّة ومفهوم الإمام بالمعنى الخاص المتنازع فيه، أو أنّ أحدهما يلازم الآخر.

إذ من الواضح أنّ القرآن وسُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة ولكن ليسا بإمام بهذا المعنى؛ فلاحظ!

١٣ــ وأمّا رواية سُليم: فليس الذين طهّرهم الله في آية التطهير الخمسة أصحاب الكساء فقط، وإنّما أهل البيت المعصومون، والذين نعرفهم ونشخّصهم من النص الصادر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فإذا قال: إنّ التسعة(عليهم السلام) يدخلون فيهم، فنسلّم ولا جدال.

١٤ــ وأمّا صحيحة الصفّار في (بصائر الدرجات)، فبعد أن وجد أن لا


الصفحة 251

محيص عنها في الدلالة، التجأ إلى دعوى المعارضة بينها وبين حديث الكساء، وقد بيّنا أنّ لا معارضة إلّا في فهمه السقيم للحصر، ومع ذلك فالظاهر أنّ صاحبنا لم يطّلع في علم أُصول الفقه في (باب التعارض) على أنواع الجمع العرفي، وأن التعارض لا يتم إذا كان هناك في الإمكان جمع عرفي.

وهل أوضح من الجمع بين قول الصادق(عليه السلام) وبين حديث الكساء، من أنّ الخمسة(عليهم السلام) والإمام الصادق(عليه السلام) ، على الأقلّ في هذه الرواية، داخلون في مصطلح أهل البيت المطهّرين(عليهم السلام) ؛ فلاحظ!

١٥ــ وفي الصحيحة الأُخرى للصفّار، وبعد أن أعيته الدلالة ووضوحها أيضاً، طعن في الفرق في الحجّية بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الصادق(عليه السلام) ، وهذا لا يتم؛ لأنّ الاستدلال بالرواية من قبلنا يكون بعد التسليم بأنّ حجّية الصادق(عليه السلام) من حجّية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا مجال لافتراض الاجتهاد هنا فضلاً عن الاجتهاد مقابل النص, وبالتالي لا بدّ من جعل ما قاله الصادق(عليه السلام) نصّاً في بيان المراد من أهل البيت(عليهم السلام) في حديث الثقلين، صادراً من مشكاة النبوّة, والجمع بين حديث الثقلين وحديث الكساء سهل وواضح.

١٦ــ وأمّا تكراره للأسئلة ومطالبته بالجواب عنها، فلك أن تسرد له الروايات المتواترة على دخول التسعة(عليهم السلام) في أهل البيت، وهذا هو دليلنا، فهناك روايات صادرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأكثر منها صادرة عن أئمّتنا(عليهم السلام) ، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحصر أهل البيت(عليهم السلام) في أصحاب الكساء الخمسة(عليهم السلام) ، والحصر في حديث الكساء لم يكن حصراً على طول الزمان، وبالتالي لا تعارض بين حديث الكساء وغيره من الأحاديث الناصة على دخولهم(عليهم السلام) .

ثمّ وإن قلنا، فرضاً، بالتعارض البدوي، فإنّ التعارض لا يتم إذا كان هناك


الصفحة 252

وجه للجمع العرفي، مع أنّ النص منهم(عليهم السلام) بدخولهم في أهل البيت(عليهم السلام) مقدّم على ظاهر الحصر على طول الزمان في حديث الكساء، لو قلنا به!

ولا نقول؛ فإنّ النص يقدّم على الظاهر عند التعارض، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أدخل الأئمّة الباقين(عليهم السلام) في أهل البيت بنصوص أُخرى، ولا يشترط بأن يكون البيان بقرينة متّصلة، فإنّ حكمها والمنفصلة واحد، وأنّ كلام الرجل يؤخذ كلّه ولا يؤخذ بعض منه دون بعض.

وأمّا بقية الكلام فتكرار يعرف جوابه ممّا مضى.

(حديث الكساء يشمل أهل البيت(عليهم السلام) )

« محمّد ــ إمامي »

السؤال:

عند الصلاة على النبيّ وآله، نقصد بالآل: النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والسيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) والأئمّة الاثنا عشر(عليهم السلام) ، ولكن عند نزول آية التطهير وفي حديث الكساء يقول النبيّ عن الخمسة(عليهم السلام) : (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي و...).

فكيف نوفّق بين الأمرين؟ ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

حديث الكساء مسألة، والصلاة مسألة أُخرى، والخلط ما بين المسألتين غير صحيح!

فحديث الكساء خاص بمن كان موجوداً آنذاك، وهم: الخمسة(صلوات


الصفحة 253

الله وسلامه عليهم)، فلا يمكن الإتيان بكلّ الأئمّة(عليهم السلام) ووضعهم تحت الكساء، فهذا لا معنى له، لعدم وجودهم آنذاك.

ثمّ هذه القضية الخاصّة، كرامة لهم ولذرّيّتهم، والقدر المتيقّن من ذرّيتهم هو الأئمّة(عليهم السلام) ، والصلاة على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) مسألة أُخرى لا ترتبط بهذا الموضوع؛ لأنّ (الآل) عنوان عام خُص في الروايات بـ(آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحينئذ فالموضوعين مستقلّين وتداخلهما غير صحيح.

فهناك قضايا ترتبط بالوقت المحدّد لها، كحديث الكساء أو المباهلة مثلاً، وبقية الأئمّة(عليهم السلام) حتماً داخلون في هذه الكرامة، ولكن لا يوجد لهم حضور حيّ وقتها، أي بمعنى أن نطلق عليهم كلّهم أصحاب الكساء، بل الإطلاق خاص بالخمسة، وكذا آية المباهلة، ولكن بمعنى أنّهم لو كانوا موجودين وقتها لأدخلهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معهم لوجود نفس الخصوصية فيهم.

وبعبارة أُخرى: عندنا قضية خارجية، وعندنا قضية حقيقية، فالقضية الخارجية تتحقّق بأفرادها الموجودين خارجاً حينذاك، كقضية حديث الكساء، فالأئمّة(عليهم السلام) لم يكونوا موجودين خارجاً حتّى نقول: لا تشملهم، بخلاف القضية الحقيقية، كقضية (الآل)؛ فإنّها قضية كبروية حقيقية تشمل الأئمّة(عليهم السلام) حسب تشخيص الروايات.

ثمّ إنّ مسألة (الآل) مسألة مهمة، لذا بحث العلماء في المقصود من: آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد أجمع المسلمون بأنّ المراد من (الآل) ليس مطلق قريش، والحنفية والزيدية يقولون: (هم بنو هاشم)، والشافعية يقولون: (هم بنو عبد المطّلب)، وبعض فقهائهم قالوا: (هم مؤمنو بني هاشم وعبد المطّلب)، وبعض آخر قال: (هم أولاد فاطمة(سلام الله عليها)).


الصفحة 254

بينما نحن الشيعة نقول: (هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأولادهم(عليهم السلام) ).

وهذا المعنى لو نأخذه من جهة علم الأُصول، فالقدر المتيقّن ما نقوله نحن؛ لأنّ هذا متّفق عليه عند جميع الطوائف، وما زاد عليه مشكوك، فتجري أصالة العدم، هذا عدا النصوص الموجودة عندنا من طرق العامّة، كصاحب (المناقب)(1) وغيره حيث ينصّون على هذه السلسلة الطاهرة.

إضافة إلى كلّ هذا، يمكن الاستناد إلى حديث الثقلين؛ إذ يدلّ بوضوح على استمرار الآل والعترة مع القرآن، وأنّ القرآن والعترة خليفتين لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لن يفترقا، وحديث الثقلين رواه المسلمون في مصادرهم وصحّحوه، والجمع بين حديث الثقلين وبين ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حصر الأئمّة والخلفاء من بعده بـ (اثني عشر)، وهذا الحديث أيضاً رواه المسلمون في مصادرهم وصحّحوه، فالجمع بين هذين الحديثين يعطينا نتيجة: أنّ أهل بيت النبيّ(عليهم السلام) هم: فاطمة والأئمّة الاثنى عشر(عليهم السلام) .

____________

1- مناقب عليّ بن أبي طالب، للخوارزمي: ٦٠ الفصل الخامس.


الصفحة 255

آية لا ينال عهدي الظالمين*

﴿وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ

البقرة (٢): ١٢٤

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الإمامة)


الصفحة 256


الصفحة 257

(عدم نيل الإمامة من قبل الظالمين)

« أبو علي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كيف يمكن إثبات أنّ مَن تلبّس بصفة الظلم ولو في لحظة من حياته لا ينال مقام الإمامة حتّى بعد توبته في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ، مع طرح أمثلة توضيحية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ إبراهيم(عليه السلام) لمّا سأل الإمامة لبعض ذرّيته، أُجيب بنفيها عن الظالمين منهم.

ولكن رُبَّ سائل يسأل: ما هو الظلم المراد في الآية، هل هو الظلم ولو لفترة معيّنة من حياة الشخص؟ أم هو الظلم لكلّ حياة الشخص؟

ويتضّح الجواب من خلال ما نقله صاحب (الميزان) عن بعض أساتذته بقوله: (إنّ الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: مَن كان ظالماً في جميع عمره، ومَن لم يكن ظالماً في جميع عمره، ومَن هو ظالم في أوّل عمره دون آخره، ومَن هو بالعكس، هذا وإبراهيم(عليه السلام) أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذرّيته، فبقي قسمان، وقد نفى الله أحدهما، وهو الذي يكون ظالماً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر، وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره)(1).

____________

1- تفسير الميزان، للطباطبائي ١: ٢٧٤، قوله تعالى: ((وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ...)).


الصفحة 258

(مفاد قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ...)

« ابتسام ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

السادة الأفاضل: الرجاء التكرّم بالإجابة على سؤالي:

من الأدلّة القرآنية الدالّة على عصمة الإمام: آية ابتلاء إبراهيم(عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ(1).

١. إنّ الإمامة في الآية غير النبوّة. لماذا؟

٢. ما المراد من ﴿الظَّالِمِينَ؟

٣. هناك شبهة تقول: إنّ الآية تشمل من كان مقيماً على الظلم، وأمّا التائب فلا يتعلّق به الحكم؛ لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة وزالت الصفة، زال الحكم.

فكيف نردّ على هذه الشبهة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإمامة أعلى شأناً من النبوّة؛ إذ النبوّة هي مقام تلقّي الوحي فقط، ولكن الإمامة رتبة التصدّي لقيادة الأُمّة على ضوء تعاليم الوحي، فالإمام هو خليفة الله

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 259

على الأرض لعظم المسؤولية الواقعة على عاتقه.

ومن هنا نعلم أنّ المناسب للرتبة التي مُنحت لإبراهيم(عليه السلام) بعد ابتلائه هي: الإمامة، مضافاً إلى أنّ ظهور كلمة ﴿إِمَاماً في الآية تدلّ بالصراحة على منصب الإمامة لا النبوّة، فصرفها إلى النبوّة تكلّف بلا حجّة ولا دليل.

على أنّ المعنى واضح من خلال الآية؛ فإبراهيم(عليه السلام) في أوان نبوّته كان لا يعلم بحصول ذرّية له في المستقبل، بل وفي قصّة تبشير الملائكة بإسماعيل وإسحاق(عليهما السلام) ما يلوح منه آثار اليأس والقنوط من الحصول على الأولاد، فكيف والحال هذه يستدعي إبراهيم(عليه السلام) من الله تبارك وتعالى إعطاء رتبة الإمامة لذرّيته؟

فيظهر لنا أنّ هذا الدعاء كان بعد ولادة بعض ذرّيته على الأقلّ، أيّ: بعد حصوله على رتبة النبوّة.

ثمّ إنّ هنا أيضاً نقطة مهمّة لا بأس بالإشارة إليها، وهي: إنّ ﴿جَاعِلُكَ اسم فاعل، ولا يعمل إلّا في الحال أو الاستقبال، أي: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً يدلّ على إعطاء الإمامة في ما بعد، مع أنّ هذا القول هو وحي، فلا يمكن وصوله إلّا مع نبوّة، فثبت أنّه (عليه السلام) كان نبيّاً قبل تقلّده الإمامة.

أمّا المقصود من ﴿الظَّالِمِينَ فهو: مطلق من صدر منه ظلم، لو في مقطع من الزمن، وحتّى ولو تاب في ما بعد، والآية بهذه الصراحة تريد أن تركّز على صفة العصمة في الإمام، فمن لم تكن فيه هذه الميزة ــ ولو في برهة من عمره ــ لا يليق بهذا المقام.

أمّا إخراج التائب، فبداهة العقل ونصّ القرآن يرد هذه الشبهة.

فهل يعقل أنّ إبراهيم(عليه السلام) الذي عرف منزلة الإمامة وشأنها ــ بعد الابتلاءات


الصفحة 260

العصيبة التي مرّ بها ــ يسأل هذه الرتبة للمقيم على الظلم، وهما قسمان: العاصي ابتداءً، والذي عصى ثمّ مات على المعصية؟! ألا يعلم هو (عليه السلام) أنّ هذه المكانة السامية لا تجتمع مع الشرك أو المعاصي؟!

فمنه يظهر أنّ استدعائه (عليه السلام) الإمامة كان لمن لم يعص أبداً من ذرّيته، أو عصى ثمّ تاب، ونفى الله عزّ وجلّ إعطاءها لغير المعصوم من نسله، فبقي المعصوم هو الذي يكون مشمولاً للآية.

ثمّ حتّى على فرض الأخذ بظهور الآية؛ فإنّ كلمة ﴿الظَّالِمِينَ مطلقة وتشمل جميع من صدر منهم الظلم سواء تابوا بعد أم لا، ولا دليل لتخصيصها بقسم دون آخر.

(هل تحصل الإمامة بدون النبوّة؟)

« علي حسين ــ مصر »

السؤال:

السلام عليكم..

كنت في نقاش مع أحد الوهّابية وطرح هذه الشبهة:

عن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: (إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي؟ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ، قال: لا يكون


الصفحة 261

السفيه إمام التقي)(1).

انظر إلى قول الصادق(عليه السلام) في آخر الحديث: (فلمّا جمع له الأشياء قال ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً فإذاً: جمع له الأشياء... وبعد أن جمع لإبراهيم الأشياء كان إماماً.

ما هي هذه الأشياء التي جمعها له وبالتدرج، فأوّل ما يكون عبداً، ثمّ يجعله الله نبيّاً، ثمّ يجعله الله رسولاً، ثمّ يجعله الله خليلاً، ثمّ يجعله الله إماماً بعد أن يمرّ بجميع الأطوار السابقة: عبداً ثمّ نبيّاً ثمّ رسولاً ثمّ خليلاً ثمّ إماماً، وبالتدريج، فلا يكون إماماً ما لم يمرّ بهذه الأطوار السابقة، وكما نصّ حديث الصادق(عليه السلام)، هذا قول الله ينقله الصادق(عليه السلام).

فإذاً ما لم يمر بالأطوار لا يكون إماماً... ولا يكون إماماً ما لم يكن خليلاً أوّلاً، وقبلها يكون رسولاً، وقبلها يكون نبيّاً، وقبلها يكون عبداً، وهذا الوصف قطعاً لا ينطبق على الأئمّة الاثني عشر المعصومين(عليهم السلام) ، سوى الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّه كان عبداً، ثمّ كان نبيّاً، ثمّ كان رسولاً، ثمّ كان حبيباً وخليلاً للرحمن، ثمّ كان للمتّقين إماماً، ولكن ولا واحد من الأئمّة المعصومين الاثني عشر كان خليلاً، فضلاً عن كونه رسولاً أو نبيّاً حتّى يكون إماماً، ولا حتّى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فهذه الشروط غير متوفّرة في المعصومين الاثني عشر، وبالتالي لا تشملهم دعوة أبينا إبراهيم(عليه السلام)؛ لأنّها لا تشمل سوى الأنبياء من ذرّيته.. والمعصومين ببساطة ليسوا أنبياء؛ لأنّه لا نبيّ بعد محمّد عليه الصلاة السلام.

أرجو الجواب على هذه الشبهة.. دمتم بخير.

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٧٥ كتاب الحجّة، باب (طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة ح٢).


الصفحة 262

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس في كلام الصادق(عليه السلام) ما يدلّ على: الإطلاق، وأنّ الإمامة لا تحصل إلّا بحصول النبوّة والرسالة والخلّة، بل هذا ما فهمته أنت من ذلك وعمّمت من دون دليل.

بل الذي يقوله الإمام الصادق(عليه السلام) هو: أنّ الإمامة حصلت بعد تلك المنازل لإبراهيم(عليه السلام) ، ولا يعني ذلك عدم حصولها لغيره إلّا بهذا الترتيب، فلا ارتباط بين الأمرين، فيمكن أن تكون هناك إمامة بلا نبوّة ولا رسالة، وهذا ما حصل فعلاً في أئمّتنا(عليهم السلام) ، إضافة إلى أنّ الإمامة لم تحصل لكلّ الأنبياء من ذرّية إبراهيم(عليه السلام) ، فتعميمه الأخير في غير محلّه.

(المقصود من الظلم في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ)

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الأدلّة التي يحتجّ بها الشيعة الإمامية على عصمة الأئمّة قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ(1).

أقول: يحتجّ الشيعة على عصمة الأئمّة بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ، حيث إنّهم لا يظلمون أنفسهم ولا غيرهم, فهم إذاً معصومون.

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 263

فرد أحد الوهّابية معارضة لهذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَقُلنَا يَا آدَمُ اسكُن أَنتَ وَزَوجُكَ الجَنَّةَ وَكُلَا مِنهَا رَغَداً حَيثُ شِئتُمَا وَلَا تَقرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(1).

فقال الوهّابي: لقد أكل آدم(عليه السلام) من الشجرة, فكان من الظالمين، وآدم(عليه السلام) معصوم عندكم, فكيف تقولون: إنّ آية ابتلاء إبراهيم تدلّ على العصمة وآدم(عليه السلام) ظالم؟!

أقول: فكيف نردّ على هذه الشبهة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الظلم الذي صدر من آدم(عليه السلام) لم يكن الظلم الذي يقدح في العصمة والذي يكون جرّاء المعصية؛ لأنّ التكليف كان إرشادياً ليس له إلّا التبعة التكوينية دون التشريعية، لاستلزام قبول التوبة ــ لو كان التكليف تشريعياً والمعصية تشريعية أيضاً ــ رجوعهما ــ أي: آدم وحواء ــ إلى ما كانا فيه من مقام القرب، وهو ما لم يحصل، وإنّما وقع الأمر التكويني بخروجهما من الجنّة.

ثمّ أنّ الدعاء من إبراهيم كان لذرّيّته، والجواب من الله بعدم نيل العهد للظالمين منهم، وآدم ليس من ذرّية إبراهيم(عليه السلام) ، وعليه:

فإذا التزمنا بأنّ الظلم في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ هو نفس الظلم الذي في قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فيكون المعنى: أنّ الأئمّة من ذرّية إبراهيم(عليه السلام) لا يصدر منهم حتّى مثل ترك الأولى الذي فُسّرت به معصية آدم(عليه السلام) .

وإذا قلنا: أنّ الظلم في الآية الأولى أخصّ منه في الثانية، والمقصود منه:

____________

1- البقرة (٢): ٣٥.


الصفحة 264

الظلم الناشئ عن المعصية، فتكون دلالة الآية الأولى على عصمة الأئمّة من ذرّية إبراهيم(عليه السلام) بمقدار لا يحدّد صدور ترك الأولى منهم من عدمه.

(ماهية ظلم آدم ويونس(عليهما السلام) )

« منتظر الموسوي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ تدلّ هذه الآية على أنّ عهد الله، نبوّة أو إمامة، لا يناله الظالمين, لكن نرى في حقّ آدم(عليه السلام) يقول الله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(1)، ونرى في حقّ يونس(عليه السلام): ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(2).

كما تعلمون أنّ الظلم واسع المعنى، وجاء في الآية الأولى: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ بشكل مطلق يشمل جميع أنواع الظلم, وهذا يعني أنّ عهد الله لا يمكن أن ينال آدم أو يونس ــ إلّا إذا كان المقصود بالعهد الإمامة حصراً ــ يعني: لا النبيّ ولا الرسول ــ لكن يحتاج القول بأنّ العهد فقط هو الإمامة لا النبوّة ولا الرسالة إلى دليل قاطع.

أرجو التعليق ودحض هذه الشبهة إذا اعتبرتموها شبهة.

وأسال الله لكم التوفيق والسداد.

____________

1- البقرة (٢): ٣٥.

2- الأنبياء (٢١): ٨٧.


الصفحة 265

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ المراد من العهد المذكور في الآية القرآنية هو: الإمامة، حسب النصّ القرآني، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ(1)، فإبراهيم(عليه السلام) طلب الإمامة لبعض ذرّيته من الله، فكان الجواب من الله: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ، أي: الإمامة، وعلى هذا نصّ أئمّتنا(عليهم السلام) .

منها: ما روي عن الرضا(عليه السلام) ، ضمن كلام طويل في الإمامة، قال: (إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة، مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره؛ فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، فقال الخليل(عليه السلام) سروراً بها: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ، فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة؛ فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ _ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(2)، فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً، حتّى ورّثها الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ...)(3).

فقولك: (تدلّ الآية على أنّ عهد الله نبوة أو إمامة لا يناله الظالمين) ليس في محلّه.

ثانياً: قال الطباطبائي في الميزان: (﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، اعتراف بالظلم,

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- الأنبياء (٢١): ٧٢ ــ ٧٣.

3- الكافي، للكليني ١: ١٩٨، باب نادر (جامع في فضل الإمام وصفاته).


الصفحة 266

من حيث إنّه أتى بعمل كان يمثّل الظلم وإن لم يكن ظلماً في نفسه, ولا هو (عليه السلام) قصد به الظلم والمعصية, غير أنّ ذلك كان تأديباً منه تعالى، وتربية لنبيّه ليطأ بساط القرب بقدم مبرّاة في مشيتها من تمثيل الظلم فضلاً عن نفس الظلم)(1).

وقال عن قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ: (ومن هنا يظهر أنّ وبال هذا الظلم إنّما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الدنيا من جوع وعطش وعراء وعناء, وعلى هذا فالظلم منهما إنّما هو ظلمهما لأنفسهما لا بمعنى المعصية المصطلحة, والظلم على الله سبحانه, ومن هنا يظهر أنّ هذا النهي ــ أعني قوله: ﴿وَلَا تَقرَبَا ــ إنّما كان نهياً تنزيهاً إرشادياً يرشد به إلى ما فيه خير المكلّف وصلاحه في مقام النصح لا نهياً مولوياً)(2).

(العلاقة بين نيل العهد وعدم الظلم)

« محمّد قاسم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

في الآية الكريمة: ﴿لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ(3)، وحسب الثابت من أنّ العهد في الآية هو الإمامة..

يلزم من ذلك أحد، أمرين:

إمّا أن يكون جميع الأنبياء(عليهم السلام) هم أئمّة..

____________

1- تفسير الميزان ١٤: ٣١٥ قوله تعالى: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً...)).

2- تفسير الميزان ١: ١٣٠ قوله تعالى: ((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ...)).

3- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 267

أو إذا لم يكونوا كلّهم أئمّة فيلزم من ذلك أن يكونوا من المستثنين من الآية، وهذا يثبت ظلمهم، والعياذ بالله.

وهل هناك دليل عقلي على إمامة النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الظاهر من الآية أنّ العهد هنا عهد الإمامة لا عهد النبوّة، فلا يلزم من ذلك كون جميع الأنبياء أئمّة.

ولا يلزم من نفي نيل العهد عن الظالمين أن يكون كلّ من لا ينال العهد فهو من الظالمين؛ لأنّ العلاقة بين عدم الظلم ونيل العهد ليس هي التساوي, بل العموم والخصوص المطلق, فكلّ ظالم حسب الآية لا ينال العهد, ولا يلزم منها صحّة كلّ من لا ينال العهد فهو ظالم.

وأمّا الدليل العقلي على إمامة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في وقته فهو مركّب من مقدّمتين:

الأولى: وجوب وجود الإمام في كلّ زمان.

والثانية: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفضل أهل زمانه، بل أفضل البشر، فثبت كونه هو الإمام في زمانه.

هذا فضلاً عمّا نعتقده من أنّ الله تعالى أوّل ما خلق: نوره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه أوّل الموجودات، وواسطة الفيض، فلا بدّ أن يكون هو الإمام للكلّ من أوّل الخلقة إلى آخرها ولا إمام فوقه.


الصفحة 268


الصفحة 269

آية المباهلة*

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ

آل عمران (٣): ٦١

*انظر ــ ما يتعلّق بهذه الموضوع ــ : (آية التطهير)(آية المودّة) (أهل البيت(عليهم السلام) )(المباهلة)


الصفحة 270


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية