المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 1 - ص 30)




الصفحة 1

موسوعة الأسئلة العقائدية

المجلّد الثاني

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية


الصفحة 2


الصفحة 3

بسم الله الرحمن الرحيم


الصفحة 4


الصفحة 5

آباء وأُمّهات الأنبياء والأئمّة عليهم السلام

* انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أبو طالب)(أبو بكر)

(النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم)(النبيّ إبراهيم عليه السلام)


الصفحة 6


الصفحة 7

(آباء النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم كانوا على التوحيد)

« محمّد زويد ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ورد في كتب عديدة حول آباء النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم ما يلي:

إنّ جميع آبائه عليهم السلام وأُمّهاته كانوا على التوحيد، لم يدخلهم كفر ولا عيب ولا رجس ولا شيء ممّا كان عليه أهل الجاهلية.

أي: إنّ جميع آبائه وأُمّهاته(عليه الصلاة والسلام) كانوا على التوحيد من أبيه الأوّل حتّى نبيّ الله آدم عليه السلام. فإن كان كذلك ففي زمن الأنبياء عليهم السلام على أيّ دين كانوا؟

مثلاً في زمن نبيّ الله موسى عليه السلام هل كانوا على الديانة اليهودية؛ لأنّ نبيّ الله موسى عليه السلام حجّة عليهم، وهو نبيّ زمانه، وكذلك في زمن نبيّ الله عيسى عليه السلام، وكذلك بالنسبة لباقي الأنبياء؟

وهل يحقّ لنا أن نقول: إنّهم كانوا يهوداً أو نصارى أو غير ذلك، أم لا؟ وكيف؟

يرجى بيان الأمر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، وكما دلّت عليه المصادر والأحاديث أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يدينون بالحنيفية وما تتعبّد به من طقوس وشعائر.


الصفحة 8
وقد قال السيّد جعفر مرتضى في كتاب (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم) ما يلي:

((قالوا: إنّ كلمة الإمامية قد اتّفقت على أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من آدم إلى عبد الله كلّهم مؤمنون موحّدون(1).

بل ويضيف المجلسي قوله: ... بل كانوا من الصدّيقين، إمّا أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين, ولعلّ بعضهم لم يظهر الإسلام لتقية، أو مصلحة دينية(2).

ويضيف الصدوق هنا: أنّ أُمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم آمنة بنت وهب كانت مسلمة أيضاً(3)))(4).

ثمّ قال: ((وممّن صرّح بإيمان عبد المطّلب وغيره من آبائه صلي الله عليه وآله وسلم: المسعودي، واليعقوبي. وهو ظاهر كلام الماوردي، والرازي في كتابه (أسرار التنزيل)، والسنوسي، والتلماسي محشّي الصفا، والسيوطي...))(5).

ثمّ قال: ((وقد استدلّوا على ذلك أيضاً بقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات...)(6)))(7).

____________

1- انظر: أوائل المقالات: ٤٦ القول في آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، تصحيح اعتقادات الإمامية، للمفيد: ١٣٩ في أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا موحّدين.

2- بحار الأنوار ١٥: ١١٧ حديث (٦٣) الباب (١).

3- الاعتقادات في دين الإمامية: ١١٠ (٤٠)، باب (الاعتقاد في آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم).

4- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٨٥ الفصل الخامس البحث الأوّل.

5- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٨٦ الفصل الخامس البحث الأوّل.

6- مجمع البيان ٤: ٩٠ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...)، تفسير الرازي ٢٤: ١٧٣ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).

7- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٨٧ الفصل الخامس البحث الأوّل.


الصفحة 9
والحنيفية التي سار عليها آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إنّما هي: دين النبوّة والأنبياء، أو دين الله وهي الإسلام، في كلّ عهد من عهود الأنبياء تتبنّى عقيدة التوحيد وما يدور في عبادة الله وحده، وقد وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بها كما في قوله عزّ وجلّ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1).

قال العاملي في موضع آخر: ((وجود بقايا الحنيفية ــ دين إبراهيم، كالحجّ وآدابه ــ في الجزيرة العربية، وفي مكّة بالذات؛ لأنّ العرب، وهم أولاد إسماعيل، قد توارثوا عنه الدين الحقّ وكانوا يعتزّون بذلك ــ إلى أن قال: ــ غير أنّ بقية منهم ــ وإن كانت قليلة جدّاً ــ قد بقيت متمسّكة بعقيدة التوحيد، وترفض عبادة الأوثان؛ وتعبد الله على حسب ما تراه مناسباً وقريباً إلى تعاليم دين إبراهيم،. ومن هؤلاء: عبد المطّلب وأضرابه من رجالات بني هاشم الأبرار.

وكان من بقايا الحنيفية: تعظيم البيت، والطواف به، والوقوف بعرفة، والتلبية، وهدي البدن...

وقد روي عن الصادق عليه السلام ما مفاده: إنّ العرب كانوا أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس؛ فإنّ العرب يغتسلون من الجنابة، والاغتسال من خالص شرائع الحنيفية، وهم أيضاً يختتنون، وهو من سنن الأنبياء، كما أنّهم يغسلون موتاهم، ويكفّنونهم، ويوارونهم في القبور، ويلحدونهم،

____________

1- آل عمران (٣): ٦٧.


الصفحة 10
ويحرمون نكاح البنات والأخوات، وكانوا يحجّون إلى البيت ويعظّمونه، ويقولون: بيت ربّنا، ويقرّون بالتوراة والإنجيل، ويسألون أهل الكتب...(1)))(2).

أمّا في ما يتعلّق بمدى علاقة آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم باليهودية والنصرانية، فنقول:

١ــ كما ورد في النصّ المذكور أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقرّون بكلّ من التوراة والإنجيل، هذا مسلّم به دون شكّ؛ لأنّ كلاً من الكتابين المذكورين كتاب الله المنزّل على موسى عليه السلام وهو: التوراة، وكتاب الله المنزّل على عيسى عليه السلام وهو: الإنجيل، فهم ــ أيّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ــ يؤمنون بذلك حقّاً كدين في خط حنيفية إبراهيم عليه السلام.

٢ــ كما لا شكّ ولا ريب أنّ المؤمنين بالتوراة من قوم موسى عليه السلام هم مؤمنون بدين موسى كمسلمين أحناف، وهكذا القول فيمن آمن بالإنجيل من قوم عيسى عليه السلام، كلّ قد آمن بالله وكان في الإسلام حنيفاً.

إذاً فلا ضير في أن يكون آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الذين أدركوا عيسى عليه السلام في دين عيسى عليه السلام، ومن أدرك موسى عليه السلام أن يكونوا في دينه أيضاً، طالما أنّهم قد أقرّوا بما جاءت به التوراة والإنجيل فلماذا لا يكونون في معية قوم عيسى عليه السلام وقوم موسى عليه السلام؟! وهذا ممّا لا يتنافى مع مسلّمة كونهم أحنافاً.

____________

1- انظر: الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٩١ ــ ٩٢ في ما احتجّ الصادق عليه السلام على الزنديق.

2- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ٢٣٠ ــ ٢٣١ الفصل الخامس البحث الرابع.


الصفحة 11
نعم، ممّا يجدر ذكره: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ...(1) فاليهود هنا وإخوانهم النصارى قد وصفهم الله تعالى بالإشراك، والإشراك يتنافى مع مسلّمات الحنيفية وما تتعبّد به من التوحيد، وهذا يعني: أنّ اليهود والنصارى قد انحرفوا عن التوراة والإنجيل، وأنّهم على خلاف ما جاء به عيسى وموسى عليهما السلام...

قال الطبرسي في (مجمع البيان): ((﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً(2) نزّه إبراهيم وبرّأه عن اليهودية والنصرانية؛ لأنّهما صفتا ذمّ، قد دلّ القرآن والإجماع على ذلك. وهذا يدلّ على أنّ موسى أيضاً لم يكن يهودياً، ولم يكن عيسى نصرانياً؛ فإنّ الدين عند الله الإسلام، واليهودية ملّة محرّفة عن شرع موسى، والنصرانية ملّة محرّفة عن شرع عيسى، فهما صفتا ذمّ جرتا على فرقتين ضالّتين))(3).

وعلى ضوء هذه الحقيقة التاريخية لم يكن آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الأحناف نصارى ولا يهوداً، بل كانوا على دين الأنبياء ابتداءً من عيسى وحتّى إبراهيم عليهما السلام.

تعليق (١):

« عبد الكريم ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الأُمور المسلّمة أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا مؤمنين، وهذا لا نقاش فيه عندنا، ولكن حسب استقصائي القاصر وتتبّعي لم أجد من تعرّض إلى أنّهم هل كانوا

____________

1- التوبة (٩): ٣٠.

2- آل عمران (٣): ٦٧.

3- مجمع البيان ٢: ٣١٧ قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً...).


الصفحة 12
يدينون لله بالمسيحية؛ لأنّ رسالة عيسى عليه السلام كانت عامّة لكلّ الناس، ولا يسع أحد أن يتخلّف عنها إلّا إذا لم تصله دعوته، وليس الحال هكذا في مكّة فإنّ المسيحية واصلة إليهم كما وصلت اليهودية.

نعم، ورد أنّهم كانوا على الحنيفية الإبراهيمية، ولكن لو كان هذا يكفي لكفى غيرهم، ولما احتاج الناس إلى بعث الأنبياء من جديد، فأرجو تسليط الضوء على هذا الموضوع مع إرشادي إلى المصادر التي تذكره.

مع تمنياتي لكم بالتوفيق.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من المسلّم به والثابت عندنا نحن الإمامية أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا موحّدين مؤمنين، وهناك إشارات من الروايات على أنّهم كانوا أحنافاً على ملّة أبيهم إبراهيم عليه السلام, ولا توجد أيّ دلالة من الأخبار، أو الروايات على أنّهم كانوا يتعبّدون بشريعة موسى أو عيسى عليهما السلام حتّى نستطيع أن نبتّ بالأمر, هذا هو حصيلة ما نحصل عليه من الروايات ونعتقد به، ويكفي المؤمن ذلك، ويتوقّف عن التفصيل أكثر. مع ملاحظة أنّ المسألة تشمل تعبّد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قبل البعثة على بعض الوجوه.

ولكن لا مانع من البحث العلمي حسب ما نعرفه من القواعد الكلّية, ونذكر هنا عدّة نقاط:

١ــ إنّ كلّ ديانة سماوية تعتمد على ركنين: العقيدة والشريعة، أو ما نسمّيه


الصفحة 13
بـ(أُصول الدين وفروعه), ومن الواضح أنّ أُصول الدين واحدة عند كلّ الأنبياء من زمن آدم إلى نبيّنا عليهم السلام، والتي ينصّ القرآن على أنّها الإسلام والحنيفية، وما تتميّز الشرائع إلّا بالفروع، ومنها ينسب الشخص إلى أنّه يهودي أو مسيحي إذا تعبّد بشريعة موسى عليه السلام، أي: ما جاء به من أحكام (فروع)، وشريعة عيسى عليه السلام.

٢ــ هناك بعض الروايات يدلّ ظاهرها على أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا أوصياء, وبجمعها مع الروايات التي تدلّ على أنّهم كانوا أحنافاً، يمكن أن نقول أنّهم كانوا أوصياء لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حسب الشريعة الإبراهيمية، وعليه فقد لا يلزمهم التعبّد بالشريعة الموسوية أو العيسوية من جهة كونهم أوصياء.

٣ــ لقد أشار السيّد جعفر مرتضى العاملي إلى أنّ الآيات والدلائل تشير إلى أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام ونبيّنا الأكرم صلي الله عليه وآله وسلم هما اللذان كان لديهما شريعة عالمية وبُعثا للناس كافّة, ولم يسلّم ذلك بخصوص نبيي الله موسى وعيسى عليهما السلام، بل إنّهما بعثا إلى بني إسرائيل خاصّة. وإنّ معنى (أُولوا العزم) من خلال الآية ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ(1), هو: التأكيد على رسوخ وعمق درجة العصمة فيهم وقدرتهم الكبيرة على التحمّل.. إلى آخر ما أشار إليه(2).

وبما ذكرناه ينحلّ الإشكال.

____________

1- الأحقاف (٤٦): ٣٥.

2- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٩٨ ــ ٢٠٠.


الصفحة 14

تعليق (٢):

« جابر علي ــ السعودية ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهمّ صلّ على محمّد وآله الطاهرين..

آباء النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم كانوا جميعاً موحّدين غير مشركين، وذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(1).

نسب نبيّ الإسلام: محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (وهو الملقّب بقريش) بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ــ اشتهر أنّ الرسول كان يقف في نسبه عند عدنان ــ (بعض النسابين يتابع واصلاً النسب إلى آدم أبو البشر) بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تارخ ابن يعرب بن يشجب بن نابت بن نبيّ الله إسماعيل بن نبيّ الله إبراهيم بن تارخ ــ وقال بعضهم أنّه نفسه آزر ــ بن تاخور بن شارخ (شاروخ) بن أرغو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نبيّ الله نوح بن لامك ابن متوشلخ بن أخنوخ ــ قيل أنّه نبيّ الله إدريس ــ بن يرد بن مهلائيل بن قنين (قينان) ابن يافث بن شيث بن آدم.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(2).

﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ *

____________

1- الشعراء (٢٦): ٢١٨ ــ ٢١٩.

2- الأنعام (٦): ٧٤.


الصفحة 15
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(1).

آزر، قال بعضهم: إنّه جدّه لأمّه، وبعضهم قال: إنّه عمّه، لكن ماذا عن سام بن نوح الذي صرّح القرآن بعدم إيمانه؟ فكيف يكون آباء الأنبياء كلّهم مؤمنين موحّدين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذا الكلام غير صحيح؛ فإنّ (سام) ممّن بقي مع أبيه نوح عليه السلام، وهو أبو العرب وجميع الساميين.

أمّا ابن نوح عليه السلام الذي غرق فقيل: اسمه: (كنعان)، وهو قول الأكثرين؛ وقيل: (يام)(2)، قاله أبو صالح، عن ابن عبّاس، وبه قال عبيد بن عمر وابن إسحاق(3)!!

هذا على قول من يقول: بأنّه ابنه، أمّا الآخرون فقد أخذوا بروايات عديدة بأنّه ليس ابنه، كما في قراءات أُخرى، مثل قوله: (ونادى نوح ابنها)(4)، وفي أُخرى: (ابنه) في لغة طيّ تعني: ابن امرأته(5).

____________

1- هود (١١): ٤٢ ــ ٤٣.

2- مجمع البيان، للطبرسي ٥: ٢٨٠ قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ...).

3- انظر: زاد المسير، لابن الجوزي ٤: ٨٨، تفسير القرطبي ٩: ٣٨.

4- انظر: كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٢: ٦٠٠ حديث (٤٨٣٨) القراءات، التبيان، للطوسي ٥: ٤٩٥ قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحٌ أَنّهُ لَيسَ مِن أهلِكَ...)، تفسير الرازي ١٧: ٢٣١.

5- انظر: تفسير العيّاشي ٣: ١٤٨ حديث (٣٠) قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ...)، قرب الإسناد، للحميري: ٤١ حديث (١٣٢)، تفسير القمّي ١: ٣٢٨ سورة هود.


الصفحة 16
قال الغرناطي الكلبي: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ(1) كان اسمه كنعان، وقيل: (يام)، وكان له ثلاثة بنون سواه، وهم (سام، وحام، ويافث)، ومنهم تناسل الخلق(2).

وقد أوردت ما قلناه جميع تفاسير الفريقين، فلا ندري من أين استقيت تلك المعلومة عن (سام) أبي العرب.

نعم، نسب ذلك إلى عبيد بن عمير(3)، والظاهر أنّه تصحيف عن (يام)؛ لأنّهم عدّوا عبيد بن عمير من القائلين بذلك(4).

وعلى كلّ الاحتمالات التي ذكرناها وذكرها العلماء لا يكون ذلك نقضاً لقاعدة كون آباء الأنبياء موحّدين، والحمد لله ربّ العالمين.

(لماذا لم يعتنق أجداد النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلماليهودية أو النصرانية)

« عمّار ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

لماذا لم يعتنق أجداد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم اليهودية أو النصرانية رغم نسخهنّ

____________

1- هود (١١): ٤٢.

2- التسهيل لعلوم التنزيل ٢: ١٦ قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ...).

3- انظر: تفسير البغوي ٢: ٣٨٥.

4- انظر: زاد المسير، لابن الجوزي ٤: ٨٨.


الصفحة 17
للشريعة الإبراهيمية؟ ولماذا لم تعتنق قريش اليهودية أو النصرانية بدل عبادة الأصنام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يثبت نسخ دين موسى وعيسى ــ على نبيّنا وآله وعليهما السلام ــ لشريعة إبراهيم عليه السلام، بل إنّ بني إسرائيل وكذا آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا يدينون بشريعة إبراهيم عليه السلام، وقد أكّد القرآن الكريم على دين إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً(1).

وقوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ(2).

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ(3).

وأمّا قريش فإنّ أجدادهم كانوا يعتنقون دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولكنّهم انحرفوا بالتدريج إلى أن وصلوا إلى الشرك.

____________

1- النساء (٤): ١٢٥.

2- آل عمران (٣): ٩٥.

3- النحل (١٦): ١٢٣.


الصفحة 18

(علّة عدم دخول آباء النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم في الديانة المسيحية)

« سالم السيلاوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

لماذا اعتنق أجداد النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم الديانة الحنيفية، بينما يفترض أن تكون (المسيحية)، على اعتبار أنّ الدين الحنيفي متقدّم زماناً عن المسيحي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد كان آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأجداده على ديانة أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، وهم موحّدون لم يشركوا بالله ولم يعبدوا الأصنام، كما تؤكّد ذلك النصوص المتضافرة عن السُنّة والشيعة، وهم قد بقوا على هذه الديانة ولم يعتنقوا غيرها من الديانات السماوية، وقد يكون للبعد المكاني الذي ظهر فيه هؤلاء الأنبياء عن مكّة المكرّمة، موطن أجداد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وأيضاً لعدم بعث هؤلاء الأنبياء في زمانهم دعاة لهم إلى بقية الأقطار يدعون الناس إلى دينهم الجديد، ولم يثبت أنّ اليهودية والمسيحية كانتا رسالتين عالميتين.

وأمّا من جاء بعد هؤلاء الأنبياء من أتباعهم، فقد حرّفوا هذه الأديان، كما يصرّح به القرآن الكريم، فلم يدخل آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في هذه الأديان لهذه الأسباب، وبقوا على الديانة الحنيفية، ديانة إبراهيم عليه السلام.

وأمّا على القول بأنّ أجداد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا أوصياء لإسماعيل عليه السلام فينتفي الإشكال من أساسه.


الصفحة 19

(آباء النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم موحّدون وليس منهم آزر)

« محمّد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

قرأت في كتاب (أوائل المقالات في المذاهب المختارات) للشيخ المفيد رحمه الله الآتي:

((القول في آباء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأُمّه وعمّه أبي طالب ــ رحمة الله تعالى عليهم: اتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله ــ عزّ وجلّ ــ موحّدون له.

واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار؛ قال الله ــ عزّ وجلّ: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(1).

وقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين، إلى أرحام المطهّرات حتّى أخرجني في عالمكم هذا).

وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب ــ رحمه الله ــ مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تُحشر في جملة المؤمنين.

وخالفهم على هذا القول جميع الفرق ممّن سمّيناه بدءاً)).(انتهى قول الشيخ).

____________

1- الشعراء (٢٦): ٢١٨ ــ ٢١٩.


الصفحة 20
وسؤالي: ألم يكن أبو النبيّ إبراهيم الخليل على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام مشركاً وهو يعتبر جدّ نبيّنا؟

أرجو حلّ هذا الإشكال بالنسبة لي.

ودمتم لخدمة المسلمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال السيّد جعفر مرتضى في كتابه (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم): ((وقد اعتُرض على القائلين بإيمان جميع آبائه صلي الله عليه وآله وسلم إلى آدم, بأنّ القرآن الكريم ينص على كفر آزر أبي إبراهيم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ استِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لأبِيهِ إلّا عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ إِنَّ إِبرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ(1).

وأجابوا:

أوّلاً: إنّ ابن حجر يدّعي إجماع المؤرّخين على أنّ آزر لم يكن أباً لإبراهيم, وإنّما كان عمّه, أو جدّه لأُمّه, على اختلاف النقل، واسم أبيه الحقيقي: تارخ, وإنّما أطلق عليه لفظ الأب توسّعاً وتجوّزاً، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ(2). ثمّ عدّ فيهم إسماعيل, وهو ليس من آبائه, ولكنّه عمّه.

____________

1- التوبة (٩): ١١٤.

2- البقرة (٢): ١٣٣.


الصفحة 21
وقد ذكر بعض العلماء: أنّ اسم آزر لم يذكر في القرآن إلّا مرّة واحدة في أوّل الأمر, ثمّ لم يتكرّر اسمه في غير ذلك المورد؛ تنبيهاً على أنّ المراد بالأب: آزر.

وثانياً: إنّ استغفار إبراهيم لأبيه قد كان في أوّل عهده وفي شبابه, مع أنّنا نجد أنّ إبراهيم حين شيخوخته, وبعد أن رُزق أولاداً, وبلغ من الكبر عتياً يستغفر لوالديه؛ قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبَّنَا اغفِر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ(1)، قال هذا بعد أن وهب الله له على الكبر إسماعيل وإسحاق حسب نصّ الآيات الشريفة، مع أنّ الآية تفيد: أنّ الاستغفار الأوّل قد تبعه التبرّؤ مباشرة.

ولكن من الواضح: أنّ بين الوالد والأب فرقاً؛ فإنّ الأب يُطلق على المربّي وعلى العمّ والجدّ, أمّا (الوالد) فإنّما يخص الوالد بلا واسطة. فالاستغفار الثاني إنّما كان للوالد, أمّا الأوّل فكان للأب.

وثالثاً: إنّه يمكن أن يكون ذلك الذي استغفر له, وتبرّأ منه, قد عاد إلى الإيمان, فعاد هو إلى الاستغفار له.

هذا, ولكن بعض الأعلام يرى: أنّ إجماع المؤرّخين على أنّ أبا إبراهيم ليس آزر منشؤه التوراة, التي تذكر أنّ اسم أبي إبراهيم هو: (تارخ)..

ثمّ ذكر ما استظهرناه نحن أيضاً من أنّ من الممكن أن يكون نفس والد إبراهيم قد كان مشركاً يجادله في الإيمان بالله, فوعده بالاستغفار له, ووفى بوعده, ثمّ عاد فآمن بعد ذلك، فكان يدعو له بعد ذلك أيضاً حتّى في أواخر حياته هو كما أسلفنا.

____________

1- إبراهيم (١٤): ٤١.


الصفحة 22
وهذا الاحتمال وإن كان وارداً حيث لا ملزم لحمل الأب في القرآن, والوالد على المجاز، إلّا أنّه ينافي الإجماع والأخبار؛ فلا محيص عن الالتزام بما ذكرناه آنفاً من أنّ المراد بالأب هو: العمّ والمربّي, لا الوالد على الحقيقة.

مع عدم قبولنا منه قوله: إنّ استعمال الأب في العمّ المربّي يكون مجازاً))(1).

تعليق:

« أحمد عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.

لقد ذكرتم في الجواب السابق أنّ هنالك فرقاً بين الأب والوالد وهو: ((فإنّ الأب يطلق على المربّي وعلى العمّ والجدّ, أمّا (الوالد) فإنّما يخصّ الوالد بلا واسطة)).

فما هو الدليل من القرآن على استعمال كلمة الأب مرّة للمربّي، ومرّة للعمّ، ومرّة للجدّ؟ أم أنّه دليل لغوي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الطباطبائي في (تفسير الميزان):

((والأب: ربّما تطلق على الجدّ والعمّ وغيرهما، وقد اشتمل القرآن الكريم على هذا الإطلاق بعينه في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ

____________

1- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٨٩ ــ ١٩١.


الصفحة 23
وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(1)، فإبراهيم جدّ يعقوب، وإسماعيل عمّه، وقد أطلق على كلّ منهما الأب، وقوله تعالى فيما يحكى من كلام يوسف عليه السلام: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(2)، فإسحاق جدّ يوسف، وإبراهيم عليه السلام جدّ أبيه، وقد أطلق على كلّ منهما الأب.

فقد تحصّل: أنّ آزر الذي تذكره الآية ليس أباً لإبراهيم حقيقةً، وإنّما كان معنوناً ببعض الأوصاف والعناوين التي تصحّح إطلاق الأب عليه، وأن يخاطبه إبراهيم عليه السلام بـ(يا أبت)، واللغة تسوّغ إطلاق الأب على: الجدّ، والعمّ، وزوج أُمّ الإنسان بعد أبيه، وكلّ من يتولّى أمور الشخص، وكلّ كبير مطاع، وليس هذا التوسّع من خصائص اللغة العربية، بل يشاركها فيه وفي أمثاله سائر اللغات، كالتوسّع في إطلاق الأُمّ والعمّ والأخ والأخت والرأس والعين والفم واليد والعضد والإصبع، وغير ذلك، ممّا يهدي إليه ذوق التلطّف والتفنّن في التفهيم والتفهّم))(3).

(رواية آحاد لا تثبت أن آزر والد إبراهيم عليه السلام)

« علي ــ فلسطين ــ مستبصر »

السؤال:

الإخوة الكرام في مركز الأبحاث العقائدية..

____________

1- البقرة (٢): ١٣٣.

2- يوسف (١٢): ٣٨.

3- تفسير الميزان ٧: ١٦٤ تفسير سورة الأنعام.


الصفحة 24
ما قولكم العلمي البحت في الردّ على هذه الشبهة؟

هذه الرواية تنسف عقيدة أنّ آباء الأنبياء لا يمكن أن يكونوا كفّاراً، وأيضاً بها طعن بإبراهيم عليه السلام.

تقول الرواية في الكافي ــ وقال عنه المجلسي (٢٦/٥٤٨): حسن ــ :

((عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ، عَن أَبِيهِ، عَنِ ابنِ أَبِي عُمَيرٍ، عَن هِشَامِ بنِ سَالِمٍ، عَن أَبِي أَيُّوبَ الخَزَّازِ، عَن أَبِي بَصِيرٍ، عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام: أَنَّ آزَرَ أَبَا إِبرَاهِيمَ عليه السلام كَانَ مُنَجِّماً لِنُمرُودَ، وَلَم يَكُن يَصدُرُ إلّا عَن أَمرِهِ، فَنَظَرَ لَيلَةً فِي النُّجُومِ فَأَصبَحَ وَهُوَ يَقُولُ لِنُمرُودَ: لَقَد رَأَيتُ عَجَباً.

قَالَ: وَمَا هُوَ؟

قَالَ: رَأَيتُ مَولُوداً يُولَدُ فِي أَرضِنَا يَكُونُ هَلاكُنَا عَلَى يَدَيهِ، وَلا يَلبَثُ إلّا قَلِيلاً حَتَّى يُحمَلَ بِهِ، قَالَ: فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: هَل حَمَلَت بِهِ النِّسَاءُ؟

قَالَ: لا.

قَالَ: فَحَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ الرِّجَالِ فَلَم يَدَعِ امرَأَةً إلّا جَعَلَهَا فِي المَدِينَةِ لا يُخلَصُ إِلَيهَا، وَوَقَعَ آزَرُ بِأَهلِهِ، فَعَلِقَت بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام، فَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ، فَأَرسَلَ إِلَى نِسَاءٍ مِنَ القَوَابِلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لا يَكُونُ فِي الرَّحِمِ شَيءٌ إلّا عَلِمنَ بِهِ، فَنَظَرنَ، فَأَلزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا فِي الرَّحِمِ ]إِلَى[ الظَّهرِ، فَقُلنَ مَا نَرَى فِي بَطنِهَا شَيئاً، وَكَانَ فِيمَا أُوتِيَ مِنَ العِلمِ أَنَّهُ سَيُحرَقُ بِالنَّارِ، وَلَم يُؤتَ عِلمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُنجِيهِ.

قَالَ: فَلَمَّا وَضَعَت أُمُّ إِبرَاهِيمَ أَرَادَ آزَرُ أَن يَذهَبَ بِهِ إِلَى نُمرُودَ لِيَقتُلَهُ، فَقَالَت


الصفحة 25
لَهُ امرَأَتُهُ: لا تَذهَب بِابنِكَ إِلَى نُمرُودَ فَيَقتُلَهُ، دَعنِي أَذهَب بِهِ إِلَى بَعضِ الغِيرَانِ أَجعَلهُ فِيهِ حَتَّى يَأتِيَ عَلَيهِ أَجَلُهُ، وَلا تَكُونَ أَنتَ الَّذِي تَقتُلُ ابنَكَ.

فَقَالَ لَهَا: فَامضِي بِهِ.

قَالَ: فَذَهَبَت بِهِ إِلَى غَارٍ، ثُمَّ أَرضَعَتهُ، ثُمَّ جَعَلَت عَلَى بَابِ الغَارِ صَخرَةً، ثُمَّ انصَرَفَت عَنهُ.

قَالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رِزقَهُ فِي إِبهَامِهِ، فَجَعَلَ يَمَصُّهَا فَيَشخُبُ لَبَنُهَا، وَجَعَلَ يَشِبُّ فِي اليَومِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي الجُمعَةِ، وَيَشِبُّ فِي الجُمعَةِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي الشَّهرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهرِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي السَّنَةِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَمكُثَ.

ثُمَّ إِنَّ أُمَّهُ قَالَت لأَبِيهِ: لَو أَذِنتَ لِي حَتَّى أَذهَبَ إِلَى ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَعَلتُ.

قَالَ: فَافعَلِي.

فَذَهَبَت فَإِذَا هِيَ بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام، وَإِذَا عَينَاهُ تَزهَرَانِ كَأَنَّهُمَا سِرَاجَانِ، قَالَ: فَأَخَذَتهُ فَضَمَّتهُ إِلَى صَدرِهَا، وَأَرضَعَتهُ، ثُمَّ انصَرَفَت عَنهُ فَسَأَلَهَا آزَرُ عَنهُ، فَقَالَت: قَد وَارَيتُهُ فِي التُّرَابِ، فَمَكَثَت تَفعَلُ فَتَخرُجُ فِي الحَاجَةِ وَتَذهَبُ إِلَى إِبرَاهِيمَ عليه السلام فَتَضُمُّهُ إِلَيهَا وَتُرضِعُهُ، ثُمَّ تَنصَرِفُ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَتَتهُ كَمَا كَانَت تَأتِيهِ، فَصَنَعَت بِهِ كَمَا كَانَت تَصنَعُ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الانصِرَافَ أَخَذَ بِثَوبِهَا. فَقَالَت لَهُ: مَا لَكَ؟

فَقَالَ لَهَا: اذهَبِي بِي مَعَكِ.

فَقَالَت لَهُ: حَتَّى أَستَأمِرَ أَبَاكَ.

قَالَ: فَأَتَت أُمُّ إِبرَاهِيمَ عليه السلام آزَرَ فَأَعلَمَتهُ القِصَّةَ.

فَ


الصفحة 26
قَالَ لَهَا ائتِينِي بِهِ فَأَقعِدِيهِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ إِخوَتُهُ دَخَلَ مَعَهُم وَلا يُعرَفُ، قَالَ: وَكَانَ إِخوَةُ إِبرَاهِيمَ عليه السلام يَعمَلُونَ الأَصنَامَ وَيَذهَبُونَ بِهَا إِلَى الأَسوَاقِ وَيَبِيعُونَهَا، قَالَ: فَذَهَبَت إِلَيهِ فَجَاءَت بِهِ حَتَّى أَقعَدَتهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمَرَّ إِخوَتُهُ فَدَخَلَ مَعَهُم، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ وَقَعَت عَلَيهِ المَحَبَّةُ مِنهُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ.

قَالَ: فَبَينَمَا إِخوَتُهُ يَعمَلُونَ يَوماً مِنَ الأَيَّامِ الأَصنَامَ إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ عليه السلام القَدُومَ، وَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَجَرَ مِنهَا صَنَماً لَم يَرَوا قَطُّ مِثلَهُ. فَقَالَ آزَرُ ]لأُمِّهِ[: إِنِّي لأَرجُو أَن نُصِيبَ خَيراً بِبَرَكَةِ ابنِكِ هَذَا. قَالَ: فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ القَدُومَ فَكَسَرَ الصَّنَمَ الَّذِي عَمِلَهُ، فَفَزِعَ أَبُوهُ مِن ذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً، فَقَالَ لَهُ: أَيَّ شَيءٍ عَمِلتَ؟

فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ عليه السلام: وَمَا تَصنَعُونَ بِهِ؟

فَقَالَ آزَرُ: نَعبُدُهُ.

فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ عليه السلام: أَتَعبُدُونَ ما تَنحِتُونَ؟

فَقَالَ آزَرُ لأُمِّهِ: هَذَا الَّذِي يَكُونُ ذَهَابُ مُلكِنَا عَلَى يَدَيهِ))(1).

أقول: ((وَوَقَعَ آزَرُ بِأَهلِهِ فَعَلِقَت بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام))، آزر هو أبو إبراهيم؟

وهنا طعن في إبراهيم!

((إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ عليه السلام القَدُومَ، وَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَجَرَ مِنهَا صَنَماً لَم يَرَوا قَطُّ مِثلَه)).

يا إمامية! نبيّ يصنع صنماً بيده لم ير أحد مثله قطّ! اتّقوا الله!!

____________

1- الكافي ٨: ٣٦٦ ــ ٣٦٨.


الصفحة 27
بانتظار ردّكم ومأجورين..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: إنّ المتن المذكور من كون آزر هو والد نبيّ الله إبراهيم عليه السلام لا يمكن القبول به؛ وإن أمكن حمله على التقية فهو، وإلّا يردّ علمه إلى صاحبه ــ وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ هذا القول مخالف لإجماع الطائفة من كون أجداد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا من الموحّدين، ولا يوجد فيهم مشرك واحد, وإبراهيم عليه السلام هو جدّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فيكون آزر جدّه صلي الله عليه وآله وسلم أيضاً(1).

وقد ورد في هذا الجانب حديث متضافر عند الطائفتين ــ السُنّة والشيعة ــ : أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات، حتّى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنّسني بدنس الجاهلية)(2).

ثانياً: لم يرد في كتب التاريخ أنّ أبا إبراهيم عليه السلام هو (آزر), بل يقول التاريخ

____________

1- انظر: مجمع البيان، للطبرسي ٤: ٩٠ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...)، ٦: ٤٢٦ قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً...).

2- انظر: تصحيح اعتقاد الإمامية، للمفيد: ١٣٩ في أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا موحّدين، مجمع البيان، للطبرسي ٤: ٩٠, ٦: ٤٢٦، تفسير الرازي ٢٤: ١٧٤ قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، الدرّ المنثور، للسيوطي ٥: ٩٨.


الصفحة 28
أنّ اسم أبيه هو (تارخ)، وهذا ما ورد أيضاً في العهدين: القديم والجديد(1).

والذين يرون أنّ (آزر) هو والد إبراهيم عليه السلام يستندون إلى تعليلات لا يمكن قبولها, ومن ذلك: أنّهم يقولون: إنّ اسم والد إبراهيم عليه السلام هو (تارخ) ولقبه (آزر), وهذا القول لا تسنده الوثائق التاريخية.

أو يقولون: إنّ (آزر) هو اسم صنم كان أبو إبراهيم يعبده, وهذا القول مخالف لظاهر الآية القرآنية التي تقول: إنّ أباه كان (آزر)، إلّا إذا قدّرنا جملة أو كلمة، وهذا أيضاً خلاف الظاهر(2).

هذا وقد نقل الطبري في تفسيره عن مجاهد قوله: ((لم يكن آزر والد إبراهيم))(3), وصرّح بهذا المعنى أيضاً الآلوسي في تفسيره عن كثير من علماء المذاهب الأُخرى غير الشيعة(4).

ثالثاً: مخالف لظاهر القرآن الكريم, وذلك أنّ الله تعالى قال في سورة التوبة:

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ * وَمَا كَانَ استِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لأبِيهِ إلّا

____________

1- الكتاب المقدّس (العهد القديم): ١٨ سفر التكوين، الإصحاح الحادي عشر ٢٦، الكتاب المقدّس (العهد الجديد): ٩٦ إنجيل لوقا، الإصحاح الثالث ٣٤.

2- تفسير الأمثل ٤: ٣٤٦ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).

3- جامع البيان ٧: ٣١٦ حديث (١٠٤٧١) قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).

4- روح المعاني ٧: ١٩٤.


الصفحة 29
عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ(1).

وذلك لأنّ إبراهيم عليه السلام كان قد وعد (آزر) أن يستغفر له، ﴿سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي(2)، بأمل رجوعه عن عبادة الأصنام, ولكنّه عندما رآه مصمّماً على عبادة الأصنام ومعانداً, ترك الاستغفار له، ويتّضح من هذه الآية بجلاء أنّ إبراهيم بعد أن يئس من آزر, لم يعد يطلب له المغفرة ولم يكن يليق به أن يفعل، وكلّ القرائن تدلّ على أنّ هذه الحوادث وقعت عندما كان إبراهيم شابّاً, يعيش في (بابل) ويحارب عبدة الأصنام.

ولكن هناك آيات أُخرى في القرآن تشير إلى أنّ إبراهيم عليه السلام في أواخر عمره, وبعد الانتهاء من بناء الكعبة, طلب المغفرة لأبيه, وفي هذه الآيات ــ كما سيأتي ــ لم تستعمل كلمة (أب)، بل استعملت كلمة (والد) الصريحة في المعنى، إذ يقول: ﴿الحَمدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجعَلنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّل دُعَاء * رَبَّنَا اغفِر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ(3).

فإذا جمعنا هذه الآية مع آية سورة التوبة التي تنهى المسلمين عن الاستغفار للمشركين وتنفي ذلك عن إبراهيم عليه السلام إلّا لفترة محدودة ولهدف مقدّس, تبيّن لنا بجلاء أنّ المقصود من (أب) في الآية المذكورة ليس الوالد, بل هو العم أو

____________

1- التوبة (٩): ١١٣ ــ ١١٤.

2- مريم (١٩): ٤٧.

3- إبراهيم (١٤): ٣٩ ــ ٤١.


الصفحة 30
الجدّ من جانب الأُمّ، أو ما إلى ذلك.

وبعبارة أُخرى: إنّ (والد) تعطي معنى الأبوّة المباشرة، بينما (أب) لا تفيد ذلك.

وقد وردت في القرآن كلمة (أب) لمعنى العمّ, كما في الآية (١٣٣) من سورة البقرة: ﴿قَالُوا نَعبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً(1), والضمير في (قالوا) يعود إلى أبناء يعقوب, وكان إسماعيل عمّ يعقوب لا أباه(2).

ومن هنا فنحن نردّ هذه الرواية؛ لمخالفتها للقرآن، وهو منهج عُلّمناه من الأئمّة عليهم السلام في مثل هكذا مسائل.

(الجمع بين كون آباء النبيّ محمد صلي الله عليه وآله وسلم موحّدين

وتسمية عبد المطّلب ابنه بـ(عبد العزّى))

« سمير ــ روسيا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جزاكم الله خيراً عن هذا الموقع وعن جهودكم الجليلة.

عندي سؤال حيّرني وأرجو أن أجد عندكم الجواب:

____________

1- البقرة (٢): ١٣٣.

2- انظر: تفسير الأمثل ٤: ٣٤٦ ــ ٣٤٨ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).


الصفحة 31
الصفحة السابقةالصفحة التالية