المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 61 - ص 90) بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة المغلّظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها.

فما زلت أشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير في الشستقة (أي الصرّة) الصفراء، فاستوفاه منّي وتسلّمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد.

فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاها عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدّها، وتُطبقه على جفنها، وتمسحه على بدنها.

فقلت تعجّباً منها: أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه؟

قالت: أيّها العاجز، الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء، أعرني سمعك وفرّغ لي قلبك: أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأُمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح عليه السلام شمعون.

أُنبئك العجب العجيب: إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه، وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل، وجمع من أُُمراء الأجناد وقوّاد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهو ملكه عرشاً مسوغاً من أصناف الجواهر إلى صحن القصر، فرفعه فوق أربعين مرقاة.

فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكّفا، ونشرت


الصفحة 62
أسفار الإنجيل، تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض، وتقوّضت الأعمدة فانهارت إلى القرار، وخرّ الصاعد من العرش مغشيّاً عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك! أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني.

فتطيّر جدّي من ذلك تطيّراً شديداً وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، وارفعوا الصلبان، وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه لأُزوّج منه هذه الصبيّة، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.

فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل، وتفرّق الناس، وقام جدّي قيصر مغتمّاً، ودخل قصره، وأرخيت الستور.

فأُريت في تلك الليلة كأنّ المسيح عليه السلام والشمعون وعدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدّي، ونصبوا فيه منبراً يباري السماء علواً وارتفاعاً في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمّد صلي الله عليه وآله وسلم مع فتية وعدّة من بنيه، فيقوم إليه المسيح عليه السلام فيعتنقه، فيقول: يا روح الله! إنّي جئتك خاطباً من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمّد صاحب هذا الكتاب.

فنظر المسيح إلى شمعون، فقال له: قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

قال: قد فعلت.


الصفحة 63
فصعد ذلك المنبر وخطب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وزوّجني منه، وشهد المسيح عليه السلام، وشهد بنو محمّد صلي الله عليه وآله وسلم والحواريون.

فلمّا استيقظت من نومي أشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل، فكنت أُسرّها في نفسي ولا أُبديها لهم.

وضرب صدري بمحبّة أبي محمّد حتّى امتنعت من الطعام والشراب، وضعفت نفسي، ودقّ شخصي، ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي وسأله عن دوائي.

فلمّا برح به اليأس قال: يا قرّة عيني! فهل تخطر ببالك شهوة فأُزوّدكها في هذه الدنيا؟

فقلت: يا جدّي! أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أُسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال، وتصدّقت عليهم، ومننتهم بالخلاص، لرجوت أن يهب المسيح وأُمّه لي عافية وشفاءً.

فلمّا فعل ذلك جدّي تجلّدت في إظهار الصحّة في بدني، وتناولت يسيراً من الطعام، فسرّ بذلك جدّي، وأقبل على إكرام الأُسارى وإعزازهم.

فرأيت أيضاً بعد أربع ليال كأنّ سيّدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيّدة النساء، وأُمّ زوجك أبي محمّد عليه السلام.

فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمّد من زيارتي.


الصفحة 64
فقالت لي سيّدة النساء عليها السلام: إنّ ابني لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى، وهذه أُختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فإن ملت إلى رضى الله عزّ وجلّ ورضى المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمّد عليه السلام إيّاك فتقولي: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ ــ أبي ــ محمّداً رسول الله.

فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني سيّدة النساء إلى صدرها، فطيّبت لي نفسي وقالت: الآن توقّعي زيارة أبي محمّد إيّاك، فإنّي منفذه (منفذته) إليك.

فانتبهت وأنا أقول: وا شوقاه إلى لقاء أبي محمّد.

فلمّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمّد عليه السلام في منامي، فرأيته كأنّي أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبّك؟

فقال: ما كان تأخيري عنك إلّا لشركك، وإذ قد أسلمت فإنّي زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان.

فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر: فقلت لها: كيف وقعت في الأسر؟

فقالت: أخبرني أبو محمّد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك (باللحاق) بهم متنكّرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا.

ففعلت، فوقعت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر أحد ]بي[ بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، وذلك


الصفحة 65
باطّلاعي إيّاك عليه.

ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي، فأنكرته وقلت: نرجس.

فقال: اسم الجواري.

فقلت: العجب إنّك رومية ولسانك عربي؟

قالت: بلغ من ولوع جدّي وحمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إليّ، فكانت تقصدني صباحاً ومساءً، وتفيدني العربية حتّى استمرّ عليها لساني واستقام.

قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأى، دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري عليه السلام، فقال لها: كيف أراك الله عزّ الإسلام، وذلّ النصرانية، وشرف أهل بيت محمّد صلي الله عليه وآله وسلم؟

قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به منّي؟!

قال: (فإنّي أُريد أن أُكرمك، فأيّما أحبّ إليك: عشرة آلاف درهم؟ أم بشرى لك فيها شرف الأبد)؟

قالت: بل البشرى.

قال عليه السلام: (فابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).

قالت: ممّن؟


الصفحة 66
قال عليه السلام: (ممّن خطبك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لـه من ليل كذا من شهر كذا، من سنة كذا بالرومية).

قالت: من المسيح عليه السلام ووصيّه.

قال: (فممّن زوّجك المسيح عليه السلام ووصيّه)؟

قالت: من ابنك أبي محمّد.

قال: (فهل تعرفينه)؟

قالت: وهل خلوت ليلة من زيارته إيّاي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيّدة النساء، أُمّه؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: (يا كافور! اُدع لي أُختي حكيمة).

فلمّا دخلت عليه قال عليه السلام لها: (ها هية).

فاعتنقتها طويلاً، وسُرّت بها كثيراً.

فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله. أخرجيها إلى منزلك، وعلّميها الفرائض والسنن؛ فإنّها زوجة أبي محمّد، وأُمّ القائم عليه السلام))(1).

وأمّا سؤالكم عن ماذا حلّ بها بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السلام؟ فالتاريخ ينقل لنا أنّها توفّيت في العام نفسه الذي توفّي فيه الإمام العسكري عليه السلام، أي: عام ٢٦٠هـ ، ودفنت خلف قبر الإمامين العسكريين عليهما السلام بمسافة قليلة.

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤١٧ ــ ٤٢٣، الباب ٤١ حديث (١) ما روي في نرجس أمّ القائم عليه السلام.


الصفحة 67

(لماذا قيل بتعدّد أسماء أُمّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف)

« علي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

من هي أُمّ الإمام المهدي؟ وما هو ردّكم على الشبهات التي طُرحت بشأن تعدّد الروايات في أسماء أُمّ الإمام المهدي؛ إذ قيل بأنّها وصلت إلى ثمانية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

منشأ هذا الإشكال حصل من عدّة أمور:

١ــ إنّ الأعداء كانوا يعلمون أنّ في بيت الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولداً سيكون الثاني عشر من الأئمّة عليهم السلام والذي وُعد بأنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأرادوا القضاء على هذا المولود قبل ولادته، فلذا كانوا يراقبون جميع النساء في بيت الإمام من الزوجات والإماء بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام لأجل التعرّف على هذا المولود، حتّى إنّ المعتمد العبّاسي بعث بنساء يتعاهدن جارية للإمام باسم (صقيل) حتّى ظهر بطلان الحمل، ولعلّ من هذه الجارية توهّم أنّ اسم أُمّ الإمام: صقيل. وهناك رواية تقول: أنّ أُمّ الإمام سمّيت صقيلاً بسبب ما اعتلاها من النور عند حمله.


الصفحة 68

٢ــ إنّ أُمّ الإمام تحمل عدّة أسماء، فأحد هذه الأسماء سمّت نفسها به لأجل أن تظهر بمظهر الجواري، واسم آخر هو اسمها الحقيقي، وسمّيت بأسماء أُخرى، كريحانه، وصقيل، وسوسن، بالإضافة إلى: نرجس، ومليكة، وتعدّد الأسماء لا يدلّ على تعدّد المسمّيات.

٣ــ لمّا لم تظهر آثار الحمل على أُمّ الإمام فلا شكّ سيحصل الالتباس عند بعضهم في أُمّه الحقيقية.

٤ــ تُعرف أُمّ الشخص من خلال ملازمة الولد لها، ولمّا كان الإمام مستتراً حتّى في الفترة الأُولى من حياته، فلا شكّ في أنّ من يشاهد الإمام مع أُمّه قليل جدّاً، هذا بالإضافة إلى وفاتها وهو صغير.

٥ــ الإمام العسكري كان لا يستطيع التصريح بوجود الإمام الثاني عشر إلّا للخواص، فكيف يستطيع التصريح بأُمّه؟ّ ولعلّه لو حصل العلم عند الخليفة بأنّ هذه المرأة أنجبت ولداً سرّاً مع أنّه كان يطلبه، فإنّه سيعرّضها للعقوبة أو التعذيب من أجل الوصول إلى الإمام المستتر.

(بعض مواصفات والدة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف)

« أسد علي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 69
ورد حديث في (كمال الدين): ((عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس، عن أبي عمرو الكشي، عن محمّد بن مسعود، عن علي بن محمّد القمّي، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن هاشم، عن أبي أحمد الأزدي، عن ضريس الكناسي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (إنّ صاحب هذا الأمر فيه سُنّة من يوسف، ابن أمَة سوداء، يصلح الله عزّ وجلّ أمره في ليلة واحدة))(1).

ونحن نعلم أنّ أُمّ الإمام المهدي عليه السلام رومية، وحسب ما جاء في رواية الزواج، حيث ينقل لنا المؤرّخون القدامى.. كالشيخ الصدوق في الكمال، والطوسي في الغيبة رواية أسميناها: (رواية الزواج)؛ لأنّها تتمحور حول طريقة زواج الإمام الحسن العسكري عليه السلام من (مليكة) أُمّ محمّد بن الحسن، ومن خلال التحقيق في سند الرواية يتّضح ما يلي:

١ــ محمّد بن علي بن محمّد النوفلي: مجهول، لا وجود لاسمه في أيّ علم من علم الرجال، وترضّى عليه الصدوق في رواية أُخرى عند ذكره، ولا توجد لديه إلّا روايات قلائل.

٢ــ أحمد بن عيسى الوشا البغدادي: مجهول, لا وجود لاسمه في علم الرجال.

٣ــ أحمد بن طاهر القمّي: مجهول, لا وجود له في تراجم الرجال.

٤ــ أبو الحسين بن محمّد بن بحر الشيباني: مجهول, لا وجود له في تراجم الرجال.

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٢٩، الباب ٣٢ حديث (١٢).


الصفحة 70

٥ــ بشر بن سليمان النخّاس: مجهول, لا وجود لاسمه في علم الرجال، وليس له سوى هذه الرواية.

وقد لجأنا إليكم لحلّ هذه التناقضات في مسألة أُمّ الإمام، بين الأمَة السوداء، وبين الرومية الشقراء.

أفيدونا جزاكم الله خيراً، هذا بالإضافة إلى التناقضات الموجودة التي تزخر بها كتبنا حول اسم أُمّ الإمام، ومكان قبرها الشريف.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول صاحب (البحار) في تعليقته على هذه الرواية، وهي رواية كونه ابن أمَة سوداء: ((إنّ كونها بهذه الصفة يخالف كثيراً من الأخبار التي وردت في وصف أُمّه عليه السلام ظاهراً، إلّا أن يحمل على الأُمّ بالواسطة، أو المربّية))(1).

ويقول الكوراني في (معجم أحاديث الإمام المهدي): ((الظاهر أنّ كلمة سوداء في نسخة النعماني زائدة، حيث اتّفقت الروايات على أنّ أُمّ المهدي عليه السلام رومية، أو مغربية، وليست سوداء))(2).

ولكن مجرّد كونها رومية، أو مغربية، لا يدلّل على أنّها لا يمكن أن تكون سوداء، فلا تعارض بينهما, نعم يمكن أن يحصل التعارض لو وصفت بوصف

____________

1- بحار الأنوار ٥١: ٢١٩.

2- معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ٣: ٢٣٩ (٧٦٨).


الصفحة 71
يدلّل على أنّها تحمل صفات الروميين، كما قيل عنها أنّها من ذريّة الحواريين، أو ابن ملك الروم، فإنّ المعروف عن هؤلاء أنّهم يحملون صفات الروميين، وهو البياض، فيحصل التعارض بين ظواهر هذه الأخبار، وبين كونها سوداء كما قال صاحب (البحار)، ولكن يبقى احتمال كونه ابن أمَة سوداء موجوداً، بعد ورود ذلك الخبر بطريق صحيح حسب تتبّعنا لذلك. ولم نعثر في الأخبار على أنّ أُمّه كانت شقراء، كما ذكرت في السؤال.

أمّا كثرة أسمائها فلكلّ اسم سبب خاصّ, فقيل: إنّما سمّيت: صقيلاً، لما اعتراها من النور والجلاء بسبب الحمل المنوّر. وأنّها سمّت نفسها بأسماء الجواري وهو: نرجس، لمّا دخلت مع الأسرى، وأنّ اسمها الحقيقي هو: مليكة(1).

وأمّا بقية الأسماء: فإمّا أن تكون ذكرت لها اشتباهاً؛ فإنّ خفاء ولادته سلام الله عليه ووفاة أُمّه بعد فترة قصيرة يسبّب الاشتباه لدى بعضهم عن أُمّ الإمام الحقيقية؛ فقيل: أنّها مثلاً حكيمة، وقيل: أنّها سوسن، وغير ذلك من الأسماء.

وأمّا أن تكون لتلك الأسماء سبب خاص بها، كأن يكون مثلاً تسميتها بعدّة أسماء لإخفاء أمرها على الحكام العبّاسيين الذين كانوا يطاردون المولود الجديد وهو جنين في بطن أُمّه.

أمّا الاختلاف في قبرها، فهذا أمر وارد؛ فهذه فاطمة الزهراء عليها السلام اختلف في

____________

1- انظر: الغيبة، للطوسي: ٣٩٣ حديث (٣٦٢)، إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٣٢، الباب ٤٢ حديث (١٢).


الصفحة 72
قبرها، وبعض الأئمّة أيضاً قيل في قبورهم روايات مختلفة، لكن مثل هكذا روايات لا تعني التباس ذلك على المحقّقين, بل هذه قبور الأئمّة عليهم السلام جميعاً معروفة ويقطع بصحّتها على الرغم من وجود روايات بالخلاف, وكذلك الحال في قبر أُمّ الإمام، فإنّ المعروف أنّ قبرها جنب قبر زوجها الإمام العسكري عليه السلام، ومع ذلك فإنّا لم نجد مزيد خلاف في أمر قبرها.

أمّا الرواية التي تذكر تفاصيل زواج الإمام العسكري عليه السلام، فإنّها رواية لم تثبت صحّة سندها؛ لوجود مجاهيل فيها، ونحن لم نثبت ولادة الإمام المهدي عليه السلام من هذه الرواية فقط, بل هناك دلائل كثيرة تشير إلى ولادته.

وكون أُمّ الإمام رومية، أو فيها بعض الصفات المذكورة في الرواية، فنحن أيضاً نقبل تلك الصفات من جهة روايات أُخرى تذكر ذلك وليس من هذه الرواية.

ثمّ إنّ مجرّد وجود بعض التشابه بين رواية أُمّ الإمام المهدي عليه السلام وأُمّ الإمام زين العابدين عليه السلام لا يعني بطلان الرواية بهذا التشابه, بل قلنا: إنّ الرواية لا يقال بصحّتها؛ لوجود المجاهيل فيها.

(الروايات المتعرّضة لصفة أُمّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف)

« صباح الجبوري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

أرجو الردّ على هذا التناقض الذي أشكل على الكثيرين من الشيعة.


الصفحة 73
وسأشكر كلّ ردّ يبدد هذا التناقض.

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام يقول: (إنّ صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف ابن أمَة سوداء، يصلح الله له أمره في ليلة) (الغيبة للنعماني: ١٦٣).

اتفقت الروايات على أنّ أُمّ الإمام المهدي عليه السلام السيّدة نرجس رومية، بنت قيصر الروم، من ذرّية شمعون الصفا وصيّ عيسى عليه السلام، بيضاء اللون.

وهنا يوصف صاحب الأمر بأنّه: ابن (أمَة سوداء)؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بخصوص أُمّ القائم عليه السلام فإنّ فيها عدّة روايات عددنا منها خمسة:

الأُولى: وهي المعروفة عن بشر النخّاس، وفيها: أنّ أُمّ القائم عليه السلام جارية رومية من ولد قيصر، وهي ضعيفة السند.

(واثنتان): عن حكيمة عمّة الإمام العسكري عليه السلام، وفيهما: أنّه كان لها جارية تعهدت بتربيتها ثمّ وهبتها إلى الإمام الحسن عليه السلام، وليس فيها أنّها رومية، ولا أنّ الإمام الهادي عليه السلام اشتراها، بل تذكر أنّها جارية فقط، وهي ملك يمين، أو كانت عند العمّة حكيمة تربّيها بنفسها.

والرابعة: فيها: أنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف ابن خير الإماء.

والخامسة: وهي الرواية المعنية، وفيها: أنّه ابن أمَة سوداء.


الصفحة 74
ولكن هناك روايات أخرى: إحداها عن أبي بصير، وعن سدير، وغيرهم، تذكر فقط أنّ فيه شبهاً من يوسف عليه السلام، وليس فيها أنّه ابن أمَة سوداء، والظاهر أنّ الاشتباه فيها من الراوي، حيث سبق إلى ذهنه من قوله ابن أمَة أنّها سوداء للغلبة.

فالروايات الخمسة متّفقة على أنّه ابن أمَة، وتختلف الأُولى بأنّها: رومية، والأخيرة بأنّها: سوداء، ولكن الأُولى ضعيفة، والأخيرة معارضة بغيرها.

(هل كانت أُمّ الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف نصرانية؟ ومتى أسلمت؟)

« ناصر خوشنويس ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليکم..

الوهّابيون يقولون: أنّ نرجس (أُمّ الإمام المهدي) نصرانية؟ لأنّ الروايات الموجودة حولها في کتب الشيعة مرسلة، أو ضعيفة السند.

شکراً جزيلاً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يثبت كون السيّدة نرجس نصرانية قبل زواجها بالإمام العسكري عليه السلام.


الصفحة 75
ولكن يمكن لنا من خلال تتبّع الروايات التي وردت بشأنها أن نرجّح نصرانيتها إذا ثبت كونها سبيّة رومية، سواء كانت بنت ملك الروم أم لا، ونحن إذا سلّمنا برواية كتابي (كمال الدين) للصدوق، و(الغيبة) للشيخ الطوسي، وأغضينا عن سندها، فيكون اعتناقها للدين الإسلامي إمّا بعد حادثة رؤيتها للصدّيقة الطاهرة في المنام، وإمّا بعد أن صارت عند الإمام الحسن العسكري عليه السلام، والفرض الثاني أقوى. كما يحتمل أن تكون نرجس قد أسلمت قبل أن تصير عند أبي محمّد الحسن عليه السلام؛ فقد ورد في بعض الأخبار أنّها كانت جارية عند السيّدة حكيمة في بيت الإمام الهادي عليه السلام مدّة قبل أن يراها الإمام العسكري عليه السلام، وحينما رآها تفرّس فيها أن تكون أُمّاً للحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف فكلّمت حكيمة أبا الحسن عليه السلام، فأمرها بإرسالها إلى الإمام العسكري عليه السلام(1)، وهذه الرواية سكتت عن كونها جارية مسبيّة أم لا، وكذلك أبهمت كونها رومية أم لا.

غير أنّ الذي يقوّي كونها أمة (أيّ: من السبايا) الخبر المروي عن أبي جعفر عليه السلام حين ذكر أمير المؤمنين عليه السلام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف فقال: (بأبي ابن خيرة الإماء..)(2).

____________

1- انظر: الهداية الكبرى، للخصيبي: ٣٥٤، الباب (١٤).

2- الإرشاد، للمفيد ٢: ٣٨٢، الغيبة، للطوسي: ٤٧٠ حديث (٤٨٧) فصل ٨، روضة الواعظين، للفتال: ٢٦٦ مجلس في ذكر إمامة صاحب الزمان ومناقبه عليه السلام، ومثله عن أمير المؤمنين عليه السلام الغارات، لإبراهيم الثقفي ١: ١٢ خطبة عليّ عليه السلام بالنهروان، الغيبة، للنعماني: ٢٣٣ حديث (٩)، الباب (١٣)، منتخب الأثر، لطف الله الصافي: ٣١.


الصفحة 76

(متى توفّيت والدة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟)

« عمّار العكيلي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ممكن أن تجيبوني عن سؤال بحثت عنه كثيراً، ولم أتوصّل إلى جواب، ألا وهو: تاريخ ولادة ووفاة السيّدة نرجس خاتون (سلام الله عليها)، أُمّ مولانا وقائدنا الإمام الحجّة ابن الحسن (أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه الشريف الفدا)، لكي نتمكّن من إحياء هذه الشعيرة، واستذكار أُمّ إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

راجين من حضراتكم البحث والجهد المتواصل، سائلين المولى القدير أن يوفّقكم، ويوفّقنا الله تعالى لإحياء أمر محمّد وآل محمّد(صلوات الله عليهم أجمعين).

وشكراً..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

توجد رواية واحدة فقط فيها ذكر لوفاة السيّدة نرجس رضي الله عنها رواها الشيخ


الصفحة 77
الصدوق في (كمال الدين)، عن أبي علي الخيزراني عن جارية أهداها إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، قال أبو علي: فحدّثتني أنّها حضرت ولادة السيّد عليه السلام، وأنّ اسم أُمّ السيّد: صيقل، وأنّ أبا محمّد عليه السلام حدّثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعو الله عزّ وجلّ لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمّد عليه السلام، وعلى قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر أُمّ محمّد(1).

ولكن هناك روايات فيها إشارة إلى أنّ الجارية صيقل كانت حيّة وقت وفاة الإمام أبي محمّد العسكري عليه السلام، ففي رواية أنّها كانت حاضرة وقت الوفاة مع عقيد الخادم، رواها الصدوق رحمه الله عن محمّد بن الحسين بن عباد(2)، ورواها الشيخ الطوسي رحمه الله عن إسماعيل بن علي النوبختي مع بعض الاختلاف(3)، وهناك رواية تذكر القبض عليها من قبل المعتمد العبّاسي بعد أن ادّعت الحمل(4)، وليس في هذه الروايات ذكر لوفاتها.

أمّا إحياء ذكرى وفاة السيّدة نرجس، وعدّها ضمن الشعائر، فلم يكن مشهوراً لدى الشيعة, ولكن لا بأس باستذكارها في بعض المناسبات، كمناسبة وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أو في أيّ مناسبة أُخرى.

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٣١ حديث (٧)، الباب الثاني والأربعون.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٧٤ حديث (٢٥)، الباب الثالث والأربعون.

3- الغيبة: ٢٧٢ حديث (٢٣٧)، فصل في أخبار من رأى صاحب الأمر عليه السلام.

4- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٧٣ حديث (٢٥)، الباب الثالث والأربعون.


الصفحة 78


الصفحة 79

ابن أبي الحديد

* انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الشيعة)(نهج البلاغة)


الصفحة 80


الصفحة 81

(قيمة كتاب ابن أبي الحديد)

« إبراهيم عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ما هي قيمة كتاب (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد، ومؤلّفه، عند الإمامية؟

ولكم جزيل الشكر.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ابن أبي الحديد: هو معتزلي في الأُصول، وحنفي في الفروع، وشرحه على (نهج البلاغة) شرح واسع من أفضل الشروح، فيه فوائد لا تحصى، إلّا أنّه قد حوى أشياء لا يمكن الموافقة عليها ونقل فيه روايات مردودة، واحتجّ بأقوال غير مقبولة، وحاول الردّ فيه على بعض كبار علمائنا كالمرتضى رحمه الله في مباحثه الكلامية خاصّة في الإمامة.

نسأله تعالى أن يعرّفنا الحقّ حقّاً ويوفّقنا لاتّباعه.


الصفحة 82

(الاحتجاج بأقوال ابن أبي الحديد)

« إبراهيم عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

هل يصحّ الاحتجاج على أهل السُنّة بما أورده ابن أبي الحديد في شرحه للنهج؟

فإنّ هذا الشيء قد حصل فعلاً في بعض المؤلّفات الكلامية والعقائدية... وعلى الطرف الآخر، هل يصحّ الاحتجاج على الإمامية بهذا الكتاب؟

فقد أكثر بعضهم، مثل: (إحسان الهي ظهير) ــ مع تدليسه بعض الحقائق ــ من الاحتجاج على الإمامية به...

ما هو مبدأ الاحتجاج على أهل السُنّة به، وما شاكله، وعلى أيّ أساس احتجّ به (ظهير) ــ مثلاً ــ؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك منهج معروف من مناهج الاحتجاج والمناظرة، وهو منهج الالتزام للطرف الآخر، وللالتزام عدّة مراتب وطرق، ومن هذه الطرق إلزام المخالف بما مذكور في كتب علماء مذهبه، ولا يتم هذا إلّا بعد إثبات مذهب هذا العالم مؤلّف الكتاب المحتجّ به.


الصفحة 83
والثابت إنّ ابن أبي الحديد معتزلي المذهب في الأُصول، وحنفي المذهب بالفروع، ولذا يصحّ للإمامي أن يحتجّ بما يذكره في (شرح نهج البلاغة) على الطرف الآخر، وذلك بعد إثبات مذهبه وأنّه من أهل السُنّة، وبما ذكرناه من مذهب ابن أبي الحديد لا يكون ما يذكره في كتبه حجّة للقوم على الشيعة الإمامية من جهة الإلزام، وإن كان يعدّ من علماء التاريخ والأدب المعتدلين غير المتعصّبين في ما ينقله ويحكم به.

ومن هنا فليس من المنهجية العلمية ولا يصحّ ما فعله إحسان الهي ظهير من الاحتجاج بما في (شرح نهج البلاغة) على الشيعة بعد أن عرفنا حقيقة مذهب الرجل.

وإحسان إلهي ظهير ملتفت إلى هذه المغالطة، ولذا تراه هو ومن تبع منهجه من أهل السُنّة والوهابية قاطبة يدّعون بنوع من الإصرار على أنّ ابن أبي الحديد من الشيعة، متشبّثين بما يذكره في شرح النهج ممّا يتمسّك به الشيعة من أقوال وأخبار وحوادث، وما في منهجه من بعض الإنصاف في بعض المواضع، ولكن هذا لا يكفي في عدّ الرجل من الشيعة بعد أن ذكروا مذهبه في ترجمته، وبعد أن صرّح هو بمذهبه في شرح النهج.

تعليق:

« جواد كاظم ــ العراق ــ إمامي »

باسمه تعالى..

يعدّ ابن أبي الحديد من معتزلة بغداد القائلين بأفضلية الإمام عليّ عليه السلام على سائر الأُمّة بعد النبيّ الأكرم صلي الله عليه وآله وسلم، أمّا مذهبه الفقهي فهو:


الصفحة 84
شافعي المذهب، والمتمعّن في قراءة ما جاء في كتابه شرح (نهج البلاغة) يجد أنّ لديه ولاءً للإمام عليّ عليه السلام، وأهل بيته الكرام؛ فإنّه يتحدّث عنهم بمزيد من التقديس والإجلال، ونظرة في ما جاء في القصائد السبع العلويات التي هي من نظمه، يجد مصداق ذلك، ولا يبعد عندي أنّه أدرك الحقيقة، ولكن ربّما لأُمور نجهلها، لم يفصح عن حقيقة موقفه.

والله أعلم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، ربّما، ولكن قد يكون ابن أبي الحديد بين شرحه لنهج البلاغة وقصائده السبع العلويات على طرفي نقيض!

فإنّه قد دافع في شرحه عن الشيخين بما لا يستطيعان الدفاع به عن أنفسهما لو كانا مكانه، بينما تجده في السبع العلويات يرتفع في مدح عليّ عليه السلام وتعريف مقامه إلى ما يعد غلوّاً عند بعض القوم.

وعلى كلّ الأحوال فإنّ من طالع شرحه وتمعّن فيه وما قدّم في مباحثه من مقدّمات للدفاع عن مذهب أهل السُنّة بخطّه العام، لا يجد بُداً من الالتزام بالاحتجاج به مقابل المخالفين، فالرجل غير متّهم في ما ينقل.


الصفحة 85

(ابن أبي الحديد ليس من الشيعة)(1)

« م/ خليفة ــ السعودية »

السؤال:

تعجبّت من أمر كيف خفي عليك! وهو أنّك وفي ضوء استشهادك بكتب أهل السُنّة قد اختلط عليك أمر مهم، وهو أنّك ذكرت مصادر لعلماء لا يعدّون من أهل السُنّة والجماعة.. بل ربّما عدّوا من الشيعة! وهذا كما تعلم لا يصحّ في مقام الاستدلال على المحاور المخالف..

لاحظ أخي ما يلي: قلت أنت: ((ويكفي في المقام ما يشير إليه ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة، إذ يعترف بالصراحة بأفضليّة الإمام عليه السلام عليهما وعلى غيرهما، بعبارة: (الحمد لله الذي... وقدّم المفضول على الأفضل))(2).

واسمح لي أن أقول: إنّ ابن أبي حديد لم يكن من أهل السُنّة والجماعة، بل كان شيعياً مغالياً، ثمّ تحوّل إلى معتزلي، وإليك بيان ذلك من أقوال علماء الشيعة:

____________

1- هذا السؤال هو بالأصل تعليق على سؤال بعنوان (تفضيل عليّ عليه السلام في مصادر السُنّة) أوردناه ضمن عنوان: (تفضيل الأئمّة عليهم السلام، نقلناه هنا لمناسبته للعنوان الحاضر؛ فراجع.

2- مقتبس من جواب على سؤال المشار إليه؛ فراجع.


الصفحة 86
قال شيخكم الخوانساري: ((عزّ الدين ابن أبي الحسن ابن أبي الحديد المدائني.. صاحب (شرح نهج البلاغة) المشهور، وهو من أكابر الفضلاء المتتبّعين، وأعاظم النبلاء المتبحّرين، موالياً لأهل العصمة والطهارة... وحسب الدلالة على علوّ منزلته في الدين، وغلوّه في أمير المؤمنين عليه السلام، شرحه الشريف الجامع لكلّ نفيسة وغريب، والحاوي لكلّ نافحة ذات طيب)).(روضات الجنّات، للخوانساري ج٥ ص٢١ ــ ٢٠).

وقال القمّي في كتابه (الكنى والألقاب): ((ولد في المدائن، وكان الغالب على أهل المدائن التشيّع والتطرّف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقيّل مذهبهم، ونظم العقائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالى وتشيّع، وذهب به الإسراف في كثير من الأبيات كلّ مذهب..

ثمّ ذكر القمّي بعض الأبيات التي قالهاً غالياً.. ثمّ خفّ إلى بغداد، وجنح إلى الاعتزال، وأصبح كما يقول صاحب (نسخة السحر): معتزلياً جاحظيّاً، في أكثر شرحه للنهج، بعد أن كان شيعياً غالياً.

وتوفّي في بغداد سنة ٦٥٥، يروي آية الله الحلّي عن أبيه عنه)).(الكنى والألقاب ج١ ص١٨٥).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا قولك: إنّ ابن أبي الحديد شيعيّ المذهب، فهذا غير صحيح؛ لعدّة أُمور:


الصفحة 87
الأوّل: ما يذكره ابن أبي الحديد من الردّ على السيّد المرتضى ودفاعه عن خلافة الخلفاء الثلاثة، وأنّها خلافة شرعيّة.

وانتصاره للرأي المخالف للشيعة في أغلب مواضع كتابه، لا يقوله شيعيّ، فضلاً عن أن يقوله مغالٍ في عليّ عليه السلام.. فهل أنّ المغالي في عليّ عليه السلام يدفع الخلافة عنه إلى غيره، أم يثبتها له بمقتضى غلوّه؟!!

الثاني: تصريحه الواضح بأنّه ليس بشيعيّ أو إمامي، بقوله في جميع فصول كتابه: ((وأصحابنا))، أو ((أمّا أصحابنا))، أو ((أقوال أصحابنا))، أو ((عند أصحابنا))، أو ((من أصحابنا))، أو ((ذكره أصحابنا)).. عند سرد الرأي المقابل لرأي الإماميّة.. فهل يوجد دليل أدلّ من أن يذكر نفسه وأصحابه مقابل الإماميّة؟!! فأين التشيّع، فضلاً عن الغلوّ؟!

الثالث: قوله بعد ذكر رأي الشيعة: ((وتزعم الشيعة أنّ رسول الله...)) الخ: ((وهذا عندي غير منقدح...))(1)، فلو كان شيعياً لما أخرج نفسه عن معتقد الإمامية وقال: هذا عندي غير منقدح!

الرابع: قوله في شرحه: ((فإن قلت: هذا نص صريح في الإمامة، فما الذي تصنع المعتزلة بذلك؟ قلت: يجوز أن يريد أنّه إمامهم ــ أي عليّ عليه السلام ــ في الفتوى والأحكام الشرعية، لا في الخلافة))(2)، فعليّ عليه السلام عنده كالفقيه، لا أنّه إمامهم بمعنى: أنّ الرسول نصّبه خليفة!

____________

1- شرح نهج البلاغة ١: ١٦١ (٢) من خطبة له، وهي المعروفة بـ (الشقشقية)، مرض رسول الله وإمرة أُسامة.

2- شرح نهج البلاغة ٣: ٩٨ بقية ردّ المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبّار، أخبار متفرّقة.


الصفحة 88
فهنا نرى ابن أبي الحديد يدفع قول من يقول بأنّ خلافة عليّ عليه السلام بالنصّ، مع أنّ نكران النصّ على إمامة عليّ عليه السلام ليس من معتقدات الشيعة، فضلاً عن الغلاة! والقول بأنّ عليّاً عليه السلام كأحد المجتهدين قول لا تقوله الإمامية قطعاً!

وهناك كثير من تلك القرائن، فراجع كتابه شرح النهج، وخصوصاً في الأجزاء الأربعة الأُوَل.

فإن قيل: إذاً على ماذا يحمل كلام الخوانساري؟

قلنا: إنّ الخوانساري اعتمد على حدسه واجتهاده، ومن الواضح أنّه في مجال التراجم لا يعتمد على النقل في ما لو كان منشأه الحدس والاجتهاد، بل على ما كان منشأه الحسّ، وقد تقدّم في ما ذكرنا من القرائن الأربعة على ما يؤكّد أنّ الخوانساري اعتمد على حدسه، ولا يُتّبع في ذلك.

ثمّ إنّ الخوانساري لم يصرّح بأنّه من الإمامية، وإنّما قال: إنّه موالٍ! وهي كلمة يمكن أن تُأوّل.

وأمّا ما نسبت للقمّي فهو فرية منك وخداع! حيث أتيت بكلام لمحقّق كتاب (شرح نهج البلاغة)، محمّد أبو الفضل إبراهيم(1)، وأردفته بفقرة من كتاب القمّي (الكنى والألقاب)، وهي: ((وتوفي في بغداد سنة ٦٥٥، يروي آية الله الحلّي عن أبيه عنه))(2)! مع أنّ القمّي يؤكّد اعتزاله ويقول: ((كان

____________

1- انظر: مقدّمة شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد الأُولى، لمحمّد أبو الفضل إبراهيم: ١٣ ــ ١٧.

2- الكنى والألقاب ١: ١٩٣ ابن أبي الحديد.


الصفحة 89
مذهبه الاعتزال، كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:


ورأيت دين الاعتزال وإنّنيأهوى لأجلك كلّ من يتشيّع))(1)

وفي الختام، نودّ أن نبيّن أنّ هناك فرقاً بين الشيعي والمحبّ، فإنّ الشيعي: من يتّبع ويقفو أثر الأئمّة عليهم السلام، وأمّا المحبّ فهو: من لا يبغض آل محمّد، وسنذكر لك بعض الذين يحبّون آل محمّد إلّا أنّهم ليسوا بشيعة، كما هو الكلام عن القندوزي، فلا يعدو أنّه محبّ وليس شيعياً إمامياً، والحاكم النيسابوري، والنسائي، وعبد الرزّاق الصنعاني، والكنجي الشافعي، وغيرهم كثير، وعندها لا يمتنع الاحتجاج بكلام من يحبّ ولا يتّبع، فلأجل خلطك بين الشيعيّ والمحبّ نشأ عندك هذا التوهّم.

وهنا ننبّه إلى شيء، وهو: إنّ إلصاق تهمة الرفض والتشيّع بكلّ من يذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام حتّى تُردّ رواياتهم، منهج قديم اتّخذه كثير من أصحاب الرجال، وهو لا يخفى على من مارس كتبهم، ولا يسع المجال لبسط الكلام فيه.

تعليق (١):

« محمّد سعيد ــ البحرين ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- المصدر نفسه.


الصفحة 90
أمّا بعد, أنا مصدّق بأنّ ابن أبي الحديد ليس شيعيّاً، لكن سؤال بديهيّ يبدر في ذهني, وهو: لماذا يتعرّض لشرح كتب الشيعة؟! بل تعرّض لـ(نهج البلاغة)، الذي هو من أكبر الكتب اعتباراً من بعد القرآن الكريم لدى الشيعة؟

أنا أجد هذا غير منطقي جدّاً! فمثلاً من غير المعقول أن نجد شيخاً من شيوخ الشيعة ــ أدام الله ظلّهم ــ يؤلّف كتاب (شرح صحيح البخاري) مثلاً! خصوصاً أنّهم لا يعتدّون بكتبنا ولا نعتدّ بكتبهم! فكونه تعرّض لشرح (نهج البلاغة) هذا، يعتبر تنازلاً كبيراً من جهتهم!

أنا في حيرة شديدة من هذا الأمر! بيّنوا لنا لو سمحتم.

هدانا الله بكم, وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ابن أبي الحديد كان من معتزلة بغداد، ومعتزلة بغداد لهم ميل إلى الإمام عليّ عليه السلام، بل يقرّون بأفضليّته، وإن كانوا لا يعترفون بولايته والنصّ عليه بالإمامة، وقد نشأ ابن أبي الحديد في (المدائن) التي كان جوّها العام هو التشيّع، ومن هنا نظم قصائده المعروفة بـ(العلويات السبع)، فليس من الغريب أن يكون لـ(نهج البلاغة) منزلة في نفسه، فهو كلام أمير المؤمنين عليه السلام، سيّد الفصحاء.

ثمّ لا ينكر أحد منزلة هذا الكتاب في دنيا البلاغة وأهمّيته، وما يحويه من علوم وحكم ودروس، حتّى عدّ بعد كتاب الله القرآن الكريم، ولم يتفرّد


الصفحة 91
الصفحة السابقةالصفحة التالية