المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 91 - ص 120) بهذا ابن أبي الحديد، فقد عرف حقّ الكتاب غيره من أهل السُنّة، بل من غير المسلمين حتّى في وقتنا الحاضر.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد كان في زمن الوزير ابن العلقمي، وهو مشهور بالتشيّع(1)، وقد طلب منه ابن العلقمي شرح (نهج البلاغة)، كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في مقدّمة شرحه، فقال: ((وبعد، فإنّ مراسم المولى الوزير الأعظم، الصاحب الصدر الكبير المعظّم، العالم العادل، المظفّر المنصور، المجاهد المرابط، مؤيّد الدين، عضد الإسلام، سيّد وزراء الشرق والغرب، أبي طالب محمّد بن أحمد بن محمّد العلقمي، نصير أمير المؤمنين، أسبغ الله عليه من ملابس النعم أضفاها، وأحلّه من مراقب السعادة ومراتب السيادة أشرفها وأعلاها، لمّا شرّفت عبدَ دولته، وربيبَ نعمته بالاهتمام بشرح (نهج البلاغة) على صاحبه أفضل الصلوات، ولذكره أطيب التحيّات، بادر إلى ذلك مبادرة من بعثه من قبلُ عزم، ثمّ حمله أمرٌ جزم، وشرع فيه باديَ الرأي شروع مختصر...))(2).

تعليق (٢):

« فراس ثامر ــ العراق ــ إمامي »

ما المقصود بهذا القول الذي ورد في كتاب (روضة المتّقين ج٢ ص٤٩٨)، والذي فيه إشارة لكون ابن أبي الحديد كان شيعيّاً، وأخفى تشيّعه..

____________

1- مؤيّد الدين أبو طالب محمّد بن أحمد بن علي بن محمّد العلقمي، وزير المستعصم آخر خلفاء العبّاسيين، توفّي سنة ٦٥٦ هجرية. (أعيان الشيعة، لمحسن الأمين ٩: ٨٢، الكنى والألقاب، للقمّي ١: ٣٦٢).

2- شرح نهج البلاغة ١: ٤.


الصفحة 92
وهذا نصّه: ((ويسمّى هؤلاء بالتفضّليّة، منهم: ابن أبي الحديد، والدواني، على المشهود في ما يفهم من أكثر كلامهما، لكن صرّحا في مواضع بالتشيّع، وهو الظنّ بهما وبأمثالهما، والظاهر من أمثال هؤلاء الفضلاء أنّهم كانوا محقّين، ولكن كانوا بحيث لا يمكنهم إظهار الحقّ في دولة الباطل واشتهارهم، ففرّوا إلى إظهار هذا المذهب ليمكّنهم إظهار أفضلية عليّ عليه السلام على الصحابة، وأمّا بالنسبة إلى العوام وأمثالهم، فممكن)).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ذكرنا في السؤال السابق النصوص التي تدلّ على عدم تشيّعه، بل أوردنا النصوص التي يصرّح بها على عدم تشيّعه! فما ندري ما هي النصوص التي يصرّح فيها بتشيّعه؟!

وعلى فرض وجودها، لا بدّ من المقارنة، حتّى نخرج بحصيلة، والراجح عندنا هو: عدم وقوف تلك النصوص ــ على فرض وجودها ــ في قبال النصوص التي ذكرناها، والتي تدلّ على عدم تشيّعه.

ثمّ إنّ ما ذكره من عدم إمكان إظهاره للحقّ في دولة الباطل لا تساعد عليه الشواهد التاريخية في عصره؛ فإنّ التشيّع كان ظاهراً علناً منتشراً وبقوّة في بغداد، إذ كان الكرخ كلّه شيعة، وكان الوزير ابن العلقمي منهم، وكانت الحلّة والنجف وكربلاء شيعيّة، بل منهم كبار العلويين المعلنين للتشيّع، كابن طاووس، الذي طلبه الخليفة للوزارة فرفض، وهناك نقول عديدة من أنّ الشيعة كانوا يعلنون بالبراءة في مشهد عليّ عليه السلام في النجف في ذلك الزمان.


الصفحة 93

(الكلام في ابن أبي الحديد)

« محمّد الأسدي ــ الدنمارك ــ إمامي »

السؤال:

جاء في بعض أجوبتكم: الثابت أنّ ابن أبي الحديد معتزليّ المذهب في الأُصول، وحنفي المذهب بالفروع، ولذا يصحّ للإمامي أن يحتجّ بما يذكره في (شرح نهج البلاغة) على الطرف الآخر... وبما ذكرناه من مذهب ابن أبي الحديد لا يكون ما يذكره في كتبه حجّة للقوم على الشيعة الإمامية من جهة الإلزام، وإن كان يعدّ من علماء التاريخ والأدب المعتدلين غير المتعصّبين في ما ينقله ويحكم به.

إذاً كيف نفسّر للعامّة ما قاله صاحب (روضات الجنّات ج٥ ص١٩)(طبعة الدار الإسلامية في بيروت سنة ١٤١١هـ) في ترجمة ابن أبي الحديد: ((...هو من أكابر الفضلاء المتتبّعين، وأعاظم النبلاء المتبحّرين، موالياً لأهل بيت العصمة والطهارة وإن كان في زيّ أهل السُنّة والجماعة، منصفاً غاية الإنصاف في المحاكمة بين الفريقين...)).

وكذا قول القمّي الذي ذكره بعض السائلين عن كتابه (الكنى والألقاب ج١ ص١٨٥)(1)؟

____________

1- المقصود: ما ورد في سؤال الأخ خليفة من السعودية ضمن عنوان (ابن أبي الحديد ليس من الشيعة).


الصفحة 94
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ الكلام في ترجمة رجل معيّن لتحديد هويته ومذهبه والفرقة التي ينتمي إليها, يتم عن طريق التحقيق في جمع أقوال أصحاب الرجال، وجمع القرائن والشواهد، وكذلك النظر في كلام نفس الشخص من خلال مؤلّفاته، وماذا يقول عن مذهبه، وإلى أيّ فرقة ينتسب, مع التفريق في كلّ ذلك بين ما صدر عن دافع مذهبي، وبين ما كان عن تحقيق وتمحيص.

ولا يمكن نسبته إلى مذهب وفرقة معينة، من خلال قول واحد أو اثنين ممّن ترجموا له، خاصّة إذا كانوا من المتأخّرين.

ثانياً: إنّ الكلام في مذهب وعقيدة ابن أبي الحديد مقطوع به، من حيث كونه معتزلياً عقيدة، وهذه أشعاره وكلماته طافحة بذلك، فضلاً عن اعتراف من ترجموا له.

نعم، هو كان من مدرسة بغداد الاعتزالية، التي لها ميل ومحبّة لعليّ عليه السلام وانحراف عن أعدائه، ولذا كان لأعلامها علاقات جيّدة مع الشيعة, ولكن المحبّة والميل إلى طرف عليّ عليه السلام لا يسمّى تشيّعاً بالمعنى الدقيق العلمي، وإن تراه يطلق على كثيرين من أهل السُنّة في كتب أصحاب الرجال منهم، وخاصّة من الحنابلة، وبالأخص نواصبهم؛ فإنّهم يتّهمون كلّ من روى فضيلة


الصفحة 95
لعليّ عليه السلام بأنّه: شيعيّ، كما قالوا عن الحاكم الحسكاني، والنسائي وعبد الرزّاق الصنعاني، وغيرهم.

ثالثاً: أمّا كلام (صاحب الروضات)، فلو قرأته كاملاً، لَما وجدته خارجاً عن هذا المضمار، من كونه معتزلياً يحبّ ويفضّل علياً عليه السلام على أعدائه، وإن لم يكن دقيقاً في استعمال كلمة (موالياً لأهل البيت عليهم السلام)؛ لأنّ لها اصطلاح خاص يعرف به الشيعة، وإن كانت تدلّ لغةً على المحبّة والميل، ولكنّها اصطلاحاً تلازم عندنا التبرّي، فراجع كلامه بطوله ينكشف لك ما قاله.

رابعاً: أمّا الكلام الآخر المنسوب للقمّي، فليس هو من كلامه، ولم نجده في (الكنى والألقاب)، إلّا اللّهمّ عبارة: ((وتوفّي في بغداد سنة ٦٥٥, يروي آية الله الحلّي، عن أبيه، عنه))، أمّا بقية ما ذكر فهو مأخوذ من ترجمة ابن أبي الحديد في أوّل كتاب (شرح نهج البلاغة).. ومحصّل كلام القمّي لو راجعته هو نفس ما قلنا فيه.

خامساً: يبقى الكلام في صحّة وتمامية إلزام أهل السُنّة بكلامه, فإنّ الإلزام به يتم بعد إثبات سُنّيته ومعتزليته، وإفحام الخصم بذلك، وإن كان أغلب المخالفين الآن يحاولون رميه بالتشيّع، هرباً من ملازمات كلامه، ودوافع ذلك واضحة لا تحتاج إلى بيان.


الصفحة 96

وعلى كلّ حال، فإنّ الكلام فيه وفي صحّة الإلزام بكلامه والاحتجاج به، هو نفس الكلام الذي يشمل جميع من كتبوا في الفضائل، أو أوردوا أحاديث الفضائل في كتبهم، من جهة انتسابهم لأهل السُنّة في حياتهم ورميهم بالتشيّع من قبل أصحاب الرجال الحنابلة، وإنكار سُنّيتهم من قبل دعاة الوهابية, فإنّ الشيعة ينسبونهم إلى السُنّة اعتماداً على ما ذكر في تراجمهم، وأصحاب الرجال السُنّة، كالذهبي، وابن حجر، ومن على مذهبهم يرمونهم بالتشيّع؛ لما رووه من أحاديث الفضائل؛ تخلّصاً من إلزامهم برواياتهم, فكأنّهم أصبحوا برزخاً بين الفرقتين!

وهو حال كلّ من قال أو روى شيئاً يظهر منه محبّة أهل البيت عليهم السلام، أو الميل إليهم، وقد ذكرنا عدداً منهم وكتبهم ضمن عنواني (علم الرجال) و(الكتب)؛ فراجع.

(ابن أبي الحديد في نظر السُنّة)

« بدر الدين »

السؤال:

قرأت في كتاب (دفاع عن السُنّة) حديثاً مطوّلاً عن عمر بن الخطّاب في وصف علاقته بأبي بكر، لأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ونظراً لما


الصفحة 97
يحمله هذا الخبر من الكلام الجديد على القارئ، والذي يفضي إلى نتائج خطيرة، والخبر جاء نقلاً عن (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد.

فسؤالي، إذا سمحتم: هل المرجع المذكور معتمد لدى علماء أهل السُنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ السُنّة قد اتّبعوا منهجاً عامّاً في تعديل الرجال وتجريحهم, وكان أهمّ أساس اعتمدوه في التجريح والتعديل، هو: روايات الراوي فضائل عليّ عليه السلام ومناقبه, وجعلوا أساس ضعف الراوي وكذبه وتخليطه، هو رواياته فضائل عليّ عليه السلام!

ولك أن تتابع مثلاً كتابي (الموضوعات) لابن الجوزي، و(اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للسيوطي, بل كتابي (تهذيب التهذيب) لابن حجر، وكتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي, وأمثالها كثير, تجد أنّ عمدة تضعيف الراوي هو روايته لفضائل عليّ عليه السلام!

ولعلّك إذا استقصيت كتب الجرح والتعديل، لأخذك العجب في بنائهم التوثيقي وفي تجريحهم للشخص!

فمثلاً: أحمد بن الأزهر النيسابوري: بعد أن مدحه ابن حجر في (تهذيب التهذيب)، ونقل توثيق المحدّثين له، قال: ((وقال أحمد بن يحيى بن زهير التستري: لمّا حدّث أبو الأزهر بحديث عبد الرزّاق في الفضائل، يعني: عن


الصفحة 98
معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس، قال: نظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ، فقال: (أنت سيّد في الدنيا، سيّد في الآخرة) الحديث، أُخبر بذلك يحيى بن معين، فبينا هو عنده في جماعة من أهل الحديث، إذ قال يحيى: من هذا الكذّاب النيسابوري الذي يحدّث عن عبد الرزّاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا. فتبسّم يحيى، فقال: أما إنّك لست بكذّاب. وتعجّب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث))(1)!

على أنّ هذا الراوي من أهل السُنّة، فاتّهموه بالكذب لروايته الحديث!!

ومثله: عبد الرزّاق بن همّام الحافظ الصنعاني، صاحب (المصنّف) المعروف، وهو من كبار أهل السُنّة, فإذا ذكروه قالوا: كان يتشيّع. وقال أبو داود: وكان عبد الرزّاق يعرّض بمعاوية، وقال العجلي: ثقة يتشيّع(2).

وهكذا هو ديدنهم في من يروي فضائل عليّ عليه السلام، ولعلّ اختلافهم في تشيّع الحاكم النيسابوري، وإصرار بعضهم على كونه شيعيّاً، ليس بشيء إلّا لروايته فضائل عليّ عليه السلام!! وقد أغفلها الشيخان في صحيحيهما!

فأين تجد في من يذكر فضائل عليّ عليه السلام ومناقبه ويطعن على مخالفيه بذكر معائبهم يوثّق ويأخذ بقوله؟!

____________

1- تهذيب التهذيب ١: ١٠ (٦) أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري.

2- انظر: تهذيب التهذيب ٦: ٢٧٩ ــ ٢٨١ حرف (العين) عبد الرزّاق بن همام بن نافع الصنعاني.


الصفحة 99
هذا هو حال ابن أبي الحديد المعتزلي، فهم لا يعتبرونه لهذه العلّة التي عمّموها على كلّ من روى فضائل عليّ عليه السلام, لذا قال الشعبي: ((ماذا لقينا من عليّ؟ إن أحببناه ذهبت دنيانا, وإن بغضناه ذهب ديننا))(1).

فلا عليك بعد ذلك في اعتبار وعدم اعتبار الراوي أو الكتاب عند أهل السُنّة، بعد أن عرفت معيار جرحهم وتعديلهم.

____________

1- العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، لمحمّد بن عقيل: ٣٨، الباب الثالث: فيمن جرحوه من أتباع آل البيت عليهم السلام.


الصفحة 100


الصفحة 101

ابن تيمية

* انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الإمام عليّ عليه السلام)(التبرك) (التجسيم والتشبيه)(التوسل والاستغاثة)(زيارة القبور وزيارة الأئمّة عليهم السلام) (الصلاة عند القبور)(النصب والنواصب)(الوهابية والسلفية)


الصفحة 102


الصفحة 103

(بعض اعتقاداته)

« الباحث عن الحقّ »

السؤال:

لقد قرأت معظم كتب ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب، فلم أجد فيها كفراً ولا ضلالاً، بل وجدت دعوتهما هي دعوة الحقّ، الذي أُرسل به النبيّ عليه السلام، والسؤال: لماذا هذا الافتراء على هذين الشيخين؟

وإن كنتم على حقّ، فالواجب: عرض كتبهم إمام القارئ وعليه أن يحكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نذكر لك بعض أقوالهما الدالّة على ضلالهما وانحرافهما ومخالفتهما لجميع المسلمين, وإن أردت المزيد وافيناك به:

١ــ اعتقاد ابن تيمية قِدم نوع الحوادث من الأفعال والمفاعيل، واعتقاده بحوادث لا أوّل لها, ممّا يستلزم قدم شيء غير الله, وهو كفر(1). وذكر ابن حجر في (فتح الباري) أنّه من مسائل ابن تيمية المستبشعة(2).

____________

1- انظر: درء تعارض العقل والنقل ١: ٣٢١ الوجه التاسع عشر من وجوه المقام الثاني من مقامي المتنازعين باستدلال الأنبياء بطريقة الأعراض وحدوثها، و٣٦٨ عمدة الفلاسفة في قدم العالم على مقدمتين، و٢: ١٢٢ دلالة القرآن على مسألة أفعال الله، شرح حديث النزول: ١٥٨، فصل: نزاع في معنى حديث النزول وما أشبهه في الكتاب والسُنّة، شرح حديث عمران بن حصين المطبوع ضمن (مجموعة الفتاوى) ١٨: ٢٣٩ معنى الأزل.

2- فتح الباري ١٣: ٤ كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء.


الصفحة 104

٢ــ قول ابن تيمية بفناء النار, وهو مخالف لإجماع المسلمين. ذكر ذلك ابن القيّم تلميذ ابن تيمية في كتابه (شفاء العليل)(1)، وفي كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)(2)، وذكر فيهما: أنّ القول بفناء النار هو قول أُستاذه ابن تيمية.. وذكر الصفدي في (الوافي بالوفيات): أنّ لابن تيمية كرّاسة في بقاء الجنّة والنار، وردّ عليه فيها العلّامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي(3)، وقد طبعت هذه الرسالة بعنوان: (الردّ على من قال بفناء الجنّة والنار وبيان ذلك من أقوال) بتحقيق محمّد بن عبد الله السمهري.

٣ــ قول ابن تيمية، ومحمّد بن عبد الوهاب بـ(التجسيم), وهذا الرأي مشهور عنهما, وقد ذكراه في أكثر كتبهما وصرّحا به. وسوف يأتي تفاصيل ذلك في ما يأتي من أجوبة.

٤ــ إنكار ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب التوسّل بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم واتّهام المسلمين الذين يعتقدون به بالشرك والكفر(4).

٥ــ نسب محمّد بن عبد الوهاب القول بنفي ذرّية الإمام الحسن عليه السلام إلى الشيعة, وقال: ((وهذا القول شائع فيهم، وهم مجمعون عليه))(5).

____________

1- شفاء العليل ٢: ٧٢١، الباب (٢٣).

2- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: ٤٩١، الباب (٦٧).

3- الوافي بالوفيات ٧: ١٨ تقي الدين ابن تيمية.

4- انظر: قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة: ٣٤ الفصل الثاني، فصل الخطاب لسليمان بن عبد الوهاب، أخ محمّد بن عبد الوهاب: ٢٨، فصل في تكفير المسلمين.

5- انظر: رسالة في الردّ على الرافضة: ٢٩ مطلب في نفي ذرّية الحسن رضي الله عنه.


الصفحة 105
ولا يوجد شيعي واحد ينفي ذريّة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام, بل كلّهم يثبتونها!

٦ــ إنكار ابن تيمية وابن عبد الوهاب الزيارة والتبرّك, وخالفا في قولهما هذا رأي الأكثرية القاطبة لمذاهب المسلمين(1).

وأهمّ شيء يجب أن تعرفه وتطّلع عليه هو: إنّ كبار علماء المذاهب الإسلامية، منذ أن أعلن ابن تيمية وابن عبد الوهاب عن آرائهما المنحرفة، وقفوا أمام انحرافهما، وكتبوا مئات الكتب في الردّ عليهما، وعلى آرائهما المخالفة لإجماع المسلمين، والمخالفة للكتاب والسُنّة الصريحة، وكذبهما.

فمن أكاذيب ابن تيمية:

١ــ إنكاره أن يكون ابن عبّاس تتلمذ على الإمام عليّ عليه السلام(2). وقد أثبت المناوي في (فيض القدير)(3) تتلمذ ابن عبّاس على الإمام عليه السلام.

٢ــ تكذيبه لحديث: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)، وادّعاؤه أنّ أحداً لم يروه(4).. مع أنّ هذا الحديث رواه الترمذي، والطبراني, والحاكم, والخطيب البغدادي, وابن عساكر(5)...

____________

1- انظر: مجموعة الفتاوى، لابن تيمية: ج٢٧، كتاب التوحيد، لابن عبد الوهاب.

2- منهاج السُنّة، لابن تيمية ٧: ٥٣٦ كلام الرافضي على المنهج الرابع من الأدلّة الدالّة على إمامة عليّ، الثالث: كلام الرافضي على علم عليّ.

3- فيض القدير ٤: ٤٧٠ الحديث (٥٥٩٤)، حرف (العين): عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ.

4- منهاج السُنّة ٤: ٢٣٨ كلام الرافضي على الوجه الخامس في وجوب اتّباع مذهب الإمامية، كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك.

5- سنن الترمذي ٥: ٢٩٧ الحديث (٣٧٩٨)، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤ فضائل عليّ بن أبي طالب، المعجم الكبير ٢٣: ٣٩٦ مالك بن جعونة عن أُمّ سلمة، تاريخ بغداد ١٤: ٣٢٢ (٧٦٤٣)، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٤٩ ترجمة الإمام عليّ.


الصفحة 106

٣ــ إنكاره قضية المؤاخاة بين النبيّ والإمام عليّ عليه السلام، وبين المهاجرين بعضهم لبعض(1).

والحال أنّك تجد حديث المؤاخاة في: (سنن الترمذي)(2)، و(الطبقات) لابن سعد(3)، و(المستدرك على الصحيحين) للحاكم(4)، و(مصابيح السُنّة) للبغوي(5). حتّى ردّ ابن حجر على ابن تيمية في إنكاره مسألة المؤاخاة في كتابه (فتح الباري)، وقال: ((هذا ردّ للنصّ بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة))(6), كما ردّ عليه أيضاً الزرقاني في (شرح المواهب اللدنية)(7).

٤ــ قول ابن تيمية عن حديث: (اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه): كذب باتّفاق أهل المعرفة بالحديث(8).. مع أنّ هذا الحديث أخرجه أحمد

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ٣٢ كلام الرافضي على خصائص الأئمّة الاثني عشر، و٥: ٧١ كلام الرافضي على فضائل عليّ، و٧: ١١٧ المنهج الثاني عند الرافضي في الأدلّة الدالّة من القرآن على إمامة عليّ، البرهان الثامن، ٧: ٢٧٩ البرهان الثامن والثلاثون.

2- سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ الحديث (٣٨٠٤).

3- الطبقات الكبرى ١: ٢٣٨ ذكر مؤاخاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار، و٣: ٢٢ عليّ بن أبي طالب.

4- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤ مؤاخاة رسول الله بين الصحابة.

5- مصابيح السُنّة ٢: ٤٥٠ الحديث (٢٦٨٤) كتاب الفتن، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب.

6- فتح الباري ٧: ٢١١، باب: كيف آخى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بين أصحابه.

7- شرح المواهب اللدنية شرح العلّامة الزرقاني على المواهب اللدنية ٢: ١٩١ ذكر المؤاخاة بين الصحابة.

8- منهاج السُنّة ٧: ٥٥ المنهج الثاني عند الرافضي في الأدلّة الدالّة من القرآن على إمامة عليّ، البرهان الثالث.


الصفحة 107
بأسانيد صحيحة، وأخرجه ابن أبي شيبة، والنسائي، وأبو يعلى، وابن حبّان، والطبراني، والحاكم، والخطيب البغدادي(1).

٥ــ قول ابن تيمية عن حديث: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح): ((هذا لا يعرف له إسناد، لا صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها))(2).. والحال أنّ الحديث رواه: أحمد بن حنبل، والبزّار، والطبراني، والدارقطني، والحاكم(3).

٦ــ قول ابن تيمية عن حديث الطير: من المكذوبات الموضوعات(4).. والحال أنّ هذا الحديث يرويه: الحاكم، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والبزّار، والنسائي، وأبي يعلى، وابن حجر، وابن عساكر، والطبراني(5).

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٣٧٠ أحاديث أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، المصنّف ٧: ٤٩٩ الحديث (٢٨، ٢٩)، و٧: ٥٠٣ الحديث (٥٥) فضائل عليّ بن أبي طالب، فضائل الصحابة: ١٥ فضائل عليّ بن أبي طالب، مسند أبي يعلى ١: ٤٢٩ الحديث (٥٦٧) مسند عليّ بن أبي طالب، صحيح ابن حبّان ١٥: ٣٧٦ مناقب عليّ، المعجم الكبير ٢: ٣٥٧ بشر بن حرب عن جرير، و٣: ١٨٠ أبو الطفيل عن حذيفة، و٤: ١٧٤ أسلم أبو عمران عن أبي أيوب، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٠٩ ذكر فضائل عليّ، تاريخ بغداد ١٤: ٢٤٠ (٧٥٤٧).

2- منهاج السُنّة ٧: ٣٩٥ كلام الرافضي على المنهج الثالث في الأدلّة المسندة إلى السُنّة، العاشر.

3- فضائل الصحابة: ٣١١ الحديث (١٤٠٤) فضائل الحسن والحسين، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٦٨، المعجم الكبير ٣: ٤٥ ــ ٤٦ الحديث (٢٦٣٦ ــ ٢٦٣٨)، المؤتلف والمختلف ٢: ١٠٤٦، باب: رستم ورسيم، المستدرك على الصحيحين
٢: ٣٤٣ تفسير سورة هود، و٣: ١٥١ ذكر مناقب فاطمة.

4- منهاج السُنّة ٧: ٣٧١ كلام الرافضي على المنهج الثالث في الأدلّة المسندة إلى السُنّة، الثامن.

5- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣١ ــ ١٣٢ فضائل عليّ بن أبي طالب، فضائل الصحابة: ٢١٣ الحديث (٩٤٧) فضائل عليّ، سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ الحديث (٣٨٠٥) مناقب عليّ بن أبي طالب، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٢٥، باب: في من يحبّه أيضاً ويبغضه أو يسبّه، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، للنسائي: ٥١ منزلة عليّ كرم الله وجهه من الله، السنن الكبرى ٥: ١٠٧ الحديث (٨٣٩٨)، مسند أبي يعلى ٧: ١٠٥ الحديث (٤٠٥٢)، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٤٥ ترجمة الإمام عليّ، المعجم الكبير ٧: ٨٢ عبد الرحمن بن أبي نعم عن سفينة.


الصفحة 108
وإن شئت المزيد من ذكر انحرافات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومخالفتهما في العقائد والأحكام لِما أجمعت عليه الأُمّة الإسلامية, فسنوافيك بعشرات الموارد منها, كلّها مأخوذة من كتبهما.

وإن شئت ذكرنا لك أسماء عشرات من كبار العلماء الرادّين عليهما.

تعليق (١):

« ياسين ــ الجزائر ــ سُنّي »

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه..

إنّ ابن تيمية شيخ من شيوخ الإسلام(رحمه الله)، وذكركم بانحرافه كذب وافتراء، والذين ردّوا عليه هم منكم لأنّكم تبغضون كلّ سُنّي يكشف انحرافكم.

والسلام على من اتّبع الهدى..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ليس من خلق الإسلام أن تسلّم بهذا السلام على المسلمين الذين يتشهّدون بالشهادتين! فلا يصحّ هذا السلام إلّا على غير المسلمين، كما


الصفحة 109
استعمله رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مع ملوك زمانه حينما دعاهم إلى الإسلام، كـ : قيصر، وهرقل، والمقوقس، وكسرى.

٢ــ ثمّ تذكّر أيّها الأخ العزيز أنّك سوف لن تُسأل في قبرك ولا يوم القيامة عن ابن تيمية حتّى تعامل المسلمين هكذا من أجله، ألم تقولوا دائماً: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1)؟!

٣ــ إنّ شذوذ وانحراف فكر ابن تيمية عن الأُمّة سلفاً وخلفاً أمر متّفق عليه بين جميع مذاهب الأُمّة وفرقها، فلا يمكنك نسبة ذلك للشيعة فقط.

٤ــ يبدو أنّك تجهل بأنّ الإجماع عند أهل السُنّة قد انعقد على تضليل ابن تيمية في زمانه، وقد كفّره كثير من فطاحل أهل السُنّة وشيوخ إسلامهم، وسجن ثلاث مرّات، ومات في آخرها في سجنه(2)، فلا ندري هل الشيعة هم من قاموا بسجنه وتضليله وتكفيره؟! كن منصفاً ثمّ أجب!

٥ــ وهل شيخ الإسلام السبكي (الشافعي الصغير)، وابن حجر الهيتمي المكّي الفقيه، وابن جُماعة، والحصني، وغيرهم من العلماء الكبار شيعة؟!! ولله درّ القائل: رمتني بدائها وانسلّت!

____________

1- البقرة (٢): ١٣٤.

2- فتاوى السبكي ٢: ٢١٠، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر ١: ٨٨ (٤٠٩) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دفع شبه من شبّه وتمرّد (دفع الشبه عن الرسول)، للحصني: ٨٨، تاريخ ابن تيمية كما نقله ابن شاكر.


الصفحة 110

٦ــ ائتنا بعلماء شيعة في زمانه قد نصّوا على كفره إن كنت صادقاً؟! وائتنا بعالم شيعي واحد إلى يومنا هذا قد افترى أو كذب على ابن تيمية ونقل عنه شيئاً لم يقله؟!

٧ــ وأخيراً ننصحك أيّها الأخ أن تتجرّد أوّلاً عن كلّ عصبية، ومن ثمّ تقرأ تاريخ ابن تيمية وأقوال العلماء السُنّة فيه، ولا تقتصر على من يقدّسه ويعظّمه من الذين قلّدوه، لتصل إلى حقيقته بنفسك، وتعلم انحرافه وكذبه على واقعه وحقيقته.

ونوقفك على أحد علماء السلفية في هذا العصر وكلامه في ابن تيمية وبيان بعض كذبه وتعصّبه، وآخر معاصرٌ له ومن أكبر ملازميه:

١ــ الشيخ المحدّث الألباني، الذي انتقد ابن تيمية مرّتين، وتعجّب من أُسلوبه في الردّ على الشيعة بالذات؛ فقد قال في (سلسلته الصحيحة) في نهاية كلامه في تصحيح حديث الغدير وتواتره: ((إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام في الحديث وبيان صحّته، أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها، والله المستعان))(1).

وقال الألباني في تصحيحه لحديث: (ما تريدون من عليّ... وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي): ((فمن العجيب حقّاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في (منهاج السُنّة ٤/١٠٤) كما فعل بالحديث المتقدّم

____________

1- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٢٤ الحديث (١٧٥٠).


الصفحة 111
(الغدير) هناك... فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث، إلّا التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة))(1).

٢ــ الحافظ الذهبي، الذي خاطب ابن تيمية في رسالة بعثها إليه، والمعروفة باسم: (النصيحة الذهبية لابن تيمية): ((إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟! إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء، وتتّبع عورات الناس، مع علمك بنهي الرسول صلي الله عليه وسلم: (لا تذكروا موتاكم إلّا بخير، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا)...

ثمّ قال: يا رجل! بالله عليك، كُفّ عنّا؛ فإنّك محجاج عليم اللسان، لا تقرّ ولا تنام. إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيّك صلي الله عليه وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال، وقال: (إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كلّ منافق عليم اللّسان)..

إلى أن قال: كان سيف الحجّاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما بالله، خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب...

ثمّ قال: يا خيبة من اتّبعك؛ فإنّه معرّض للزندقة والانحلال، لا سيّما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً...

وقال أيضاً: إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح والله بها أحاديث الصحيحين. يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كلّ وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟!!))(2).

____________

1- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥: ٢٦٤ الحديث (٢٢٢٣).

2- خاتمة السيف الصقيل، للكوثري المطبوع مع السيف الصقيل ردّ ابن زفيل، للسبكي: ٢١٧.


الصفحة 112

تعليق (٢):

« م/ محمّد ــ اليمن »

مهما قيل عن ابن تيمية فهو علم من أعلام الإسلام، وإن كان قد أخطأ في بعض الأُمور، فهو مجتهد، إن أخطأ كان له أجر، وإن أصاب كان له أجران.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المشكلة ليست في ابن تيمية فقط، وأنّه مخطئ أم لا، بل المشكلة في أتباعه الذين ما يزالون متمسّكين بأخطائه ويسيرون على نهجه الخاطئ، فكيف تبيّن لهم أنّ منهجهم خاطئ، إلّا بتخطئة ابن تيمية وبيان أخطائه الكثيرة التي قد تخرجه عن كونه عالماً أو مجتهداً، فلا يبقى له لا أجر، ولا أجران، فإنّ تكذيب أحاديث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ليس من الاجتهاد في شيء، بل هو من النفاق.

(كلماته الدالّة على التجسيم)

« م/ عماد »

السؤال:

هل بإمكانكم إخباري بأقوال ابن تيمية في التجسيم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سنزوّدك بما يمكن ذكره في هذا المقام المختصر ببعض أقوال ابن تيمية..

ففي كتاب (الإيمان) قال: ((وكذلك ضحكه إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنّة. وضحكه إلى الذي يدخل الجنّة آخر الناس


الصفحة 113
ويقول: أتسخر بي وأنت ربّ العالمين، فيقول: لا، ولكنّي على ما أشاء قادر. وكلّ ذلك في الصحيح...))(1).

وفي رسالته (العقيدة الواسطية) قوله: ((لا تزال جهنّم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتّى يضع ربّ العزّة فيها رجله، وفي رواية: عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، متّفق عليه))(2).

قال ابن بطوطة في (رحلته): ((وكان بدمشق من كبار الحنابلة تقيّ الدين ابن تيمية، كبير الشام، يتكلّم في الفنون، إلّا أنّ في عقله شيئاً...

إلى أن قال: وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل ربعة من ربع المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته))(3).

وقال الحصني الدمشقي في (دفع شبه من شبّه وتمرّد) نقلاً عن صاحب (عيون التواريخ) ابن شاكر، وهو من تلاميذ ابن تيمية: فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن علي الدمشقي في صحن الجامع الأُموي، عن أبيه، قال: كنّا جلوساً في مجلس ابن تيمية، فذكر ووعظ وتعرّض لآيات الاستواء، ثمّ قال: ((واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا)). قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة، وأنزلوه من

____________

1- الإيمان الكبير: ٤٢٥، أقوال العلماء في الاستثناء في الإيمان، مجموعة الفتاوى
٧: ٤٤٥ كتاب الإيمان الكبير، فصل في أقوال الناس في الاستثناء في الإيمان.

2- مجموعة الفتاوى ٣: ١٣٩ العقيدة الواسطية، فصل في وجوب الإيمان بما وصف به الرسول صلي الله عليه وآله وسلم من صفات.

3- أدب الرحلات (رحلة ابن بطوطة): ٩٠ قضاة دمشق.


الصفحة 114
الكرسي، وبادروا إليه ضرباً باللكم والنعال وغير ذلك، حتّى أوصلوه إلى بعض الحكام. واجتمع في ذلك المجلس العلماء، فشرع يناظرهم، فقالوا: ما الدليل على ما صدر منك؟ فقال: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(1). فضحكوا منه، وعرفوا أنّه جاهل لا يجري على قواعد العلم))(2).

(ردّ علماء السُنّة على قوله بالتجسيم)

« أحمد نزار ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

تحيّة طيبة..

وبعد، هناك من الأصدقاء من يقول: إنّ ابن تيمية ومحمّد عبد الوهاب لا يقولان بالتجسيم، وما يقال من ذلك عنهم نابع من التعصّب، وردّ التهمة بتهمة مثلها، وإلّا فأين هي الكتب والمصادر التي يدّعون فيها أنّهما يقولان بالتجسيم بصراحة دون أن يكون لها وجه آخر؟!

أرجو ذكر أقوالهما مع المصادر لكي تتم الحجّة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المعروف عن كثير من الحنابلة أنّهم من القائلين بالتجسيم, بمعنى أنّ لله تعالى يداً، ووجهاً، وعيناً، وساقاً, وأنّه متربّع على العرش شأنه شأن الملوك

____________

1- طه (٢٠): ٥.

2- دفع شبه من شبّه وتمرّد (دفع الشبه عن الرسول)، للحصني: ٨٨، تاريخ ابن تيمية كما نقله ابن شاكر.


الصفحة 115
والسلاطين, واستدلّوا على ذلك بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(1)، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلّا وَجْهَهُ(2)، و﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ(3)، و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(4)، وغيرها من الآيات.

وقالوا: إنّ اليد والوجه والساق والاستواء، جاءت في القرآن على وجه الحقيقة في معانيها، وليست مصروفة إلى معانيها المجازية.

وقالوا: نعم يد الله ليست كيدنا, ووجهه ليس كوجهنا, وساقه ليس كساقنا, بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(5).

ولا يخفى عليك أنّ ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهاب يدّعيان أنّهما من الحنابلة!

وأقوال ابن تيميّة في التجسيم كثيرة جدّاً, وللوقوف على ذلك راجع مثلاً كتابه (الفتوى الحموية الكبرى)، في (مجموعة الفتاوى: ٥ كتاب الأسماء والصفات).

وإنّ عقيدته في التجسيم كانت واحداً من أهمّ محاور الصراع الذي خاضه مع علماء عصره؛ فهي السبب الوحيد لما دار بينه وبين المالكية من فتن في دمشق, وهي السبب الوحيد لاستدعائه إلى مصر ثمّ سجنه هناك, كما كانت سبباً في عدّة مجالس عقدت هنا وهناك لمناقشة أقواله.

____________

1- الفتح (٤٨): ١٠.

2- القصص (٢٨): ٨٨.

3- القلم (٦٨): ٤٢.

4- طه (٢٠): ٥.

5- الشورى (٤٢): ١١.


الصفحة 116
ولم تنفرد المالكية في الردّ عليه, بل كان هذا هو شأن الحنفية والشافعيّة أيضاً, وأمّا الحنبليّة فقد نصّوا على شذوذه عنهم.

قال الشيخ الكوثري الحنفي في وصف عقيدة من أثبت الحركة والانتقال والجهة ونحوها: ((تجسيمٌ صريح بغير كتاب ولا سُنّة، وكذا إثبات الحدّ والجلوس والمماسّة، تعالى الله عن ذلك))(1).

وللشافعيّة دورهم البارز في مواجهة هذه العقيدة, فقد صنّفوا في بيان أخطاء ابن تيميّة فيها كثيراً, وربّما يعدّ من أهمّ تصانيفهم تلك: ما كتبه شيخهم شهاب الدين ابن جَهبَل, المتوفّى سنة ٧٣٣هـ(2)، ويكتسب هذا التصنيف أهميّته لسببين:

أوّلهما: أنّ هذا الشيخ كان معاصراً لابن تيميّة, وقد كتب ردّه هذا في حياة ابن تيميّة موجّهاً إليه.

والثاني: أنّه ختمه بتحدّ صريح, قال فيه: ((ونحن ننتظر ما يَرفد من تمويهه وفساده, لنبيّن مدارج زيغه وعناده, ونجاهد في الله حقّ جهاده))(3). ثمّ لم يذكر لابن تيميّة جواباً عليه رغم أنّه قد وضعه ردّاً على (الحمويّة الكبرى) التي ألقاها الشيخ ابن تيميّة على المنبر في سنة ٦٩٨هـ.

____________

1- كتاب الأسماء والصفات، للبيهقي بتعليقة الكوثري: ٤١٤ الهامش، باب: ما جاء من قول الله عزّ وجلّ: (هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ...)البقرة (٢): ٢١.

2- طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي ٩: ٣٤ (١٣٠٢) أحمد بن يحيى، شهاب الدين بن جهبل.

3- طبقات الشافعية الكبرى ٩: ٩١ (١٣٠٢) أحمد بن يحيى، شهاب الدين بن جهبل.


الصفحة 117
وأمّا دفاع ابن تيمية عن التجسيم، فهو دفاع المجسّمة الصرحاء!! فيقول ردّاً على القائلين بتنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء: ((إنّهم جعلوا عمدتهم في تنزيه الربّ عن النقائص على نفي التجسيم, ومن سلك هذا المسلك لم ينزّه الله عن شيء من النقائص البتة))(1).

ثمّ طريق إثبات شيء على المتّهم لا يتم بإقراره فقط ومن كتبه؛ فإنّه قد لا يذكر ذلك صريحاً خوفاً من المسلمين, ولكن هناك طريقة أُخرى، وهي: شهادة شهود عليه؛ فإنّ هذا من أقوى أدلّة الإثبات, خاصّة إذا كانوا كثيرين.

وقد شهد على ابن تيميّة الكثير، منهم: ابن بطوطة في كتابه (رحلة ابن بطوطة)؛ إذ يقول تحت عنوان (حكاية الفقيه ذي اللّوثة) ــ اللّوثة بالضمّ: مَسّ جنون ــ: ((كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقيّ الدين ابن تيميّة, كبير الشام, يتكلّم في الفنون, إلّا أنّ في عقله شيئاً! وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر, وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...

ثمّ قال: وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم, فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجةً من المنبر! فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء, وأنكر ما تكلّم به, فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي

____________

1- مجموعة الفتاوى ١٣: ٤١٣ مقدّمة التفسير، فصل في أهل البدع مختلفون في الكتاب ومخالفون فيه، عمدة النفاة في تنزيه الربّ عن النقائص، وانظر: منهاج السُنّة ٢: ٥٦٣ كلام ابن المطهّر في أنّ مذهب الإمامية واجب الاتّباع، الردّ على قول: سمّوا مشبّهة؛ لأنّهم يقولون: أنّه جسم.


الصفحة 118
والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشيّة حرير, فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عزّ الدين بن مسلم قاضي الحنابلة, فأمر بسجنه, وعزّره بعد ذلك))(1).

ومقولة ابن تيميّة هذه ذكرها ابن حجر العسقلاني أيضاً في (الدرر الكامنة)(2)، وابن شاكر في (عيون التواريخ) نقل ذلك عنه الحصني الدمشقي في (دفع شبه من تشبّه وتمرّد)(3).

تلك صورةٌ عن عقيدته في الله تعالى.. فهو يجيز عليه تعالى الانتقال والتحوّل والنزول, وفي هذا التصوّر من التجسيم ما لا يخفى, فالذي ينتقل من مكان إلى مكان, وينزل ويصعد, فلا بدّ أنّه كان أوّلاً في مكان ثمّ انتقل إلى مكان آخر, فخلا منه المكان الأوّل, واحتواه المكان الثاني, والذي يحويه المكان لا يكون إلّا محدوداً! فتعالى الله عمّا يصفون.

(بيان تفصيلي عن عقيدة ابن تيمية في التجسيم)

« آمال ــ إسبانيا ــ مستبصرة »

السؤال:

سلام الله عليكم أيّها الإخوة الكرام..

____________

1- أدب الرحلات (رحلة ابن بطوطة): ٩٠ قضاة دمشق.

2- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١: ٩٣ (٤٠٩) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.

3- دفع شبه من شبّه وتمرّد (دفع الشبه عن الرسول): ٨٨، تاريخ ابن تيمية كما نقله المؤرّخ ابن شاكر.


الصفحة 119
هل صحيح ما ذكره ابن بطوطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية؟

استدلّ كثير من خصوم ابن تيمية بقصّة ذكرها ابن بطوطة في رحلته المشهورة، حيث زعم أنّه شاهد ابن تيمية على منبر الجامع بدمشق يعظ الناس ويشبّه نزول الله إلى السماء الدنيا بنزوله هو من درجة المنبر!

ما صحّة هذه الرواية؟ وما هي حقيقتها؟ وهل كان ابن تيمية حقّاً يعتقد بالتشبيه؟

الجواب:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته..

لنتحدّث أوّلاً عن عقيدة ابن تيمية في الله سبحانه وصفاته، المستقاة من كتبه, ثمّ نتحدّث عن رحلة ابن بطوطة، أو غيرها من المصادر التي ذكرت بعض المشاهد الحسّية في تبنّي ابن تيمية لعقيدة التجسيم, فالمهم عندنا بيان عقيدة ابن تيمية في هذا الموضوع من كتبه وألفاظه, وليس مهماً ما ذكره ابن بطوطة أو غيره، ممّا يعدّ مؤيّداً في ما لو ثبت عنه هذا الأمر.

ونسبة ابن تيمية إلى التجسيم ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) حين قال: ((وافترق الناس فيه ــ أي: ابن تيمية ــ شيعاً: فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله, وأنّه مستو على العرش بذاته. فقيل له: يلزم من ذلك التحيّز والانقسام، فقال: أنا لا أُسلّم أنّ التحيّز والانقسام من خواص الأجسام. فألزم بأنّه يقول بتحيّز في ذات الله...))(1).

____________

1- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١: ٩٣ (٤٠٩) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.


الصفحة 120
أيضاً قال ابن الوردي في (تتمّة المختصر): ((استدعي الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر, وعقد له مجلس, واعتقل بما نسب إليه من التجسيم))(1).

وجاء في (تاريخ أبي الفداء): ((وفيها استدعي تقيّ الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس، وأُمسك وأُودع الاعتقال بسبب عقيدته؛ فإنّه كان يقول بالتجسيم))(2).

وعن اليافعي في (مرآة الجنان) عند ذكره لحوادث سنة ٧٠٥هـ وما جرى فيها لابن تيمية: ((وكان الذي ادّعى به عليه ــ أي: على ابن تيمية ــ بمصر أنّه يقول: إنّ الرحمن على العرش استوى حقيقة, وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، ثمّ نودي بدمشق وغيرها: من كان على عقيدة ابن تيمية حلّ ماله ودمه))(3).

وعلى أيّة حال, كلام ابن تيمية في التجسيم يقسّم على أربعة أبعاد, وهي كما يلي:

١ــ إسناد المكان والجهة إلى الله تعالى.

٢ــ زعمه أنّ الحوادث تقوم بالله سبحانه.

٣ــ زعمه أنّ كلام الله تعالى بصوت وحرف.

٤ــ كلامه في مسألة الجسم.

البعد الأوّل: قال ابن تيمية في (الرسائل التدمرية), وضمن عنوان: تنازع الناس في الجهة والتحيّز: ((... وقد علم أنّ ما ثمّ موجود إلّا الخالق

____________

1- تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٤٦ حوادث سنة ٧٠٥هـ.

2- تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر) ٤: ٥٢ حوادث سنة ٧٠٥هـ.

3- مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٤: ١٨٠ سنة خمس وسبع مائة.


الصفحة 121
الصفحة السابقةالصفحة التالية