المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180) وابن تيمية لا يكتفي بأن يثبت الحركة فقط, بل يعتبر نفيها من ابتداع الجهمية.. يقول في فتاويه: ((فهذا لا يصحّ إلّا بما ابتدعته الجهمية من قولهم: لا يتحرّك، ولا تحلّ به الحوادث، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً، وأن يجيء يوم القيامة, وغير ذلك...))(1).

وللردّ على ابن تيمية في ما زعمه، ننقل أوّلاً بعض أقوال العلماء في مسألة النزول:

يقول الفخر الرازي: ((الرابع: أنّه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام أنّه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ(2)، ولا معنى للأُفول إلّا الغيبة والحضور, فمن جوّز الغيبة والحضور على الإله تعالى, فقد طعن في دليل الخليل، وكذّب الله تعالى في تصديق الخليل في ذلك؛ حيث قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ(3)))(4).

ويقول الغزالي في (إلجام العوام): ((إذا قرع سمعه النزول في قوله صلي الله عليه وسلم: (ينزل الله تعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا)، فالواجب عليه أن يعلم: أنّ النزول اسم مشترك, قد يطلق إطلاقاً يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام, جسم عالٍ هو مكان لساكنه, وجسم سافل كذلك, وجسم متنقّل من السافل إلى العالي، ومن العالي إلى السافل. فإن كان من أسفل إلى علوّ سمّي: صعوداً وعروجاً ورقيّاً, وإن كان من علوّ إلى أسفل سمّي: نزولاً وهبوطاً..

____________

1- الفتاوى الكبرى ٦: ٤٤٧ كتاب الردّ على الطوائف الملحدة، كلام في الوقف واللفظ.

2- الأنعام (٦): ٧٦.

3- الأنعام (٦): ٨٣.

4- أساس التقديس في علم الكلام: ٨٣ القسم الثاني، الفصل التاسع: في المجيء والنزول.


الصفحة 152
وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير انتقال وحركة في جسم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ(1)، وما رؤي البعير والبقر نازلاً من السماء بالانتقال, بلى مخلوقة في الأرحام, ولإنزالها معنى لا محالة. كما قال الشافعي رضي الله عنه: ((دخلت مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلت، ثمّ نزلت، ثمّ نزلت))، فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل.

فتحقّق للمؤمن أنّ النزول في حقّ الله تعالى ليس بالمعنى الأوّل, وهو انتقال شخص وجسد من علوّ إلى أسفل.. فإنّ الشخص والجسد أجسام، والربّ جلّ جلاله ليس بجسم, فإن خطر له أنّه لم يرد هذا فما الذي أراد؟

فيقال له: أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير، فأنت عن فهم نزول الله تعالى أعجز، ((فليس هذا بعشّك فأدرجي))، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت, واعلم أنّه أُريد به معنى من المعاني التي يجوز أن تراد بالنزول في لغة العرب, ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى وعظمته, وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته))(2).

ويقول الشيخ محمّد عبد العظيم الزرقاني: ((فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر, مع أنّ الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب؟! وإذا كان ينزل لأهل كلّ أُفق نزولاً حقيقياً في ثلث ليلهم الأخير, فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون؟! ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون؟!

____________

1- الزمر (٣٩): ٦.

2- إلجام العوام: ٥٧ ــ ٥٨، الباب الأوّل: الوظيفة الأُولى: التقديس.


الصفحة 153
مع أنّ الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات، ولا ساعة من الساعات, كما هو ثابت مسطور، لا يماري فيه إلّا جهول مأفون))(1).

هذا.. ومن ناحية أُخرى يقال لهؤلاء: إنّ حديث النزول قد فسّره الحديث الذي رواه النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الله يمهل حتّى إذا مضى شطر من الليل الأوّل أمر منادياً فينادى: هل من داع فيستجاب له...)(2) الحديث.

وعلى هذا يكون النزول معناه: نزول الملك بأمر الله. وهذا التفسير أوْلى من تفسير الإمام مالك وغيره للنزول بأنّه: نزول رحمة، لا نزول نقلة(3)... وغير ذلك.. لأنّ خير ما يفسّر به الحديث هو ما ورد من الحديث.. يقول الحافظ العراقي في ألفيّته في المصطلح: ((وخير ما فسّرته بالوارد))(4).

أمّا ما نسبه ابن تيمية إلى الأئمّة بإثبات الحركة لله تعالى.. فحسبنا ما رواه البيهقي في (مناقب أحمد) بإسناده عن أحمد، أنّه قال: ((احتجّوا علَيَّ يومئذ ــ يعني: يوم نوظر في دار أمير المؤمنين ــ فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك؟ فقلت لهم: إنّما هو الثواب؛ قال الله تعالى:

____________

1- مناهل العرفان في علوم القرآن ٢: ٢٣٣ المبحث الخامس عشر، دفع الشبهات الواردة في هذا المقام، الشبهة الأُولى.

2- السنن الكبرى ٦: ١٢٤ الحديث (١٠٣١٦) كتاب عمل اليوم والليلة.

3- فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان، للقضاعي: ٩٢، فصل: في ما يوهم التشبيه عند العامّة من ظاهر الكتاب والسُنّة، بيان العلوّ المعنوي من المجاز الشائع.

4- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي ٣: ٤٣ غريب ألفاظ الحديث.


الصفحة 154
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ(1): إنّما تأتي قدرته، وإنّما القرآن أمثال ومواعظ)). قال البيهقي: ((وهذا إسناد صحيح، لا غبار عليه))(2).

ــ قال السيّد الميلاني: ((وقوله: إنّما تأتي قدرته: أراد بذلك أثر قدرته.. وهذا من باب مجاز الحذف)) ــ.

وروى البيهقي فيه أيضاً، نقلاً عن إمام الحنابلة أبي الفضل التميمي، ما نصّه: ((أنكر أحمد على من قال بالجسم.. وقال: إنّ الأسماء مأخوذة من الشريعة واللّغة, وأهل اللّغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمكٍ وتركيب وصورة وتأليف, والله خارج عن ذلك كلّه, فلم يجز أن يسمّى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية.. ولم يجيء في الشريعة ذلك, فبطل))(3)، انتهى بحروفه.

وأخيراً: اعتقاده بحوادث لا أوّل لها وقوله بأزلية نوع العالم:

.. وهذه المسألة من أكثر ما أفاض فيه ابن تيمية.. وحصر مقالاته فيها يطول.. ولذلك نكتفي بنقل بعض عباراته, وبعض الردود عليها..

يقول في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول): ((قلت: هذا مضمون ما نبّه عليه في غير هذا الموضع: أنّ حدوث كلّ من الأعيان لا يستلزم حدوث

____________

1- الفجر (٨٩): ٢٢.

2- كتاب الأسماء والصفات، للبيهقي (تعليق الكوثري): ٩ مقدّمة الكوثري.

3- المصدر نفسه.


الصفحة 155
النوع الذي لم يزل ولا يزال..)) إلى أن قال: ((بل يكون الحادث اليومي مسبوقاً بحوادث لا أوّل لها, ولِمَ قلتم إن ذلك غير جائز؟))(1).

وقال في منهاج السُنّة: ((فيمتنع كون شيء من العالم أزلياً، وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فإنّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدّد، بل ما من وقت يقدّر إلّا وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه))(2).

وابن تيمية إذ يقرّر أزليّة نوع العالم.. يتعجّب من نقل ابن حزم الإجماع على كفر من نازع أنّ الله لم يزل وحده ولا شيء غيره ثمّ خلق الأشياء كما شاء.. وهو ما نقله ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع) بقوله: ((باب من الإجماع في الاعتقادات يكفّر من خالفه بإجماع: اتّفقوا أنّ الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له, خالق كلّ شيء غيره, وأنّه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه, ثمّ خلق الأشياء كلّها كما شاء, وأنّ النفس مخلوقة, والعرش مخلوق, والعالم كلّه مخلوق...))(3)..

يقول ابن تيمية في تعليقه المسمّى (نقد مراتب الإجماع): ((فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدّمتين، اللتين ثبت النزاع في كلّ

____________

1- درء تعارض العقل والنقل ١: ٣٨٨ الجواب التفصيلي، الوجه التاسع عشر، كلام الأبهري.

2- منهاج السُنّة ١: ٣٩٠ الردّ على الفصل الأوّل من منهاج الكرامة، الردّ على الفلاسفة بقدم العالم.

3- مراتب الإجماع: ١٦٧، باب: من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بالإجماع.


الصفحة 156
منهما, وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنّه سبحانه (لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثمّ خلق الأشياء كما شاء))(1).

وفي كتابه شرح حديث عمران بن الحصين يقول ابن تيمية: ((وإن قدّر أنّ نوعها لم يزل معه.. فهذه المعيّة لم ينفها شرع ولا عقل.. بل هي من كماله؛ قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ(2)، والخلق لا يزالون معه))(3).

وابن تيمية في سبيل تقرير دعواه الفاسدة بقدم نوع العالم.. يردّ الروايات الصحيحة في بدء الخلق.. التي رواها البخاري وغيره.. لكونها لا توافق معتقده.. فيردّ الرواية التي لفظها: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، ورواية: (كان الله ولم يكن شيء معه)، وقد روى البخاري الأُولى في صحيحه(4).. وروى الثانية غيره(5)، وتحكّم بترجيح رواية: (كان الله ولم يكن شيء قبله)(6)، تحكّماً متهافتاً. فهذه الرواية التي رجّحها تدلّ عند ابن تيمية على أنّه ليس يوجد شيء قد سبق الله بالوجود، ولا تمنع أن يكون ثمّ موجوداً قديماً بقدم الله، أزلياً بأزلية الله(7).

____________

1- نقد مراتب الإجماع: ٣٠٣، باب: من الإجماع في الاعتقادات.

2- النحل (١٦): ١٧.

3- مجموعة الفتاوى (شرح حديث عمران بن حصين) ١٨: ٢٣٩ معنى الأزل.

4- صحيح البخاري ٤: ٧٣ كتاب بدء الخلق.

5- فتح الباري، لابن حجر ٦: ٢٠٦ كتاب بدء الخلق، عمدة القاري، للعيني ١٥: ١٠٩ الحديث (١٩١٣).

6- صحيح البخاري ٨: ١٧٥ كتاب التوحيد.

7- مجموعة الفتاوى (شرح حديث عمران بن حصين) ١٨: ٢١٦ الوجه الثالث على القول الثاني.


الصفحة 157
وهل ثمّ تعجّب من نقل ابن حزم الإجماع على كفر هذه الشرذمة؟!

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري): ((قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله)، تقدّم في بدء الخلق بلفظ: (ولم يكن شيء غيره)، وفي رواية أبي معاوية: (كان الله قبل كلّ شيء), وهو بمعنى: كان الله ولا شيء معه, وهي أصرح في الردّ على من أثبت حوادث لا أوّل لها من رواية الباب, وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية, ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجّح الرواية التي في هذا الباب على غيرها, مع أنّ قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس, والجمع مقدّم على الترجيح بالاتّفاق))(1).

ويقول الحافظ أبو الفضل عبد الله الصديق الغماري: ((بدعة القول بحوادث لا أوّل لها: وهي منقولة عن ابن تيمية، كما في (فتح الباري)، ولأجلها رجّح رواية حديث: (كان الله ولم يكن شيء قبله)، على رواية: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، وعلى رواية: (كان الله قبل كلّ شيء) ــ إلى أن قال: ــ ولأجلها أيضاً انتقد على ابن حزم حكاية الإجماع على أنّ ما سوى الله مخلوق, كما تجد ذلك في تعليقاته على (مراتب الإجماع). وهذه العقيدة أخذها عن عبد الله بن ميمون الإسرائيلي، صاحب كتاب (دلالة الحائرين)، فأعجب لرجل: يشدّد النكير على

____________

1- فتح الباري، لابن حجر ١٣: ٣٤٦ كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء وهو ربّ العرش العظيم.


الصفحة 158
المبتدعين في الفروع, ثمّ يبتدع بدعة في الأُصول, ويردّ لأجلها الأحاديث الصحيحة, ويستنكر إجماعاً جليّاً أيّده العقل والنقل))(1).

ويقول تقيّ الدين الحصني: ((وممّا انتقد عليه ــ يعني: ابن تيمية ــ وهو من أقبح القبائح ما ذكره في مصنّفه المسمّى ــ أي: الرسالة التدمرية ــ: بـحوادث لا أوّل لها، وهذه التسمية من أقوى الأدلّة على جهله؛ فإنّ الحادث مسبوق بالعدم، والذي لا أوّل له ليس كذلك))(2)(3).

أمّا قوله بالجلوس في حقّ الله تعالى: فهو ثابت عنه، وإن نفاه بعض أتباعه لمّا استبشعوا ذلك, ذكر ذلك في كتابه (منهاج السُنّة النبوية)؛ فقال ما نصّه: ((ثمّ إنّ جمهور أهل السُنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه، وحمّاد بن زيد، وغيرهما، ونقلوه عن أحمد ابن حنبل في رسالته))(4).

قال المحدّث الهرري الحبشي ــ مفتي الصومال ــ في كتابه (المقالات السنية), بعدما نقل الكلام المتقدّم لابن تيمية: ((وهذه فرية على أهل السُنّة، ولا يستطيع أن يأتي بعبارة لأحد منهم, فهذا محض تقوّل على الأئمّة، كما

____________

1- إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة: ٢٥ البدعة نوعان، البدعة الخامسة من البدع في أُصول الدين.

2- دفع الشبه عن الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، للحصني: ١١٨ مبحث الردّ عليه في القول بقدم العالم.

3- انظر: دراسات في منهاج السُنّة، للميلاني: ٩٦ ــ ١٥٥، الباب الأوّل: أقوال ابن تيمية في التجسيم.

4- منهاج السُنّة ٢: ٦٣٨ الردّ على قول ابن المطهّر بوجوب اتّباع مذهب الإمامية، الردّ على قول: سمّوا مشبّهة.


الصفحة 159
تقوّل في مسألة زيارة قبور الأنبياء والأولياء للدعاء عندها رجاء الإجابة, وتعامى عمّا أطبق عليه السلف والخلف من قصد القبور رجاء الإجابة من الله.

وقال ابن تيمية في كتابه (شرح حديث النزول) ما نصّه: ((والقول الثالث، وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأُمّة وأئمّتها: أنّه لا يزال فوق العرش, ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا, ولا يكون العرش فوقه))(1).

وأمّا عبارته في (فتاويه) فإنّها صريحة في إثباته الجلوس لله؛ فقال فيه ما نصّه: ((فقد حدّث العلماء المرضيّون، وأولياؤه المقبولون: أنّ محمّداً رسول الله صلي الله عليه وسلم يجلسه ربّه على العرش معه))(2).

وقد نقل عنه هذه العقيدة أبو حيّان الأندلسي النحوي المفسّر والمقرئ في تفسيره (النهر الماد), عند تفسير آية الكرسي, قال: ((وقد وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرناه, وهو بخطّه، سمّاه: (كتاب العرش): إنّ الله يجلس على الكرسي وقد أخلى مكاناً يقعد فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم, تحيّل عليه محمّد بن علي بن عبد الحقّ, وكان من تحيّله أنّه أظهر أنّه داعية له حتّى أخذ منه الكتاب، وقرأنا ذلك فيه)).

ونقْل أبي حيّان هذا كان قد حُذف من النسخة المطبوعة القديمة, ولكن النسخة الخطية تثبته!!

____________

1- مجموعة الفتاوى ٥: ٤١٥ سئل عن حديث النزول، قول السلف في الاستواء على العرش.

2- مجموعة الفتاوى ٤: ٣٧٤ المفاضلة بين الملائكة والناس.


الصفحة 160
وسبب حذفه من النسخة المطبوعة: ما قاله الزاهد الكوثري في تعليقه على (السيف الصقيل)؛ قال: ((قد أخبرني مصحّح طبعه بمطبعة السعادة أنّه استفظعها جدّاً وأكبر أن ينسب مثلها إلى مسلم، فحذفها عند الطبع لئلا يستغلّها أعداء الدين, ورجاني أن أسجّل ذلك هنا، استدراكاً لِما كان منه، ونصيحة للمسلمين))(1).

قال الحافظ الهرري: فلينظر العقلاء إلى تخبّط ابن تيمية؛ حيث يقول مرّة: إنّه جالس على العرش، ومرّة: إنّه جالس على الكرسي, وقد ثبت في الحديث أنّ الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة في أرض فلاة, فكيف ساغ لعقله؟!))(2).

ونختم هذه المقالة بنصّ ما قاله الفقهاء الحنفيون في الفتاوى الهندية في تكفير مثبت المكان لله عزّ وجلّ؛ قالوا: يكفّر بإثبات المكان لله تعالى, فلو قال: لا محلّ خالي من الله يكفّر, ولو قال: الله تعالى في السماء، فإنّ قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفّر, وإن أراد به المكان يكفّر, وإن لم تكن له نيّة يكفر عند الأكثر، وهو الأصحّ، وعليه الفتوى, ويكفّر بقوله: الله تعالى جلس للإنصاف، أو قام له بوصفه الله تعالى بالفوق والتحت.. كذا في البحر الرائق))(3).

____________

1- السيف الصقيل ردّ ابن زفيل (بتعليق محمّد زاهد الكوثري): ٩٦ الهامش (١).

2- انظر: المقالات السنية، للحافظ الهرري: ١٥٥ ــ ١٥٩ المقالة الثامنة.

3- الفتاوى الهندية ٢: ٢٥٩ كتاب السير، الباب التاسع: في أحكام المرتدين.


الصفحة 161
ما ذكره ابن بطوطة وغيره يُعدّ مؤيّداً:

وبعد ما ذكرناه من التفاصيل ــ وهناك كثير غيرها ــ عن عقيدة ابن تيمية في التجسيم، لا يعدو الاهتمام بما ذكره ابن بطوطة في رحلته أمراً ذي بال، بحيث تدور عليه رحى عقيدة ابن تيمية في التجسيم وجوداً وعدماً, بل يمكن عدّ ما ذكره ابن بطوطة في رحلته(1) مؤيّداً لما مرّ ذكره من نصوص واضحة في هذا الجانب, وقد ذكر آخرون شبيه ما ذكره ابن بطوطة في رحلته(2)..

فقد ذكر الحصين الدمشقي في كتابه (دفع الشبه عن الرسول صلي الله عليه وآله وسلم) عن صاحب (عيون التواريخ) ابن شاكر؛ قال: ((فمن ذلك: ما أخبر به أبو الحسن الدمشقي ــ في صحن الجامع الأُموي ــ عن أبيه، قال: كنّا جلوساً في مجلس ابن تيمية, فذكر ووعظ وتعرّض لآيات الاستواء, ثمّ قال: (واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا)!

قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة, وأنزلوه من الكرسي, وبادروا إليه ضرباً باللّكم والنعال وغير ذلك, حتّى أوصلوه إلى بعض الحكّام. واجتمع في ذلك المجلس العلماء, فشرع يناظرهم.

فقالوا: ما الدليل على ما صدر منك؟

فقال: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(3).

فضحكوا منه, وعرفوا أنّه جاهل لا يجري على قواعد العلم، ثمّ نقلوه ليتحقّقوا أمره.

____________

1- أدب الرحلات (رحلة ابن بطوطة): ٩٠ قضاة دمشق.

2- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر ١: ٩٣ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني.

3- طه (٢٠): ٥.


الصفحة 162
فقالوا: ما تقول في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ(1)؟ فأجاب بأجوبة تحقّقوا أنّه من الجهلة على التحقيق, وأنّه لا يدري ما يقول, وكان قد غرّه بنفسه ثناء العوام عليه))(2).

ونحن في الواقع في غنىً عن أمثال هذه الحكايات بعد ثبوت النصوص المتقدّمة في كتبه ومؤلّفاته، وهي تثبت عقيدته في التجسيم بشكل لا مرية فيه!

و الحمد لله ربّ العالمين.

(ابن تيمية وحديث الشاب الأمرد)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

هل ثبت قول ابن تيمية: إنّ الله رؤي على هيئة شاب أمرد رؤيا العين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال ابن تيمية في (مجموعة الفتاوى): ((وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم، أنّه قال: رأيت ربّي في صورة كذا وكذا.. يروى من طريق ابن عبّاس،

____________

1- البقرة (٢): ١١٥.

2- دفع الشبه عن الرسول صلي الله عليه وآله وسلم: ٨٨، تاريخ ابن تيمية كما نقله المؤرّخ ابن شاكر.


الصفحة 163
ومن طريق أُمّ الطفيل، وغيرها)) ــ إلى أن قال: ــ ((فعلم أنّ هذا الحديث رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسراً في كثير من طرقه: (أنّه كان رؤيا منام)، مع أنّ رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج))(1).

وقال أيضاً: ((فالصحابة والتابعون وأئمّة المسلمين على أنّ الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً، وأن أحداً لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتّى يظنّ أنّه رأى ذلك بعينه))(2).

وقال أيضاً: ((ولم يتنازعوا إلّا في النبيّ خاصّة، مع أنّ جماهير الأئمّة على أنّه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبيّ والصحابة وأئمّة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عبّاس، ولا عن الإمام أحمد، وأمثالهما، أنّهم قالوا: أنّ محمّداً رأى ربّه بعينه، بل الثابت عنهم إمّا إطلاق الرؤية، وإمّا تقييدها بالفؤاد...

وكذلك حديث أُمّ الطفيل، وحديث ابن عبّاس، وغيرهما، ممّا فيه رؤية ربّه، إنّما كان بالمدينة، كما جاء مفسّراً في الأحاديث))(3).

ومن هذا الكلام لابن تيمية نعرف أنّه كان يقبل حديث ابن عبّاس، وحديث أُمّ الطفيل، وغيرهما، والذي فيه: صورة شاب أمرد، وشعره موفر وقطط ورجلاه في خضرة... الخ، ولكنّه كان يفسّر الرؤية أنّها كانت في المنام.

____________

1- مجموع الفتاوى ٣: ٣٨٧ رسالة ابن تيمية إلى عدي بن مسافر.

2- مجموع الفتاوى ٢: ٣٣٦ سئل عمّن ادّعوا بنصوص القول بالحلول والاتّحاد، الله لا يُرى بالعين في الدنيا.

3- مجموع الفتاوى ٢: ٣٣٥ سئل عمّن ادّعوا بنصوص القول بالحلول والاتّحاد، الله لا يُرى بالعين في الدنيا.


الصفحة 164

(الاعتراض على بعض العبارات التي تبيّن اعتقادات ابن تيمية في التجسيم)

« مرتضى علي ولي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم يا أنصار آل محمّد..

نقلت عبارة لابن تيمية من كتاب (ابن تيمية في صورته الحقيقية)، لصائب عبد الحميد، وهذه العبارة هي: يقول ابن تيمية: ((إنّ الله في جهة واحدة هي جهة الفوق... وأنّه يجلس على العرش، وأنّ العرش محيط به، فما يفضل منه أربعة أصابع)).

وقد نقله الكاتب من كتب ابن تيمية نفسه، من كتاب (الحموية الكبرى ص١٥)، ومن (منهاج السُنّة ج١ ص٢٥٠ وص٢٦٠ ــ ٢٦١)، ولم يذكر الطبعة، وعند مراجعتي للكتب بواسطة الانترنيت، لم أجد هذه العبارة، فاصطدمت حقيقةً، ولا يتسنّى لي الحصول على هذه الكتب بطبعاتها المختلفة.

فأرجو من حضراتكم التأكّد من وجود هذه العبارة وإرسال رقم الطبعة والمطبعة والجزء والصفحة، حتّى أوثّق بحثي الذي توقّف لأجل هذا.

ولكم خالص دعائي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 165
نقل حسن السقّاف في هامشه على كتاب (دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه)، عن الحافظ أبي حيّان في كتابه (النهر الماد ١/٢٥٤): ((إنّ ابن تيمية قال في رسالة له، كما قرأها الحافظ أبو حيّان، وهي بخط ابن تيمية معاصره: ((وأنّ الله يجلس على العرش، وقد أخلى مكاناً يقعد فيه معه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم))، عياذاً بالله تعالى، وهذا الكلام محذوف من الطبعة التي بهامش (بحر المحيط)؛ لأنّ مصحّحه بدار السعادة حذفها لاستشناعها، وطلب من الإمام المحدّث الكوثري، والإمام المحدّث سيّدي عبد الله بن الصديق الغماري أنّ يسجّلا ذلك عليه عندما راجعاه، وقد نبّها على ذلك في بعض كتبهما، وكلام ابن تيمية هذا ثابت في كتاب تلميذه ابن القيم (بدائع الفوائد ٤/٣٩))(1).

والذي نريد قوله من نقل هذا: أنّه يمكن التصرّف في بعض كتب ابن تيمية، فيحذف منها في الطبعات الجديدة!

وأمّا ما ذكره صائب عبد الحميد من قول ابن تيمية: ((فما يفضل منه أربعة أصابع))، فهو إشارة لما مذكور في كتب متعدّدة، وليس ابن تيمية هو الوحيد الذي ذكر ذلك!

ففي (جامع البيان) لابن جرير الطبري نقل بسنده رواية عبد الله بن خليفة، قال: ((أتت امرأة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنّة، فعظّم الربّ

____________

1- دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه/هامش (٥٢) ص١٢٢ ما جاء في القرآن في المتشابه في الصفات، وانظر: كشف الظنون ٢: ١٤٣٨ كتاب العرش وصفته لابن أبي شيبة.


الصفحة 166
تعالى ذكره، ثمّ قال: إنّ كرسيّه وسع السماوات والأرض، وإنّه ليقعد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثمّ قال بأصابعه فجمعها: وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله))(1).

وقد ذكر ابن تيمية حديث عبد الله بن خليفة في (منهاج السُنّة)، وقال عنه: ((ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة: أنّه ما يفضل من العرش أربع أصابع، يروى بالنفي، ويروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدّثين: كالإسماعيلي، وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقوّاه، ولفظ النفي لا يرد عليه شيء))(2).

فهو قبل من الحديث ما ورد بصيغة النفي، ولعلّ هذا ما كان يشير إليه صائب عبد الحميد؛ فراجع!

والظاهر من مراجعة الكتب المذكورة التي أوردها، أنّ عبارة صائب هي تلفيق لاعتقادات ابن تيمية، وأنّه ليس بصدد نقل نص كلامه، كما قد يبدو للوهلة الأوْلى؛ فإنّ الكاتب يريد أن يعدّد مقالات ابن تيمية، فأشار إلى ذلك في بداية كلامه بقوله: ((وعلى هذا قال))، أي: أنّه قال بهذه الأقوال، لا أنّ هذا نصّ كلامه.. ولعلّ ما ذكره في الهامش من تعدّد المصادر يشير إلى ذلك؛ فلاحظ!

____________

1- تفسير جامع البيان ٣: ١٦ سورة البقرة، قوله تعالى: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ...).

2- منهاج السُنّة ٢: ٦٢٩ الردّ على كلام ابن المطهّر على مذهب السُنّة في الصفات.


الصفحة 167

(تشكيكه بالواضحات دليل على بغضه لعليّ عليه السلام)

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي»

السؤال:

(دفاع عن ابن تيمية في اتّهامه بالطعن في خلافة عليّ):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلّى الله وسلّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أمّا بعد: فإنّنا نسمع بين الفينة والأُخرى أقوالاً، ونقرأ مؤلّفات وكتابات، تنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية(رحمه الله)، أقوالاً ظاهرها الطعن في خلافة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, فلمّا بحثت أُصول تلك الأقوال في كلامه(رحمه الله) وجدتها على أصناف:

١ــ صنف من كذب على شيخ الإسلام وافترى عليه افتراءً واضحاً.

٢ــ ومنهم من نقل عن شيخ الإسلام(رحمه الله) نقلاً محرّفاً مبتوراً.

٣ــ ومنهم من نقل أقوالاً لابن تيمية(رحمه الله), وكان ابن تيمية قد ذكرها نقلاً عن غيره من باب ردّ الشبهة بالشبهة، ومن باب إلزام الخصوم.

٤ــ ومنها ما ذكره شيخ الإسلام(رحمه الله) في سياق الردّ على الروافض، لا في سياق التقرير والاعتقاد.

٥ــ ومنها ما كان ملتبساً غامضاً، أخذه هؤلاء وفسّروه كما يحبّون, وقدّموا سوء الظنّ على حسن الظنّ.


الصفحة 168
وأنا هنا لا أُريد مناقشة تلك الأقوال التي نقلها بعضهم بتحريف أو بتر, أو بتجريدها من سياقها العام؛ وإنّما هدفي من هذا كلّه, هو أن أُبرز الأقوال التي قرّرها ابن تيمية(رحمه الله) في خلافة عليّ رضي الله عنه, وذَكَرَها في سياق التبنّي والتقرير والاعتقاد, والتي أغفلها الناقلون عنه لأسباب الله أعلم بها.

ولعلّ الذين ينقلون عن ابن تيمية(رحمه الله) تلك الأقوال التي ظاهرها الطعن في خلافة عليّ رضي الله عنه, إنّما يريدون الانتصار لأهوائهم المنحرفة, فيذهبون إلى أقوال الشيخ(رحمه الله) ويخرجونها من سياقها أو يسيئون تفسيرها, أو يبترونها ثمّ يستشهدون بها لخدمة آرائهم, حالهم كحال الذين يستخدمون الأحاديث الموضوعة وينسبونها للنبيّ صلي الله عليه وسلم.

وكان الهدف من هذه المقالة هو:

١ــ إظهار الأقوال الصحيحة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ودفاعه عن خلافة عليّ رضي الله عنه.

٢ــ الدفاع عن شيخ الإسلام(رحمه الله) ضدّ من يتّهمونه بالنصب, مع غمطهم لمثل هذه الأقوال, أو عدم معرفتهم بها, ولا أظنّ منصفاً يعرف هذه الأقوال ثمّ يتّهم شيخ الإسلام ابن تيمية(رحمه الله) بأنّه من أعداء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

٣ــ الردّ على من يحرّف أقوال شيخ الإسلام(رحمه الله)، أو يسوقها في سياق لا يريده ابن تيمية ولا يعنيه, مثل كثير من المؤرّخين المعاصرين، الذين يوردون أقوالاً لشيخ الإسلام(رحمه الله) في ظاهرها الطعن في خلافة عليّ رضي الله عنه, ويتركون الأقوال المحكمة في إثباتها، ويتمسّكون بتلك الأقوال المشتبهة، أو التي كان سياقها سياق ردّ وليس سياق تحرير وتقرير؛ وهم بهذا العمل يظلمون الحقائق، ويظلمون شيخ الإسلام، شعروا أو لم يشعروا.


الصفحة 169
وممّا ينبغي التنبيه عليه:

إنّ كثيراً ممّا انتقد على ابن تيمية(رحمه الله) إنّما نقله عن غيره، كابن حزم، وابن بطّة، وابن حامد الحنبلي، وغيرهم, فهو يورد الأقوال الضعيفة للردّ على أقوال الشيعة الأكثر ضعفاً، من باب ردّ الشبهة بالشبهة ــ كما ذكرت ــ ولكنّه عندما يقرّر ويذكر عقيدة أهل السُنّة ومذهبهم, لا يذكر تلك الأقوال التي قد يفهم منها ــ بحقّ أو بباطل ــ تنقّصاً وطعناً لخلافة عليّ رضي الله عنه.

والحقيقة أنّني وجدت لابن تيمية(رحمه الله) أقوالاً كثيرة, أجزم بأنّها تحمل في طياتها براءة كاملة لابن تيمية(رحمه الله) من دعوى أنّه يطعن في خلافة عليّ رضي الله عنه, وهي كثيرة جدّاً, نذكر منها ما يلي:

١ــ أورد شيخ الإسلام حديث سفينة, فقال: ((عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (خلافة النبوّة ثلاثون سنة, ثمّ يؤتي الله ملكه من يشاء)، أو قال: (الملك). قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك، مدّة أبي بكر سنتان, وعمر عشر, وعثمان اثنتا عشرة, وعليّ كذا. قال سعيد: قلت لسفينة: إنّ هؤلاء يزعمون أنّ عليّاً لم يكن بخليفة. قال: كذبت أَستاه بني الزرقاء, يعني: بني مروان)).. الحديث صحيح؛ صحّحه أحمد وغيره من الأئمّة.(المنهاج ١/٥١٥).

٢ــ وقال(رحمه الله): ((والصحيح الذي عليه الأئمّة أنّ عليّاً رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين بهذا الحديث ــ يقصد حديث سفينة ــ فزمان عليّ كان يُسمّي نفسه أمير المؤمنين، والصحابة تسمّيه بذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل: ((من لم يربّع بعليّ رضي الله عنه في الخلافة فهو أضلّ من حمار أهله)), ومع هذا فلكلّ خليفة مرتبة)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٧٩).


الصفحة 170

٣ــ وقال(رحمه الله): ((لكن اعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنصّ، وما ثبت بالنصّ وجب اتّباعه، وإن كان بعض الأكابر تركه)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٤٠).

٤ــ وقال(رحمه الله): ((وعليّ رضي الله عنه لم يقاتل أحداً على إمامة من قاتله, ولا قاتل أحدٌ على إمامته نفسه, ولا ادّعى أحد قطّ في زمن خلافته أنّه أحقّ بالإمامة منه، لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه, ولا الخوارج, بل كلّ الأُمّة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته بعد قتل عثمان, وأنّه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته)).(المنهاج ٦/٣٢٨).

٥ــ وقال(رحمه الله): ((وكذلك عليّ؛ لم يتخاصم طائفتان في أنّ غيره أحقّ بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهاً لولاية أحد من الأربعة، فهذا لا بدّ منه. فإنّ من الناس من كان كارهاً لنبوّة محمّد صلي الله عليه وسلم, فكيف لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء)).(المنهاج ٦/٣٢٩).

٦ــ وقال(رحمه الله): ((وليس في الصحابة بعدهم ــ الخلفاء الثلاثة ــ من هو أفضل منه ــ عليّ ــ ولا تُنازع طائفة من المسلمين بعد خلافة عثمان في أنّه ليس في جيش عليّ أفضل منه. ولم تفضّل طائفة معروفة عليه طلحة والزبير, فضلاً أن يفضّل عليه معاوية. فإن قاتلوه مع ذلك لشبهة عرضت لهم، فلم يكن القتال له لا على أنّ غيره أفضل منه، ولا أنّه الإمام دونه، ولم يتسمّ قطّ طلحة والزبير باسم الإمارة، ولا بايعهما أحد على ذلك)).(المنهاج ٦/٣٣٠).


الصفحة 171

٧ــ وقال(رحمه الله): ((وكان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, آخر الخلفاء الراشدين المهديين)).(مجموع الفتاوى ٣/٤٠٦).

٨ــ وقال(رحمه الله): ((لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقّف في خلافة عليّ، وقال: هو أضلّ من حمار أهله, وأمر بهجرانه, ونهى عن مناكحته, ولم يتردّد أحمد ولا أحد من أئمّة السُنّة في أنّه ليس غير عليّ أوْلى بالحقّ منه، ولا شكّوا في ذلك. فتصويب أحدهما ــ عليّ أو من خالفه ــ لا بعينه تجويز لأن يكون غير عليّ أوْلى منه بالحقّ، وهذا لا يقوله إلّا مبتدع ضالّ، فيه نوع من النصب، وإن كان متأوّلاً)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٣٨).

٩ــ وقال(رحمه الله): ((نصوص أحمد على أنّ الخلافة تمّت بعليّ كثيرة جدّاً)).(مجموع الفتاوى ٣٥/٢٦).

١٠ــ وقال(رحمه الله): ((وجماهير أهل السُنّة متّفقون على أنّ عليّاً أفضل من طلحة والزبير، فضلاً عن معاوية وغيره)).(المنهاج ٤/٣٥٨).

١١ــ وقال(رحمه الله) عند الكلام على حديث: (ويح عمّار تقتله الفئة الباغية, يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار): ((حديث صحيح، متّفق عليه، واللفظ للبخاري)).

قال: ((وهذا أيضاً يدلّ على صحّة إمامة عليّ ووجوب طاعته، وأنّ الدّاعي إلى طاعته داع إلى الجنّة, وأنّ الدّاعي إلى مقاتلته داع إلى النار, وهو دليل على أنّه لم يكن يجوز قتال عليّ, وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان


الصفحة 172
متأوّلاً، أو باغٍ بلا تأويل، وهو أصحّ القولين لأصحابنا, وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليّاً، وهو مذهب الأئمّة والفقهاء الذين فرّعوا على ذلك قتال البغاة المتأوّلين)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٣٧).

١٢ــ وقال(رحمه الله): ((ثبت بالكتاب والسُنّة إجماع السلف على أنّهم ــ عليّ ومخالفوه ــ مؤمنون مسلمون، وأنّ عليّ بن أبي طالب والذين معه كانوا أوْلى بالحقّ من الطائفة المقاتلة له)).(مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٣).

١٣ــ وقال(رحمه الله): ((مع أنّ عليّاً كان أوْلى بالحقّ ممّن فارقه, ومع أنّ عمّاراً قتلته الفئة الباغية كما جاءت به النصوص, فعلينا أن نؤمن بكلّ ما جاء من عند الله, ونقرّ بالحقّ كلّه, ولا يكون لنا هوى ولا نتكلّم بغير علم, بل نسلك سبيل العلم والعدل، وذلك هو اتّباع الكتاب والسُنّة, فأمّا من تمسّك ببعض الحقّ دون بعض, فهذا منشأ الفرقة والاختلاف)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٥٠).

١٤ــ وقال(رحمه الله): ((ويروى أنّ معاوية تأوّل أنّ الذي قتله ــ أي: عمّار ابن ياسر ــ هو الذي جاء به ــ أي: عليّ بن أبي طالب ــ دون مقاتليه, وأنّ عليّاً ردّ هذا التأويل بقوله: فنحن إذاً قتلنا حمزة ــ يعني يوم أحد ــ ولا ريب أنّ ما قال عليّ هو الصواب)).(مجموع الفتاوى ٣٥/٧٧).

١٥ــ وقال(رحمه الله): ((والخوارج المارقون الذين أمر النبيّ صلي الله عليه وسلم بقتالهم, قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتّفق على قتالهم أئمّة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفّرهم عليّ بن


الصفحة 173
أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة, بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم عليّ حتّى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم, لا لأنّهم كفّار. ولهذا لم يَسبِ حريمهم، ولم يغنم أموالهم)).(مجموع الفتاوى ٣/٢٨٢).

١٦ــ وقال(رحمه الله): ((وهؤلاء ــ أي الخوارج ــ لمّا خرجوا في خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, قاتلهم هو وأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، بأمر النبيّ صلي الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم. واتّفق على قتالهم جميع أئمّة الإسلام)).(مجموع الفتاوى ٣/٣٨٢).

١٧ــ وقال(رحمه الله): ((ويقولون ــ أي: أهل السُنّة ــ: إنّ المسلمين لمّا افترقوا في خلافته، فطائفة قاتلته, وطائفة قاتلت معه, كان هو وأصحابه أوْلى الطائفتين بالحقّ, كما ثبت في الصحيحين ــ ثمّ ذكر حديث الخوارج, إلى أن قال ــ: فهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين مرقوا فقتلهم عليّ وأصحابه، فعُلم أنّهم كانوا أوْلى بالحقّ من معاوية وأصحابه)).(المنهاج ٤/٣٥٨).

١٨ــ وقال(رحمه الله): ((ولم يسترب ــ أي: يشكّ ــ أئمّة السُنّة وعلماء الحديث أنّ عليّاً أوْلى بالحقّ وأقرب إليه، كما دلّ عليه النص)).(مجموع الفتاوى ٤/٤٣٨).

١٩ــ وقال(رحمه الله): ((مع العلم بأنّ عليّاً وأصحابه هم أوْلى الطائفتين بالحقّ، كما في حديث أبي سعيد عن النبيّ صلي الله عليه وسلم، قال: (تمرق مارقة على حين


الصفحة 174
فرقة من المسلمين، فيقتلهم أوْلى الطائفتين بالحقّ)، وهذا في حرب أهل الشام)).(مجموع الفتاوى ٣٥/٥١).

٢٠ــ وقال(رحمه الله): ((وقد أخرجنا في الصحيحين، عن أبي سعيد، عن النبيّ صلي الله عليه وسلم، أنّه قال: (تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أوْلى الطائفتين بالحقّ)، وهؤلاء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة عليّ، فقتلهم عليّ بن أبي طالب وأصحابه، فدلّ هذا الحديث الصحيح على أنّ عليّ بن أبي طالب أوْلى بالحقّ من معاوية وأصحابه)).(الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: ١٨).

٢١ــ وقال(رحمه الله): ((وكان في جهّال الفريقين ــ فريق عليّ ومعاوية ــ من يظنّ بعليّ وعثمان ظنوناً كاذبة، برّأ الله منهما عليّاً وعثمان: كان يُظنّ بعليّ أنّه أمر بقتل عثمان, وكان عليّ يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنّه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله, وهذا معلوم بلا ريب من عليّ رضي الله عنه)).(مجموع الفتاوى ٣٥/٧٣).

وبعد أن بيّنت موقف شيخ الإسلام من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنّه(رحمه الله) متّبع منهج السلف في محبّته، أعرض هنا ما نقله الشيخ سليمان بن صالح الخراشي في كتابه (شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن ناصبياً) عن الأسباب التي أدّت بهم إلى اتّهام ابن تيمية بالنصب.


الصفحة 175
فالشيخ(رحمه الله) يبيّن قول الرافضة وغلوّهم في عليّ بن أبي طالب، وطعنهم في الصحابة، فيدحض قولهم بقول النواصب وقدحهم في عليّ رضي الله عنه، ثمّ يعرض قول أهل السُنّة والجماعة، أهل الوسطية في هذا الخلاف، فينقل عنه الكلام مبتوراً؛ لأنّ من يطعن في الشيخ ينقل نقله عن النواصب ويعزيه للشيخ.

يقول الشيخ صالح الخراشي ص٤٧: ((وشيخ الإسلام أمام سيل جارف من الغلوّ المكذوب في عليّ رضي الله عنه، وأمام حمم متدفّقة من الأكاذيب في سبيل الطعن في الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ فماذا يصنع؟

إنّ المتأمّل لهذه الظروف التي عاشها شيخ الإسلام أمام هذا الكتاب يجد له خيارين:

الخيار الأوّل؛ وهو المشهور عند العلماء وأصحاب التأليف؛ هو أن يقوم شيخ الإسلام بدفع الطعون عن الصحابة ببيان كذبها وأنّها مختلقة، فكلّما رمى الرافضي بشبهة أو طعن على صحابي قام شيخ الإسلام بردّها، أو بردّه بكلّ اقتدار، لينفيه عن هذا الصحابي...

وهو خيار جيّد ومقبول لو كان الخصم غير الرافضي، أي: لو كان الخصم ممّن يحتكمون في خلافاتهم إلى النقل الصحيح أو العقل الصريح)). والرافضة ليسوا كذلك بالطبع.

قال الخراشي ص٤٨؛ ((الخيار الثاني؛ وهو الذي اختاره شيخ الإسلام؛ لأنّه يراه مفعول فعّال في مواجهة أكاذيب الروافض وغلوّهم المستطير...))،


الصفحة 176
ثمّ قال: ((وهذا الخيار يرى أنّه أجدى طريقة لكفّ بأس الروافض، هو مقابلة شبهاتهم بشبهات خصومهم من الخوارج والنواصب))، أي: مقابلة هذا الطرف بذاك الطرف المقابل له، ليخرج من بينهما الرأي الصحيح الوسط.

فكلّما قال الرافضي شبهة أو طعناً في أحد الخلفاء الثلاثة ــ أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ــ قابلها شيخ الإسلام بشبهة مشابهة للنواصب والخوارج في عليّ رضي الله عنه.

وهو لا يقصد بهذا تنقيص عليّ ــ رضي الله عنه ــ والعياذ بالله، وإنّما يقصد إحراج الروافض، وكفّهم عن الاستمرار في تهجّمهم على الصحابة؛ لأنّه ما من شيء من الطعون والتهم سيثبتونه على واحد من الصحابة، إلّا وسيثبت الخوارج والنواصب مماثلاً له في عليّ رضي الله عنه.

وهذا يخرس ألسنة الروافض؛ لأنّهم في النهاية سيضطرّون إلى أن تضع حربهم على الصحابة أوزارها، عندما يرون شبههم وأكاذيبهم تقابل بما يناقضها في عليّ رضي الله عنه ، فعندها سيبادرون إلى أن يختاروا السلم وعدم ترديد الشبهات حفاظاً على مكانة عليّ أن يمسسها أحد بسوء.

فهذه حيلة من شيخ الإسلام ضرب بها النواصب بالروافض ليسلم من شرّهم جميعاً، وهذا ما لم يفهمه أو تجاهل عنه من بادر باتّهامه بتلك التهمة الظالمة.


الصفحة 177
وهنا أسرد مثالاً أظنّه كافٍ لبيان طريقة شيخ الإسلام في ردّه على الرافضة، كما نقله الشيخ الخراشي:

قال شيخ الإسلام(قدّس الله روحه): ((وهؤلاء الذين نصبوا العداوة لعليّ ومن والاه، وهم الذين استحلّوا قتله وجعلوه كافراً، وقتله أحد رؤوسهم (عبد الرحمن بن ملجم المرادي)، فهؤلاء النواصب الخوارج المارقون إذا قالوا: إنّ عثمان وعليّ بن أبي طالب ومن معهما كانوا كفّاراً مرتدّين، فإنّ من حجّة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة، وما ثبت بالكتاب والسُنّة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم، وثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، وإخباره بأنّهم من أهل الجنّة، ونحو ذلك من النصوص، ومن لم يقبل هذه الحجج، لم يمكنه أن يثبت إيمان عليّ بن أبي طالب وأمثاله.

فإنّه لو قال هذا الناصبي للرافضي: إنّ عليّاً كان كافراً، أو فاسقاً ظالماً، وأنّه قاتل على الملك؛ لطلب الرياسة، لا للدين، وأنّه قتل من أهل الملّة من أُمّة محمّد صلي الله عليه وسلم؛ بالجمل وصفّين وحروراء أُلوفاً مؤلّفة، ولم يقاتل بعد النبيّ صلي الله عليه وسلم كافراً، ولا فتح مدينة، بل قاتل أهل القبلة، ونحو هذا الكلام ــ الذي تقوله النواصب المبغضون لعليّ رضي الله عنه ــ لم يمكن أن يجيب هؤلاء النواصب إلّا أهل السُنّة والجماعة، الذين يحبّون السابقين الأوّلين كلّهم..

فيقولون لهم: أبو بكر، عمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، ونحوهم، ثبت بالتواتر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، وثبت في القرآن ثناء الله عليهم،


الصفحة 178
والرضى عنهم، وثبت بالأحاديث الصحيحة ثناء النبيّ صلي الله عليه وسلم عليهم خصوصاً وعموماً، كقوله في الحديث المستفيض عنه: (لو كنت متّخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً)، وقوله: (إنّه كان في الأُمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أُمّتي، فعمر)، وقوله عن عثمان: (ألا يستحي ممّن تستحي منه الملائكة)؟ وقوله في عليّ: (لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه)، وقوله: (لكلّ نبيّ حواريون، وحواريّي الزبير)، وأمثال ذلك.

وأمّا الرافضي، فلا يمكنه إقامة الحجّة على من يبغض عليّاً من النواصب، كما يمكن ذلك أهل السُنّة، الذين يحبّون الجميع))، انتهى كلام شيخ الإسلام(قدّس الله روحه) ونوّر ضريحة.(مجموع الفتاوى ٤/٤٦٨ ــ ٤٦٩).

والنقولات عن شيخ الإسلام كثيرة، تلقم كلّ من يحاول اتّهامه بالنصب حجراً، فرحمه الله رحمة واسعة، وجمعه مع بقية أولياء الله والصدّيقين في جنّة الفردوس الأعلى، وجمعنا وإياكم مع شيخ الإسلام في دار النعيم الخالد.

وختاماً أحبّتي في الله، أتمنّى أن أكون قد وفّقت في إزالة اللبس الذي أثاره الروافض حول كون ابن تيمية(رحمه الله) يطعن في خلافة عليّ رضي الله عنه, والله من وراء القصد.

أرجو منكم الردّ على هذه المقالة وإحضار أين ذكر ابن تيمية ما تدّعون، لنرى ما قصصتم من كلامه؟


الصفحة 179
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: الدفاع عن ابن تيمية ومحاولة دفع صفة النصب عنه بما تقدّم ذكره في هذه الوريقات أوهن من بيت العنكبوت، كما هو الشأن في المحاولة لتأويل طريقته في الردود وما شابه ذلك؛ إذ لا يجوز شرعاً الاستعانة بكلمات أهل الضلالة (كالنواصب) في دفع ضلالة أو بدعة أُخرى، كما يريد أن يصورّه المدافع هنا في تبيان سلوك وطريقة ابن تيمية في ردوده وأقواله، وقد قال المولى سبحانه: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً(1).

وثانياً: إنّ الذين يرمون ابن تيمية بالنصب والنفاق، أو ما يقرب من هذا، أو الناقلين له، هم علماء ومحقّقون كبار عند أهل السُنّة, بل من المحسوبين على الخطّ السلفي بقوّة، كالحافظ ابن حجر العسقلاني، والشيخ ناصر الدين الألباني المحدّث الوهابي المعروف، وبين هذا وذاك يوجد كثير من علماء أهل السُنّة ممّن أعابوا، أو انتقدوا، أو جاهروا بضلالة ابن تيمية في هذا الجانب، كالشيخ عبد الله الهرري مفتي الصومال(2).

وعلى أية حال، ليس الشيعة هم أهل الدعوى، وأساسها في هذه المسألة! وإنّما لعلماء أهل السُنّة الباع الأكبر في توجيه هذه التهمة، وهم أيضاً المتابعون لأقواله، والمظهرون لها في كتبهم وردودهم.

____________

1- الكهف (١٨): ٥١.

2- انظر: كتاب المقالات السنيّة في كشف ضلالات ابن تيمية.


الصفحة 180
وقد طلبت منّا أن نظهر لك جملة من هذه الأقوال التي تثبت بغضه لعليّ عليه السلام وتحامله عليه.. ونحن هنا سنأتيك بما ذكره علماء أهل السُنّة في حقّه أوّلاً في هذه المسألة، ثمّ نوقفك على جانب من المواضع التي طلبت؛ لأنّها كثيرة ويصعب حصرها، والتي يظهر فيها بغضه لعليّ عليه السلام خاصّة، ولأهل البيت عليهم السلام عامّة.

ولنبدأ بابن حجر العسقلاني وما ذكره في كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة):

قال: ((وقال ابن تيمية في حقّ عليّ: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثمّ خالف فيها نصّ الكتاب...

ثمّ يقول ــ أي: الحافظ ابن حجر ــ: وافترق الناس فيه ــ أي: في ابن تيمية ــ شيعاً، فمنهم من نسبه إلى التجسيم؛ لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله: إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله، وأنّه مستو على العرش بذاته...

إلى أن يقول: ومنهم من ينسبه إلى الزندقة؛ لقوله: النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لا يستغاث به، وأنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم...

إلى أن يقول: ومنهم من ينسبه إلى النفاق، لقوله في عليّ ما تقدّم ــ أي: قضية أنّه أخطأ في سبعة عشر شيئاً ــ. ولقوله: ((إنّه ــ أي: عليّ ــ كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحبّ الرياسة... ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعليّ أسلم صبيّاً، والصبي لا يصحّ إسلامه على قول، وبكلامه في قصّة خطبة


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية