المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210) بنت أبي جهل... فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ولا يبغضك إلّا منافق))(1).

وقال ابن حجر الهيثمي المكّي في كتابه (الفتاوى الحديثية): ((ابن تيمية؛ عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه، وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخّري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما))(2).

وعن الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)؛ إذ صرّح بعد تصحيحه لحديث: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من ولاه وعاد من عاداه): ((إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته، أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية، قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر، فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها))(3).

____________

1- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١: ٩٢ ــ ٩٣ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني (٤٠٩).

2- الفتاوى الحديثية: ٨٣ (٦٩): مطلب اعتراض ابن تيمية على متأخّري الصوفية وله خوارق.

3- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٤٤ الحديث (١٧٥٠).


الصفحة 182
والآن نذكر لك الشواهد التفصيلية لما نسب لابن تيمية من مواضع البغض والنفاق في الكلمات السابقة:

١ــ مناقشته في إسلام عليّ عليه السلام:

قال في (منهاج السُنّة): ((قبل أن يبعث الله محمّداً صلي الله عليه وسلم، لم يكن أحدٌ مؤمناً من قريش: لا رجل ولا صبيّ ولا امرأة، ولا الثلاثة، ولا عليّ. وإذا قيل عن الرجال: إنّهم كانوا يعبدون الأصنام، فالصبيان كذلك: عليّ وغيره(1).

وإن قيل: كفر الصبيّ ليس مثل كفر البالغ، قيل: ولا إيمان الصبيّ مثل إيمان البالغ؛ فأُولئك يثبت لهم حكم الإيمان والكفر وهم بالغون، وعليّ يثبت له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ. والصبيّ المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتّفاق المسلمين))(2).

وهذه الدعاوى ــ من ابن تيمية ــ في كون عليّ عليه السلام كان يعبد الأصنام في صغره، يمكن لأيّ محقّق ردّها بأدنى متابعة لما جاء في بيان سيرته عليه السلام، المعلومة لدى المسلمين جميعاً..

فمن الثابت عند الجميع أنّ الإمام عليّاً عليه السلام تربّى في كنف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وترعرع في بيته بعد أن تكفّل بتربيته حينما أخذه من أبيه أبي طالب عليه السلام، في حادثة معروفة، للتخفيف عن أبي طالب؛ لكثرة عياله، بينما أخذ العبّاس عمّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جعفراً.

____________

1- يرجى ملاحظة هذه الكلمات هنا بدقّة! فهي تعني: أنّ عليّاً عليه السلام كان يعبد الصنم في صغره!!

2- منهاج السُنّة ٨: ٢٨٥ الفصل الخامس من كلام الرافضي، فصل: قول الرافضي الخامس: (لا ينال عهدي الظالمين).


الصفحة 183
وقد روى الطبري في (تاريخه) ــ وهو الإمام المتقن حقّاً، الجامع علماً وصحّة واعتقاداً وصدقاً؛ كما يقول ابن الأثير في كامله(1) ــ عن محمّد بن إسحاق: ((إنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة، وخرج معه عليّ بن أبي طالب مستخفياً من عمّه أبي طالب، وجميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان الصلوات))(2).

وقال سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص): ((لم يزل مع رسول الله في زمن الطفولة، يدين بما دان به رسول الله))(3).

وهنا نسأل: بماذا كان يدين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟

فمن المعلوم والثابت أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان يدين بالحنيفية، أي: كان على ديانة التوحيد الإبراهيمية، وعلى شريعة جدّه إبراهيم الخليل عليه السلام.. وفي هذا المعنى صرّح ابن حمدان في (نهاية المبتدئين) عن ابن عقيل: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ولد مسلماً.. وعن الحافظ ابن رجب: أنّه ولد نبيّاً.. بل نسب الحافظ للإمام أحمد القول بولادة النبيّ على الإسلام(4).

وقال المسعودي: ((ذهب كثير من الناس إلى أنّه ــ أي: عليّ عليه السلام ــ لم يشرك بالله شيئاً فيستأنف الإسلام، بل كان تابعاً للنبيّ صلي الله عليه وسلم في جميع أفعاله، مقتدياً به، بلغ وهو على ذلك، وأنّ الله عصمه وسدّده ووفّقه لتبعيّته لنبيّه عليه السلام؛

____________

1- الكامل في التاريخ ١: ٣ مقدّمة المؤلّف.

2- تاريخ الطبري ٢: ٥٨ من ذكر أنّ عليّاً أوّل من أسلم.

3- تذكرة الخواص ١: ٤٤٩، الباب الثالث: ذيل تمام حديث الخوارج.

4- انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني ٢: ٣٠٥ ــ ٣٠٦، الباب الخامس، فصل في ما يجب ويجوز ويستحيل في حقّ الأنبياء.


الصفحة 184
لأنّهما كانا غير مضطرّين ولا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين، فاختارا طاعة الربّ، وموافقة أمره، واجتناب منهياته))(1).

وعن المقريزي في (إمتاع الأسماع): ((أمّا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، فلم يشرك بالله قطّ، وذلك أنّ الله تعالى أراد به الخير، فجعله في كفالة ابن عمّه سيّد المرسلين محمّد صلي الله عليه وسلم، فعندما أتى رسول الله صلي الله عليه وسلم الوحي وأخبر خديجة رضي الله عنها وصدّقت، كانت هي وعليّ بن أبي طالب وزيد بن حارثة... ــ إلى أن قال: ــ فلم يحتج عليّ أن يُدعى، ولا كان مشركاً حتّى يوحّد؛ فيقال: أسلم... هذا هو التحقيق))(2).

فكما ترى، هذا هو الحقّ عند أهل البحث والتتبّع والتحقيق، فما بال ابن تيمية يتغافل عن هذه الحقائق، ويصمّ أُذنيه عنها! ثمّ يأتي ويقول عن أمير المؤمنين، وسيّد المتّقين: بأنّه كان مشركاً ويعبد الأصنام، وأنّ حاله كحال الصبيان في قريش؟!!

ما الذي يدفعه إلى إنكار هذه الحقيقة التاريخية الثابتة، التي صرّح بها جهابذة التاريخ، وأصحاب التتبّع والتحقيق، ليدّعي بجرّة قلم، هكذا مجرّد جرّة قلم: أنّ عليّاً عليه السلام كان يعبد الأصنام كغيره!! وينأى بنفسه عن متابعة هذه الحقائق والأدلّة التاريخية، بل لا يكلّف نفسه حتّى مناقشتها، أو ردّها بشكل علمي سليم، ومع هذا نجده يصف نفسه، أو يصفه أتباعه بأنّه: شيخ الإسلام!

____________

1- مروج الذهب ٢: ٢٧٦ إسلام عليّ بن أبي طالب.

2- إمتاع الأسماع ١: ٣٣ ــ ٣٤ إسلام عليّ وزيد.


الصفحة 185
فأيّ شيخ الإسلام هذا! وهو يجانب الصواب في حقيقة معلومة ثابتة عند جميع المسلمين؟!!

وبعد هذا، لا ندري كيف يفهم ابن تيمية، أو المدافعون عنه، قول المؤرّخين والمحدّثين والمفسّرين وعلماء الفقه والأُصول حين يذكرون اسم عليّ عليه السلام ويردفونه بقولهم: (كرّم الله وجهه)(1)؟!

نقول: كيف يفهم المدافع عن ابن تيمية؟ بل كيف يعتقد أنّ ابن تيمية يفهم إطلاق هذه الصفة على عليّ عليه السلام عند هذا الجمع الكثير، والكثير جدّاً من المحدّثين والمفسّرين والمؤرّخين والمحقّقين؟!

فهل تراه يوصم هذا الجمع الكبير بالغفلة، وأنّهم لم يكونوا يعرفوا أنّ عليّاً عليه السلام كان يسجد للأصنام، وعرفه ابن تيمية وحده؟!

أم أنّ هذا الإطلاق منهم بسبب التسالم المأخوذ يداً بيد، والذي لا شكّ ولا ريب فيه، بأنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام لم يسجد لصنم قطّ، ولم يشرك بالله طرفة عين، وعندها لا تكون قيمة للتشكيك، لمجرّد التشكيك، أو الادّعاء أمام هذا التسالم الذي لا نظير له في هذه المسألة؟!

إنّنا في الواقع لا نجد إلّا تفسيراً واحداً لهذا السلوك من ابن تيمية، عرفناه في جملة كبيرة من أتباع المدرسة الأُموية، أنّه ليس سوى: البغض والكراهية، لا غير!!

٢ــ تشكيكه في كون عليّ عليه السلام أوّل من أسلم، وأوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم:

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ١٠، ٢١٧، ٤: ٥٢، سنن النسائي ٢: ١٠٢، شرح مسلم، للنووي ١: ١٠٢، مجمع الزوائد، للهيثمي ١٠: ٦٠، عمدة القاري، للعيني ٤: ١١٩، تحفة الأحوذي، للمباركفوري ٤: ٣٩، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ١: ٦٣، جامع البيان، للطبري ٢٩: ٦٢، أحكام القرآن، للجصّاص ١: ١٧٣، تفسير القرطبي ١: ١٠٧.


الصفحة 186
قال في (منهاج السُنّة): ((قول القائل: عليّ أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وسلم، ممنوع.. بل أكثر الناس على خلاف ذلك، وأنّ أبا بكر صلّى قبله))(1).

نقول: نستعرض أوّلاً ما ورد من أحاديث وروايات في هذا الشأن، لنعرف حظّ ابن تيمية من العلم بها، ومقدار مصداقيته في دعواه المتقدّمة.. ثمّ بعد ذلك نسأل عن الداعي لما قال:

عن سلمان، قال: ((إنّ أوّل هذه الأُمّة وروداً على نبيّها، أوّلها إسلاماً: عليّ بن أبي طالب))(2). قال الهيثمي: ((رواه الطبراني ورجاله ثقات))(3).

قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخطّ يده في هذا الحديث: (أما ترضين ــ الخطاب لفاطمة عليها السلام ــ أن أزوّجك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً). قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه خالد بن طهمان وثّقه أبو حاتم وغيره، وبقية رجاله ثقات(4).

عن أبي إسحاق: أنّ عليّاً لمّا تزوّج فاطمة، قالت للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: زوّجتنيه أُعيمش، عظيم البطن؟ فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لقد زوّجتكه وإنّه لأوّل أصحابي

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ٢٧٣ المنهج الثاني عند الرافضي، فصل: قال الرافضي: البرهان السادس والثلاثون.

2- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٣ فضائل عليّ بن أبي طالب، كتاب الأوائل، لابن أبي عاصم: ٣٥ الحديث (٦٧)، المعجم الكبير، للطبراني ٦: ٢٥٦ عليم الكندي عن سلمان.

3- مجمع الزوائد ٩: ١٠٢، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه.

4- مجمع الزوائد ٩: ١٠١، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٦ حديث معقل بن يسار، المعجم الكبير، للطبراني
٢٠: ٢٢٩ نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار.


الصفحة 187
سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً). قال الهيثمي: رواه الطبراني، وهو مرسل صحيح الإسناد(1).

عن عليّ عليه السلام: (اللّهمّ لا أعرف عبداً من هذه الأُمّة عَبدكَ قبلي غير نبيّك. ثلاث مرّات. لقد صلّيت قبل أن يصلّي الناس سبعاً)(2). قال الهيثمي: رواه أحمد، وأبو يعلى باختصار، والبزّار، والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن(3).

عن الحسن وغيره، قال: ((فكان أوّل من آمن عليّ بن أبي طالب، وهو ابن خمس عشرة، أو ستّ عشرة سنة))(4). قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح(5).

عن عليّ عليه السلام: (أنا أوّل من صلّى مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم). قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبّة العرني، وقد وثّق(6).

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ١٠٢، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه، وانظر: المعجم الكبير ١: ٩٤ الحديث (١٥٦) مسند عليّ بن أبي طالب، صفته.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٩ مسند عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٢ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب، و٦٦: ٣١٣ حرف (الطاء) أبو طالب بن عبد مناف، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٣: ١٢٦ الحديث (٣٦٤٠٠).

3- مجمع الزوائد ٩: ١٠٢، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه.

4- المعجم الكبير، للطبراني ١: ٩٥ الحديث (١٦٣) مسند عليّ بن أبي طالب، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١١١ إسلام أمير المؤمنين عليّ، السنن الكبرى، للبيهقي ٦: ٢٠٧ كتاب اللقطة، باب: من قال يحكم بصحّة إسلامه.

5- مجمع الزوائد ٩: ١٠٢، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه.

6- مجمع الزوائد ٩: ١٠٣، باب: مناقب عليّ بن أبي طالب، باب إسلامه، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ١٤١ مسند عليّ بن أبي طالب،.


الصفحة 188
عن زيد بن أرقم: ((أوّل من أسلم مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه))(1). قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد(2).

هذا غيض من فيض الأحاديث والروايات الصحيحة التي ذكرها المحدّثون وصحّحوها، الدالّة على أنّ أوّل من أسلم هو أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، وللاستزادة: يراجع (موسوعة الغدير للعلّامة الأميني رحمه الله ج٣ ص٢١٩)، ليطالع مائة حديث بطرق مختلفة، وأسانيد معتبرة، من كتب أهل السُنّة، تروي: أنّ عليّاً عليه السلام هو أوّل من أسلم.

ثمّ بعد هذا, لننظر إلى حال الدعوى الأُخرى ــ أي: أنّ أوّل من أسلم هو: أبو بكرــ من حيث الصحّة أوّلاً، ومن حيث ادّعاء الأكثرية ثانياً:

عن الشعبي، قال: سألت ابن عبّاس من أوّل من أسلم؟ قال ابن عبّاس: أما سمعت قول حسّان بن ثابت:


إذا تذكرت شجوا من أخ ثقةفاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلهاإلّا النبيّ وأوفاها لما حملا

والثاني التالي المحمود مشهدهوأوّل الناس منهم صدّق الرسلا

قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه الهيثم بن عدي، وهو متروك(3).

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٦٨ حديث زيد بن أرقم، المصنّف، لابن أبي شيبة ٩: ٤٤ إسلام عليّ بن أبي طالب.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٦ فضائل عليّ بن أبي طالب.

3- مجمع الزوائد ٩: ٤٣ كتاب المناقب، باب: ما جاء في أبي بكر، المعجم الكبير ١٢: ٧١ الشعبي عن ابن عبّاس، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ٦٤ كتاب معرفة الصحابة، أبو بكر بن أبي قحافة.


الصفحة 189
وعن ابن عمر، قال: ((أوّل من أسلم: أبو بكر)). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه غير واحد ضعيف(1).

وعن زيد بن أرقم، قال: ((أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وسلم: أبو بكر)). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: غالب بن عبد الله بن غالب السعدي، ولم أعرفه(2).

وأمّا ما ورد في مسند أحمد من إنكار النخعي على قول زيد بن أرقم: أنّ أوّل من أسلم مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: عليّ بن أبي طالب، وقوله: أبو بكر هو أوّل من أسلم مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم(3)، فـقد قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي): ((لا وجه للإنكار! فإنّ أبا بكر أوّل من أسلم من الرجال، وعليّاً أوّل من أسلم من الصبيان))(4).. ونقل المباركفوري عن الحافظ ــ ابن حجر ــ قوله: ((قد اتّفق الجمهور على أنّ أبا بكر أوّل من أسلم من الرجال))(5).

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ٤٣ كتاب المناقب، باب: ما جاء في أبي بكر، وانظر: المعجم الأوسط ٨: ١٩٠ من اسمه موسى.

2- مجمع الزوائد ٩: ٤٣ كتاب المناقب، باب: ما جاء في أبي بكر، وانظر: المعجم الأوسط ٢: ٢٩٠ من اسمه أحمد.

3- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٧١ حديث زيد بن أرقم.

4- تحفة الأحوذي ١٠: ١٦٣ مناقب عليّ بن أبي طالب.

5- تحفة الأحوذي ١٠: ١٠٤ مناقب أبي بكر.


الصفحة 190
فهذا الاتّفاق عند جمهور أهل السُنّة ينسف دعوى ابن تيمية، ويدحض قوله: بأنّ أبا بكر صلّى قبل عليّ عليه السلام، وإنّ أكثر الناس على هذا القول.. ولا يراه القارئ له إلّا مكابرة ومجانبة لما هو متّفق عليه عند أهل السُنّة بنقل كبار العلماء...

ونحن لا نجد مبرّراً لهذا القول غير النفس ودواخلها، وإلّا بماذا نبرّر التشكيك بالواضحات من قبل ابن تيمية في ما يتعلّق بعليّ عليه السلام، أجيبونا يرحمكم الله؟!

بل نزيد ابن تيمية والمدافعين عنه علماً! أنّه حتّى هذه الدعوى المنسوبة للجمهور ــ أي: أنّ أبا بكر أوّل من أسلم من الرجال ــ هي محلّ نظر عند كبار المؤرّخين!!

فقد روى الطبري بسند صحيح في (تاريخه): ((عن محمّد بن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاماً))(1)، ثمّ سرد بعد ذلك العديد من الأقوال التي تنفي تقدّم إسلام أبي بكر.

على أنّ المتابع لكلمات ابن تيمية في (منهاج السُنّة) يجد الاضطراب واضحاً عنده في هذه المسألة ــ أي: كون أبي بكر أسلم قبل عليّ عليه السلام، وأنّ الأكثر على ذلك ــ:

فتارة يعترف بإسلام عليّ عليه السلام قبل أبي بكر، كما في قوله الآتي: ((قول عليّ: (صلّيت ستّة أشهر قبل الناس)، فهذا ممّا يعلم بطلانه بالضرورة، فإنّ بين إسلامه وإسلام زيد وأبي بكر وخديجة يوماً أو نحوه، فكيف يصلّي قبل الناس بستّة أشهر))(2)؛ فهنا يعترف بإسلامه قبل أبي بكر، ولا ينقل قولاً على الخلاف!

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٦٠ من ذَكَر أنّ أبا بكر أوّل من أسلم.

2- منهاج السُنّة ٥: ١٩ الفصل الرابع: تابع كلام الرافضي عن فضائل عليّ.


الصفحة 191
وفي موضع آخر يشكّك في ذلك ويقول: ((وتنازعوا في أوّل من نطق بالإسلام بعد خديجة، فإن كان أبو بكر أسلم قبل عليّ، فقد ثبت أنّه أسبق صحبة، كما أسبق إيماناً.. وإن كان عليّ أسلم قبله، فلا ريب أنّ صحبة أبي بكر للنبيّ صلي الله عليه وسلم كانت أكمل وأنفع من صحبة عليّ ونحوه))(1)؛ فهنا يرددّ الأمر ــ مع التصريح بدعوى كون إسلامه بعد خديجة ــ ثمّ يفضّل إسلام أبي بكر على كلّ تقدير!!

وفي موضع ثالث ــ وهو الموضع الذي نقلناه أوّل البحث ــ تراه ينسب القول بتقدّم إسلام أبي بكر إلى أكثر الناس، فيقول: ((إنّ قول القائل: عليّ أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ممنوع.. بل أكثر الناس على خلاف ذلك، وأنّ أبا بكر صلّى قبله))(2)؛ فلاحظ كيف يضطرب!!

بل ممّا يبيّن شدّة اضطرابه وقوّة انحرافه عن عليّ عليه السلام وبغضه له: تشكيكه في أصل قبول إسلام الإمام عليّ عليه السلام، حين يقول: ((قوله ــ أي: العلّامة الحلّي صاحب الكتاب الذي يردّ عليه ابن تيمية ــ: ((وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة))، ممنوع؛ فإنّ الناس متنازعون في أوّل من أسلم, فقيل: أبو بكر أوّل من أسلم، فهو أسبق إسلاماً من عليّ. وقيل: إنّ عليّاً أسلم قبله. لكن عليّ كان

____________

1- منهاج السُنّة ٨: ٣٨٩ الفصل السادس من كلام الرافضي، ردّ الرافضي لكثير ممّا ورد في فضائل أبي بكر.

2- منهاج السُنّة ٧: ٢٧٣ المنهج الثاني عند الرافضي: البرهان السادس والثلاثون.


الصفحة 192
صغيراً، وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء. ولا نزاع في أنّ إسلام أبي بكر أكمل وأنفع، فيكون هو أكمل سبقاً بالاتّفاق، وأسبق على الإطلاق على القول الآخر. فكيف يقال: عليّ أسبق فيه بلا حجّة تدلّ على ذلك؟))(1).

والمغالطة في كلام ابن تيمية هنا واضحة؛ إذ الحديث هو عن الأسبقية لا عن الأكملية، فهذا محض التفاف على الواقع الخارجي بأي سبيل كان!

ودعوى أنّ النزاع في إسلام الصبيّ، فهذا من عجائب الدعاوى! إذ كان عليّ عليه السلام في بيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ينام ويأكل ويشرب ويلامس الأشياء بيده الرطبة في بيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فلو كان إسلامه غير مقبول وكان باقياً على الكفر ــ لفرض كفر والديه كما يذهب إليه بعض أهل السُنّة ــ لكان على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يخرجه من بيته؛ لأنّ الكافر أو المشرك نجس، أو على الأقلّ يحذّره من ملامسة الأفرشة والأواني في بيته..

وكلّ هذا لم يحصل، ولم تسمع له أُذن من التاريخ من متفوّه به، بل كان إسلامه عليه السلام في صباه محض الإيمان، وعنوان الأخوّة للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وتمام الوصية، وإنجاز العدّة، وركن الخلافة؛ إذ قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عندما جمع عشيرته الأقربين في أوّل الدعوة، ودعاهم إلى الإسلام بأمر الله وأعرضوا عنه إلّا عليّاً عليه السلام: (هذا أخي ووصيّي وخليفتي، فاسمعوا له وأطيعوا).. رواه الطبري في (تاريخه) بطرق مختلفة وصحّحه(2).. وأرسله ابن الأثير في (كامله) إرسال

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٥٥ المنهج الثاني عند الرافضي: البرهان السادس عشر.

2- تاريخ الطبري ٢: ٦٤ أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بدعوة عشيرته الأقربين.


الصفحة 193
المسلّمات(1).. وبلفظ أحمد ــ بسند صحيح ــ : (ويكون معي في الجنّة، ويكون خليفتي في أهلي)(2)..

فلو كان إسلام الصبيّ مشكوكاً فيه، أو غير مقبول، لما كان يصحّ صدور هذه الأقوال عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في حقّ عليّ عليه السلام.. فتدبّر ذلك, وتكفّل ــ أخي المسلم المنصف ــ في الردّ على ابن تيمية بنفسك!

٣ــ تشكيكه بشجاعة عليّ عليه السلام، وأنّ أبا بكر وعمر أشجع منه:

وقبل الحديث عن هذا المورد الذي شكّك فيه ابن تيمية، نشير إلى قضية: إنّنا في هذا المورد، وكذلك في الموردين السابقين، لم نناقش ابن تيمية إلّا في تشكيكه بالمسلّمات والواضحات التي لم يختلف فيها المسلمون, بل ممّا اتّفق عليه أهل مذهبه وطائفته خاصّة، ليتّضح لهذا المدافع عن ابن تيمية ــ بل لكلّ شخص لم يتسنّ له الوقوف على حقيقة موقف ابن تيمية من أمير المؤمنين عليه السلام ــ الواقع الحقيقي لما يكنّه هذا الرجل لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وأنّه مصداق واضح لمبغض عليّ عليه السلام، وأنّه امتداد للروح الأُموية المعادية لأهل البيت عليهم السلام.

ففي مسألة أشجعية أمير المؤمنين عليه السلام والتي لم يشكّك فيها أحد، بل اشتهر أمرها عند المسلمين جميعاً كالشمس في رابعة النهار، يأتي ابن تيمية ليشكّك في هذه القضية الواضحة والمتسالمة عند المسلمين جيلاً بعد جيل..

____________

1- الكامل في التاريخ ٢: ٦٢ ذكر أمر الله نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم بإظهار دعوته.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١١١ مسند عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 194
يقول في (منهاج السُنّة): ((وإذا كانت الشجاعة المطلوبة من الأئمّة شجاعة القلب، فلا ريب أنّ أبا بكر كان أشجع من عمر، وعمر أشجع من عثمان وعليّ وطلحة والزبير... وكان يوم بدر مع النبيّ في العريش))(1).

إذاً، الشجاعة هي شجاعة القلب، وإن أعطينا لعليّ عليه السلام شجاعة البدن، فأبو بكر وعمر كانت عندهم شجاعة القلب، وهي الشجاعة المطلوبة!

فهنا نقول: هل لسائل يسأل عبقري زمانه هذا ويقول له: هل يمكن أن توجد شجاعة بدن من دون شجاعة قلب؟! وهل شجاعة البدن إلّا تعبير حيّ عن شجاعة القلب؟!

وهل تراه يستطيع هذا المدافع عن ابن تيمية ــ إتماماً لعمله في الدفاع عن شيخه ــ أن يذكر لنا مصداقاً واحداً لشجاعة البدن من دون شجاعة القلب؟

فإذاً، إذا كان عند أبي بكر وعمر شجاعة القلب فقط، فعند عليّ عليه السلام شجاعة البدن والقلب معاً، فلماذا هذا التشكيك، وهذا التفاضل غير المنطقي في هذه المسألة؟!!

ثمّ من قال: إنّ أبا بكر وعمر يمتلكان شجاعة القلب حقّاً؟ وإلّا ما معنى قصّة التجبين التي يذكرها الرواة في حقّ عمر في قضية خيبر، بحيث عاد يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه!

وإليك الرواية التي صحّحها الحاكم ووافقه الذهبي: عن عليّ رضي الله عنه، قال: (سار النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى خيبر، فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم،

____________

1- منهاج السُنّة ٨: ٧٩ كلام الرافضي في أنّ عليّاً أشجع الناس.


الصفحة 195
أو قصرهم، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاؤوا يجبّنونه ويجبّنهم، فسار النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم...)(1)، ولهذا الحديث أسانيد أُخر(2).

فأين شجاعة القلب يا عبقري زمانه يا بن تيمية؟!

وقبل هذا، كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قد أرسل أبا بكر لفتح خيبر، فرجع مهزوماً أيضاً(3)...

وبعد رجوع الشيخين منهزمين ــ رغم شجاعة القلب المدّعاة لهما من قبل ابن تيمية، وبغضّ النظر عن الجبن الظاهر في الرواية التي صحّحها الحاكم والذهبي ــ بعث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام إلى فتح خيبر، وقد كان قبلها أرمد العين لم يستطع المشاركة في البعثتين الأوّليتين، فدعاه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ومسح على عينيه ودعا له بالشفاء، ثمّ أعطاه الراية وأمره بالتوجّه إلى خيبر لفتحها..

وكان قبل ذلك قد قال كلمة مأثورة ومهمّة جدّاً، نستفيد منها انزعاج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من ظاهرة الفرار التي تكرّرت على يد الشيخين؛ إذ قال صلي الله عليه وآله وسلم ــ كما ينقل ذلك محدّث الشام ابن عساكر ــ: (لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار)(4)، وعند أحمد: (ليس بفرّار)(5)..

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٧ ذكر غزوة خيبر، المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٢٥٨ الحديث (٤٣٩٥).

2- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٥٢٥ غزوة خيبر، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٨٩ ــ ٩٧ ترجمة الإمام عليّ.

3- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٥٢٥ غزوة خيبر، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٨٩ ــ ٩٧ ترجمة الإمام عليّ.

4- تاريخ مدينة دمشق ٤١: ٢١٩ علي بن أحمد بن عبد الرحمن. وانظر: السيرة الحلبية ٢: ٧٣٧ غزوة خيبر.

5- مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٩ مسند عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 196
وفي لفظ الحاكم: (لأبعثنّ غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّانه، لا يولّي الدبر، يفتح الله على يديه)، وصرّح بأنّ حديث الراية ممّا اتّفق على روايته الشيخان(1).. وفي لفظ ابن أبي شيبة: (يفتح الله له، ليس بفرّار)(2)، وفي لفظ النسائي في (السنن): (يحبّ الله ورسوله، لا يخزيه الله أبداً...)(3).

فهذه الألسنة المختلفة المنقولة عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بالأسانيد الصحيحة، والحسنة في بعضها، تدلّ دلالة واضحة على امتعاضه صلي الله عليه وآله وسلم من ظاهرة الفرار والتخاذل والهزيمة، التي حصلت في المرتين الأوّليين على يد الشيخين أبي بكر وعمر، وإلّا ما المسوّغ لهذه الألفاظ الإيحائية من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بقوله: (كرّار غير فرّار)، وقوله: (ليس بفرّار)، وقوله: (لا يخزيه الله أبداً)، الواردة بعد حالتي الهزيمة التي حصلت على يد الشيخين؟!

ونزيد ابن تيمية أيضاً: بأنّ الحديث الذي استند إليه في أشجعية أبي بكر لبقائه في العريش مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حديث ضعيف! قال الهيثمي فيه: ((رواه البزّار، وفيه من لم أعرفه))(4)، وهو أيضاً مكذوب بصحيحة ابن إسحاق التي جاء فيها: ((ورسول صلي الله عليه وآله وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٨ ذكر غزوة خيبر.

2- المصنّف ٨: ٥٢٢ غزوة خيبر. وانظر: السنن الكبرى، للنسائي ٥: ١٤٥ الحديث (٨٥١١).

3- السنن الكبرى ٥: ١١٢ الحديث (٨٤٠٩).

4- مجمع الزوائد ٩: ٤٧ كتاب المناقب، باب: ما جاء في أبي بكر.


الصفحة 197
فيه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، متوشّح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يخافون على كرّة العدو))(1).

ثمّ بعد هذا نسأل ابن تيمية، وكلّ المسايرين له في التشكيك بالواضحات، ونقول لهم: فيمن نادى المنادي بين الأرض والسماء يوم أحد: (أن لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ)(2)؟

فهل تراه سيخالف ابن تيمية، والمتابعون له، اللّغة العربية ودلالتها في إفادة الحصر ويقولون: إنّ النفي والاستثناء في النداء المذكور لا يفيدان الحصر؟!

إنّنا في الواقع نتوقّع منهم ذلك.. فإذا كان اتّباع المتشابهات حالة مرضيّة، كما يشير إلى ذلك المولى سبحانه بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاء الفِتنَةِ وَابتِغَاء تَأوِيلِهِ(3)، فكيف بمن يشكّك بالواضحات، ويثير الفتن حولها؟!

فأيّ مرض يحويه قلبه، وأيّ دغل وبُغض يكنّه لموْلى كلّ مؤمن ومؤمنة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟!!

هذه في الواقع هي بضع مواضع يسيرة جدّاً جدّاً أردنا بيانها بما يسمح لنا به المجال، وإلّا فهناك عشرات الكلمات والأقوال والمقاطع الموجودة في

____________

1- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٤٥٨ غزوة بدر الكبرى، وانظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ١٥ غزوة بدر.

2- انظر: البداية والنهاية، لابن كثير ٤: ٥٥ غزوة أحد، تاريخ الطبري ٣: ١٧ غزوة أحد، سيرة ابن هشام ٣: ٥٢ غزوة أحد، الروض الأُنف، للخثعمي ٢: ١٤٣ غزوة أحد.

3- آل عمران (٣): ٧.


الصفحة 198
كتب ابن تيمية، التي تشير بوضوح إلى دخيلة قلب هذا الرجل، وسوء سريرته اتّجاه أمير المؤمنين عليه السلام.

تعقيب:

« علي حيدر ــ فلسطين ــ مستبصر »

وليس يكتفي هذا الملعون بسبّ الإمام، بل وأيضاً بتشبيه الزهراء عليها السلام بالمنافقين، وإليكم النصّ من كتبه الملعونة، ونشرحها بالعقل:

استخدم ابن تيمية في كتبه أُسلوباً ماكراً للإساءة إلى أهل بيت النبوّة والصفوة صلوات الله عليهم, فتراه ينتقي بعناية عباراته ويسبكها سبكاً يجعل ذهن قارئها ينصرف إلى ما يريده هو من المعاني والمقاصد الخبيثة دون أن يكون بالضرورة قد صرّح بها.

ومن ذلك: ما كتبته يده الآثمة في حقّ سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام؛ إذ قال:

((ونحن نعلم أنّ ما يُحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير منها كذب، وبعضها كانوا فيه متأوّلين, وإذا كان بعضها ذنباً فليس القوم معصومين، بل هم مع كونهم أولياء الله، ومن أهل الجنّة لهم ذنوب يغفرها الله لهم.

وكذلك ما ذكره من حلفها، أنّها لا تكلّمه ولا صاحبه حتّى تلقى أباها وتشتكي إليه، أمر لا يليق أن يذكر عن فاطمة رضي الله عنها؛ فإنّ الشكوى إنّما تكون إلى الله تعالى, كما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ(1)،

____________

1- يوسف (١٢): ٨٦.


الصفحة 199
وفي دعاء موسى عليه السلام: (اللّهمّ لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان), وقال النبيّ صلي الله عليه وسلم لابن عبّاس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ولم يقل: (سلني)، ولا: (استعن بي). وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(1).

ثمّ من المعلوم لكلّ عاقل أنّ المرأة إذا طلبت مالاً من وليّ أمر فلم يعطها إياه؛ لكونها لا تستحقّه عنده، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه، بل أعطاه لجميع المسلمين, وقيل: إنّ الطالب غضب على الحاكم؛ كان غاية ذلك أنّه غضب لكونه لم يعطه مالاً, وقال الحاكم: إنّه لغيرك لا لك, فأيّ مدح للطالب في هذا الغضب؟ لو كان مظلوماً محضاً لم يكن غضبه إلّا للدنيا, وكيف والتهمة عن الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عن الطالب الذي يأخذ لنفسه, فكيف تحال التهمة على من لا يطلب لنفسه مالاً ولا تحال على من يطلب لنفسه المال؟

وذلك الحاكم يقول: إنّما أمنع لله؛ لأنّي لا يحلّ لي أن آخذ المال من مستحقّه فأدفعه إلى غير مستحقّه, والطالب يقول: إنّما أغضب لحظّي القليل من المال.

أليس من يذكر مثل هذا عن فاطمة ويجعله من مناقبها جاهلاً؟!

أوليس الله قد ذمّ المنافقين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ

____________

1- الشرح (٩٤): ٧، ٨.


الصفحة 200
وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ(1)، فذكر الله قوماً رضوا إن أُعطوا، وغضبوا إن لم يُعطوا، فذمّهم بذلك، فمن مدح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء ألا يكون قادحاً فيها؟ فقاتل الله الرافضة))(2).

وإنّك إذا أمعنت النظر في كلامه هذا الذي كتبه ردّاً على العلّامة الحلّي رضي الله عنه في خصوص ما جرى بين الزهراء عليها السلام وأبي بكر؛ لفهمت ما يريد إيصاله إليك بين السطور.. ومنه:

ــ إنّ بعض ما صدر عن الزهراء عليها السلام كان ذنباً, وإذا كان ذنباً فإنّها ليست معصومة، إلّا أنّه سيغفره الله لها كسائر أولياء الله! ومسألة الغفران ذكرها لتخفيف وطئ كلامه كما ترى.

فالنتيجة: أنّه يعتبر أنّ قيام الزهراء عليها السلام ضدّ أبي بكر، ومطالبتها إياه بحقّها، لا يخلو من أن يكون مكذوباً عليها, فإن صحّ فهو ذنب ارتكبته هي! وحيث إنّه ليس في الأُمّة مَن ينكر أنّ الزهراء عليها السلام قد قامت ضدّ أبي بكر مطالبة بحقّها, فتكون إذ ذاك قد ارتكبت ذنباً! وبذلك يكون ابن تيمية قد جرّم بضعة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وبرّأ ابن أبي قحافة! لكن بعبارات خفيفة حسب أُسلوبه ومكره!

ــ إنّ الروايات التي تذكر أنّ الزهراء عليها السلام توعّدت أبا بكر، بأن تشكوه إلى أبيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حينما تلقاه ((لا يليق أن تُذكر)).. ولم يقل: ((إنّها مكذوبة))؛ لأنّه يعلم أنّها حقّ؛ فقد رواها قومه أيضاً، كما في رواية ابن قتيبة: (نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (رضى فاطمة من رضاي،

____________

1- التوبة (٩): ٥٨، ٥٩.

2- منهاج السُنّة ٤: ٢٤٣ ــ ٢٤٦ كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك.


الصفحة 201
وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ ابنتي فاطمة فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟). قالوا: نعم، سمعناه من رسول الله. قالت: فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيتُ النبيّ لأشكونّكما إليه)(1).

لهذا عبّر ابن تيمية عن هذا بأنّه: ((لا يليق أن يُذكر)), لماذا؟ لأنّه دليل على أنّ الزهراء عليها السلام كانت تريد الإشراك بالله! فقد فرّع على ذلك قوله: ((فإنّ الشكوى إنّما تكون إلى الله تعالى))، وشنّع بفهمه السقيم على من يُتوجّه إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بالشكوى، ولو عندما يلتقي به في الآخرة، كما قالت الزهراء عليها السلام.

فالنتيجة: إنّ الزهراء عليها السلام توعّدت أبا بكر وعمر بعمل محظور شرعاً، هو على حدّ الشرك! إذ كان ينبغي لها أن تقول: ((لأشكونّكما إلى الله)) فقط! وإذ ذاك تكون سيّدة نساء العالمين عليها السلام لا تفقه أحكام الشرع، إلى درجة أنّها لا تعرف الفرق بين التوحيد والشرك! ولهذا فإنّ كلامها هذا ((لا يليق أن يُذكر))!

ــ إنّ الزهراء عليها السلام ــ التي سمّاها: ((المرأة)) ــ قد طلبت من أبي بكر ــ الذي سمّاه: ((ولي الأمر)) ــ ما لم يكن من حقّها! وإنّ غضبها عليه كان بغير وجه حقّ! وإنّ غضبها كان لأجل المال والدنيا، حتّى لو كانت مظلومة! فكيف لو لم تكن مظلومة، بل ظالمة بطلبها ما ليس لها؟! وإنّ الزهراء عليها السلام ــ وهي الطالب ــ أوْلى بالتهمة من أبي

____________

1- الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٠ كيف كانت بيعة عليّ؟


الصفحة 202
بكر ــ وهو الحاكم ــ الذي يبرّر موقفه بأنّه: لا يجوز له أن يأخذ المال ممّن يستحقّه ويعطيه لمن لا يستحقّه, وهي فاطمة عليها السلام!

كلّ هذا ذكره في سياق ما ذكره عن المرأة وولي الأمر, وبما أنّه لا يُنكر أحد قيام الزهراء عليها السلام ضدّ أبي بكر في كلّ ما مرّ, وأنّها بالفعل غضبت عليه؛ لأنّه غصبها أرض فدك، وميراثها من أبيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإنّ حكمها عند ابن تيمية هو ما ذكره عن حال ((المرأة))! فالله أكبر على القوم الظالمين.

ــ إنّ التي تطلب مالاً ليس من حقّها، فيردّها الحاكم، فتغضب، إنّما تكون قد سلكت سلوك المنافقين، الذين إذا أُعطوا رضوا، وإذا لم يُعطوا إذا هم يسخطون!

فالنتيجة: أنّ سيّدة نساء الجنّة عليها السلام قد سلكت سلوك المنافقين في ما صنعته! فإنّها لمّا طلبت المال، وأجابها أبو بكر بأنّه ليس من حقّها، غضبت ــ على ما يرويه البخاري نفسه: ((فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت))(1) ــ وهذا الغضب صفة من صفات المنافقين؛ فسخط فاطمة عليها السلام على أبي بكر كان كسخط المنافقين على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! ولهذا ((لا يليق)) أن يُذكر عن فاطمة، وإن كان حقّاً، تطابقت الأُمّة على روايته، ولا ينكره ابن تيمية نفسه؛ لأنّ البخاري وأمثاله يروونه!

فبقوله: ((لا يليق))، و((قاتل الله الرافضة))، يحاول أن يلقي باللائمة على الشيعة؛ لأنّهم يستذكرون هذه الحقائق التاريخية, وهو يلومهم بدعوى أنّ من

____________

1- صحيح البخاري ٥: ٨٢، باب غزوة خيبر.


الصفحة 203
الأوْلى دفن هذه الحقائق؛ لأنّها إنّما تدين الزهراء عليها السلام، ولا تدين ابن أبي قحافة! فالزهراء ــ المرأة ــ هي التي سلكت سلوك المنافقين، لا أبو بكر ــ وليّ الأمر المبجّل ــ الذي حكم بحكم الشرع!

فلعن الله ابن تيمية, ولعن من اتّبعه، ورضي بقوله من النواصب المعادين لآل محمّد إلى يوم الدين.

وفّقكم الله وإيانا للذبّ عن نبيّه وآله الأطهار صلوات الله عليهم.

والسلام ختام.

(عقيدة ابن تيمية في حروب عليّ عليه السلام)

« عصام ــ قطر »

السؤال:

يرى ابن تيمية أنّ حرب عليّ عليه السلام مع طلحة والزبير وعائشة، ومع معاوية وأصحابه.. كان رأياً رآه, لكي يطاع هو, وخطّأه فيه الصحابة والتابعون وغيرهم, حتّى من كان معه, حتّى ولده الحسن.. ثمّ إنّه ندم على ذلك, ولو كان لا يجهل العواقب لما فعل!!(منهاج السُنّة: ٧: ٤٥٢, ٤: ٣٨٩, ٨: ٢٣١، ٦: ٣٣٣, ٦: ٢٠٩, ٨: ٥٢٦, ٨: ١٤٥).

فإن قلنا لابن تيمية: يوجد في كتب الفريقين بأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كان قد أخبره بما يكون، وأمره بالقتال؟


الصفحة 204
يقول ابن تيميّة: الحديث موضوع: ((لم يرو عليّ ــ رضي الله عنه ــ في قتال الجمل وصفّين شيئاً, كما رواه في قتال الخوارج... وأمّا قتال الجمل وصفّين، فلم يرو أحد منهم فيه نصّاً إلّا القاعدون, فإنّهم رووا الأحاديث في ترك القتال في الفتنة. وأمّا الحديث الذي يُروى أنّه أمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين, فهو حديث موضوع على النبيّ)).(منهاج السُنّة ٦: ١١٢).

كيف نردّ قول ابن تيمية؟ وما هي قيمة الحديث المذكور عند أهل السُنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في كلام ابن تيمية عدّة دعاوى:

الأُولى: إنّ عليّاً عليه السلام لم يُؤمر بقتال أحد إلّا الخوارج..

وتفصيل الجواب عليه طويل الذيل لا يسع المجال لبسطه هنا، وذكر الأحاديث الدالّة عليه، ولكن يمكن الإشارة إلى بعضها من قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام بأنّه: يقاتل على التأويل، وحديث كلاب الحوأب، وقوله صلي الله عليه وآله وسلم للزبير بأنّه: يقاتل عليّ عليه السلام وهو ظالم له، وحديث: عمّار تقتله الفئة الباغية، وغير ذلك، وتكفي فيه آية قتال البغاة.

الثانية: إنّ القاعدين رووا روايات تدلّ على ترك القتال في الفتنة..

والجواب عليه إجمالاً: عدم ثبوت هذه الروايات أوّلاً.. وثانياً: لو سلّمنا بورود بعضها، فإنّهم تأوّلوها على غير معناها المراد. والتفصيل في ذلك لا يسعه المجال هنا.


الصفحة 205
الثالثة: إنّ حديث أمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين موضوع..

وفي الجواب نقول: إنّ إثبات هذا الحديث وحده يكفي في الجواب على الدعويين الأُوليين، ويثبت كذب ابن تيمية، وردّه للأحاديث الثابتة عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

فهذا الحديث متواتر مقطوع به عندنا، وهو يكفينا حجّة في الحكم الشرعي لقتالهم والاعتقاد بضلال عقيدتهم من جهة حجّية القطع.

وأمّا عند العامّة، فروي بطرق كثيرة عن: عليّ عليه السلام، وابن مسعود، وعمّار ابن ياسر، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وابن عبّاس، منها ما هو حسن، ومنها ما هو قوّي يرتفع مع غيره إلى الصحيح، وبمجموعها تكون مستفيضة، بل متواترة.

فممّا روي عن عليّ عليه السلام:

ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده: ((حدّثنا إسماعيل بن موسى، حدّثنا الربيع ابن سهل، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، قال: سمعت عليّاً على منبركم هذا يقول: (عهد إلَيَّ النبيّ صلي الله عليه وسلم أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين))(1).

ورواه عن طريق الربيع بن سهل أيضاً: البزّار(2)، والعقيلي(3)، وابن عساكر(4)، وابن الأثير(5)، وغيرهم.

____________

1- مسند أبي يعلى ١: ٣٩٧ الحديث (٥١٩) مسند عليّ بن أبي طالب.

2- مسند البزّار ٣: ٢٦ الحديث (٧٧٤) مسند عليّ بن أبي طالب.

3- ضعفاء العقيلي ٢: ٥١ (٤٨٢).

4- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٨ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

5- أُسد الغابة ٤: ٣٣ ترجمة عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 206
ورجاله كلّهم ثقات إلّا الربيع بن سهل، ضعّفوه(1)، لكنّ ابن حبّان ذكره في (الثقات)، ونسبه إلى جدّه الركين(2)، ولم يذكروا في سبب تضعيفه إلّا أنّه: منكر الحديث، قاله أبو زرعة.

وإذا عرفت أنّه روى حديث: (إنّه لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق)، تعرف لماذا حكموا بنكارة حديثه(3)! بل يتّضح لك الحال في تضعيفه عندما تعرف أنّه من أصحاب الصادق عليه السلام(4).. فهذا الحديث يرقى إلى الحسن.

ومنها: ما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف): ((حدّثني أبو بكر الأعين وغيره، قالوا: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدّثنا فطر بن خليفة، عن حكيم بن جبير، قال: سمعت إبراهيم، يقول: سمعت علقمة، قال: سمعت عليّاً يقول: (أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين). وحُدّثت: أنّ أبا نعيم قال لنا: الناكثون: أهل الجمل، والقاسطون: أصحاب صفّين، والمارقون: أصحاب النهر))(5).

ورواه عن طريق فطر: ابن عدي في (الكامل)(6)، وابن عساكر في تاريخه(7).

____________

1- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ٧: ٢٣٨ كتاب الفتن، باب: في ما كان بينهم يوم صفّين.

2- الثقات ٦: ٢٩٦ كتاب أتباع التابعين، من ابتدأ اسمه على الراء.

3- انظر: لسان الميزان، لابن حجر ٢: ٤٤٦ (١٨٢٧).

4- رجال الطوسي: ٣٠٣ (٢٥٩٩) أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام.

5- أنساب الأشراف ٢: ١٣٧ الحديث (١٢٩) ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام.

6- الكامل ٢: ٢١٩ (٤٠٢) حكيم بن جبير الأسدي.

7- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٩ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


الصفحة 207
ورجاله ثقات إلّا حكيم بن جبير الأسدي، ضعّفوه؛ لغلوّه في التشيّع.. وقد صحّح الحاكم أحاديثاً في طريقها حكيم بن جبير، قال في أحدها: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير؛ لوهن في رواياته، وإنّما تركاه لغلوّه في التشيّع))(1)؛ وقال عنه أبو زرعة: ((محلّه الصدق))(2). وحسّن له الترمذي عدّة أحاديث(3).. فهذا طريق حسن أيضاً.

وهناك طرق أُخرى عن عليّ لا تخلو من ضعف:

منها: ما رواه ابن عساكر: عن طريق ابن عقدة، قال: ((أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمّد بن عبد الله، أنا أبو الحسن علي بن محمّد بن أحمد، أنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن موسى، أنا أبو العبّاس بن عقدة، نا الحسن بن عبيد بن عبد الرحمن الكندي، نا بكار بن بشر، نا حمزة الزيات، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علي.. وعن أبي سعيد التيمي، عن عليّ، قال: (أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين))(4).

ومنها: ما رواه أيضاً ابن عساكر: عن طريق أبي الجارود، قال: ((أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الأديب، أنا السيّد أبو الحسن محمّد بن

____________

1- المستدرك على الصحيحين ١: ٥٦٠ كتاب فضائل القرآن، أخبار في فضل سورة البقرة وآل عمران.

2- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ٣: ١٨٧ كتاب الصيام، باب: صيام عاشوراء، الجرح والتعديل، للرازي ٣: ٢٠١ (٨٧٣).

3- سنن الترمذي ١: ١٠٤ الحديث (١٥٥) أبواب الصلاة، ما جاء في تعجيل الظهر، و٥: ٣٠٠ الحديث (٣٨٠)، باب (٨٥).

4- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٩ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


الصفحة 208
علي بن الحسين، نا محمّد بن أحمد الصوفي، نا محمّد بن عمرو الباهلي، نا كثير بن يحيى، نا أبو عوانة، عن أبي الجارود، عن زيد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، قال: (أمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين))(1).

ومنها: عن ابن عساكر أيضاً، قال: ((أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك الفقيه وأبو نصر أحمد بن علي بن محمّد بن إسماعيل، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف، أنا محمّد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن تميم الحنظلي، بقنطرة برذان، نا محمّد بن الحسن ابن عطية بن سعد العوفي، حدّثني أبي، حدّثني عمّي عمرو بن عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية بن سعد، عن عطية، حدّثني جدّي سعد بن جنادة، عن عليّ، قال: (أُمرت بقتل ثلاثة: القاسطين، والناكثين، والمارقين، فأمّا القاسطون: فأهل الشام، وأمّا الناكثون: فذكرهم، وأمّا المارقون: فأهل النهروان، يعني: الحرورية))(2).

ومنها: عنه أيضاً، قال: ((أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم عبد الله ابن الحسن بن محمّد، أنا أبو الحسن محمّد بن عثمان بن محمّد بن عثمان، نا محمّد ابن نوح بن عبد الله الجنديسابوري، نا هارون بن إسحاق، نا أبو غسّان، عن جعفر

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٨ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

2- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٨ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


الصفحة 209
أحسبه الأحمر، عن عبد الجبار الهمداني، عن أنس بن عمرو، عن أبيه، عن عليّ، قال: (أُمرت بقتال ثلاثة: المارقين، والقاسطين، والناكثين))(1).

ومنها، عنه أيضاً، قال: ((أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس، نا وأبو النجم بدر بن عبد الله الشيحي، أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، أخبرني الأزهري، نا محمّد بن المظفر، نا محمّد بن أحمد بن ثابت، قال: وجدت في كتاب جدّي محمّد بن ثابت، أنا أشعث بن الحسن السلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن أرقم، عن أبان، عن خليد القصري، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّاً يقول يوم النهروان: (أمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين))(2).

وهذا الطريق رجاله شيعة من جعفر الأحمر إلى خليد العصري، وأبان هو أبان ابن أبي عيّاش، متروك عندهم، اتّهمه وتكلّم فيه شعبة، مع أنّهم شهدوا له بالصلاح وعدم تعمّد الكذب(3).. فمع ما لهذا الحديث من شواهد، خرج عن عهدته أبان بن أبي عيّاش، وارتفع الحديث إلى درجة الحسن والقبول.

ومنها: ما عن الطبراني في (المعجم الأوسط): ((حدّثنا موسى بن أبي حصين، قال: نا جعفر بن مروان السمري، قال: نا حفص بن راشد، عن يحيى ابن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، قال: سمعت

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٩ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

2- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٦٩ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

3- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١: ٨٥ (١٧٤).


الصفحة 210
عليّاً يقول: (أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين))(1). وفيه: يحيى بن سلمة بن كهيل، ضعّفوه، وذكره ابن حبّان في (الثقات)(2).

ومنها: ما رواه الموفّق الخوارزمي في (المناقب): بطريقه عن ابن مردويه، قال: ((وبهذا الإسناد عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه هذا، حدّثنا محمّد بن علي بن دحيم، حدّثنا أحمد بن حازم، حدّثنا عثمان بن محمّد، حدّثنا يونس بن أبي يعقوب، حدّثنا حمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي سعيد التميمي، عن عليّ عليه السلام، قال: (عهد إلَيَّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)، فقيل له: يا أمير المؤمنين! من الناكثون؟ قال: الناكثون: أصحاب الجمل، والمارقون: الخوارج، والقاسطون: أهل الشام))(3).

وفي هذا الطريق يونس بن أبي يعقوب، والصحيح: ابن أبي يعفور، ضعّفه ابن معين والنسائي والساجي وأحمد بن حنبل، والأكثر على توثيقه، قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق، وذكره ابن حبّان في (الثقات)، وقال ابن عدي: ممّن يكتب حديثه، وقال الدارقطني: ثقة، وقال العجلي: لا بأس به(4).

وحمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، ذكره ابن حبّان في (الثقات)، وضعّفه الأزدي(5)، وقال عنه ابن حجر: كوفي مقبول(6).

____________

1- المعجم الأوسط ٨: ٢١٣، باب: من اسمه موسى.

2- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١١: ١٩٦ (٣٦٣).

3- المناقب، للخوارزمي: ١٧٥ الحديث (٢١٢) الفصل السادس عشر.

4- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ١١: ٣٩٧ (٧٧١).

5- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٣: ١٦ (١٦).

6- تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ٢٣٨ (١٥٠٦).


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية