المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240) وأبي سعيد التميمي، والصحيح: التيمي، اسمه: دينار، ولقبه: عقيصاً، تابعي، من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام؛ قال فيه الحاكم، بعد أن صحّح طريق هو فيه: وأبو سعيد التيمي، هو: عقيصاء، ثقة مأمون(1)، ووافقه الذهبي في (التلخيص)(2)..

وذكره ابن حبّان في (الثقات) مرّة بعنوان: دينار أبو سعيد عقيصاً(3)، ومرّة بعنوان: عقيصاً أبو سعيد التيمي صاحب الكراش(4)، والصحيح: (صاحب الكرابيس).

وقد تكلّموا فيه وضعّفوه لأنّه شيعي؛ قال العقيلي: ((كان من الرافضة))(5)، ويدلّ عليه: ما قاله فيه ابن معين، قال: ((ليس بشيء، شرٌ من رشيد الهجري وحبّة العرني وأصبغ بن نباتة))(6).

وروى الخطيب البغدادي حديث أبي سعيد عقيصاً بطريق آخر؛ قال: ((أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، حدّثنا محمّد ابن عبيد بن أبي هارون، حدّثنا إبراهيم بن هراسة، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سعيد عقيصاً، قال: سمعت عليّاً يقول: (أُمرت بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين. قال: فالناكثين الذين فرغنا منهم، والقاسطين الذين نسير إليهم، والمارقين لم نرهم بعد. قال: وكانوا أهل النهر))(7).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤ فضائل عليّ بن أبي طالب.

2- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٣٧ الحديث (٤٦٨٦).

3- الثقات ٥: ٢١٩.

4- الثقات ٥: ٢٨٦.

5- الضعفاء، للعقيلي ٢: ٤٢ (٤٦٩).

6- لسان الميزان، لابن حجر ٣: ٤٣٣ (١٧١٨).

7- موضّح أوهام الجمع والتفريق ١: ٣٩٣ (١٣) ذكر إبراهيم بن هراسة الكوفي.


الصفحة 212
وهناك طريق آخر عن عقيصاً، ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد في (إيضاح الإشكال)، قال: ((حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حامد، حدّثنا عبد الله ابن أبي داود، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الكرماني بن عمرو، حدّثنا أبو مريم الأنصاري، أخبرني عدي بن ثابت، أنبأنا أبو سعيد مولى الرباب، قال: سمعت عليّاً يقول: (أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين))(1).

فطريق أبي سعيد عقيصاً أقلّه كونه حسن يرتفع مع ما تقدمه من الطرق إلى الصحيح! وأنت ترى أنّهم ضعّفوا رجال هذه الطرق بالتشيّع لا غير!

ومنها: ما رواه أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بـ(ابن القيسراني) في (أفراد الدارقطني)، قال: ((شريك أبو عبد الله، عن عليّ، حديث: (أُمرت بقتال الناكثين...)، الحديث، تفرّد به عبد الله بن الزبير الأسدي والد أبي أحمد الزبيري، عن عبد الله بن شريك العامري، عن أبيه))(2).

ورواه ابن عقدة: بطريقه عن عباد، عن عبد الله بن الزبير(3)..

____________

1- اللألي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١: ٣٧٦ كتاب المناقب.

2- أطراف الغرائب والأفراد ١: ٩٤ الحديث (٣١٩).

3- انظر: الأمالي، للطوسي: ٧٢٦ الحديث (١٥٢٦) المجلس (٤٤).


الصفحة 213
وفيه: عبد الله بن الزبير الأسدي والد أبي أحمد، وثّقه العجلي(1)، وذكره ابن حبّان في (الثقات)(2)، وضعّفه أبو زرعة، وأبو نعيم(3)، وهو من رجال الشيعة(4)، وعدّه الطوسي من أصحاب الصادق عليه السلام(5).

فهذا طريق أقلّه كونه حسن، يرتفع مع ما مضى من طرق إلى الصحيح.

ومجموع الطرق عن عليّ عليه السلام مستفيضة، بل عدّها بعضهم متواترة.

ومنها: ما أورده الدارقطني في (العلل): ((وسئل عن حديث علقمة، عن عبد الله، قال: أُمر عليّ عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين؟ فقال: يرويه مسلم الأعور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، وخالفه الحسن بن عمرو الفقيمي، فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عليّ، ومنهم من أرسله عنه وهو الصحيح، عن إبراهيم، عن عليّ مرسلاً))(6).

ومسلم الأعور، هو مسلم الملائي، وسيأتي في طريق ابن مسعود، وطريق الفقيمي صحيح، فالحسن بن عمرو الفقيمي من رجال البخاري، ثقة ثبت حجّة(7)، وقد عرفت من طريقي البلاذري وابن عقدة أنّ الطريق متّصل عن

____________

1- معرفة الثقات ٢: ٢٩ (٨٨٦).

2- الثقات، لابن حبّان ٨: ٣٤٥.

3- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ١: ٩٩ كتاب الإيمان، باب: ما جاء في الكبر، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٥: ٥٦ (٢٦٣).

4- انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: ١٩٤ من خرج مع محمّد بن عبد الله بن الحسن من أهل العلم.

5- رجال الطوسي: ٢٣٤ (٣١٨١) أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام.

6- علل الدارقطني ٥: ١٤٨ الحديث (٧٨٠).

7- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ٢٦٨ (٥٣٦).


الصفحة 214
علقمة عن عليّ عليه السلام، وليس مرسلاً، ثمّ حتّى لو كان مرسلاً فإنّ جماعة من الأئمّة صحّحوا مراسيل إبراهيم النخعي(1)، فالطريق صحيح لا مرية فيه، مضافاً إلى ما في الحديث من طرق حسنة، وهذه مع غيرها من الضعيفة ترفع الحديث إلى الصحيح المستفيض، بل المتواتر.

وممّا روي عن ابن مسعود:

ما أخرجه ابن عساكر: عن طريق الحاكم النيسابوري، قال: ((أخبرنا أبو سعد إسماعيل ابن أحمد بن عبد الملك وأبو نصر أحمد بن علي بن محمّد، قالا: أنا أبو بكر بن خلف، أنا الحاكم أبو عبد الله، نا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنا الحسن بن علي، نا زكريا بن يحيى الحرار المقرئ، نا إسماعيل بن عباد المقرئ، نا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم فأتى منزل أُمّ سلمة، فجاء عليّ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (يا أُمّ سلمة! هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين بعدي))(2).

ورواه بطريق آخر عن زكريا بن يحيى بعد هذا الحديث.

قال الألباني: ((وهذا إسناد ضعيف جدّاً، آفته: إسماعيل بن عباد))(3)، وهو من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام(4).

لكن له طريقان آخران عند الطبراني:

____________

1- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١: ١٥٦ (٣٢٥).

2- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٧٠ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

3- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، المجلد العاشر، القسم الثاني: ٥٦٠ الحديث (٤٩٠٧).

4- رجال الطوسي: ٣٥٢ (٥٢٠٧)، أصحاب أبي الحسن الرضا عليه السلام.


الصفحة 215
أحدهما: في (الأوسط)؛ قال: ((حدّثنا هيثم، نا محمّد بن عبيد المحاربي، ثنا الوليد، عن أبي عبد الرحمن الحارثي، عن مسلم الملائي، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: أُمر عليّ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين))(1).

وفيه: مسلم بن كيسان الملائي الأعور، ضعّفوه وتركوا حديثه(2)، وصحّح الحاكم طريقاً هو فيه(3)، وهو من أصحاب الصادق عليه السلام(4).

وثانيهما: في (المعجم الكبير)؛ قال: ((حدّثنا محمّد بن هشام المستملي، ثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا عائذ بن حبيب، ثنا بكير بن ربيعة، ثنا يزيد بن قيس، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين))(5).. وفيه: يزيد بن قيس، مجهول.

وممّا روي عن عمّار بن ياسر:

ما أخرجه أبو يعلى في مسنده؛ قال: ((حدّثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثنا الخليل بن مرّة، عن القاسم بن سليمان، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: أُمرت أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين))(6).

____________

1- المعجم الأوسط ٩: ١٦٥ من اسمه الهيثم، المعجم الكبير ١٠: ٩١ الحديث (١٠٠٥٤).

2- انظر: تهذيب الكمال، للمزي ٢٧: ٥٣٠ (٥٩٣٩).

3- المستدرك على الصحيحين ٤: ١١٩ كتاب الأطعمة، و٤: ١٩٥كتاب اللباس.

4- رجال الطوسي: ٢٣٢ (٣١٥٣) أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام.

5- المعجم الكبير ١٠: ٩١ الحديث (١٠٠٥٣).

6- مسند أبي يعلى ٣: ١٩٤ الحديث (١٦٢٣).


الصفحة 216
وفيه: القاسم بن سليمان؛ قال فيه العقيلي: ((روى عنه: الخليل بن مرّة، ولا يصحّ حديثه))، ثمّ نقل الحديث بنفس السند، وقال: ((لا يثبت في هذا الباب شيء))(1)، وذكره ابن حبّان في (الثقات)(2)، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام(3). ومن هنا تعرف لماذا ضعّفه العقيلي وردّ هذا الحديث!

وروى نصر بن مزاحم في (وقعة صفّين) عن عمر: ((حدّثني صديق أبي، عن الأفريقي بن أنعم، عن أبي نوح الكلاعي، عن عمّار، في ما قاله لعمرو بن العاص: أمرني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن أُقاتل الناكثين، وقد فعلت، وأمرني أن أُقاتل القاسطين، وأنتم هم، وأمّا المارقون، فلا أدري أدركهم أم لا))(4).

وروى ابن أبي الحديد خبر خطبة الحسن عليه السلام وعمّار في أهل الكوفة؛ قال: ((قال أبو مخنف: حدّثني جابر بن يزيد، قال: حدّثني تميم بن حذيم الناجي، قال: قدم علينا الحسن بن عليّ عليه السلام... إلى أن قال: فقام إليه عمّار بن ياسر، فقال: ... (أما إنّي أشهد أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أمر عليّاً بقتال الناكثين، وسمّى له فيهم من سمّى، وأمره بقتال القاسطين))(5).

____________

1- الضعفاء الكبير ٣: ٤٨٠ (١٥٣٧).

2- الثقات، لابن حبّان ٧: ٣٣٦، باب القاف.

3- رجال الطوسي: ٢٧٣ (٣٩٤٣).

4- وقعة صفّين: ٣٣٨، ركوب عمّار بن ياسر إلى عمرو بن العاص، شرح النهج، لابن أبي الحديد ٨: ٢١ (١٢٤).

5- شرح النهج، لابن أبي الحديد ١٤: ١٥ من كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة، عند مسيره من المدينة إلى البصرة.


الصفحة 217
وفي (مجمع الزوائد): ((وعن أبي سعيد عقيصاء، قال: سمعت عمّاراً ونحن نريد صفّين يقول: أمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.. رواه الطبراني. وأبو سعيد متروك))(1).

وقد عرفت في ما ذكرناه من طرق الحديث عن عليّ عليه السلام أنّ أبا سعيد عقيصاء قال فيه الحاكم: ثقة مأمون، وذكره ابن حبّان في (الثقات)، فهو ليس بمتروك.

فهذا الطريق شاهد قوي على صحّة ما أوردناه بطرق مستفيضة عن عليّ عليه السلام، يرتفع به الحديث إلى درجة الصحّة، وإن ضعّفوا رواته لتشيّعهم..

وفي (الكنى والأسماء) للدولابي: ((حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا الحسن بن عطية، قال: ثنا أبو الأرقم، عن أبي الجارود، عن أبي ربيع الكندي، عن هند بن عمرو، قال: سمعت عمّاراً يقول: أمرني رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أُقاتل مع عليّ الناكثين والقاسطين والمارقين))(2).

وممّا روي عن أبي سعيد الخدري:

ما أخرجه ابن عساكر؛ قال: ((أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح وأبو منصور أحمد بن علي بن محمّد، قالا: أنا أحمد بن علي بن عبد الله، أنا محمّد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو جعفر محمّد بن علي بن دحيم الشيباني، نا الحسن بن الحكم الحبري، نا إسماعيل بن أبان، نا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي،

____________

1- مجمع الزوائد، للهيثمي ٧: ٢٣٨ كتاب الفتن، باب: في ما كان بينهم يوم صفّين.

2- الكنى والأسماء: ١: ٣٦٠ الحديث (٦٤١).


الصفحة 218
عن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ قال: (مع عليّ بن أبي طالب، معه يقتل عمّار بن ياسر))(1).

وفيه: أبو هارون العبدي؛ ضعّفوه، بل كذّبوه.. ولكنّك إن عرفت أنّه شيعي، وعرفت بعض مروياته، تعرف سبب ذلك!

فعن شعبة، قال: كنت أتلقّى الركبان أيام الجراح، وأسأل عن أبي هارون العبدي؟ فلمّا قدم أتيته، فرأيت عنده كتاباً فيه أشياء منكرة في عليّ، فقلت: ما هذا الكتاب؟ فقال: هذا الكتاب حقّ.

وعن يحيى بن معين، قيل له: ما تقول في أبي هارون العبدي؟ فقال: كانت عنده صحيفة، يقول: هذه صحيفة الوصي..

وعن بهز، قال: قابلت أبا هارون، فقلت: أخرج إلَيَّ ما سمعت من أبي سعيد. فأخرج إلَيَّ كتاباً فإذا فيه: حدّثنا أبو سعيد: أنّ عثمان دخل حفرته وإنّه لكافر. قال: قلت: تؤمن بهذا؟ تقرّ بهذا؟ قال: هو على ما ترى. قال: فدفعت الكتاب في يده وقمت(2).

قال ابن حبّان في (المجروحين): ((عمارة بن جوين: أبو هارون العبدي، يروي عن أبي سعيد... كان رافضياً))(3).

وقال ابن عبد البرّ: ((وكان فيه تشيّع، وأهل البصرة يفرطون في من يتشيّع بين أظهرهم؛ لأنّهم عثمانيون))، وعلّق ابن حجر عليه بقوله: ((كيف لا ينسبونه

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٧١ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

2- انظر: ضعفاء العقيلي ٣: ٣١٣ (١٣٢٧).

3- المجروحين ٢: ١٧٧.


الصفحة 219
إلى الكذب وقد روى ابن عدي...))، ثمّ أورد ما ذكرناه عن بهز بن أسد، وقال: ((فهذا كذب ظاهر على أبي سعيد))(1). ولا نعلم لماذا هو كذب على أبي سعيد الخدري، وقد رأى صحابة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأهل المدينة، وبقية المسلمين يحلّون دم عثمان، وحرّض على قتله طلحة والزبير وعائشة؟!! ثمّ إنّ بهز بن أسد ناصبي، ومن هنا بان لك: لماذا ضعّفوا أبا هارون، بل كذّبوه!

وممّا روي عن أبي أيوب الأنصاري:

ما أخرجه الحاكم بطريقين؛ قال: ((حدّثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا محمّد بن حميد، ثنا سلمة ابن الفضل، حدّثني أبو زيد الأحول، عن عقاب (عتاب) بن ثعلبة، حدّثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطّاب، قال: أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

حدّثنا أبو بكر بن بالويه، ثنا محمّد بن يونس القرشي، ثنا عبد العزيز بن الخطّاب، ثنا علي بن غراب بن أبي فاطمة، عن الأصبغ بن نباتة، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: سمعت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب: (تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات). قال أبو أيوب: قلت:

يا رسول الله! مع من نقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: (مع عليّ بن أبي طالب))(2).

____________

1- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٧: ٣٦٢ (٦٧١).

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٩ فضائل عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 220
والأوّل فيه: عتاب بن ثعلبة، وهو تابعي لا يعرف، والثاني فيه: محمّد بن يونس القرشي، وثّقه بعض، واتّهمه آخرون(1)، وعلي بن غراب بن أبي فاطمة هو: علي ابن الحزور، والأصبغ بن نباتة من الشيعة، ودأبهم في تضعيف الشيعة معروف.

وروى الطبراني، قال: ((حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا محمّد بن الصباح الجرجرائي، ثنا محمّد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سليم، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصعنبي، فَقِلنا عنده، فقلت له: أبا أيوب! قاتلت المشركين مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثمّ جئت تقاتل المسلمين؟!

قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلت الناكثين وقاتلت القاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين بالشعفات بالطرقات بالنهراوات، وما أدري ما هم))(2).

وفيه: محمّد بن كثير الكوفي؛ قال فيه ابن معين: ((هو شيعي، ولم يكن به بأس))(3)، وخرق أحمد بن حنبل حديثه ولم يرضه(4)، وضعّفه المديني، وقال: خططت على حديثه، قال البخاري: منكر الحديث(5)، وقال ابن عدي: الضعف على حديثه بيّن، وقال أبو داود عن أحمد: يحدّث عن أبيه أحاديث كلّها مقلوبة(6).

____________

1- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٤٧٥ (٨٨٦).

2- المعجم الكبير ٤: ١٧٢ مخنف بن سليم عن أبي أيوب.

3- تاريخ ابن معين برواية الدوري ١: ٣٤٦ (٢٣٣٢).

4- العلل، لأحمد بن حنبل ٣: ٤٣٨ (٥٨٦٤).

5- تاريخ بغداد ٣: ٤٠٨ (١٥٥٠).

6- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٣٧١ (٦٨٧).


الصفحة 221
وإذا عرفت أنّه يروي حديث: (من لم يقل: عليّ خير الناس، فقد كفر)(1)، وهو شيعي، عرفت لماذا خرقوا حديثه واتّهموه وضعّفوه.

ومع ذلك، فهناك طريق آخر عن أبي صادق، أورده ابن عساكر، فقال: ((أخبرنا أبو عبد الله البلخي، أنا أبو الفضل بن خيرون، أنا أبو علي بن شاذان، أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب، نا إبراهيم بن الحسن بن علي الكتاني، نا يحيى بن سليمان الجعفي، نا ابن فضيل، نا إبراهيم الهجري، عن أبي صادق، قال: قدم أبو أيوب الأنصاري العراق، فأهدت له الأزد جزراً، فبعثوا بها معي، فدخلت، فسلّمت عليه، وقلت له: يا أبا أيوب! قد كرّمك الله بصحبة نبيّه صلي الله عليه وسلم، ونزوله عليك، فما لي أراك تستقبل الناس تقاتلهم، تستقبل هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة؟!

فقال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم ــ يعني معاوية وأصحابه ــ وعهد إلينا أن نقاتل مع عليّ المارقين، فلم أرهم بعد))(2).

وفيه: إبراهيم الهجري؛ قال عنه ابن عدي: ((وأحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنّما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله، وهو عندي ممّن يكتب حديثه))(3)..

____________

1- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٣٧٢ (٦٨٧).

2- تاريخ مدينة دمشق ١٦: ٥٣ ترجمة أبي أيوب الأنصاري.

3- الكامل ١: ٢١١ (٥٨).


الصفحة 222
وقال فيه ابن عيينة: كان إبراهيم الهجري يسوق الحديث سياقه جيدة على ما فيه. وقال الفسوي: كان رفّاعاً لا بأس به. وقال الأزدي: هو صدوق، ولكنّه رفّاع كثير الوهم. والبقية ضعّفوه(1).

وردّ عليهم الحاكم؛ فصحّح عدّة طرق هو فيها، وقال عنه: ((إبراهيم بن مسلم الهجري، لم يُنقَم عليه بحجّة))(2).

وعن سفيان: ((أتيت إبراهيم الهجري، فدفع إلَيَّ عامّة كتبه، فرحمت الشيخ وأصلحت له كتابه، قلت: هذا عن عبد الله، وهذا عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وهذا عن عمر..

وعلّق ابن حجر: قلت: القصّة المتقدّمة عن ابن عيينة تقتضي أنّ حديثه عنه صحيح؛ لأنّه إنّما عيب عليه رفعه أحاديث موقوفة، وابن عيينة ذكر أنّه ميّز حديث عبد الله من حديث النبيّ صلي الله عليه وسلم. والله أعلم))(3).

فهذا الطريق يقوي الطريق السابق، وقد خرج محمّد بن كثير عن عهدته.

وأخرج الخطيب البغدادي: ((أخبرنا الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن يوسف، أخبرنا محمّد بن جعفر المطيري، حدّثنا أحمد بن عبد الله المؤدّب، بسرّ من رأى، حدّثنا المعلّى بن عبد الرحمن، ببغداد، حدّثنا شريك، عن سليمان بن مهران الأعمش، قال: حدّثنا إبراهيم، عن علقمة والأسود، قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفّين،

____________

1- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ١: ١٤٣ (٢٩٦).

2- المستدرك على الصحيحين ١: ٣٦٠ كتاب الجنائز، أدعية صلاة الجنازة.

3- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١: ١٤٤ (٢٦٩).


الصفحة 223
فقلنا له: يا أبا أيوب! إنّ الله أكرمك بنزول محمّد صلي الله عليه وسلم، وبمجيء ناقته تفضّلاً من الله وإكراماً لك حتّى أناخت ببابك دون الناس، ثمّ جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلّا الله؟

فقال: يا هذا! إنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا بقتال ثلاثة مع عليّ: بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.. فأمّا الناكثون، فقد قابلناهم، أهل الجمل: طلحة والزبير، وأمّا القاسطون، فهذا منصرفنا من عندهم ــ يعني معاوية، وعمراً ــ، وأمّا المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لا بدّ من قتالهم إن شاء الله))(1).

وفيه: المعلّى بن عبد الرحمن؛ أثنى عليه الدقيقي، وقال عنه ابن عدي: ((أرجو أنّه لا بأس به))(2)، واتّهمه البقية بالكذب والوضع(3).

وإذا عرفت أنّه رمي بالرفض(4)، وأنّه يروي حديث: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما)، عرفت لماذا كذّبوه واتّهموه بالوضع!

وممّا روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري:

قال السيوطي في (الدرّ المنثور): ((وأخرج ابن مردويه من طريق محمّد ابن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ صلي الله عليه وسلم

____________

1- تاريخ بغداد ١٣: ١٨٨ (٧١٦٥)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٧٢ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب.

2- الكامل ٦: ٣٧٣ (١٨٥٥).

3- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ١٠: ٢١٤ (٤٣٧).

4- تقريب التهذيب، لابن حجر ٢: ٢٠٢ (٦٨٢٩).


الصفحة 224
في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ(1): نزلت في عليّ بن أبي طالب، أنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي))(2).

وممّا روي عن ابن عبّاس:

ما أخرجه البيهقي في (المحاسن والمساوئ)؛ قال: ((أبو عثمان قاضي الري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، قال: كان عبد الله بن عبّاس بمكّة يحدّث على شفير زمزم ونحن عنده. فلمّا قضى حديثه، قام إليه رجل، فقال: يا ابن عبّاس! إنّي امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنّهم يتبرؤون من عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه ويلعنونه!

فقال: بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعدّ لهم عذاباً مهيناً..

وأورد خبراً طويلاً فيه حديث عبد الله بن مسعود، عن أُمّ سلمة.. إلى أن قال: اشهدي يا أُمّ سلمة! إنّ عليّاً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

قال ابن عبّاس: وقتلهم لله رضاً، وللأُمّة صلاح، ولأهل الضلالة سخط.

قال الشامي: يا بن عبّاس! من الناكثون؟

قال: الذين بايعوا عليّاً بالمدينة، ثمّ نكثوا، فقاتلهم بالبصرة، أصحاب الجمل. والقاسطون معاوية وأصحابه. والمارقون أهل النهروان ومن معهم.

فقال الشامي: يا بن عبّاس! ملأت صدري نوراً وحكمة، وفرّجت عنّي فرّج الله عنك؛ أشهد أنّ عليّاً رضي الله عنه مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة))(3).

____________

1- الزخرف (٤٣): ٤١.

2- الدرّ المنثور ٦: ١٨ سورة الزخرف.

3- المحاسن والمساوئ: ٣٨ محاسن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.


الصفحة 225

فالحديث له طرق كثيرة، ضعّفوا أكثرها لتشيّع بعض رجال أسانيدها، وفيها طرق حسنة ترقى إلى الصحيح؛ لكثرة المتابعات والشواهد، وفيها طريق صحيح عن عليّ عليه السلام، وهو طريق الفقيمي الوارد في علل الدارقطني.

فأقلّه: الحديث صحيح مستفيض، بل متواتر.

وقد شهد بشهرته التي تكاد تبلغ درجة التواتر(1)، وبأنّه متّفق عليه بين الناس كافّة ابن أبي الحديد في شرحه(2).

(وصفه لنفسه بالنصب التزاماً)

« محمّد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

كنت أُحاور أحد الوهابية عن ابن تيمية.. قلت له: ابن تيمية في الجزء الثاني من (المنهاج ص٢٠٢) يقول: ((إنّ عليّاً قاتل الناس على طاعته لا على طاعة الله، ومن قاتل على طاعته أراد علوّاً في الأرض وفساداً، وهذا حال فرعون...))، وهذا دليل على نصبه، إذ يشبّه عليّاً عليه السلام بفرعون!

فقال لي: سبحان الله! كيف أنّ الرافضة أكثر الناس تدليساً، وأفقرهم حظاً، فحتّى في الكذب يفشلون.. يا رافضي! ألا تقرأ جيّداً: قال ابن تيمية: ((وأمكن للنواصب أن يقولوا: ...))؟!

____________

1- شرح النهج، لابن أبي الحديد ٦: ١٢٩ خطبة (٧٠).

2- شرح النهج، لابن أبي الحديد ٨: ٢٩٧ خطبة (١٣٤).


الصفحة 226
فهو يقول: إنّ النواصب قد يقولوا هذا الكلام.. لا أنّه هو يعتقد بهذا الكلام.. فقط تدلّسون وتتبعون معمّميكم اتّباعاً أعمى.

نرجو من جنابكم الكريم أن تردّوا على جوابه.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي يطلّع على أقوال ابن تيمية، يلاحظ بوضوح دفاعه عن معاوية وتخطأته لحروب عليّ عليه السلام، وهذا دأب النواصب! فإذا كان كلامه هذا يعود على كلام سابق، يقول فيه: إنّ النواصب تقول ذلك، فهذا يكشف عن وصم نفسه بهذه الصفة، وهي صفة النصب بصورة غير مباشرة؛ لأنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الكلام الذي يذكره مقبول عنده، يُعرف من خلال دفاعه الواضح عن معاوية.

ثمّ إنّ هذا الكلام الذي ينسبه ابن تيمية للنواصب، لم نجده مذكوراً عن طائفة من النواصب ولو واحد معروف منهم، وإنّما ابن تيمية هو الذي ينشئه على لسانهم، والمرء مخبوء تحت لسانه، فهو لخوفه وحرجه من التصريح بما في داخله ينسب قوله هذا إلى النواصب مكراً وخداعاً، حتّى لا يؤاخذ، وهذا الفعل لا ينطلي على العلماء والمحقّقين المطالعين لكتبه.. نعم، هو مخرج وحجّة للمدافعين عنه، الذين يتمسّكون بكلّ قشة!

وما ينسبه للنواصب هنا يقول مثله عن نفسه في مكان آخر؛ دفاعاً عن معاوية وتخطئة وتسفيهاً لقتال عليّ عليه السلام للبغاة! ويحاول أن يستخرج ويبتكر معاذير لمعاوية لم تخطر ببال معاوية نفسه، بل إنّ هناك نصوصاً عن معاوية تصرّح بخلاف ما يدّعيه ابن تيمية له.


الصفحة 227
قال عنه ابن حجر في (الدرر الكامنة): ((ومنهم من ينسبه إلى النفاق؛ لقوله في عليّ ما تقدم.. ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة.. ولقوله: إنّه كان يحب الرياسة))(1).

وقال ابن تيمية في منهاجه: ((وعليّ يقاتل ليطاع ويتصرّف في النفوس والأموال، فكيف يجعل هذا قتالاً على الدين؟!))(2).

فهذه مطابقة للفقرة الأُولى من كلامه الذي نسبه للنواصب!

ثمّ إنّ ابن تيمية وفي كلامه السابق على لسان النواصب، قال: ((وأيضاً يقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلوّ في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(3)، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة))(4)!

ولكنّه قال عن نفسه في مكان آخر: ((كما أنّنا لا ننكر أنّ عليّاً ولّى أقاربه وقاتل وقتل خلقاً كثيراً من المسلمين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون ويصلّون))(5)!

____________

1- الدرر الكامنة ١: ٩٣ (٤٠٩) ترجمة أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.

2- منهاج السُنّة ٨: ٣٢٩، ٣٣٠، باب: قال الرافضي: الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر.

3- القصص (٢٨): ٨٣.

4- منهاج السُنّة ٤: ٥٠٠ كلام الرافضي في وجوب اتباع مذهب الإمامية، كلام الرافضي على معاوية.

5- منهاج السُنّة ٦: ٣٥٦ نقل الرافضي لكلام الشهرستاني في التنازع الذي وقع بين الصحابة، الردّ على زعم الرافضي تزويج عثمان مروان وتسليمه خمس أفريقيا.


الصفحة 228
فأنت ترى هنا أنّ ما نقلناه من كلامه هو الكلام الذي نسبه للنواصب مع بعض الاختلاف في العبارة، والمؤدّى واحد!

ومن هنا نقل الشيخ عبد الله الهرري في (المقالات السَنية) عن علوي بن طاهر الحدّاد في كتابه (القول الفصل في ما لبني هاشم من الفضل) في الجزء الثاني، قوله: ((وفي منهاجه من السبّ والذمّ الموجّه المورد في قالب المعاريض ومقدمات الأدلّة في أمير المؤمنين عليّ والزهراء البتول والحسنين وذرّيتهم ما تقشعر منه الجلود وترجف له القلوب، ولا سبب لعكوف النواصب والخوارج على كتابه المذكور إلّا كونه يضرب على أوتارهم، ويتردّد على أطلالهم وآثارهم، فكن منه ومنهم على حذر))(1).

(بعض أقواله في الإمام عليّ عليه السلام)

« المستبصر الفلسطيني ــ فلسطين »

السؤال:

ممكن مصدر كلام ابن تيمية الذي قال فيه بما معناه: إنّ بعض الكذّابين قالوا: إنّ آية الولاية نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهي لم تنزل فيه..

____________

1- المقالات السَنية: ٣٤٥ المقالة الثالثة عشر، فصل في إثبات بغض ابن تيمية لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام.


الصفحة 229
ومصدر قول ابن حجر لابن تيمية: ((إنّه عبد أضلّه الله))..

ومصدر قول ابن تيمية: إنّ الإمام عليّاً عليه السلام كان مخذولاً حيثما ذهب، وكان يقاتل للرئاسة لا للدين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ذكر ذلك في (منهاج السُنّة)، إذ قال: ((وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى: أنّ هذه الآية نزلت في عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم...))(1).. وقال أيضاً: ((من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأنّ عليّاً لَم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المروية في ذلك من الكذب الموضوع))(2).

٢ــ قال ابن حجر الهيثمي في (الفتاوى الحديثية): ((ابن تيمية: عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه، وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله))(3).

٣ــ قال ابن حجر بترجمة ابن تيمية في (الدرر الكامنة): ((إنّه ــ أي: عليّ ــ كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحبّ الرئاسة))(4).

____________

1- منهاج السُنّة ٢: ٣٠.

2- منهاج السُنّة ٧: ١١.

3- الفتاوى الحديثية ١: ٢٤٢ مطلب اعتراض ابن تيمية على متأخّري الصوفية وله خوارق.

4- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١: ٩٣ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني.


الصفحة 230

(رأي ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)

« م/ محمّد ــ مصر »

السؤال:

يرى ابن تيميّة بأنّ آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى(1)، نزلت في جماعة، منهم: عليّ عليه السلام.(منهاج السُنّة ٧/٢٣٧).

فما هو رأيكم في عقيدته هذه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اعتمد ابن تيميّة في رأيه هذا على رواية رواها الترمذي بإسناده عن أبي عبد الرحمن السلمي, وفيه غير واحد من المجروحين، منهم: أبو جعفر الرازي؛ لا يحتجّ به منفرداً(2)، وقد عارضه غيره في هذا الحديث، وعطاء ابن السائب؛ خلط في آخر عمره، وأبو جعفر الرازي روى عنه بعد تخليطه(3).

____________

1- النساء (٤): ٤٣.

2- ضعفاء العقيلي ٣: ٣٨٨ (١٤٢٨)، المجروحين، لابن حبّان ٢: ١٢٠، تذهيب التهذيب ١٢: ٤٩ (٨٣٤٧).

3- ضعفاء العقيلي ٣: ٣٩٨ (١٤٣٨)، الكامل في الضعفاء، لابن عدي ٥: ٣٦١ (١٥٢٢)، تذهيب التهذيب ٧: ١٨٣ (٣٨٦).


الصفحة 231
وأخرج الحاكم عن طريق سفيان، عن عطاء بن السائب ــ وسفيان روى عن عطاء قبل الاختلاط ــ عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ عليه السلام، قال: (دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت صلاة المغرب، فتقدّم رجل فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)، فالتبس عليه، فنزلت: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ الآية)..

قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ــ ووافقه الذهبي على تصحيحه(2) ــ وفي هذا الحديث فائدة كثيرة, وهي: أنّ الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب دون غيره، وقد برّأه الله منها؛ فإنّه راوي هذا الحديث))(3).

ومن كلام الحاكم يتّضح أنّ من نسب هذه الفرية إلى أمير المؤمنين عليه السلام هم الخوارج، وابن تيمية داخل معهم هنا، يقول بقولهم.

كما أخرج الحاكم وصحّحه أيضاً بنفس سند سفيان عن طريق أحمد بن حنبل: أنّ عبد الرحمن بن عوف هو الذي صلّى بهم المغرب والتبس عليه في قراءة سورة الكافرون. ثمّ قال: ((وقد اختلف فيه على عطاء بن السائب من ثلاثة أوجه، هذا أوّلها وأصحّها)).

ثمّ أخرج الوجه الثاني عن سفيان أيضاً، وفيه أنّ القارئ هو عبد الرحمن بن عوف.

____________

1- الكافرون (١٠٩): ١.

2- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٢: ٤٢٢ الحديث (٣٢٤٩).

3- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٠٧ كتاب التفسير، تفسير سورة النساء.


الصفحة 232
وأمّا الوجه الثالث، فأخرجه عن خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، وفيه أيضاً: أنّ القارئ عبد الرحمن بن عوف.

ثمّ قال: ((هذه الأسانيد كلّها صحيحة، والحكم لحديث سفيان الثوري؛ فإنّه أحفظ من كلّ من رواه عن عطاء بن السائب))(1).

فردّ الحاكم هنا الطريق الذي أخرجه الترمذي، وأبان علّته.

ومن الجدير ذكره أنّ هناك أحاديث تذكر سبب نزولٍ آخر للآية؛ فقد أخرج الحاكم بسنده عن حارثة بن مضرب، أنّه قال: ((قال عمر رضي الله عنه: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر. فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ إلى آخر الآية، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عمر، فتلاها عليه، فكأنّها لم توافق من عمر الذي أراد، فقال: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر. فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا(2)، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عمر، فتلاها عليه، فكأنّها لم توافق من عمر الذي أراد، فقال: اللّهمّ بيّن لنا في الخمر. فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، حتّى انتهى إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ(3)، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عمر، فتلاها عليه، فقال عمر: انتهينا يا ربّ)).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٤: ١٤٢ كتاب الأشربة.

2- البقرة (٢): ٢١٩.

3- المائدة (٥): ٩٠ ــ ٩١.


الصفحة 233
ثمّ قال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))(1).

ولهذا الحديث طرق أُخر عن عمر(2)، وقال ابن حجر في (فتح الباري): ((وصحّحه علي بن المديني والترمذي))(3)، بل رووا في تفصيل سبب نزول الآيات الثلاث روايات أُخر عن أنس ساقي القوم في دار أبي طلحة، وأنّهم كانوا أحد عشر صحابيّاً، وفي رواية ابن مردويه عن طريق عيسى بن طهمان، عن أنس: أنّ أبا بكر وعمر كانا من ضمنهم، وليس منهم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وقد نص ابن حجر على نظافة سنده وإن عدّه منكراً وغلطاً(4).

(رأيه في قاتل عليّ عليه السلام)

« حيدر القزّاز ــ كندا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

أرجو بيان رأي ابن تيمية بالمجرم عبد الرحمان ابن ملجم(لعنه الله)؟

وما هو رأيه عندما قتل أمير المؤمنين عليه السلام؟

مع ذكر المصادر إن أمكن.

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٤: ١٤٣ كتاب الأشربة.

2- السنن الكبرى، للنسائي ٨: ٢٨٥ كتاب الأشربة.

3- فتح الباري ٨: ٢١٠ سورة المائدة.

4- فتح الباري ١٠: ٣١ كتاب الأشربة، باب: نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر.


الصفحة 234

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ابن تيمية, كعادته, يحاول الطعن بأمير المؤمنين عليّ عليه السلام, وذلك بصورة غير مباشرة, كتكذيب فضائله, والتشكيك في المسلّمات, بل وبصورة مباشرة أحياناً, فتراه ذلك المراوغ الذي يتلاعب بالألفاظ والأساليب.

يقول في ابن ملجم(لعنه الله): ((والذي قتل عليّاً, كان يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن, وقتله معتقداً أنّ الله ورسوله يحبّ قتل عليّ, وفعل ذلك محبّة لله ورسوله في زعمه, وإن كان في ذلك ضالاً مبتدعاً))(1).

ويقول ابن تيمية عن ابن ملجم(لعنه الله): ((كان من أعبد الناس))(2). كأنّه لم يقرأ وصف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في قاتل عليّ عليه السلام بأنّه: (أشقى الناس)، و(كعاقر ناقة ثمود)(3).

تعليق (١):

« مها ــ العراق ــ إمامية »

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا قلنا: إنّ قاتل الإمام عليّ عليه السلام كان رجلاً عابداً، فهذا لا ينفي عنه أنّه قاتل أفّاكاً، لعبت بعقله المصالح الدنيوية في لحظة، ممّا أدّى إلى خسرانه

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٥٣ المنهج الثاني عند الرافضي في الأدلّة الدالة من القرآن على إمامة عليّ، البرهان الخامس عشر.

2- منهاج السُنّة ٥: ٤٧ الفصل العاشر: تابع كلام الرافضي عن فضائل عليّ: كلام أخطب خوارزم.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٦٣ بقيّة حديث عمّار بن ياسر، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٤١ فضائل عليّ بن أبي طالب، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٣٦، باب مناقب عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 235
الدنيا والآخرة، بقتله إمام المتّقين، وعلم الدين، أبي الحسنين رضي الله عنه, فقد كان إبليس(لعنه الله) من عبّاد أهل الجنّة، ثمّ غوى، وعصى ربّه فهوى..

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا تناقض في الواقع بين أن يكون الشخص كثير العبادة، وبين أن تأخذه الفتنة والضلال، ولم يكن المقصود من الجواب الاستدلال على وجود التناقض.

ولكن كان المقصود منه: إظهار موقف ابن تيمية من قاتل عليّ عليه السلام؛ فإنّ كلّ من ترجم لابن ملجم قد صبّ عليه اللّعنات، إلّا من في قلبه بذرة النصب، فإنّه يصفه بالعابد، وكثير الصلاة والصيام.. وما إلى ذلك، تخفيفاً لجريمته، وإزراءً لعدوّه، وهو عليّ عليه السلام ــ نعوذ بالله ــ.

تعليق (٢):

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

لماذا تقتطع من كلام ابن تيمية بابن ملجم لتظهر للناس أنّ ابن تيمية يمتدح قاتل عليّ؟! فهذا كذب وافتراء؛ لأنّ ابن تيمية يحبّ عليّاً ويمتدحه، ولكنّه لا يغلو فيه مثلكم!


الصفحة 236

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الكلام الذي قبله لا أثر له في المقصود من عبارة ابن تيمية الناصبي؛ فإنّه كان يقارن بين قاتل عمر وقاتل عليّ عليه السلام, فقال: ((كان الذي قتل عمر كافراً، يبغض دين الإسلام، ويبغض الرسول وأُمّته)), وأمّا عندما ذكر ابن ملجم، قال: ((والذي قتل عليّاً كان يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن...))(1) الخ.

وهو واضح في مدح ابن تيمية لابن ملجم، ولكن محاولتك للدفاع عن ابن تيمية تجعلك تجد له الأعذار، حتّى وإن كان لا يريدها هو! فتحاول أن تتذرّع بقطع النص، وأنّكم لم توردوا كلامه بكامله.. ومثل ذلك, وهذا لا يفيد؛ لأنّ كلام ابن تيمية عربي، ونحن عرب نفهم ما يقول، ونعرف غايته وقصده منه.

(زعمه بأنّ كبار شيعة عليّ عليه السلام كانوا يعظّمون أبا بكر وعمر)

« محمّد ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

سلام عليكم..

يعتقد ابن تيميّة بأنّ كثيراً من رجالات الشيعة من الصحابة المشهورين، كأبي ذرّ، وسلمان، وعمّار، وأمثالهم، كانوا يعظّمون أبا بكر وعمر اتّباعاً لهما. فما هو رأيكم في عقيدته؟

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٥٣ المنهج الثاني عند الرافضي في الأدلّة الدالّة من القرآن على إمامة عليّ، البرهان الخامس عشر.


الصفحة 237
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يقتصر ابن تيمية بزعمه هذا على هؤلاء الصحابة الكبار وأمثالهم، بل نسب ذلك إلى بني هاشم أيضاً، بل كلّ الشيعة الأوائل!

فقال في منهاجه بعد أن أورد الخبر المكذوب على عليّ عليه السلام، من أنّه قال: (خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر)، وأنّه متواتر ــ وفي قول آخر له: رواه بضع وثمانون نفساً عن عليّ(1) ــ: ((ولهذا كانت الشيعة المتقدّمون الذين صحبوا عليّاً، أو كانوا في ذلك الزمان, لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر, وإنّما كان نزاعهم في تفضيل عليّ وعثمان, وهذا ممّا يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر, حتّى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي؛ قال: سأل سائل شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فقال له: أيّهما أفضل: أبو بكر، أو عليّ؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنّما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى عليّ هذا الأعواد، فقال: ألا إنّ خير هذه الأُمّة بعد نبيّها: أبو بكر ثمّ عمر، أفكنّا نردّ قوله؟ أكنّا نكذبه؟ والله ما كان كذّاباً. ذكر هذا أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي اعتراضه على الجاحظ, نقله عنه القاضي عبد الجبّار الهمداني))(2).

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ٢٨٤ المنهج الثاني عند الرافضي: الأدلّة من القرآن، البرهان الثامن والثلاثون، و ٣٦٩ كلام الرافضي: المنهج الثالث، السابع.

2- منهاج السُنّة ١: ١١ ــ ١٤ مقدّمة المؤلّف.


الصفحة 238
وكرّر دعواه على الشيعة الأوائل في عدّة مواضع من كتابه(1)، بل عدّ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليه السلام، والإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام من الذين يفضّلون أبا بكر وعمر، ثمّ أعاد كلامه السابق في مقدّمته المتضمّن نقل البلخي عن شريك(2)..

وقال بعد ذلك: ((وإن كذبوا على أبي ذرّ من الصحابة وسلمان وعمّار وغيرهم, فمن التواتر أنّ هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيماً لأبي بكر وعمر واتّباعاً لهما, وإنّما يُنقل عن بعضهم التعنّت على عثمان, لا على أبي بكر وعمر))(3).

وقال أيضاً: ((إنّ العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته، بل أئمّة العترة، كابن عبّاس وغيره، يقدّمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية، وكذلك سائر بني هاشم من العبّاسيين، والجعفريين، وأكثر العلويين...)).

إلى أن قال: ((والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم، من ولد الحسين بن عليّ، وولد الحسن، وغيرهما، أنّهم كانوا يتولّون أبا بكر وعمر، وكانوا يفضّلونهما على عليّ، والنقول عنهم ثابتة متواترة))(4).

والجواب عن كلّ هذا:

____________

1- منهاج السُنّة ٢: ٧٢ الردّ على القسم الأوّل من كلام ابن المطهّر في المقدّمة،
و ٤: ١٣٢ كلام الرافضي على اختيار الناس لمذهب أهل السُنّة طلباً للدنيا، و ٧: ٣٦٩ كلام الرافضي على المنهج الثالث، السابع.

2- منهاج السُنّة ٢: ٨٣ ــ ٨٦ الردّ على القسم الثاني من المقدّمة.

3- منهاج السُنّة ٢: ٩٤ الردّ على القسم الثاني من المقدّمة.

4- منهاج السُنّة ٧: ٣٩٦ كلام الرافضي على المنهج الثالث، العاشر.


الصفحة 239
إنّ الرواية المنسوبة إلى عليّ عليه السلام من قوله: (خير هذه الأُمّة...) رواية عامية بكلّ طرقها.

وأمّا الرواية الشيعية فما ورد في (الاحتجاج): ((إنّ عثماناً قال لعليّ عليه السلام: إن تربّصت بي فقد تربّصت بمن هو خير منّي ومنك. قال عليّ عليه السلام: ومن هو خير منّي؟ قال: أبو بكر وعمر. فقال عليّ عليه السلام: كذبت، أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلكم وعبدته بعدكم))(1).

بل إنّ عليّاً عليه السلام كذّب ما نسب إليه من قول في أبي بكر وعمر؛ فقد روى سليم بن قيس، قال: ((بلغ أمير المؤمنين عليه السلام أنّ عمرو بن العاص خطب الناس بالشام، فقال: بعثني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم على جيشه فيه أبو بكر وعمر، فظننت أنّه إنّما بعثني لكرامتي عليه. فلمّا قدمت، قلت: يا رسول الله! أي الناس أحبّ إليك؟ فقال: (عائشة). قلت: ومن الرجال؟ قال: (أبوها)...

فقام عليّ عليه السلام فقال: (العجب لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو ويصدّقونه، وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلّة ورعه أن يكذب على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقد لعنه سبعين لعنة، ولعن صاحبه الذي يدعو إليه في غير موطن)...

إلى أن قال: (ما لقيت من هذه الأُمّة من كذّابيها ومنافقيها، لكأنّي بالقرّاء الضعفة المجتهدين قد رووا حديثه وصدّقوه فيه، واحتجّوا علينا أهل البيت بكذبه: أنّا نقول: خير هذه الأُمّة أبو بكر وعمر؛ ولو شئت لسمّيت الثالث. والله ما أراد بقوله في عائشة وأبيها إلّا رضى معاوية، ولقد استرضاه بسخط الله)...))(2).

____________

1- الاحتجاج ١: ٢٢٩ قول عليّ لعثمان: كذبت، أنا خير منك ومنهما.

2- كتاب سليم بن قيس: ٢٧٧ ــ ٢٧٩ خطبة عمرو بن العاص في الشام ضدّ أمير المؤمنين عليه السلام.


الصفحة 240
وروى المرتضى في (الشافي) أصل الخبر المدّعى قبل أن تسقط عنه مقدّمته، قال: ((على أنّ هذا الخبر قد روي على خلاف هذا الوجه، وأوردت له مقدّمة أُسقطت عنه ليتم الاحتجاج به، وذاك: أنّ معاذ بن الحرث الأفطس حدّث عن جعفر بن عبد الرحمان البلخي، وكان عثمانياً يفضّل عثماناً على أمير المؤمنين عليه السلام، قال: أخبرنا أبو خباب الكلبي، وكان أيضاً عثمانياً، عن الشعبي، ورأيه في الانحراف عن أهل البيت عليهم السلام معروف، قال: سمعت وهب ابن أبي جحيفة، وعمرو بن شرحبيل، وسويد بن غفلة، وعبد الرحمان الهمداني، وأبا جعفر الأشجعي، كلّهم يقولون: سمعنا عليّاً عليه السلام على المنبر يقول: (ما هذا الكذب الذي يقولون: ألا إنّ خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر)، فإذا كانت هذه المقدّمة قد رواها من روى الخبر ممّن ذكرناه مع انحرافه وعصبيته، فلا يلتفت إلى قول من يسقطها، فالمقدّمة إذا ذكرت لم يكن في الخبر احتجاج لهم، بل يكون فيه حجّة عليهم، من حيث ينقل الحكم الذي ظنّوه إلى ضدّه))(1).

وقد وقع ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام؛ فقد روى هذا الخبر المكذوب عليه الرواة الضعفة والناصبة، كالشعبي، الذي هو عماد هذه الرواية في كتب القوم، وعمرو بن حريث، وقضاة السلاطين السوء، كشريك بن عبد الله، وشريح، وغيرهم.

____________

1- الشافي في الإمامة ٣: ١١٢ الجواب على صاحب المغني في ما ذكره من ردّه على استدلال الشيعة ببعض الروايات وما نقله عن شيخه أبو علي.


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية