المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج2 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270) واستقصاء طرقه وتبيين ضعفها يحتاج إلى وقت لا يسعه المجال هنا.

وقد كذّبه الإمام زين العابدين عليه السلام، إذ روى الطبراني في (الأوسط) عن حكيم بن جبير، وهو أحد رواة الحديث عندهم، أنّه قال: ((قلت لعليّ بن حسين: أشهد على عبد خير أنّه حدّثني أنّه سمع عليّاً يقول على هذا المنبر: (خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر)، وقال: (لو شئت لسمّيت ثالثاً). فضرب عليّ بن حسين يده على فخذي، وقال: (حدّثني سعيد بن المسيّب، أنّ سعد بن أبي وقاص حدّثني: أنّ النبي صلي الله عليه وسلم قال لعليّ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى))(1).

وفي رواية الخطيب: ((يا سيّدي! إنّ الشعبي حدّث عن أبي جحيفة وهب الخير: أنّ أباك صعد المنبر، فقال: (خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر)؟ فقال: أين يذهب بك يا حكيم؟ حدّثني سعيد بن المسيّب...))(2).

ورواه ابن عساكر من عدّة طرق عن حكيم بن جبير، ولكن حاول أن يؤوّله بتأويل بارد(3).

وأمّا دعواه: أنّه متواتر، فهي دعوى لم يدّعها غيره! وقد بيّنا أنّ الرواية كذب رواها الناصبة عن عليّ عليه السلام، وردّها زين العابدين عليه السلام؛ وكيف تكون هذه الرواية متواترة وهي من أنكر الروايات اضطراباً في جميع أسانيدها، كما بيّن ذلك الدارقطني في علله(4)؟!!

____________

1- المعجم الأوسط ٣: ١٣٩ من اسمه إبراهيم.

2- تاريخ بغداد ٩: ٣٧٠ الحديث (٤٩٣٢).

3- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٣٥٩ ترجمة أبي بكر، و ٤٢: ١٥٢ ترجمة عليّ بن أبي طالب.

4- علل الدارقطني ٣: ٩٢ (س: ٢٩٩)، و ١٢٢ (س: ٣١٥)، و ١٢٩ (س: ٣١٧)، و ٢٠٩
(س: ٣٦٧)، و ٤: ٣٦ (س: ٤٢٢)، و ٤١ (س: ٤٢٣)، و ١٩٦ (س: ٥٠٥)، و ٦: ٢٧
(س: ٩٠٦).


الصفحة 242
وأمّا دعواه أنّ الشيعة المتقدّمين كانوا يقرّون بذلك، فلم يأت عليها بدليل، إلّا قول شريك بن عبد الله، وشريك ليس من الشيعة كما تدّعي الرواية، بل هو من قضاة السلطان، وما أسهل الرجوع إلى ترجمته في كتب الرجال لمعرفة حاله، مع أنّ الرواية عنه منقولة عن المعتزلة.

وأمّا قوله: ((وهذا ممّا يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر))، فهو لم يأت عليه بأي شاهد أو اسم لأحد منهم رضوان الله عليهم، ويكفي في ردّه ما أوردناه عن كتاب (الشافي) للسيّد المرتضى، الذي هو من أكبر علماء الطائفة ومتكلّميها، بل أكبرهم في زمانه، وكان تلميذاً للمفيد وأُستاذاً للطوسي، وكتابه من أكبر كتب الإمامية وأقدمها في الإمامة.

وأمّا ما نسبه للإمام زين العابدين عليه السلام، والإمام الصادق عليه السلام، فيكفي في ردّه ما أوردناه عن الإمام زين العابدين عليه السلام آنفاً جواباً لحكيم بن جبير، وتكذيباً للرواية المدّعاة، وتفضيلاً لعليّ عليه السلام بحديث المنزلة، والإمام الصادق عليه السلام حفيده لم يأخذ العلم إلّا عن أبيه عن جدّه زين العابدين عليه السلام، ومع ذلك فإنّ كلّ الروايات المنسوبة إليه في هذا المدّعى عاميّة السند، وقد أجبنا عنها ضمن عنوان: (الإمام الصادق عليه السلام)؛ فليراجع!

وأمّا ادّعاءه أنّ الشيعة كذبت على أبي ذرّ وسلمان وعمّار وغيرهم... الخ، فجوابه: ما اشتهر عن هؤلاء عند المسلمين من ملازمتهم لعليّ عليه السلام، حتّى سمّوا: شيعة عليّ عليه السلام، ويكفي فيه ما ذكره أحد علمائهم المعروف بالنصب، والذي يعتمد ابن تيمية على قوله، وهو: ابن حزم، قال: ((اختلف المسلمون


الصفحة 243
فيمن هو أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم السلام, فذهب بعض أهل السُنّة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة, إلى أنّ أفضل الأُمّة بعد الرسول الله صلي الله عليه وسلم: عليّ بن أبي طالب. وقد روينا هذا القول نصّاً عن بعض الصحابة رضي الله عنهم, وعن جماعة من التابعين والفقهاء...))(1)..

فهو هنا لم يكتف في نسبة تفضيل عليّ عليه السلام إلى بعض الصحابة، بل كذّب دعوى ابن تيمية في أنّ بعض الشيعة كانوا يفضّلون أبا بكر وعمر، بل نصّ على أنّ بعض أهل السُنّة والمعتزلة والمرجئة يذهبون إلى رأي الشيعة المجمعين في تفضيل عليّ عليه السلام، وابن حزم متقدّم على ابن تيمية، وأضبط في آراء الفرق والمذاهب منه قطعاً.

وهذا ابن عبد البرّ يبيّن بعض أسماء الصحابة الذين أشار إليهم ابن حزم، المروي عنهم النص في تفضيل عليّ عليه السلام، قال: ((وروي عن سلمان، وأبي ذرّ، والمقداد، وخبّاب، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن الأرقم، أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره))(2)..

وفي قوله هذا تكذيب صريح لابن تيمية، وهو متقدّم عليه أيضاً.

وأمّا قوله الذي نقلناه آخراً، فهو حمّال أوجه حسب رأي ابن تيمية؛ إذ هو يوسّع دائرة العترة لتشمل من ذكرهم، وأمّا الشيعة الإمامية فالعترة عندهم أولاد فاطمة وعليّ عليهما السلام، وبالمعنى الأخص عندهم: الأئمّة الاثني عشر

____________

1- الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤: ١١١ الكلام في وجوه الفضل والمفاضلة بين الصحابة.

2- الاستيعاب ٣: ١٩٠ (١٨٥٥) عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 244
وفاطمة عليها السلام، وهم مجمعون ومعهم كلّ أولاد الحسن والحسين عليهما السلام على تفضيل عليّ عليه السلام، وما نسب إلى بعض أولاد الحسن عليه السلام، فهو كذب! ما عدا بعض السادة العلوية الذين اتّخذوا مذهباً غير الإمامية من المذاهب الإسلامية في العصور المتأخّرة.

وأمّا ما نسبه لابن عبّاس، فكذبه فيه أوضح من غيره؛ لما اشتهر عن ابن عبّاس من اختصاصه بعليّ عليه السلام، وأجوبته لعمر بهذا الخصوص، ومناظراته لمعاوية وعائشة وابن الزبير، وغيرهم.

ويكفي في معرفة رأي ابن عبّاس القطعي في تفضيل عليّ عليه السلام على غيره: ما رواه الحاكم النيسابوري وصحّحه بطريقه إلى عمرو بن ميمون: ((قال: إنّي لجالس عند ابن عبّاس، إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا بن عبّاس! إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلو بنا من بين هؤلاء، قال: فقال ابن عبّاس: بل أنا أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدؤا (فانتدروا) فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أُفّ وتف، وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا في رجل قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً يحبّ الله ورسوله...))(1)، وأخذ في (ذكر فضائل عليّ عليه السلام التي لا يشاركه فيها أحد)، والحديث طويل.

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٢ فضائل عليّ بن أبي طالب، وانظر: مسند أحمد ابن حنبل ١: ٣٣٠ مسند عبد الله بن عبّاس، السنن الكبرى، للنسائي ٥: ١١٢ الحديث (٨٤٠٩)، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ٧٧ عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس.


الصفحة 245
وأمّا العبّاسيون فليسوا من الشيعة قطعاً، وكانوا من أعداء العلويين، قتلوا أكثر من ظفروا به منهم، وكانت سياستهم تقديم الأوّلَين على عليّ عليه السلام في الخطبة وغيرها: إرغاماً للعلويين.

(ابن تيمية وحديث (إنّ الله يغضب لغضبك...))

« عثمان ــ السعودية ــ سُنّي »

السؤال:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وأمّا قوله ــ يعني: العلّامة الحلّي ــ: ورووا جميعاً: أنّ النبيّ صلي الله عليه وسلم، قال: (يا فاطمة! إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك), فهذا كذب منه، ما رووا هذا عن النبيّ صلي الله عليه وسلم, ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة, ولا إسناد معروف عن النبيّ صلي الله عليه وسلم، لا صحيح، ولا حسن)).(منهاج السُنّة ٤/٢٤٨).

فما جوابكم على هذا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: روى هذا الحديث جمع غفير من الأئمّة المشاهير والحفّاظ الأعلام من أهل السُنّة, في كتبهم في الحديث والفضائل, ومنهم من ذكره بترجمة الصدّيقة الكبرى عليها السلام.


الصفحة 246
فمن رواته: ابن أبي عاصم أبو بكر أحمد بن عمرو الضحّاك (ت٢٨٧هـ)(1)، وأبو يعلى (ت٣٠٧هـ)(2)، وأبو بشر الرازي الدولابي (ت٣١٠هـ)(3)، وأبو القاسم الطبراني (ت٣٦٠هـ)(4)، وابن عدي (ت٣٦٥هـ)(5)، والحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ)(6)، والخركوشي (ت٤٠٧هـ)(7)، وأبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ)(8)، وابن المغازلي (ت٤٨٣هـ)(9)، وأبو المؤيد الموفّق الخوارزمي (ت٥٦٨هـ)(10)، وأبو القاسم ابن عساكر (ت٥٧١هـ)(11)، وابن الأثير الجزري (ت٦٣٠هـ)(12)، وابن النجّار البغدادي (ت٦٤٣هـ)(13)، والشيخ محمّد الزرندي الحنفي (ت٧٥٠هـ)(14)،

____________

1- الآحاد والمثاني ٥: ٣٦٣ الحديث (٢٩٥٩).

2- معجم أبي يعلى الموصلي: ١٩ الحديث (٢٢٠)، باب العين.

3- الذرّية الطاهرة: ١٦٧ الحديث (٢٢٦) فضائل أهل البيت.

4- المعجم الكبير ١: ١٠٨ الحديث (١٨٢) مسند عليّ بن أبي طالب، و٢٢: ٤٠١ من مناقب فاطمة.

5- الكامل ٢: ٣٥١ (٤٨١).

6- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٣ ذكر مناقب فاطمة.

7- شرف المصطفى ٥: ٣٥٠ الحديث (٢٣٠٨).

8- معرفة الصحابة ١: ٩٣ الحديث (٣٥٥).

9- مناقب عليّ بن أبي طالب: ٢٧٥ ــ ٢٧٦ الحديث (٣٤٨، ٣٤٩) قوله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله ليغضب لغضبك.

10- مقتل الحسين: ٩٠ الفصل الخامس: فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام.

11- تاريخ مدينة دمشق ٣: ١٥٦، باب: ذكر بنيه وبناته عليه الصلاة والسلام.

12- أُسد الغابة ٥: ٥٢٢ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

13- ذيل تاريخ بغداد ٢: ١٤٠ (٤٢٦).

14- نظم درر السمطين: ١٧٧ السمط الثاني، قول النبيّ لفاطمة: (إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك).


الصفحة 247
والهيثمي (ت٨٠٧هـ)(1)، وابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)(2)، وجلال الدين السيوطي(ت٩١١هـ)(3)، وغيرهم من أعلام الأئمّة والحفّاظ. فانظر من الكاذب؟!!

قال أبو نعيم: ((تفرّد برواية هذا الحديث العترة الطيبة خلفهم عن سلفهم، حتّى ينتهى إلى النبيّ صلي الله عليه وسلم))(4).

ثمّ إنّ الحاكم قال: ((هذا حديث صحيح الإسناد, ولم يخرجاه))(5)، فالحديث له إسناد معروف إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ولكن الذهبي حاول تضعيفه في تلخيصه كعادته قائلاً: ((بل حسين منكر الحديث, لا يحلّ أن يحتجّ به))(6).

والحسين بن زيد، هو: الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الملقّب بـ(ذي الدمعة) لكثرة بكائه، تكفّل به الصادق عليه السلام بعد مقتل أبيه زيد وأخيه يحيى، فأصاب من الصادق عليه السلام علماً كثيراً، وكان ورعاً(7)..

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ٢٠٣، باب: مناقب فاطمة بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم.

2- الإصابة ٨: ٢٦٦ (١١٥٨٧).

3- الخصائص الكبرى ٣: ٢٦٥، باب: ما شرف به أولاده وأزواجه وآل بيته.

4- معرفة الصحابة ١: ٩٣ الحديث (٣٥٥).

5- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٤ ذكر مناقب فاطمة.

6- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٦٤ ذكر مناقب فاطمة.

7- المجدي في أنساب الطالبيين: ١٥٩ ولد الحسن بن زيد الشهيد.


الصفحة 248
صحّح الحاكم له عدّة أحاديث(1)، ووثّقه الدارقطني(2)، وقال ابن حجر: ((صدوق ربّما أخطأ))(3)، وقال الهيثمي: ((وقد وثّق، وفيه كلام))(4)، وقال ابن أبي حاتم: ((قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك بيده وقلبها، يعني: يعرف وينكر))(5)، وقال ابن عدي: ((أرجو أنّه لا بأس به، إلّا أنّي وجدت في بعض حديثه النكرة))(6)، وقال علي بن المديني: ((كان فيه ضعف ويكتب حديثه، وحدّث علي عنه على المنبر))(7)، واعتمده ابن ماجة وروى عنه رواية واحدة(8)، وذكره الذهبي في (الميزان) وروى له ثلاث روايات، منها: قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لفاطمة: (إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)(9).

فعرف سبب حكمهم بنكارة حديثه، وهو: روايته هذا الحديث وغيره، ممّا انفرد بروايته آل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ممّا يدحض مذهبهم، ويعرّي أسلافهم؛ لِما عرف من موت فاطمة عليها السلام وهي غضبى على الأوّلَين منهم، مع أنّك عرفت أنّ الحديث صحيح، كما حكم به الحاكم.

____________

1- المستدرك على الصحيحين ١: ٣٥٩ كتاب الجنائز، و٣: ٢ كتاب الهجرة، و٣: ١٧٩ كتاب معرفة الصحابة، فضائل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما.

2- تهذيب التهذيب ٢: ٢٩٣ (٦٠٠).

3- تقريب التهذيب ١: ٢١٥ (١٣٢٦).

4- مجمع الزوائد ٤: ٢٧٠ كتاب النكاح، باب: في ما أحلّ من نكاح النساء.

5- الجرح والتعديل ٣: ٥٣ (٢٣٧).

6- الكامل في الضعفاء ٢: ٣٥١ (٤٨١).

7- سؤالات محمّد بن أبي شيبة لعلي بن المديني: ١٣٣ (١٢٩).

8- سنن ابن ماجة ١: ٤٧١ الحديث (١٤٦٨).

9- ميزان الاعتدال ١: ٥٣٥ (٢٠٠٢).


الصفحة 249
وقال فيه الهيثمي: ((وإسناده حسن))(1).

ومع أنّ قول الذهبي: ((لا يحلّ أن يحتجّ به)) مردود، فإنّ للحديث طرقاً أُخر عند الخوارزمي في (مقتل الحسين عليه السلام، عن عليّ بن موسى عليه السلام عن آبائه(2).

فسقط بذلك قول الذهبي، وظهر معه كذب ابن تيمية في قوله: ((ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة, ولا إسناد معروف عن النبيّ صلي الله عليه وسلم، لا صحيح، ولا حسن))، فإنّ الحديث صحيح عند بعضٍ، وحسن عند آخرين، نعم، ردّه الذهبي وهو تلميذ ابن تيمية، وقد بيّنا خطأه.

(اعتراف ابن تيميّة بالهجوم على بيت الزهراء عليها السلام)

« أُمّ ليلى ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

سمعت أنّ ابن تيميّة يعترف بهجوم القوم على بيت الزهراء عليها السلام! هل يصحّ هذا؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ٢٠٣، باب مناقب فاطمة.

2- مقتل الحسين: ٩٠ الفصل الخامس: فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام.


الصفحة 250
لم يستطع ابن تيميّة أن ينكر هجومهم على بيت الزهراء عليها السلام؛ لكثرة الروايات في ذلك، وردّها يكون من الكذب المفضوح, كما لم يستطع أن ينكر أمر أبي بكر بذلك؛ لما نقل من قوله قبيل موته: ((فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب))(1).

ولكنّه أيضاً لم يستطع هنا إلّا أن يتمسّك بعصبيته دفاعاً عن أبي بكر، وادّعى أنّه لم يقدم عليهم بأذى بإجماع أهل العلم والدين، وكأنّ الهجوم على الدار بمجرّده ــ لو صحّت دعوى ابن تيمية ــ ليس فيه أذى وانتهاك الحرم؟!

ولقد أغضى عن الأخبار الكثيرة المقطوعة الناصّة على جمع الحطب وتهديد عمر بحرق الدار، وعلّل الهجوم بأمر سخيف أوحى إليه هواه، لم يقله أحد من الأوّلين والآخرين، فقال: ((وغاية ما يقال: أنّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقّه, ثمّ رأى أنّه لو تركه لهم لجاز, فإنّه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء))(2)!!

____________

1- انظر: الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٤ مرض أبي بكر، تاريخ اليعقوبي
٢: ١٣٧ أيام أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٦١٩ سنة ١٣، ذكر أسماء قضاته وكتاّبه وعمّاله على الصدقات، العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٥: ٢١ استخلاف أبي بكر لعمر، مروج الذهب، للمسعودي ٢: ٣٠١، باب: ذكر خلافة أبي بكر، المعجم الكبير، للطبراني ١: ٦٢ الحديث (٤٣) مسند أبي بكر، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٤١٨ ــ ٤٢٣ ترجمة أبي بكر، الأحاديث المختارة، للمقدسي ١: ٨٨ الحديث (١٢)، تاريخ الإسلام، للذهبي ٣: ١١٧ أحداث سنة ثلاث عشر، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٥: ٦٣١ الحديث (١٤١١٣).

2- منهاج السُنّة ٨: ٢٩١ الفصل الخامس من كلام الرافضي: في أنّ من تقدّم لم يكن إماماً، الثامن.


الصفحة 251
فانظر إلى ما اخترعه من بهتان بحقّ أهل بيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم دفاعاً عن هواه وإنكاراً لصريح الروايات في أنّ سبب هجومهم على الدار امتناع من فيه عن البيعة لأبي بكر(1).

(رأي ابن تيميّة في غصب فدك من الزهراء عليها السلام)

« م/ علي ــ سوريا »

السؤال:

ما هو رأي ابن تيميّة في غصب فدك من الزهراء عليها السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أورد ابن تيميّة في ردّه على العلّامة عدّة وجوه، نذكر لك المهم منها حتّى يتّضح موقفه من مسألة غصب فدك من فاطمة عليها السلام.

أوّلاً: شكّك في صحّة قول فاطمة عليها السلام لأبي بكر: (أترث أباك ولا أرث أبي؟)، وأنّه حتّى لو صحّ فليس فيه حجّة؛ لأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لا يقاس به أحد وأبو بكر ليس كرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم(2).

____________

1- الإمامة والسياسة ١: ١٨ كيف كانت بيعة عليّ كرم الله وجهه، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٦ خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٤٤٣ السنة الحادية عشرة من الهجرة، العقد الفريد ٥: ١٣ الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٥٨٦ الحديث (١١٨٤) المختصر في أخبار البشر
١: ١٥٦ ذكر أخبار أبي بكر وخلافته.

2- منهاج السُنّة ٤: ١٩٤ كلام الرافضي على منع أبي بكر فاطمة إرثها.


الصفحة 252
وفي هذا من المغالطة ما لا يخفى؛ فإنّ فاطمة عليها السلام، لم تقس رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر في احتجاجها، وإنّما قاست نفسها الشريفة باستحقاقها الإرث من أبيها مع أبي بكر واستحقاقه الإرث من أبيه، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وإن كان لا يقاس به أحد، ولكن هذا في ما خصّه الله به، وأمّا بقية الأحكام الشرعية فهو داخل فيها، وأمّا فاطمة عليها السلام، فهي كبقية الأُمّة من هذه الجهة، لها الحقّ في إرث أبيها، كما لأبي بكر حقّ في إرث أبيه.

ثانياً: أنكر انفراد أبي بكر برواية: (لا نورث ما تركناه صدقة)(1).

مع أنّ هذه الرواية لم تصحّ إلّا عنه، وإن رووها في صحاحهم ومجاميعهم عن غيره، ولم يثبت؛ إذ أنّه انفرد بروايتها وقت المنازعة ولم يروها معه غيره، وكلّ ما أُدّعي من روايات أخر حدث بعد ذلك، فهذه عائشة تقول: ((واختلفوا في ميراثه ــ أي: رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ــ فما وجدوا عند أحد من ذلك علماً، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة))، أورده المتّقي الهندي عن البغوي، وأبو بكر في الغيلانات، وابن عساكر(2). فهذا تصريح من عائشة بانفراد أبيها بالخبر.

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ١٩٥ كلام الرافضي على منع أبي بكر فاطمة إرثها، الوجه الثاني.

2- كنز العمّال ١٢: ٤٨٨ الحديث (٣٥٦٠٠)، تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٣١١ ترجمة أبي بكر.


الصفحة 253
وقال ابن أبي الحديد: ((لأنّ أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلّا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدّثين، حتّى إنّ الفقهاء في أُصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد))(1).

وأمّا ما نقل عن مالك بن الأوس بن الحدثان، فإنّ مالكاً لم يدرك النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم. وما روي عن حذيفة، فإنّ فيه الفيض بن وثيق، وهو كذّاب(2).

وأمّا ما رواه أبو هريرة، فحاله معروف في الكذب، وإن عدّلوه من جهة الصحبة.

وأمّا ما نقله البخاري ومسلم في رواية مالك بن الأوس، من تأييد عثمان وعليّ عليه السلام والعبّاس وغيرهم لعمر، عندما جاء عليّ عليه السلام والعبّاس يتنازعان الإرث(3)، فإنّها تنقض نفسها بنفسها؛ لأنّ فيها: أنّ عليّاً عليه السلام والعبّاس جاءا يطلبان الإرث، فكيف يقرّان بحديث: (لا نورث ما تركنا صدقة)؟!

ثمّ إنّ فيها تكذيباً صريحاً من عليّ عليه السلام والعبّاس لأبي بكر وعمر، باعتراف عمر!

ثالثاً: أنكر أن يكون أبو بكر هو الغريم والحكم(4).

مع أنّه لا خلاف أنّه ادّعى التولية على ما تركه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم صدقة حسب مدّعاه، فيكون غريماً بلا نقاش.

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٢٧ الخطبة (٤٥).

2- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ٤٠ كتاب علامات النبوّة، باب: في ما تركه صلي الله عليه وآله وسلم.

3- صحيح البخاري ٥: ٢٤ كتاب المغازي، باب: حديث بني النضير، صحيح مسلم
٥: ١٥١ كتاب الجهاد والسير، باب: حكم الفيء.

4- منهاج السُنّة ٤: ١٩٦ كلام الرافضي على منع أبي بكر فاطمة إرثها، الوجه الثالث.


الصفحة 254
وجعل ما قاله من باب الرواية لا الشهادة(1)، وهذا لا يخرجه عن كونه مدّعٍ في القضية، كما لا يخرجه عن كونه مدّعٍ لسماع الحديث خاصّة إذا كذّبه خصمه ورد روايته، والأصل أن تثبت الرواية من خارج، ثمّ للمدّعي أن يستشهد بها، وإلّا كان المجال واسعاً لكلّ مدعٍ أن يصنع رواية تطابق مدّعاه.

رابعاً: أنكر دخول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ(2)(3).

وهذا من غريب الاستدلال! لا يقول به أبسط المتفقّهة؛ لأنّ الخروج عن العموم هو الذي يحتاج إلى الدليل، لا شمول العموم وسريانه إلى كافّة الموارد، وإلّا فما معنى التمسّك بالعموم؟

ومع أنّه أطال بما لا طائل فيه، عاد واعترف بأنّ خروجه عن العموم يحتاج إلى دليل، وأنّ ((أهل السُنّة يقولون: من خصائصه أنّه لا يورث))، وادّعى صحّة واستفاضة، بل تواتر أحاديث لا يورث(4).

ومن أجل أن يدعم رأيه اضطر إلى سلوك خلاف منهجه من التمسّك بالظاهر، ولجأ إلى تأويل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ(5)، ومثلها من الآيات الظاهرة في ملك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم للأنفال، فأوّلها

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ١٩٨ الوجه الخامس.

2- النساء (٤): ١١.

3- منهاج السُنّة ٤: ١٩٨ الوجه السادس.

4- منهاج السُنّة ٤: ٢٠٧ الوجه السادس.

5- الأنفال (٨): ١.


الصفحة 255
بأنّ: أمر تقسيمها إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! وكذلك فعل في الحديث الذي رووه عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ليس لي ممّا أفاء الله عليكم إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم)، مع ظهور لفظة: (لي) في التملّك.

والخلاصة: إنّ الشيعة يقولون: إنّ العموم حجّة، ولا يخرج الشيء عن العموم إلّا بدليل مخصّص، والدليل المدّعى عند المخالفين مخدوش مردود، ادّعاه أبو بكر فقط، وقد كان غريماً عند دعواه وكذّبته فاطمة عليها السلام.

خامساً: ادّعى الإجماع على عدم توريث النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وأنّ العمّ لم يطلب الميراث، ولا أصرّ أحد من أزواجه على طلبه، واستمر الأمر إلى زمن عليّ عليه السلام ولم يُغيّر شيئاً(1).

والإجماع باطل قطعاً؛ فقد ردّته فاطمة عليها السلام وطالبت بميراثها ولم تقبل بما قالوه، وبقيت غاضبة حتّى توفّيت، كما في الصحيحين(2)، وردّه عليّ عليه السلام عندما شهد لفاطمة بحقّها.

وأمّا لماذا لم يطالب العمّ بالإرث، فلأنّ الحقّ عندنا أنّه لا إرث له مع البنت، وكذا لا ترث الزوجات من العقار شيئاً عندنا.

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ٢٢٠ الوجه التاسع.

2- صحيح البخاري ٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب: حديث غزوة خيبر، صحيح مسلم
٥: ١٥٤ كتاب الجهاد والسير، باب: قول النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة).


الصفحة 256
سادساً: ادّعى أنّ عادة الملوك الظَلمة إذا انتزعوا الملك من غيرهم استعطفوا بيت ذلك الملك وأعطوهم ليكفوا منازعتهم، وأنّ أبا بكر وعمر أعطيا عليّاً وأولاده من المال أضعاف ما خلّفه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من المال(1).

ودعوى هذه العادة غريبة، عهدتها على مدّعيها، بل جرت العادة من الملوك المستولين أن يستأصلوا أهل بيت السابقين ويقتلوهم عن آخرهم، حتّى لا يبقى أحد منهم يطالبهم بالملك، وهذا لم يقدر عليه أبو بكر وعمر، وإن رغبا به وحاولاه، ولكن حالت دونه حكمة الإمام عليّ عليه السلام وصبره.

وأمّا إعطائهم من المال أضعاف ما غصب منهم، فكذب فاضح! فإنّ عليّاً عليه السلام وأولاده كانوا يأخذون حقّهم من العطاء، ثمّ إنّ فدكاً كانت كثيرة المال جدّاً في ذلك الوقت، لا كما يتصوّره البعض.

فقد نقل ابن أبي الحديد عن علي بن تقي قوله: ((كانت جليلة جدّاً، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلّا ألّا يتقوّى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ وسائر بني هاشم وبني المطّلب حقّهم في الخمس؛ فإنّ الفقير الذي لا مال له تضعف همّته ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة))(2).

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ٢٢٠ الوجه العاشر، والوجه الحادي عشر.

2- شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٣٦ الخطبة (٤٥).


الصفحة 257
سابعاً: ردّ دلالة آية: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ(1)، وآية: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ(2) على وراثة أبناء الأنبياء، بدعوى: أنّ الإرث اسم جنس تحته أنواع، فلا يدلّ على وراثة المال فقط(3).

مع أنّ مجيء لفظة (الإرث) مطلقة لا يدلّ إلّا على وراثة ما ينتقل حقيقة، وهو: المال؛ لأنّها حقيقة فيه، وإذا استعملت في غير المال كانت مجازاً، واحتاجت إلى قرينة، ولا توجد في الآيات التي استدلّت بها فاطمة عليها السلام قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي؛ فلا بدّ أن تدّل على إرث المال.

وقول ابن تيمية: إنّ الإرث اسم جنس. دعوى منه لم يأتِ عليها بدليل، وقد فصّلنا الجواب عن ذلك وما استدلّ به من قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنّما ورثوا العلم)، في موضوع: فدك، من هذه الموسوعة؛ فليراجع!

ثامناً: إنكاره ادّعاء فاطمة عليها السلام فدكاً على أنّها نِحْلةً، وردّ شهودها، وأنّ ذلك يناقض ادّعاءها بالإرث(4).

وإعطاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فاطمة فدكاً وردت به الروايات(5). ومن ثمّ فإنّ فاطمة عليها السلام طالبت أوّلاً بفدك على أنّها ملكها نحلة من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فلمّا

____________

1- النمل (٢٧): ١٦.

2- مريم (١٩): ٥، ٦.

3- منهاج السُنّة ٤: ٢٢٢ الوجه الثاني عشر، والثالث عشر.

4- منهاج السُنّة ٤: ٢٢٨ كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك وعلى غير ذلك من أمرها رضي الله عنها، الوجه الأوّل والثاني.

5- انظر: شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٤٣٨ ــ ٤٤٢ الحديث (٤٦٧ ــ ٤٧٣)، و ٥٧٠ الحديث (٦٠٨)، الدرّ المنثور، للسيوطي ٤: ١٧٧ سورة الإسراء، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٣: ٣٩ سورة الإسراء.


الصفحة 258
أنكروا عليها ذلك وردّوا شهودها، طالبت بحقّها من طريق آخر، وهو: إرثها من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ولصاحب الحقّ أن يطالب بحقّه من أي طريق شاء.. فلا تناقض في الأمر، كما يدّعي ابن تيمية.

تاسعاً: ادّعى أنّ فاطمة عليها السلام سلّمت ورجعت بعدما أخبرها أبو بكر بأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لا يورث(1).

وفي هذا تكذيب لما ورد في الصحيحين عندهم، من أنّها وجدت عليه وصاحبه حتّى ماتت، فابن تيمية لا يتورّع عن تكذيب ما أجمعوا على صحّته من أجل ردّ دعوى فاطمة عليها السلام! وهو منهج معروف عن ابن تيمية في منهاجه من تكذيب الصحيح، وردّ الروايات، وادّعاء الإجماع على خلاف المعروف عند العلماء، وسلوك أي سبيل لردّ الشيعة، فلا يفرق في هذه عن تلك.

عاشراً: قال: إنّه لا تقبل في مثل هذه الدعوى شهادة رجل وامرأة، وأنّ شهادة أُمّ أيمن لا تكفي، وأنكر دلالة إخبار النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّها من أهل الجنّة على الصدق، وأنّ شهادة عليّ عليه السلام شهادة زوج، والأكثر لا يجيزون شهادته، وأنّ قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في حقّه: (عليّ مع الحقّ والحق معه يدور حيث دار...) كذب(2).

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ٢٣٤ كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك وعلى غير ذلك من أمرها رضي الله عنها، الوجه الثاني.

2- منهاج السُنّة ٤: ٢٣٥ ــ ٢٤٣ الوجه الثالث والرابع والخامس والسادس.


الصفحة 259
مع أنّ فاطمة عليها السلام لا تجب عليها بيّنة، لأنّ فدكاً كانت تحت يدها، والبيّنة على من ادّعى، وهم المدّعون هنا! ومع ذلك لمّا جاءت بأُمّ أيمن وعليّ عليه السلام ردّوا شهادتهما، فأضافت رباح مولى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(1)، والحسن والحسين عليهما السلام وأُمّ كلثوم(2).

والشيعة لا تقول بكفاية شهادة المرأة وحدها، وإنّما يقولون: أنّ أُمّ أيمن صادقة بدلالة شهادة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لها بالجنّة، وكان يكفي الأخذ بقولها تصديقاً لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كما كان يكفي الأخذ بقول عليّ عليه السلام تصديقاً لقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ مع الحقّ والحق معه يدور حيث دار...).

وأمّا عدم جواز شهادة الزوج لزوجته، فلا دليل عليه، بل فتوى الفقهاء على خلافه، وقد فصّلنا الكلام في هذا ضمن عنوان: (فدك) من هذه الموسوعة؛ فليراجع!

وابن تيمية في موقفه من قضية غصب فدك من الزهراء عليها السلام، وإنكاره لحقّها، ودفاعه عن أبي بكر، اضطر إلى إنكار بعض الوقائع وتصويرها بغير صورها الواقعية، وارتكاب بعض المغالطات، وإنكار بعض الروايات وتكذيبها، ومخالفة قواعد أُصول الفقه، والاضطرار إلى الاجتهاد في بعض الأحكام الشرعية على خلاف ما هو المعروف عند الفقهاء في باب القضاء، وتفسير بعض الآيات بخلاف ظاهرها، بل ردّ ما هو ثابت في الصحيح عندهم،

____________

1- فتوح البلدان، للبلاذري ١: ٣٥ الحديث (١١٤).

2- السيرة الحلبية ٣: ٤٨٨، باب: يذكر فيه مدّة مرضه وما وقع فيه ووفاته صلى الله عليه وسلم، في السبب الذي اقتضى الوقوع بين فاطمة وأبي بكر.


الصفحة 260
حتّى اضطره الأمر إلى إنكار بعض فضائل فاطمة وعليّ عليهما السلام، مثل: قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا فاطمة! إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك)، وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ مع الحقّ والحق مع عليّ يدور حيثما دار...).

ولم يكتف بذلك، حتّى وصل إلى تخطئة فاطمة عليها السلام، والتنقيص من مقامها، فقال: ((إنّ ما ذكره عن فاطمة أمر لا يليق بها، ولا يحتجّ بذلك إلّا رجل جاهل يحسب أنّه يمدحها وهو يجرحها؛ فإنّه ليس في ما ذكره ما يوجب الغضب عليه؛ إذ لم يحكم ــ لو كان ذلك صحيحاً ــ إلّا بالحقّ الذي لا يحلّ لمسلم أن يحكم بخلافه، ومن طلب أن يحكم له بغير حكم الله ورسوله فغضب وحلف أن لا يكلّم الحاكم، ولا صاحب الحاكم، لم يكن هذا ممّا يحمد عليه، ولا ممّا يذمّ به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً...)).

إلى أن قال: ((ثمّ من المعلوم لكلّ عاقل أنّ المرأة إذا طلبت مالاً من وليّ أمر، فلم يعطها إياه لكونها لا تستحقّه عنده، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه، بل أعطاه لجميع المسلمين، وقيل: إنّ الطالب غضب على الحاكم، كان غاية ذلك أنّه غضب لكونه لم يعطه مالاً، وقال الحاكم: إنّه لغيرك لا لك؛ فأيّ مدح للطالب في هذا الغضب؟ لو كان مظلوماً محضاً لم يكن غضبه إلّا للدنيا. وكيف والتهمة عن الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عن الطالب الذي يأخذ لنفسه، فكيف تحال التهمة على من لا يطلب لنفسه مالاً، ولا تحال على من يطلب لنفسه المال؟


الصفحة 261
وذلك الحاكم يقول: إنّما أمنع لله لأنّي لا يحلّ لي أن آخذ المال من مستحقّه فأدفعه إلى غير مستحقّه، والطالب يقول: إنّما أغضب لحظّي القليل من المال. أليس من يذكر مثل هذا عن فاطمة ويجعله من مناقبها جاهلاً؟

أو ليس الله قد ذمّ المنافقين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا...(1)))(2).

ثمّ تمادى في غيّه وجعل يطعن في بضعة الرسول عليها السلام، فقال: ((وليس تبرئة الإنسان لفاطمة من الظّن والهوى بأوْلى من تبرئة أبي بكر, فإنّ أبا بكر إمام لا يتصرّف لنفسه بل للمسلمين, والمال لم يأخذه لنفسه بل للمسلمين, وفاطمة تطلب لنفسها, وبالضرورة نعلم أنّ بُعد الحاكم عن اتّباع الهوى أعظم من بُعد الخصم الطالب لنفسه, فإن علم أبي بكر وغيره بمثل هذه القضيّة لكثرة مباشرتهم للنبيّ صلي الله عليه وسلم أعظم من علم فاطمة.

وإذا كان أبو بكر أوْلى بعلم مثل ذلك، وأوْلى بالعدل, فمن جعل فاطمة أعلم منه في ذلك وأعدل, كان من أجهل الناس, لا سيما وجميع المسلمين الذين لا غرض لهم مع أبي بكر في هذه المسألة, فجميع أئمّة الفقهاء عندهم أنّ الأنبياء لا يورّثون مالاً...)).

____________

1- التوبة (٩): ٥٨ ــ ٥٩.

2- منهاج السُنّة ٤: ٢٤٣ ــ ٢٤٦ الوجه السابع.


الصفحة 262
إلى أن قال: ((وقد ثبت عنه في الصحيحين أنّه قال: (لا أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)، فكيف يسوغ للأُمّة أن تعدل عمّا علمته من سُنّة رسول الله صلي الله عليه وسلم لما يُحكى عن فاطمة في كونها طلبت الميراث، تظّن أنّها تَرث))(1).

وقال: ((فإذا كان المسلمون كلّهم ليس فيهم من قال: إنّ فاطمة رضي الله عنها مظلومة, ولا أنّ لها حقّاً عند أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا أنّهما ظلماها، ولا تكلّم أحد في هذا بكلمة واحدة, دلّ ذلك على أنّ القوم كانوا يعلمون أنّها ليست مظلومة؛ إذ لو علموا أنّها مظلومة, لكان تركهم لنصرتها: إمّا عجزاً عن نصرتها, وإمّا إهمالاً وإضاعة لحقّها, وإمّا بغضاً فيها... وكلا الأمرين باطل))(2).

فانظر إلى كلامه وتأمّله، خاصّة ما أورده من آية لمز المنافقين في الصدقات، لترى ماذا يريد أن يلمز به فاطمة الصدّيقة عليها السلام! وليتّضح لك عذر من اتّهم ابن تيمية بالنصب. أعاذنا الله من الهوى والتعصّب.

(أقوال ابن تيمية في أهل البيت عليهم السلام)

« المستبصر الفلسطيني ــ فلسطين »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

____________

1- منهاج السُنّة ٥: ٥٢٢ ــ ٥٢٣، فصل: قال الرافضي: المطاعن في الصحابة كثيرة، كلام الرافضي في مخالفة أبي بكر توريث فاطمة عليها السلام.

2- منهاج السُنّة ٤: ٣٦٠ زعم الرافضي أنّ المسلمين أجمعوا على قتل عثمان.


الصفحة 263
أرجو من حضرتك تزويدي بمصدر قول ابن تيمية: بأنّ خروج الحسين عليه السلام فساد.. والمصدر الذي فيه يتطاول على سيّدة نساء العالمين عليها السلام، وقوله: بأنّ مطالبتها بفدك كان شبيه بموقف المنافقين.. والمصدر الذي قال فيه: إنّ إسلام عليّ عليه السلام غير صحيح؛ لأنّه كان دون سنّ البلوغ..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ قال ابن تيمية في (منهاج السُنّة) في خروج الإمام الحسين عليه السلام: ((ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا... وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده))(1).

٢ــ قال في (منهاج السُنّة) في حقّ البضعة الطاهرة عليها السلام ومطالبتها بحقّها في (فدك): ((وليس تبرئة الإنسان لفاطمة من الظنّ والهوى بأوْلى من تبرئة أبي بكر؛ فإنّ أبا بكر إمام لا يتصرّف لنفسه، بل للمسلمين, والمال لم يأخذه لنفسه، بل للمسلمين, وفاطمة تطلب لنفسها))(2).

٣ــ قال في (منهاج السُنّة): ((فإنّ الناس متنازعون في أوّل من أسلم؛ فقيل: أبو بكر أوّل من أسلم, فهو أسبق إسلاماً من عليّ, وقيل: إنّ عليّاً أسلم قبله.

____________

1- منهاج السُنّة ٤: ٥٣٠ كلام الرافضي على يوم مقتل الحسين.

2- منهاج السُنّة ٥: ٥٢٢، فصل: قال الرافضي: المطاعن في الصحابة كثيرة، كلام الرافضي في مخالفة أبي بكر توريث فاطمة عليها السلام.


الصفحة 264
لكن عليّاً كان صغيراً، وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء, ولا نزاع في أنّ إسلام أبي بكر أكمل وأنفع, فيكون هو أكمل سبقاً بالاتّفاق))(1).

(رأي ابن تيمية في موقف أهل البيت عليهم السلام في المباهلة)

« محمّد ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنّا سمعت أنّ ابن تيمية يقول في (منهاج السُنّة) في آية المباهلة: لو أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أخرج معه أبو بكر وعمر للمباهلة، لكانت استجابة الدعاء أسرع. هل يصحّ هذا الكلام؟

رزقنا الله وإياكم شفاعة محمّد وآل محمّد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال ابن تيمية في (منهاج السُنّة): ((لم يكن المقصود دعوة من دعاه؛ لإجابة دعائه، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل. ونحن نعلم بالاضطرار أنّ النبيّ صلي الله عليه وسلم لو دعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وأُبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرهم للمباهلة، لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء))(2).

____________

1- منهاج السُنّة ٧: ١٥٥ المنهج الثاني عند الرافضي: البرهان السادس عشر.

2- منهاج السُنّة ٧: ١٢٧ ــ ١٢٨ المنهج الثاني عند الرافضي: الأدلّة من القرآن، البرهان التاسع.


الصفحة 265

(رأي ابن تيميّة في نزول سورة: (هل أتى) في أهل البيت عليهم السلام)

« محمّد ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

قال ابن تيميّة في نزول سورة (هل أتى) في أهل البيت عليهم السلام: ((إنّ هذا الحديث من الكذب الموضوع باتّفاق أهل المعرفة بالحديث, الذين هم أئمّة هذا الشأن وحكّامه, وقول هؤلاء هو المنقول في هذا الباب, ولهذا لم يرو هذا الحديث في شيء من الكتب التي يرجع إليها في النقل, لا في الصحاح، ولا في المسانيد، ولا في الجوامع، ولا السنن, ولا رواه المصنّفون في الفضائل, وإن كانوا قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة...

إنّ الدلائل على كذب هذا كثيرة, منها: أنّ عليّاً إنّما تزوّج فاطمة بالمدينة... وسورة (هل أتى) مكّية باتّفاق أهل التفسير والنقل, لم يقل أحد منهم: إنّها مدنية)).(منهاج السُنّة ٧/١٧٧ ــ ١٧٩).

فما هو ردّه وجوابه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ الجمهور على أنّ هذه السورة مدنية، نصّ على ذلك:

ابن الجوزي في(زاد المسير)، قال: ((وفيها ثلاثة أقوال: أحداها أنّها مدنية كلّها، قاله الجمهور، منهم: مجاهد وقتادة))(1).

____________

1- زاد المسير في علم التفسير ٨: ١٤١ سورة الإنسان.


الصفحة 266
العزّ بن عبد السلام في تفسيره، قال: ((مدنية عند الجمهور))(1).

القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن)، قال: ((وقال الجمهور: مدنية))(2).

الخازن في (لباب التأويل)، قال: ((وهي مدنية، كذا قال مجاهد وقتادة والجمهور))(3).

الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)، قال: ((قول الأكثر: أنّها مدنية))(4).

الشوكاني في (فتح القدير)، قال: ((قال الجمهور: هي مدنية))(5).

الآلوسي في (روح المعاني)، قال: ((هي مكّية عند الجمهور على ما في البحر))، ولكنّه عاد وحكى عن ابن عادل: مدنيّتها على الإطلاق عن الجمهور، ثمّ قال: ((وعليه الشيعة))(6).

وذكر العيني في (عمدة القاري) عن ابن النقيب قوله: ((أنّها مدنية كلّها، قاله الجمهور))(7).

وأمّا من قال أنّها مدنية من المفسّرين:

محمّد بن جرير الطبري في (جامع البيان)(8).

السمرقندي في تفسيره(9).

____________

1- تفسير العزّ بن عبد السلام ٣: ٣٩٨ سورة الإنسان.

2- الجامع لأحكام القرآن ١٩: ١١٨ سورة الإنسان.

3- لباب التأويل في معاني التنزيل ٤: ٣٧٦ سورة هل أتى.

4- شواهد التنزيل ٢: ٤٠٩ سورة الإنسان.

5- فتح القدير ٥: ٣٤٣ سورة الإنسان.

6- روح المعاني ٢٩: ١٥٠ سورة الإنسان.

7- عمدة القاري ١٩: ٢٧٠ سورة هل أتى على الإنسان.

8- جامع البيان ٢٩: ٢٥١ سورة الإنسان.

9- تفسير السمرقندي ٣: ٥٠٣ سورة الإنسان.


الصفحة 267
البغوي في (معالم التنزيل)(1).

الغرناطي الكلبي في (التسهيل لعلوم التنزيل)(2).

أبو حيّان الأندلسي في (البحر المحيط)(3).

وهناك من نقل روايات وأقوال عن الصحابة والتابعين أنّها مدنية:

منهم: الحافظ أحمد بن محمّد العاصمي في كتابه (زين الفتى في شرح سورة هل أتى)؛ روى بطريقه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: تعداد السور المكّية والمدنية وعدّ سورة هل أتى من المدني.. وروى بطريقه عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عبّاس: تعداد المكّي والمدني، وعدّ (هل أتى) في المدني.. وروى عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ عليه السلام: تعداد (هل أتى) في المدني(4).

ومنهم: أبو عمرو الداني؛ روى في (البيان في عدّ أي القرآن) بسنده عن جابر بن يزيد: عدّ (هل أتى) في المدني(5).

ومنهم: الحاكم الحسكاني، روى في (شواهد التنزيل) بعدّة طرق عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّها مدنية، وروى ذلك عن مجاهد، عن ابن عبّاس؛

____________

1- معالم التنزيل في تفسير القرآن ٤: ٤٢٦ سورة الإنسان.

2- التسهيل لعلوم التنزيل ٢: ٤٣٦ سورة الإنسان.

3- تفسير البحر المحيط ٨: ٣٨٣ سورة الدهر.

4- زين الفتى في شرح سورة هل أتى: ٣٦ ــ ٤١ الفصل الأوّل.

5- البيان في عدّ آي القرآن: ١٣٦، باب: ذكر المكّي والمدني من القرآن.


الصفحة 268
وعن الكلبي، عن ابن عبّاس؛ عن مجاهد، عن ابن عبّاس؛ وعن الكلبي، عن ابن عبّاس؛ وعن عطاء، وعن عكرمة، وعن الحسن بن أبي الحسن(1).

وقال الزركشي في (البرهان) بعد أن سمّى السور النازلة بمكّة: ((فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكّة، وعليه استقرت الرواية من الثقات وهي خمس وثمانون سورة))، ثم ذكر السور النازلة في المدينة وعدّ منها (هل أتى)(2).

وروى البيهقي في (دلائل النبوّة) بسنده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن: عدّ (هل أتى) من السور المدنية، ورواه أيضاً عن مجاهد، عن ابن عبّاس، وقال: ((ولهذا الحديث شاهد من تفسير مقاتل، وغيره من أهل التفسير))(3).

وروى ابن النديم في (الفهرست) بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّ (هل أتى) ممّا نزل بالمدينة(4).

وروى السيوطي في (الإتقان) ما أورده البيهقي في (دلائل النبوّة)، ثمّ أخرج عن ابن ضريس في (فضائل القرآن) بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّ سورة (الإنسان) ممّا نزل في المدينة(5).

وعدّ اليعقوبي في تاريخه سورة (هل أتى) في ما نزل بالمدينة(6).

____________

1- شواهد التنزيل ٢: ٤٠٩ ــ ٤١٤ الحديث (١٠٦٢ ــ ١٠٧٠).

2- البرهان في علوم القرآن ١: ١٩٤ النوع التاسع: معرفة المكّي والمدني.

3- دلائل النبوّة ٧: ١٤٢ جماع أبواب نزول الوحي، باب: ذكر السور التي نزلت بمكّة والتي نزلت بالمدينة.

4- فهرست ابن النديم: ٢٨، باب: نزول القرآن بمكّة والمدينة وترتيب نزوله.

5- الإتقان في علوم القرآن ١: ٣٦ النوع الأوّل: في معرفة المكّي والمدني.

6- تاريخ اليعقوبي ٢: ٤٣ ما نزل من القرآن بالمدينة.


الصفحة 269
ونقل المقريزي في (إمتاع الأسماع) عن أبي القاسم القشيري: عدّ سورة (هل أتى) في ما نزل بالمدينة(1).

وهناك من قال من المفسّرين أنّها مكّية، ولكنّه روى نزول آية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ...(2) في حقّ عليّ وأهل البيت عليهم السلام؛ والسورة يمكن أن يكون أوّلها مكّي فتكتب مكّية، ويلحق بها آيات مدنية؛ ففي رواية عطاء، عن ابن عبّاس، قال: إذا نزلت فاتحة سورة بمكّة كتبت بمكّة، ثمّ يزيد الله فيها ما شاء(3).

وروى مثله عن أبي صالح عن ابن عبّاس، العاصمي في (زين الفتى)(4).

ومنهم: مقاتل بن سليمان في تفسيره(5)، والواحدي ذكر أنّها مكّية في تفسيره (الوجيز)(6)، وروى في (أسباب نزول) آية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ...(7) في حقّ عليّ عليه السلام عن عطاء عن ابن عبّاس(8)، والنسفي في تفسيره(9)، والزمخشري في (الكشّاف)(10)، والبيضاوي في تفسيره(11).

____________

1- إمتاع الأسماع ٤: ٣٣٤ ترتيب نزول القرآن بالمدينة.

2- الإنسان (٧٦): ٨.

3- الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي ١: ٣٨ النوع الأوّل: في معرفة المكّي والمدني، شواهد التنزيل، للحسكاني ٢: ٤١٤ الحديث (١٠٦٩).

4- زين الفتى في شرح سورة هل أتى: ٣٦ الحديث (١١).

5- تفسير مقاتل بن سليمان ٣: ٤٢٨ سورة الإنسان.

6- الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢: ١١٥٧ سورة الإنسان.

7- الإنسان (٧٦): ٨.

8- أسباب نزول الآيات، للواحدي: ٢٩٦ سورة الإنسان.

9- مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٤: ٣٠٣ سورة الإنسان.

10- الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل ٤: ١٩٧ سورة الإنسان.

11- أنوار التنزيل وأسرار التأويل ٥: ٢٧٠ سورة الإنسان.


الصفحة 270
وهناك من ذكر الخلاف في السورة:

منهم: الثعلبي في تفسيره؛ قال بعد أن روى قصّة النذر والصوم والإطعام: ((وعلى هذا القول تكون السورة مدنية، وقد اختلف العلماء في نزول هذه السورة؛ فقال مجاهد وقتادة: هي كلّها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكّية، وهي قوله سبحانه: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً(1)، والباقي مدني، وقال الآخرون: هي كلّها مكّية، والله أعلم))(2).

ومنهم: السمعاني في تفسيره؛ قال: ((وهي مكّية في قول بعضهم، مدنية في قول بعضهم، وقيل: بعضها مكّية وبعضها مدنية))(3).

ومنهم: البغوي في تفسيره؛ قال: ((قال عطاء: هي مكّية، وقال مجاهد وقتادة: مدنية، وقال الحسين وعكرمة: مدنية إلّا آية، وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً))(4).

وقد عرفت أنّ ما روي عن عطاء عن ابن عبّاس بعدّة طرق هو: أنّها مدنية، فلا نعرف من أين جاءت النسبة إلى عطاء أنّه يقول بمكّيتها؟!

ومنهم: ابن عطية الأندلسي في تفسيره؛ قال: ((قال بعض المفسّرين: هي مكّية كلّها، وحكى النقاش والثعلبي عن مجاهد وقتادة: أنّها مدنية، وقال

____________

1- الإنسان (٧٦): ٢٤.

2- الكشف والبيان عن تفسير القرآن ١٠: ١٠٢ سورة الإنسان.

3- تفسير السمعاني ٦: ١١٢ سورة الإنسان.

4- معالم التنزيل في تفسير القرآن ٤: ٤٢٦ سورة الإنسان.


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية