المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300)

إنّ رواية صلاة أبي بكر مخدوشة سنداً ودلالةً(1)؛ فإنّ رواتها بأجمعهم مجروحون ــ كما نصّ عليه أرباب الجرح والتعديل في الرجال ــ وإنّ بعض الطرق مرسلة فلا حجّية لها مطلقاً، وأنّ الأساس فيها الرواية عن عائشة، وهي تجرّ النار إلى قرصها، غير مأمونة على ما يرجّح كفّة أبيها في الخلافة.

وأمّا الدلالة، فمردودة؛ لأنّها لا تثبت أنّ الأمر بالصلاة كان صادراً من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجوه شتّى:

منها: إنّ أبا بكر كان مأموراً بالخروج مع جيش أُسامة لكن تخلّف عنه ــ كما عليه المصادر التاريخيّة ــ ومخالفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفة الله عزّ وجلّ, فكيف يصحّ أن يكون مخالف الله ورسوله خليفة؟

ومنها: تناقض الروايات الشديد.

ومنها: ما ورد من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا سمع بشروع أبي بكر للصلاة خرج متّكئاً على عليّ(عليه السلام) والعبّاس ــ مع ما كان عليه من شدّة المرض ــ ونحّى أبا بكر!

فضلاً عن أنّ التقديم للإمامة في الصلاة لا يدلّ على التقديم لخلافة المسلمين.

تعليق ١:

« باسم ــ الإمارات ــ شافعي »

ذكرتم: إنّ رواية صلاة أبي بكر مخدوشة سنداً ودلالةً، فإنّ رواتها بأجمعهم مجروحون ــ كما نصّ عليه أرباب الجرح والتعديل في الرجال ــ وإنّ بعض الطرق مرسلة فلا حجّية لها مطلقاً.

____________

1- للمزيد راجع: صلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، للسيّد علي الميلاني.


الصفحة 272

أقول: لقد وجدت ٧٢ حديثاً في كتب أهل السُنّة ١٠ منها في البخاري وحده، وثلاثة في مسلم... كلّها تذكر أمر رسول الله بإمامة أبي بكر..

فما دليلكم على ما ادّعيتم من جرح الرجال والطعن في السند؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أيّها الأخ العزيز.. لو أنّك قرأت جوابنا جيّداً وتأمّلت فيه ملياً، لرأيته جواباً عن سؤال من أحد الإخوة من أهل السُنّة، وكان الأخ قاطعاً بالواقعة ومثبتاً للرواية ومفرّعاً عليها سؤالاً.

فقد قال الأخ في سؤاله: ((هل يعتبر أبو بكر أولى بالخلافة، ونحن نعلم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالصلاة جماعة؟)).

فكان الجواب المناسب لذلك السائل الذي يقطع بالعلم بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر بالصلاة المزعومة! جواباً يقصد منه بيان خطأ ادّعاءه ذلك (العلم)، وأنّه أوّل الكلام بأنّ ذلك قد حصل, وهذا من حقّنا..

وقد استدللنا على ذلك بعدّة وجوه، منها: عدم ثبوت تلك الرواية سنداً؛ لأنّ سندها ليس إلّا آحاداً لا يفيد العلم، بالإضافة إلى روايتها عن مثل: الزهري ـ عامل بني أُميّة(1)، وأبي بردة بن أبي موسى ـ عامل معاوية وأحد المنحرفين عن أهل

____________

1- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١٠٢ ذيل كلامه ٥٦، فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام) ، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ١٩٧ ترجمة الأعمش، ميزان الاعتدال، للذهبي ١: ٦٢٥ ـ٢٣٩٧ـ ترجمة خارجة بن مصعب.


الصفحة 273

البيت(عليهم السلام)، وهو ممّن شهد زوراً على الصحابي الجليل حجر بن عدي(رضي الله عنه)(1) ـ وعروة ابن الزبير(2)، وابنه هشام، وعائشة(3)، وأبي موسى(4)، وابن عمر(5)، وأنس(6)... وكلّ هذه الشخصيات لها علاقة سيئة ورأي في عليّ(عليه السلام) ، فلا حجّة في قولهم ونقلهم هذا على كلّ منصف محتاط لدينه، وغيرهم من الضعفاء والمدلّسين. هذا من ناحية رجال الأسانيد.

أمّا من ناحية الإرسال، فنحن نقصد منه بأنّ بعض هذه الروايات تنقل قول الصحابي وليس قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المباشر وأمره بنفسه لأبي بكر بالصلاة، كرواية أنس(7)، وأبي

____________

1- انظر: تاريخ الطبري ٤: ١٩٩ ــ ٢٠٠ أحداث سنة ٥١.

2- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١٠٢ ذيل كلامه ٥٦، فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام) .

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٤، ٢٢٨ حديث عائشة، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٣٢، المصنّف، لعبد الرزّاق ٥: ٤٣٠ كتاب المغازي الحديث (٩٧٥٤)، صحيح البخاري ٥: ١٤٠ كتاب المغازي، باب مرض النبيّ(صلى الله عليه وسلم).

4- انظر: قصّة التحكيم ودعوته لخذلان الإمام عليّ(عليه السلام) ، في: تاريخ الطبري ٤: ٤٩ أحداث سنة ٣٧، وانظر: أُسد الغابة، لابن الأثير ٥: ٣٠٩، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٤: ١٥.

5- انظر: قصّة تركه البيعة لأمير المؤمنين(عليه السلام) والقتال معه، في: المعجم الأوسط، للطبراني ٨: ١٨، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١١٥، الثقات، لابن حبّان ٢: ٢٧٠.

6- انظر: حديث المناشدة لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، في: حلية الأولياء، لأبي نعيم ٥: ٢٦، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٧٤.

7- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٢ مسند أنس.


الصفحة 274

موسى(1)، وابن عمر(2)، وبريدة(3)؛ فإنّهم لم يكونوا في حجرة عائشة حينها قطعاً ــ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تداريه نساؤه، فلا يمكن حضور الناس عنده في نفس الحجرة الصغيرة وبمحضر نسائه (صلى الله عليه وآله وسلم) دون إمكان ابتعادهنّ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحجاب، أو ستار، أو ما شاكل ذلك؛ لأنّهنّ يقمنَ بقربه لقضاء حوائجه ومداراته ومساعدته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ألمح بعضهم لذلك ــ ولم يرووا الحديث بسماعهم وإنّما بالنقل فحسب، وهذا المسلك معروف عند الصحابة ومتّفق عليه، وأهل السُنّة يحتجّون به ويحكمون عليه بالرفع؛ لأنّ الصحابة عندهم كلّهم عدول، ولا يهمّ حينئذ إخفاء اسم الصحابي الذي رأى أو سمع تلك الحادثة، أو ذلك الحديث.

ونحن نسمّيه: مرسلاً، وبالتالي فإنّ هؤلاء الصحابة من البعيد أن يكونوا قد حضروا في تلك الحجرة الصغيرة، ويكشف ذلك عن دوران ذلك الأمر على عائشة الموجودة قطعاً هناك، بل المدبّرة لتلك الأحداث والحكايات والكلام العجيب والمتناقض!!

أمّا بالنسبة إلى طرق الحديث، فقد استغربنا كثيراً حين قرأنا سؤالكم وتعليقكم بأنّ في هذه القصّة ٧٢ رواية! ولا ندري هل ادّعى أحد قبلك هذا العدد أم لا؟!

وإن صحّ قولك هذا، فإنّ الحديث سيكون متواتراً، بل يكون أصحّ حديث قد نقل إلينا وأثبته.. ولكن دون ذلك خرط القتاد!

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٤١٢ ــ ٤١٣، صحيح البخاري ١: ١٦٥، صحيح مسلم ٢: ٢٥.

2- صحيح البخاري ١: ١٦٦ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم ٢: ٢٢.

3- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٣٦١ حديث بريدة.


الصفحة 275

فإنّنا نقطع بأنّ هذا الحديث لم يرد بهذا الكم من العدد.. ولو كنت يا أخينا مختصّاً بعلم الحديث، أو مطّلعاً عليه جيّداً، لما قلت بهذا الادّعاء العريض؛ لأنّ أصحاب هذا الفنّ إنّما يقولون ذلك لو أنّ للحديث طرقاً بهذا العدد، ولا يعتبر ذلك إلّا إذا وجدت ٧٢ صحابياً راوياً للحديث..

وإنّما نحن وجدنا هذه الرواية ــ أي: رواية أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر بالصلاة ــ مروية عن: عائشة، وأنس، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وبريدة، وعبد الله بن زمعة، وسالم بن عبيد، ومرسلاً عن حمزة بن عبد الله بن عمر، لا أكثر، فالحديث ينحصر بهذه الطرق،أو أكثر بقليل، فأين هذا من زعمك بأنّ للحديث ٧٢ طريقاً؟!

فروايات البخاري مدارها على: عائشة(1)، وأبي موسى(2)، وابن عمر(3)، ومرسل حمزة(4)، بطريق واحد عنهم، إلّا عائشة فبعدّة طرق، كعروة(5)، والأسود(6)، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة(7)..

وكذا طرق مسلم؛ فهي عن: عائشة(8)، وأبي موسى(9)، بنفس طرق البخاري، بإضافة حمزة بن عبد الله بن عمر، عن عائشة.. وينفرد البخاري بروايته عن ابن عمر، ومرسل ابنه حمزة.

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٦٢ ــ ١٧٦، و٤: ١٢٢، و٨: ١٤٥.

2- صحيح البخاري ١: ١٦٥، و٤: ١٢٢.

3- صحيح البخاري ١: ١٦٦.

4- صحيح البخاري ١: ١٦٦، و٢: ٦٠، و٥: ١٤١.

5- صحيح البخاري ١: ١٦٥، ١٦٦، ١٧٦، و٤: ١٢٢، و٨: ١٤٥.

6- صحيح البخاري ١: ١٦٢، ١٧٤، ١٧٥.

7- صحيح البخاري ١: ١٦٢، ١٦٨.

8- صحيح مسلم ٢: ٢١ ــ ٢٤.

9- صحيح مسلم ٢: ٢٥.


الصفحة 276

وأضاف أحمد بن حنبل إلى هذه الطرق ما رواه عن: ابن عبّاس(1)، وأنس(2)، وبريدة(3)، وعبد الله بن زمعة(4)..

وأخرجه النسائي عن عبد الله بن مسعود(5).. ورواه ابن ماجة عن سالم بن عبيد(6).

ومرسلة حمزة بن عبد الله إمّا عن أبيه عبد الله بن عمر، أو عن عائشة، ورواية عبد الله بن مسعود هي عن قول عمر يوم السقيفة، وسالم بن عبيد لم تثبت صحبته، وإن توهّمه بعضهم لروايته في تشميت العاطس، وطريقها ضعيف مختلف فيه، وظاهر روايته هنا عن عائشة وعمر في قصّة السقيفة.

وكما يظهر من كلام ابن حجر في (الإصابة)(7)، وأنس، وأبو موسى، وابن عمر، وبريدة لم يكونوا حاضرين ذلك الوقت قطعاً، ونصوص رواية عائشة تدلّ على أنّه لم يكن في الحجرة غير نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا حتّى عليّ(عليه السلام) ، فضلاً عن العبّاس، أو

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٠٩ حديث العبّاس بن عبد المطّلب، و٢٣١، ٣٥٦ مسند عبد الله بن عبّاس.

2- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٢ مسند أنس.

3- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٣٦١ حديث بريدة الأسلمي.

4- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٢٢ حديث عبد الله بن زمعة، سنن أبي داود ٢: ٤٠٥ الحديث ٤٦٦٠، ٤٦٦١، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٦٤٠ ذكر عبد الله بن زمعة.

5- سنن النسائي ٢: ٧٤ كتاب الإمامة، ذكر الإمامة والجماعة، إمامة أهل العلم والفضل.

6- سنن ابن ماجة ١: ٣٩٠ الحديث ١٢٣٤، باب ما جاء في صلاة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه، مجمع الزوائد، للهيثمي ٥: ١٨٢ كتاب الخلافة، باب الخلفاء الأربعة، منتخب مسند عبد بن حميد: ١٤٢ الحديث ٣٦٥.

7- الإصابة ٣: ٨ ـ٣٠٥٢ـ.


الصفحة 277

عمر، أو عبد الله بن زمعة، أو ابن عبّاس، أو غيرهم ممّن قد يدّعي ذلك، فترجع كلّ الروايات إلى قول عائشة.

فهذا حال الطرق التي جعلتها ٧٢!

وهناك مسألة ثانية مهمة في جوابنا السابق، وكذا نحيلك إلى جواب آخر تفصيلي لنا، تجده في هذا الباب: (دعوى حجّ أبي بكر بالناس عام تسعة للهجرة وصلاته في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم))، فقد بيّنّا هناك بأنّه إضافة لاضطراب الروايات فيما بينها، وتناقض محتواها في جهة من الجهات، بحيث لا يمكن الجمع بينها، فإنّ هناك شواهد وقرائن تثبت بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر أبا بكر بتلك الصلاة المزعومة..

وقد أثبت اضطراب تلك الروايات في إحدى جهاتها، وهي: إمامة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أبو بكر، أحد علماء السلفية، وهو: السندي، في حاشيته على سنن النسائي، وكذا على البخاري بمعناه(1)؛ فقال: ((واستدلّ الجمهور بهذا الحديث ــ صلاة أبي بكر ــ على نسخ حديث (إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً)... (حتّى قال:) وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعلّ سبب ذلك عظم المصيبة, فعلى هذا فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء، والله تعالى أعلم))(2).

فقد أثبت السندي معارضة هذه الواقعة المضطربة من هذه الجهة للحديث الصحيح الثابت، والمعمول به قبل هذه الواقعة وبعدها، بأنّ الإمام يجب أن يؤتمّ به، فإن صلّى قاعداً، فصلّوا قعوداً، وهذا ما خالفته هذه الروايات للصلاة

____________

1- حاشية السندي على البخاري ١: ٢٤٧ كتاب الأذان، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.

2- حاشية السندي على النسائي ٢: ١٠٠ كتاب الإمامة، الائتمام بالإمام يصلّي قاعداً.


الصفحة 278

المزعومة؛ فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا صلّى أبو بكر بالناس خرج ليصلّي هو (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم، وجعلهم في حرج، وأظهر عدم رضاه فصلّى قاعداً، وبقي القوم قائمين..

وأهل السُنّة يأتون بها كفضيلة لأبي بكر، وأنّها إقرار من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لصلاة أبي بكر؛ ولكن لو نظر المنصف المحلّل للأحداث والأوامر والأفعال النبوية لوجد أنّ ذلك عكس ما يفهمون!

وإلّا لماذا يخرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بتلك الحالة الشديدة، إذ أنّه كان متكأ على عليّ(عليه السلام) والفضل بن العبّاس، ومع ذلك فرجلاه تخطّان الأرض.. فأيّ خفة، وأيّ تحسّن طرأ عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) بزعمهم؟!

ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى إماماً وجالساً وهو في تلك الحالة الصحية العصيبة، فإن كان موافقاً ومرتاحاً وراضياً على إمامة أبي بكر هذه، فلِمَ كلّ هذا العناء والجهد الشديدين؟!

وكذلك ينقض وقوع هذا الأمر: إنفاذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر وعمر وغيرهم من شيوخ قريش في جيش أُسامة حين مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يأمره بالخروج والالتحاق تحت إمرة فتى لم يبلغ العشرين من عمره، وفي نفس الوقت يجعله إماماً للصلاة بالناس في المدينة مع ذلك النفير العام..؟

خرّج ذلك ابن حجر في (فتح الباري)، وقال ردّاً على ابن تيمية إنكاره خروج أبي بكر وعمر في سرية أُسامة في كتاب الردّ على ابن المطهّر: ((ومستند ما ذكره ــ أي: ابن المطهّر ــ ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي(1)، وذكره ابن سعد أواخر

____________

1- المغازي ٢: ١١١٨ غزوة أُسامة بن زيد مؤتة، وأسقط منه أبا بكر!


الصفحة 279

الترجمة النبوية بغير إسناد(1)، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة(2)، ولفظه: بدأ برسول الله(صلى الله عليه وسلم) وجعه يوم الأربعاء، فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة، فقال: (أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك فقد ولّيتك هذا الجيش)، فذكر القصّة وفيها: لم يبق أحد من المهاجرين الأوّلين إلّا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر...)).

إلى أن قال: ((ذكر ذلك كلّه ابن الجوزي في المنتظم جازماً به(3)، وذكر الواقدي، وأخرجه ابن عساكر(4) من طريقه مع أبي بكر وعمر: أبا عبيدة، وسعداً وسعيداً، وسلمة بن أسلم، وقتادة بن النعمان))(5).

وهذا إبعاد عن المدينة!! فلو كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يرى بأنّ أبا بكر خليفته، ويرضى بذلك، وقد أمره بالصلاة بالناس إشارة لذلك، فكيف يبعثه في ذلك البعث ويؤمّر عليه فتى صغيراً؟!

فهذه التناقضات الحافّة بهذه الحادثة، التي تنقضها جملة وتفصيلاً، تثبت بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر أبا بكر بالصلاة بالناس, ولم يرضَ ببقائه في المدينة أصلاً، ناهيك عن أمره له بذلك ليشير إلى خلافته ويفضّله بهذه الطريقة!

____________

1- الطبقات الكبرى ٢: ١٩٠ سرية أُسامة بن زيد بن حارثة.

2- انظر: سيرة ابن هشام ٤: ١٠٥٦ بعث أُسامة بن زيد إلى أرض فلسطين، ولم يذكر نصّ ما أورده ابن حجر عن ابن إسحاق.

3- انظر: المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك ٤: ١٦ سنة إحدى عشرة، ومن الحوادث سرية أُسامة بن زيد بن الحارثة إلى أهل ابنى.

4- انظر: تاريخ مدينة دمشق ٢: ٥٥، باب ذكر بعث النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أُسامة، وأسقط منه أبا بكر أيضاً!، و٢٢: ٤ ـ٢٦٠٧ـ سلمه بن أسلم بن حريش، وأسقط من أبا بكر أيضاً!

5- فتح الباري ٨: ١١٥ ــ ١١٦، باب بعث النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أُسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه.


الصفحة 280

وبالمناسبة، فلو كان أبو بكر بهذه الأهمّية، فلماذا لا توجد رواية واحدة فيها أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر أبا بكر بذلك مباشرة ودون واسطة؟!!

فكلّ الروايات المدّعاة في أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تنصّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس).. فأين كان أبو بكر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليأمر الناس بأمر أبي بكر ليصلّ بهم؟!!

أفلا يوحي ذلك أنّ الأمر قد صدر ممّن تقوّل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستغل وجع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإغمائه، فأمر بلالاً، أو غيره، ليخبر الناس بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال ذلك..

فلمّا أفاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووجدهم قد فعلوا ما كان يخشاه، خرج متّكئاً على عليّ والفضل بن العبّاس (اللذين لم يصلّيا خلف أبي بكر!)، ورجلاه تخطّان الأرض، ليبيّن للكلّ بأنّه لم يُصدر ذلك الأمر مطلقاً، وأنّه غير راضٍ بذلك, وإنّما صدر ذلك منهم باجتهادهم ورغبتهم المخالفة لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

خصوصاً لو أخذنا بنظر الاعتبار سؤال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة الناس وإقامتهم لها من عدمها، في كلّ مرّة يفيق فيها، ومحاولته الوضوء والخروج إليهم، وهو في تلك الحالة الصعبة قبل خروجه ذاك.

ويشهد لما قلناه هنا: ما رواه أحمد في (مسنده): عن ابن عبّاس، قال: ((لمّا مرض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: (ادعوا لي عليّاً).

قالت عائشة: ندعوا لك أبا بكر؟

قال: ادعوه.

قالت حفصة: يا رسول الله! ندعوا لك عمر؟

قال: ادعوه.


الصفحة 281

قالت أُمّ الفضل: يا رسول الله! ندعوا لك العبّاس؟

قال: ادعوه.

فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ...))(1)، إلى آخر القصّة.

وهذه الرواية لو جمعناها مع قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لنسائه: (إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف)(2)، وقول حفصة لعائشة: ((والله ما كنت لأُصيب منكِ خيراً))، كما يروي هذه الكلمات البخاري(3)، فإنّنا نفهم جيّداً من الذي أمر أبا بكر وعمر بالصلاة..

خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار اعتراض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على إمامتهم تلك؛ فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حين سمع صوت عمر يصلّي بهم (كما يروون)، قال: (يأبى الله ذلك والمؤمنون)(4)، وحين يسمع صوت أبي بكر يصلّي بهم يخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان الأرض، ويجلس ويصلّي بهم، فكيف يتّفق عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أمره وقوله ذاك؟!

فكلّ ذلك، من إنكار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على نسائه، ووصفه لهنّ بأنّهنّ صويحبات يوسف(عليه السلام) .. وردّ حفصة على عائشة وهي مغضبة، ومثبتة لنا إنكار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليها.. وطلبه عليّاً(عليه السلام) .. وسكوته حين أحضروا غيره.. وإنكاره الشديد على إمامة عمر..

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٥٦ عن عبد الله بن العبّاس.

2- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٤، ٩٦، ١٥٩ عن عائشة، سنن الدارمي ١: ٣٩، صحيح البخاري ١: ١٦٢ ــ ١٧٦، و٤: ١٢٢، و٨: ١٤٥، صحيح مسلم ٢: ٢٢ ــ ٢٥، سنن ابن ماجة ١: ٣٩٠، سنن الترمذي ٥: ٢٧٦.

3- صحيح البخاري ١: ١٦٥، ١٧٦، و٨: ١٤٦، سنن الترمذي ٥: ٢٧٦.

4- المصنّف، لعبد الرزّاق ٥: ٤٣٢، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٢٥.


الصفحة 282

وخروجه وهو بتلك الحالة للصلاة وعزل أبي بكر من إمامتهم بها.. ودوران الحديث على عائشة فقط؛ لأنّها هي الحاضرة الوحيدة عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، دون عمر، وأبي موسى، وابن عمر، وأنس، وبريدة، وغيرهم.. وهي من جاءت بأبيها حينما طلب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) .. وهي من أرسل بلالاً إلى أبي بكر لأمره بالصلاة بالناس.. وهي التي روت الرواية، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في بيتها أيّام مرضه كلّها.. وأنّها روت بأنّها طلبت من حفصة أن تطلب من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلّي أبيها للناس، فزجرهنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتلك الكلمة.. وهي التي تروي بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، على شدّة مرضه وإغمائه لأكثر من مرّة حاول الوضوء والخروج للصلاة فيغمى عليه، ويحاول أُخرى حين يفيق، دون أن يطلب من أبي بكر الصلاة بدلاً عنه، وحينما يصلّي أبو بكر بالناس يخرج لهم وهو بتلك الحالة، ويصلّي بهم، ويعزله فعلاً وليس قولاً، كما فعل ذلك مع عمر..

كلّ ذلك يظهر جلياً موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الصلاة، ومن هذا التخلّف عن البعث، وهذا التقدّم على الناس بلا إذن ولا أمر.. ويظهر أيضاً أنّ الأمر بالصلاة لم يخرج منه (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه مناقض لكلّ ما بيّناه!

ومن هنا فنحن نرجّح كثيراً بأنّ عائشة هي من تصدّت لذلك، تمهيداً لأبيها، وتهيئة لما تواطؤوا عليه، وخشية من أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) بالصلاة بالناس دون غيره، وبالتالي يثبت تقديمه (عليه السلام) على من سواه، ويتأكّد ما أراده (صلى الله عليه وآله وسلم) وما بلّغه من نصوص تقديم عليّ(عليه السلام) وخلافته من بعده على كلّ مؤمن، والله العالم.

تعليق ٢:

« باسم ــ الإمارات ــ شافعي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد


الصفحة 283

أخي الكريم..

بعد الاطّلاع على ما كتبت، أودّ الإشارة إلى ما يلي:

أوّلاً: ذكرت أنّي وجدت ٧٢ حديثاً، وليس طريقاً، وأراك تدرك الفرق بينهما.

ثانياً: أرجو الاختصار في إجاباتك وعدم التشعّب، حرصاً على حصر الخلاف.

ثالثاً: دليلك على جرح الرجال وطعن السند!!

وبعبارة أُخرى: من هم المطعونون، والدليل عليه؟ (لا بدّ من ذكر الذي طعن من أرباب الجرح والتعديل كما ادّعيت).

وتقبل الله منّا ومنكم صالح الأعمال.

والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عند مطالعتنا لتعليقك الحالي, تنبّهنا إلى أنّنا لم نفهم أوّلاً مقصودك بلفظ (الحديث), فلا بأس أن توضّح لنا ما تريد!

وعلى كلّ، فإنّ عبارتك في سؤالك السابق كانت هكذا: ((لقد وجدت ٧٢ حديثاً في كتب أهل السُنّة ١٠ منها في البخاري... الخ))، وهي ظاهرة في أنّ المقصود منها الاحتجاج بكثرة عدد الأحاديث, ففهمنا منها أنّك تريد عدد طرق الحديث؛ لأنّه هو المعيار في درجة اعتبار وحجّية الحديث, وليس تكراره في الكتب.


الصفحة 284

وعليه، فمهما كان مقصودك من لفظة (الحديث) غير تعدّد الطرق, فهو لا يؤثّر في البناء العلمي للاحتجاج في هذه القضية, ولا بأس أن تذكر لنا ما هو مرادك الأوّل من (٧٢ حديثاً), فلعلّنا لا نختلف في ذلك المعنى المقصود..

ونودّ أن نذكر لك هنا مثالاً, فإنّ حديث الثقلين قد نقل بروايات كثيرة تبلغ العشرات في مختلف كتب الحديث، ولكنّك لا تجد أحداً يقول: إنّ في حديث الثقلين كذا عدد من الأحاديث، بل يقول مثلاً: وجدت حديث الثقلين بكذا عدد من الروايات (لاحظ: الروايات), ومع ذلك فكثرة الروايات لا تزيد في الاعتبار شيئاً، بل المؤثّر في ذلك: عدد طرق هذه الروايات, وبصورة أدق: عدد رواة الحديث مباشرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً؛ فلاحظ!

وأمّا عن طلبك في الكلام عن جرح رجال أسانيد حديث صلاة أبي بكر، فهو يحتاج إلى رسالة مستقلّة وقد ألّفها: العلّامة السيّد علي الميلاني, وهي بعنوان: (رسالة في صلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم))؛ فراجع!

تعليق ٣:

« أبو روح الله ــ البحرين ــ إمامي »

إذا كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أنفذ جيش أُسامة قبل وفاته، فمن الذين كانوا في الصلاة خلف أبي بكر (بناءً على صحّة أصل وجود الحادثة)؟

هذه التشكيكات في أصل حدوث هذه الصلاة يجعلنا نقطع بعدم حصولها، وإنّما هي مسائل موضوعة، وكذلك لماذا لم يستشهد بها أبو بكر في يوم السقيفة، وكان بحاجة إلى أي حجّة ليحتج بها آنذاك؟


الصفحة 285

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في جيش أُسامة وجوه المهاجرين والأنصار، أي مَن كان له مكانة في المجتمع، والغرض من ذلك: أن يخلي المدينة من معارض لعليّ(عليه السلام) ، ولكنّهم عصوا أمره ورجعوا، لمّا عرفوا هدف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبقي في المدينة من لم يبعثه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الجيش.

وأمّا تقدّم أبي بكر للصلاة وخروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لتنحيته، فالظاهر ثبوته.

وأمّا الاستشهاد بها في السقيفة، فقد نقل ذلك عن عمر، ولكن لم يثبت لنا وقوعه على التحقيق.

(صلاة جماعته المزعومة ـ٢ـ)

« علي ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

هل هناك دليل واضح على تنحية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر عن صلاة الجماعة المزعومة من كتب السُنّة؟ وفي حال وجد، ما هو الحديث؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 286

يمكن أن يقال في ردّ من يحاول الاستدلال بصلاة أبي بكر بالناس في مرض موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على الخلافة:

أوّلاً: ليست إمامة الجماعة لدى أهل السُنّة منصباً خطيراً ومهماً، أو قيادة شعبية، أو دينية في عرف الإسلام، ولذلك روي في كتبهم القول: (صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر)(1)، ولو صحّ أنّ ابن أبي قحافة أمَّ الناس، فلا يكون ذلك كاشفاً حسب الموازين التي يعترفون بها لإمامة الجماعة أنّ الرجل ذو أهلية ويحمل مزية يصلح بها للزعامة الدينية والسياسية، بل جملة منهم لا يشترطون البلوغ في إمام الجماعة(2).

ثانياً: إنّ سحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بأمر من الله، آيات من سورة البراءة، التي كان أبو بكر مكلّفاً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقراءتها على الناس في موسم الحجّ، لأكبر شاهد على أنّ أبا بكر لا يصلح للقيادة والزعامة(3)، وكذلك فشله في فتح قلعة خيبر(4).

____________

1- انظر: سنن أبي داود ١: ١٤٣ الحديث ٥٩٤، باب إمامة البرّ والفاجر، و٥٦٩ الحديث ٢٥٣٣، باب في الغزو مع أئمّة الجور، سنن الدارقطني ٢: ٤٤ الحديث ١٧٤٧، ١٧٥٠، السنن الكبرى، للبيهقي ٤: ١٩، باب الصلاة على من قتل نفسه غير مستحل لقتلها).

2- انظر: المجموع، للنووي ٤: ٢٤٩ فرع في مذاهب العلماء في صحّة إمامة الصبي للبالغين.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ عن أبي بكر، و١٥١ عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٥١، مسند أبي يعلى ١: ١٠٠ الحديث ١٠٤، سنن الترمذي ٤: ٣٣٩ الحديث ٥٠٨٦ أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، سنن الدارمي ٢: ٦٧ كتاب المناسك، خطبة الموسم.

4- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٢٤ كتاب المناقب، باب في قوله(صلى الله عليه وسلم): (لأعطين الراية رجلا...)، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٧ كتاب الفضائل، باب ١٨، و٨: ٥٢٢ كتاب المغازي، باب ٣٣، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٣٧، المعجم الكبير، للطبراني ٧: ٣٥، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٨٩، السيرة النبوية، لابن هشام ٣: ٧٩٧، تفسير الثعلبي ٩: ٥٠، الدرر، لابن عبد البرّ: ١٩٨.


الصفحة 287

ثالثاً: إنّ الروايات التي رويت من طرق أبناء العامّة في هذا الشأن مختلفة ومتباينة في صلب الموضوع، بحيث لا يمكن القول بأنّها تحكي عن معنى واحد..

وإليك بعضاً ممّا أورده ابن كثير في (البداية والنهاية): روى أحمد بسنده: ((عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله ابن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد، قال: لمّا استعزّ برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلالاً للصلاة، فقال: (مروا من يصلّي بالناس). قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالناس. قال: فقام، فلمّا كبّر عمر سمع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) صوته، وكان عمر رجلاً مجهراً، فقال رسول الله: (فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون). قال: فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعدما صلّى عمر تلك الصلاة، فصلّى بالناس...))، إلى آخر الرواية.

وأبو داود من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن زمعة أيضاً، قال: ((لمّا سمع النبيّ(صلى الله عليه وسلم) صوت عمر، قال ابن زمعة: خرج النبيّ(صلى الله عليه وسلم) حتّى أطلع رأسه من حجرته، ثمّ قال: (لا لا لا يصلّي للناس إلّا ابن أبي قحافة)، يقول ذلك مغضباً)).

نقول: ورويت قصّة الصلاة بنحو آخر في البخاري عن عائشة أوردها ابن كثير أيضاً:

((قال الأسود: كنّا عند عائشة، فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها. قالت: لمّا مرض النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذّن


الصفحة 288

بلال، فقال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فقيل له: إنّ أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: (إنّكنّ صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فخرج أبو بكر، فوجد النبيّ(صلى الله عليه وسلم) في نفسه خفّة، فخرج يهادى بين رجُلين، كأنّي أنظر إلى رجليه تخطّان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخّر، فأومأ إليه النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أن مكانك، ثمّ أتي به حتّى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبيّ(صلى الله عليه وسلم) يصلّي وأبو بكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم)).

وقال ابن كثير: ((وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة من طرق متعدّدة، عن الأعمش به، منها ما رواه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى عن معاوية به)).

فينبغي أن تلتفت أيّها الناظر: أنّ هذا الخبر مع هذه التأكيدات في السند إنّما يثبت إمامة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، واقتداء أبي بكر به(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودعوى أنّ أبا بكر كان إمام الناس لا تعقل؛ إذ يعني ذلك أنّ هناك إمامين في صلاة واحدة شخصية!!

وقال ابن كثير: ((وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنّها قالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال في مرضه: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس). قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، أنّها قالت: لقد عاودت رسول الله في ذلك، وما حملني على معاودته إلّا أنّي خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلّا أنّي علمت أنّه لن يقوم مقامه أحد إلّا تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر إلى غيره))..


الصفحة 289

ملاحظة: أترى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يريد أن يتشاءم به الناس، وعائشة لا تريد ذلك؟!!

ونقل ابن كثير قصّة الصلاة عن أحمد بشكل آخر مختلف عمّا تقدّم، مع ما تقدّم من التباين والاختلاف:

((عن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ؟ فقالت: بلى، ثقل برسول الله(صلى الله عليه وسلم) وجعه، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: (صبّوا إليَّ ماءً في المخضب)، ففعلنا، قالت: فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمى عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك

يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، فقال:

يا عمر! صلّ بالناس، فقال: أنت أحقّ بذلك، فصلّى بهم تلك الأيام، ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وجد خفّة، فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس، لصلاة الظهر، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه أن لا يتأخّر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، وجعل أبو بكر يصلّي قائماً، ورسول الله يصلّي قاعداً... إلى أن قال ابن كثير: وفي رواية: فجعل أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله وهو قائم، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) قاعد...)).


الصفحة 290

ونقل عن أحمد أيضاً بسنده: ((عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ وجد خفّة فخرج، فلمّا أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبيّ(صلى الله عليه وسلم) فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر)).

وقال ابن كثير: ((ثمّ رواه أيضاً عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم، عن ابن عبّاس، بأطول من هذا. وقال وكيع مرّة: فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، والناس يأتمون بأبي بكر)).

نقول: وروى رواية أُخرى تعطي عكس ذلك..

قال: ((وقد قال الإمام أحمد: ثنا شباب بن سوار، ثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه)).

ونقل رواية أُخرى عن البيهقي بسنده عن أنس: ((آخر صلاة صلاّها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مع القوم في ثوب واحد ملتحفاً به خلف أبي بكر))(1).

وهكذا روايات متعدّدة، لن تجد روايتين منها تتّفق في المعنى، فضلاً عن اللفظ، وذلك دليل على اختلاق القصّة! أو تحريفهم لها لإخفاء حقائقها.

والذي روي عن طريق الخاصّة:

ما في (خصائص الأئمّة(عليهم السلام)) للشريف الرضي، و(الطرف) لابن طاووس، والنصّ منه، عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) ، يرويه عيسى الضرير:

____________

1- انظر: البداية والنهاية ٥: ٢٥٢ ــ ٢٥٥ أحداث سنة ١١، ذكر أمره(عليه السلام) أبا بكر أن يصلّي بالناس.


الصفحة 291

((قال عيسى: وسألته: قلت: ما تقول فإنّ الناس قد أكثروا في أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ عمر.

فأطرق (عليه السلام) عنّي طويلاً، ثمّ قال: ليس كما ذكروا، ولكنّك يا عيسى كثير البحث عن الأُمور وليس ترضى عنها إلّا بكشفها.

فقلت: بأبي أنت وأُمّي، إنّما أسأل منها عمّا انتفع به في ديني، وأتفقّه، مخافة أن أضلّ، وأنا لا أدري، ولكن متى أجد مثلك أحداً يكشفها لي؟

فقال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا ثقل في مرضه، دعا عليّاً(عليه السلام) فوضع رأسه في حجره وأُغمي عليه، وحضرت الصلاة، فأُذن بها، فخرجت عائشة فقالت: يا عمر! اخرج فصلّ بالناس، فقال: أبوك أوْلى بها. فقالت: صدقت، ولكنّه رجل ليّن وأكره أن يواثبه القوم، فصلّ أنت. فقال لها عمر: بل يصلّي هو، وأنا أكفيه إن وثب واثب، أو تحرك متحرّك. مع أنّ محمّداً مغمى عليه لا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به لا يقدر أن يفارقه ــ يريد عليّاً(عليه السلام) ــ فبادر بالصلاة قبل أن يفيق، فإنّه إن أفاق خفت أن يأمر عليّاً بالصلاة، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة، وفي آخر كلامه: (الصلاة الصلاة).

قال: فخرج أبو بكر ليصلّي بالناس، فأنكر القوم ذلك، ثمّ ظنّوا أنّه بأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم يكبّر حتّى أفاق (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: (ادعوا إليَّ العبّاس)، فدعي، فحملاه هو وعليّ(عليه السلام) فأخرجاه حتّى صلّى بالناس وإنّه لقاعد، ثمّ حُمل فوضع على منبره، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، حتّى برزن العواتق من خدورهنّ، فبين باكٍ وصائح وصارخ ومسترجع، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب ساعة، ويسكت ساعة. وكان ممّا ذكر في خطبته، أن قال:

(يا معشر المهاجرين والأنصار! ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجنّ والإنس! فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا قد خلّفت فيكم كتاب


الصفحة 292

الله فيه النور والهدى والبيان، ما فرط الله فيه من شيء، حجّة الله لي عليكم، وخلّفت فيكم العلَم الأكبر، علم الدين، ونور الهدى، وصيّي عليّ بن أبي طالب، ألا وهو حبل الله فاعتصموا به جميعاً ولا تفرقوا عنه، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً(1)..

أيّها الناس! هذا عليّ بن أبي طالب كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبّه وتولاّه اليوم وما بعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله وأدّى ما وجب عليه، ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصمّ، ولا حجّة له عند الله)...))(2) إلى آخر الرواية.

فقد اتّضح لك أيّها الأخ الكريم تضارب روايات القوم في هذه القصّة، وأنّه دليل على أنّها مختلقة أو محرّفة، وقد قلنا: أنّه إن ثبتت لم يكن في ذلك فضل لأبي بكر ما دام حكم القوم في إمام الجماعة ما قد عرفت.

(حديث عائشة في النصّ على أبي بكر)

« أميرة محمّد ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

يوجد حديث بحثت فيه بشتّى الوسائل لاحتواء جميع مضامينه ومعانيه من كتب الأخوة السُنّة، ولكن للأسف الشديد لم أجد ما يشفي غليلي..

ويا حبّذا لو أفدتموني بمصدر معيّن والتعقيب عليه..

____________

1- آل عمران ٣: ١٠٣.

2- طرف من الأنباء والمناقب: ١٧١ الطرفة العشرون، خصائص الأئمّة: ٧٣ خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) ، عائشة تأمر عمر بالصلاة في الناس، بحار الأنوار ٢٢: ٤٨٥ أبواب ما يتعلّق بارتحاله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عالم البقاء، باب وصيّته عند قرب وفاته.


الصفحة 293

وهو كالتالي: (صحيح البخاري) كِتَاب المَرضَى، باب: قَولِ المَرِيضِ إِنِّي وَجِعٌ أَو وَا رَأسَاه... رقم الحديث: ٥٢٦٣٤ (حديث مرفوع): ((حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ يَحيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ, أَخبَرَنَا سُلَيمَانُ بنُ بِلالٍ, عَن يَحيَى بنِ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعتُ القَاسِمَ بنَ محمّد, قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ وَا رَأسَاه, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وسلم) : (ذَاكِ لَو كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَستَغفِرَ لَكِ وَأَدعُو لَكِ), فَقَالَت عَائِشَةُ: وَا ثُكلِيَاه، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوتِي، وَلَو كَانَ ذَاكَ لَظَلِلتَ آخِرَ يَومِكَ مُعَرِّساً بِبَعضِ أَزوَاجِكَ, فَقَالَ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) : (بَل أَنَا وَا رَأسَاه, لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)).

الحديث مرويّ في البخاري في باب قول المريض: إنّي وجع، أو

وا رأساه... في كتاب المرضى.. وأيضاً ذكر مرّة أُخرى في باب الاستخلاف.. كتاب الأحكام.. وفي نفس الباب حديث رزية الخميس..وو.

فهنا عائشة تقسم بالله بأنّ الرسول يحبّ موتها.. ويترجّاه.. فيا ترى هل من سبب يدعوها أنت تتأكّد من ذلك؟

ألذنب سترتكبه بعد وفاته حتّى يقول لها: (ذلك لو كان وأنا حيّ فاستغفر لك وأدعو لك...)؟

ولِمَ قال لها النبيّ.. لو.. ولم يذكر استغفاره لها على وجه التأكيد؟

فنحن نعلم أنّ المصرّ على المعصية وهو عارف لا ينفعه استغفار ولا يتوفّق للتوبة إن تعمّد وقصد المعصية وعاند فيها.. بعكس إن كان على جهل


الصفحة 294

أو زلّة.. أو إن صدرت عنه التوبة النصوح.. فلِمَ لم يتأكّد استغفار الرسول لعائشة، بل جاء على التمنّي؟

ثمّ ما شأن عائشة إن تزوّج النبيّ غيرها، أو لم يتزوّج، فبأيّ سلطة؟ وهذا خارج عن الحدود الأخلاقية للتخاطب مع النبيّ الأكرم ومعارضته والتسلّط في أمر ليس من شأنها؟

وهنا نقطة توقّف! وماذا يقصد (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: (لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحديث يبحث عن دلالته إذا كان صادراً عن المعصوم, والحديث المذكور بانفراد راويه وإرساله وركاكة تعبيره ومعارضته بما هو متواتر ينبأ أنّه حديث موضوع, فلا داعي للبحث عن دلالته!

بل الأجدر بيان نقاط الخلل في الحديث من حيث الدلالة التي تقدح بصحّة صدور الحديث ــ وإغضاء الطرف عمّا في سنده بعد أن التزم أهل السُنّة على أنفسهم بصحّة ما في البخاري ومسلم وسدّوا باب المناقشة في أسانيد روايتهما ــ نعم يمكن إلزام المخالفين ببعض مضامينه حتّى لو كانت المضامين الأُخرى غير مقبولة، وذلك في مجال المناظرة والجدل.

وأمّا المقصود من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لقد هممت...الخ)، فإنّ عائشة ــ أو من وضع الحديث ــ تريد أن توحي بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يوصي بالخلافة لأبي بكر!


الصفحة 295

ولكن هذا خلاف إجماعهم بأنّه لم يوص لأحد. وإنّ أصحاب سقيفة بني ساعدة لم يذكروا شيئاً من ذلك في احتجاجهم على الأنصار أو في ردّهم على عليّ(عليه السلام) لمّا أبى البيعة ودخل داره. ثمّ إنّه لا ربط له بأوّل الحديث، وإن حاول الشرّاح ربطه بالتعسّف.

ويبقى السؤال: لماذا يكتفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) باستشهاد أبي بكر أو ابنه فقط دون غيره من كبار المسلمين؟! من دون جواب.

تعليق:

« أبو محمّد ــ اليمن ــ سُنّي »

ردّ الحديث بدعوى الركاكة بدون إثبات ذلك من العبث, وإلّا فقد صرّح بعضهم بركاكة بعض الآيات في القرآن بدون دليل.

وأمّا قوله: (لَقَد هَمَمتُ، أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)، فهذا فيه من علم الغيب الذي أخبره الله به, وهو أنّه سيتولّى على الناس.

فقد جاء في لفظ آخر عن عائشة(رضي الله عنها) ، قالت: ((قال لي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه: (ادعي لي أبا بكر وأخاك ــ يعني عبد الرحمن ــ حتّى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر))).

وهذا فيه إشارة قويّة, ولكنّه ترك ذلك لأنّه علم بأنّ الأمر سيكون له كما جاء: (ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر).


الصفحة 296

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، يكفي في ردّ هذا الحديث المزعوم ما فيه من ركاكة..

فإنّه من أكثر الأحاديث التي وقع الترديد في عباراتها، فضلاً عمّا في أوّله من محاولة الترقيع، إذ أيّ ربط بين صداع الرأس وتوقّع موت عائشة حتّى يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لو كان وأنا حيّ...) الخ، فإنّه نادر المصادفة، إلّا إذا كان محاولة غير مباشرة من واضع الحديث لربطه مع مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آخر حياته وموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومقدّمة وتهيئة للفقرة المحورية في آخره المتضمّنة لإرادة كتابة العهد لأبي بكر، حتّى تتمّ المعارضة به لحديث الكتف والدواة المعروف الصحيح المشهور والمرويّ في صحاحهم.

قال ابن أبي الحديد في معرض ذكره لوضع البكرية للأحاديث: ((ونحو: (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان)، ثم قال: (يأبى الله تعالى والمسلمون إلّا أبا بكر)، فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المرويّ عنه في مرضه: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً)، فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله...))(1).

وقال الأميني(رحمه الله): ((هذه صورة ممسوخة من حديث الكتف والدواة المرويّ بأسانيد جمّة في الصحاح والمسانيد، وفي مقدّمها الصحيحان، حوّلوه إلى هذه الصورة لمّا رأوا الصورة الصحيحة من الحديث لا تتمّ بصالحهم، لكنّها الرزية كلّ

____________

1- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٩ ـ٢٠٣ـ، فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الأحاديث.


الصفحة 297

الرزية كما قاله ابن عبّاس في الصحيح، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منع في وقته عن كتابة

ما رامه من الإيصاء بما لا تضلّ الأُمّة بعده، وكثر هناك اللغط، ورمي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يوصف به، أو قال قائلهم: إنّ الرجل ليهجر، أو: إنّ الرجل غلبه الوجع. وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) قلبوا ذلك التاريخ الصحيح إلى هذا المفتعل وراء أمر دُبّر بليل))(1).

فضلاً عن أنّه معارض بما روته عائشة نفسها في الصحيح بأنّ: (أوّل ما اشتكى رسول الله في بيت ميمونة)(2)، لا في بيتها.

وأمّا الترديد الواقع في عباراته مع ما فيه من نسبته إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما لا يمكن قبوله:

فأوّله: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لقد هممت، أو أردت)، فإن كان من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لا يليق به، خاصّة أنّه إذا أراد شيئاً فلا يرجع عنه إلّا لمانع يمنعه خارجاً عنه، وإن كان من الراوي، كما قالوا(3)، فهو وهن في الرواية.

وثانيه: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه)، قال ابن حجر: ((ووقع في رواية مسلم (أو ابنه) بلفظ (أو) التي للشكّ، و(أو) للتخيير، وفي أخرى (أو آتيه) بهمزة ممدودة بعدها مثنّاة مكسورة ثمّ تحتانية ساكنة، من الإتيان بمعنى المجيء))(4).

____________

1- الغدير ٥: ٣٤٠ سلسلة الموضوعات في الخلافة.

2- صحيح مسلم ٢: ٢١، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها.

3- انظر: فتح الباري، لابن حجر ١٠: ١٠٦، باب ما رخص للمريض أن يقول إنّي وجع.

4- فتح الباري ١٠: ١٠٦، باب ما رخّص للمريض أن يقول إنّي وجع، وانظر: عمدة القاري، للعيني ٢١: ٢٢٣ الحديث ٥٦٦٦.


الصفحة 298

وقال القاضي عياض: ((وفي رواية أبي ذرّ الهروي (أو ابنه) مكان (أبيه)))(1).

وفي رواية ابن عساكر بسنده: (أردت أن أرسل إلى أبي بكر أو ابنه)(2).

ومن ثمّ روى أحمد: ((قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه...))(3).

وروى أبو داود: ((إنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال لعائشة: ادع لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه بعدي...))(4).

فأيّ معنى لاستدعاء أبي بكر وابنه فقط من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر مهم يتوقّف عليه مستقبل الإسلام، وهو كتابة العهد لمن بعده؟! فأين المهاجرون الأوّلون وزعماء الأنصار حتّى يُشهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شخصاً قضى أكثر عمره كافراً، ولم يسلم إلّا قريباً؟! أو أنّ عائشة أشهدت أحد أهلها حتّى لا يكذّبها بما لم يقع أصلاً؟!!

وثالثه: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أن يقول القائلون أو يتمنّى المتمنّون)، وفيه من الركاكة إضافة للترديد؛ أنّ التمنّي يكون قبل القول، لأنّه يترقّى للقول بعد التمنّي، ولكنّه جعل القول قبل التمنّي هنا.

وأيضاً، إنّه إذا كان الغرض من كتابة العهد هو المنع من قول القائل وتمنّي المتمنّي، فلماذا لم يكتبه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ بعد وضوح أنّ ما جعل علّة لعدم الكتابة، وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (يأبى الله...) الخ، لم يكن مانعاً من القول والتمنّي، فقد قال عليّ(عليه السلام) أنّه

____________

1- إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧: ٣٩٠ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.

2- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٢٦٦ ـ٣٣٩٨ـ ترجمة أبي بكر.

3- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٧ حديث السيّدة عائشة.

4- مسند أبي داود الطيالسي: ٢١٠ ابن أبي مليكة عن عائشة.


الصفحة 299

الأحقّ بالخلافة، وتمنّى سعد بن عبادة ذلك، ثمّ إنّ معناه المفترض لا يتمّ إلّا بالتقدير، فإنّ القائل يقول ماذا؟ والمتمنّي يتمنّى ماذا؟

ورابعه: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)، وهو الأشنع في وقوع الترديد! ونسبته للراوي(1) يوهن الرواية.

ثمّ إنّ فيه من الركاكة:

أ ــ هل المراد من إباء ودفع الله والمؤمنين إباء ودفع القول والتمنّي، ولذلك لم يكتب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقد قلنا: إنّ ذلك لم يحصل، بل وقعا معاً.

ب ــ هل المراد من الإباء الإباء التشريعي، أم الإباء التكويني؟

فإذا كان المراد الإباء التشريعي، يعني أنّ الله لا يرضى إلّا بخلافة أبي بكر ولا يرضى الخلاف فيها، فإنّ ذلك لا يمنع من كتابة العهد، لأنّ المكلّفين مختارون مقابل التشريع، وكثيراً ما يحصل العصيان، ومع ذلك وقع عدم القبول من قبل أشخاص لا يتطرّق الشكّ في إيمانهم وطاعتهم، كعليّ وفاطمةH، فضلاً عن بني هاشم، وسعد بن عبادة، وغيرهم.

وإن كان المراد الإباء التكويني وأنّه لا يقع الخلاف خارجاً، فقد عرفت أنّه تخلّف ووقع الخلاف، ولا يمكن نسبة من وقع منهم الخلاف ودفعوا خلافة أبي بكر إلى عدم الإيمان.

ج ــ أو أنّ المراد: يأبى الله إلّا وقوع خلافة أبي بكر في الخارج، ولكنّه على هذا سوف لا يتّسق مع ما بعده وهو (ويدفع المؤمنون)، فما معنى: (ويدفع المؤمنون إلّا خلافة أبي بكر)؟ إذ يدفعون ماذا؟

____________

1- انظر: عمدة القاري، للعيني ٢١: ٢٢٣ الحديث ٥٦٦٦.


الصفحة 300

وإذا قيل: يدفعون الخلاف في خلافة أبي بكر فسوف يتعارض مع التقدير الأوّل، لأنّ التقدير لا بدّ وأن يكون واحداً في الاثنين، فيقدّر (يأبى الله وقوع الخلاف في خلافة أبي بكر)، فيأتي فيه الاحتمالان الأوّلان.

وأمّا إذا قيل: إنّ الصحيح (يدفع الله ويأبى المؤمنون)، فلا بدّ أن يكون المراد (يدفع الله الخلاف)، وقد قلنا: إنّ الله لم يدفعه فقد وقع من عليّ(عليه السلام) ، وسعد، وغيرهما.

ومنه يظهر أنّ كلّ فقرات الحديث لا يتمّ معناها المفترض إلّا بتكلّف وتقدير وتأويل، وهذا هو المراد بالركاكة، إذ يبعد ذلك في كلام أفصح من نطق بالضاد.

(ردّ استدلالهم على خلافته بالقرآن الكريم)

« أسد حيدر ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

في بحثي في أحد المواقع الالكترونية وجدت موضوعاً يحمل عنوان (دليل خلافة أبي بكر من القرآن):

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً يَعبُدُونَنِي لا يُشرِكُونَ بِي شَيئاً وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(1).

____________

1- النور ٢٤: ٥٥.


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية