المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 301 - ص 330)

هذه الآية الكريمة لهي أوضح دليل وأصدق برهان على صحّة خلافة أبي بكر، وكذلك إيمانه ليس هو وحده، بل أيضاً عمر وعثمان، فقد كتب الله الاستخلاف والتمكين في الأرض لهم بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، ولا يستطيع من يملك مُسكة عقل أن ينكر ذلك ويدّعي أنّ الله لم يكتب التمكين والاستخلاف لهؤلاء الثلاثة، وعلى جميع الأصحاب, وهذه الآية يُلحق بها جميع أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، فقد كتب الله لهم التمكين في الأرض، ويسّر الله لهم العبادة له بلا خوف، وبأمان ما بعده أمان.

وهناك أدلّة من القرآن كثيرة استدلّ بها علماء أهل السُنّة على صحّة خلافة أبي بكر، ولكنّي اكتفيت بهذه الآية لأنّها أوضح الآيات.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من التفريق بين الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، وبين من يستولي على الحكم بالظلم والاضطهاد! فليس كلّ من خَلَف ولو بالظلم هو ممّن وعد بالاستخلاف، بل العكس هو الصحيح، وهو الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولو صحّ أنّ كلّ من يستولي على الحكم هو الموعود بالخلافة، فإنّ هذا يصحّح حكم جميع الظلمة والطغاة إلى اليوم، بل وحتّى الكفّار والمشركين، لأنّهم وصلوا إلى الحكم، وهذا ما لا يقوله أحد.

تعليق:

« عثمان ــ إيران ــ سُنّي »

نقول نحن أهل السُنّة والجماعة: هل تعتقدون أنّ أخذ أبي بكر للخلافة عنوة أقوى من وعد الله للذين آمنوا (والذين) أبو بكر ليس واحداً منهم! تعالى الله عمّا تصفون، بل هو منهم وخيرهم.


الصفحة 302

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اتّفق الأُصوليون على أنّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية محل منع, فإثبات كون أبي بكر من الذين آمنوا طبقاً لهذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم...(1), هو تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأنّ إثبات الإيمان بعد اغتصاب الخلافة هو أوّل الكلام! فعليك أن تبرئ ساحة أبي بكر من اغتصاب الخلافة في البدء، حتّى يمكن لك بعد ذلك أن تقول بإيمانه.

(دعوى نصوص وردت عن الإمام عليّ(عليه السلام) في مبايعته)

« ياسين ــ الجزائر ــ سُنّي »

السؤال:

إن كان أحد قد توهّم أنّ نص القرآن بفضل أبي بكر وما ذكرناه من إمامة أبي بكر(رضي الله عنه) لا علاقة له بأحقّيته في الخلافة، فإنّ عليّاً(رضي الله عنه) قد تكفّل في الردّ على هذا الزعم.

فقد قال عليّ(رضي الله عنه) عن الخلافة في كتاب (نهج البلاغة)، وهو أصدق الكتب عندكم: (وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ بها ــ أي بالخلافة ــ إنّه لصاحب الغار. وإنّا لنعرف سنّه. ولقد أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالصلاة خلفه وهو حيّ).(نهج البلاغة، تحقيق العالم الشيعي الشريف الرضي ١/١٣٢).

____________

1- النور ٢٤: ٥٥.


الصفحة 303

ويقول عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وهو يذكر بيعته لأبي بكر: (... فمشيت عنـد ذلك إلى أبـي بكر فبـايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل وزهق، وكانت (كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون)، فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، فيسر وسدّد، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً).(الغارات للثقفي ٢/٣٠٥).

هداكم الله إلى سواء السبيل.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا دعواك أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد قال في أبي بكر: (إنّا لنرى أبا بكر أحقّ بها...) الخ، وقد نسبت ذلك إلى كتاب (نهج البلاغة) وهو أصدق الكتاب عندنا بعد كتاب الله تعالى.

فنقول: إنّ إثبات هذه النسبة من هذا الكتاب دونها خرط القتاد، فهي ليست من أصل كتاب (نهج البلاغة) للشريف الرضي، وإنّما نقلها ابن أبي الحديد في شرحه عن الجوهري(1)، بل هي رواية ترويها كتب أهل السُنّة(2)، ولا حجّية لها عندنا، ولا يصحّ الاحتجاج بها علينا!

____________

1- شرح نهج البلاغة ٢: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث السقيفة، و٦: ٤٨ ـ٦٦ـ ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.

2- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٦٦ كتاب معرفة الصحابة، السنن الكبرى، للبيهقي ٨: ١٥٢، باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهل للخلافة بعده.


الصفحة 304

وأمّا النص الذي أوردته عن (الغارات) من خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) (1)، فكان الأُولى بكم الاستفادة من الخطبة برمّتها، لا اقتطاع جزء منها، تريدون تسويقه لمرامكم! فالخطبة موجودة في مصادر مختلفة، وفيها دلالات وبيانات واضحة من أمير المؤمنين(عليه السلام) على تنصيبه (عليه السلام) من قبل الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) إماماً وخليفة، وأنّ الخلافة هي ميراثه من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!

فانظر إلى قوله في الخطبة: (أأنا أحرص إذا طلبت تراثي وحقّي الذي جعلني الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به...)(2)، وتصريحه (عليه السلام) بأنّه لم يبايع أبا بكر إلّا لخوفه على الإسلام من ارتداد من ارتدّ من العرب، لا لأنّه أهل للإمامة، وإلّا لبايعه قبل ذلك ــ ولك أن تراجع (صحيح البخاري/باب غزوة خيبر)(3) لتعرف أنّ الإمام(عليه السلام) بايع بعد ستّة أشهر من وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ وفي هذه الخطبة صرّح(عليه السلام) بأنّ الذي دعا القوم إلى منعه من الخلافة علمهم أنّه إذا وليها لن ينالوها أبداً، وإذا كانت في غيره رجوا تداولها بينهم؛ فراجع وتدبّر!

تعليق:

« حمد ــ الإمارات ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لدينا كثير من الأدلّة حول انقلاب الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر بن أبي قحافة في أخذ الشرعية من عليّ(عليه السلام) بشكل خاصّ وآل محمّد بشكل عام.

____________

1- الغارات، للثقفي ١: ٣٠٧ رسالة أمير المؤمنين(عليه السلام) لأصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر.

2- المصدر نفسه.

3- صحيح البخاري ٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.


الصفحة 305

وسؤالي هو: لماذا يوجد هذا الإجماع الكبير من المسلمين غير الشيعة الإمامية من ذاك الوقت، وحتّى يومنا هذا حول صحّة خلافة أبي بكر, هذا بالإضافة إلى أنّ البعض يقول: بولاية عليّ(عليه السلام) الدينية وخلافة أبي بكر السياسية, أو ليس مبايعة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد ستّة أشهر ملزمة لنا، كون أصحابه وأهل بيته قد بايعوا أبا بكر بعدها، ونحن علينا أن نمضي قدماً كما فعل عليّ وأصحابه، أو ليس سكوت عليّ(عليه السلام) يوجب سكوتنا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الإجماع الذي ادّعيت وجوده على خلافة أبي بكر لم يثبت! لا في أوّل خلافته، ولا في القرون التي تلته، وإنّما هي دعوى تمسّك بها أهل السُنّة لتصحيح خلافته عندما أعوزتهم الدلائل.

إذ كيف يدّعى الإجماع وقد خالف عليّ(عليه السلام) ، وبنو هاشم، وبعض الصحابة، وقسم من الأنصار مع سعد بن عبادة؟! هذا في أوّل الأمر، حيث لم يتميّز المسلمين إلى فرقتين شيعة وسُنّة، وأمّا بعد ذلك فإجماع أهل السُنّة لا يغني شيئاً! لأنّهم شطر من المسلمين مقابل الشيعة، ولا حجّة في إجماع قسم من المسلمين، أو مذهب من المذاهب على غيرهم! مع أنّ غالبية المسلمين الذين يعتقدون صحّة خلافة أبي بكر في القرون المتوالية قد غيّبت عنهم الحقيقة بفعل علماء السوء وسلاطين الجور، بالإضافة إلى الجهل المطبق الذي يرزح تحته أغلبية أُولئك المسلمين.

وذلك الجهل الذي في نحو من أنحائه جعل شطراً من الدارسين لا يفهمون مرامي ودلالات كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في نصوص تنصيبه لعليّ(عليه السلام) إماماً وخليفةً


الصفحة 306

للمسلمين، وأصبحوا بتأثير بيئتهم وثقافتهم يفسّرون كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) بولاية عليّ(عليه السلام) على أنّه ولاية دينية لا سياسية، وافترضوا من عند أنفسهم وجود افتراق بين الولايتين في الإسلام، مع أنّ ولاية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته والتي أثبتها لعليّ(عليه السلام) بعد وفاته لم تكن إلّا ولاية واحدة شاملة، إذ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم غدير: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، فأثبت ولاية نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم لعليّ(عليه السلام) ، ولا يستطيع متخرّص أن يدّعي أنّ المراد من ولايته هي الولاية الدينية، إذ أشهدهم قبل ذلك على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم من أنفسهم؛ فتامّل!

وأمّا بيعة عليّ(عليه السلام) المدّعاة بعد ستّة أشهر ــ ونحن لا نقرّ بذلك لوجود نصوص عندنا تنفي وقوعها، وأنّه كانت منه موادعة لا بيعة ــ فإنّها كانت تحت وطأة التهديد أو الاضطرار، وكان الإمام(عليه السلام) مكرهاً عليها، ولا شرعية للبيعة إذا كان مكرها عليها، ولا حجّة فيها على أصحابه وشيعته إلى يوم الدين. وإذا كان عليّ(عليه السلام) مكرهاً في ذلك الوقت، فنحن غير مكرهين الآن.

(بيعة أبي بكر بين الترغيب والترهيب)

« أشرف ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وأمّا بعد، أنا أودّ أن أسأل:

كيف بايع المسلمون كلّهم أبا بكر بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبايعوا الإمام عليّاً(عليه السلام) ؟


الصفحة 307

ولماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته؟

وهل قال الإمام للناس بأن يبايعوا أبا بكر، ونفس الشيء مع عمر وعثمان؟

خاصّة بأنّنا حسب ما نقول بأنّ حديث يوم غدير خمّ من أصحّ الأحاديث، وأنّ الحجيج كلّهم سمعوا الحديث, فكيف خالفوا أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بمبايعة الإمام عليّ(عليه السلام) بعده؟

ودمتم برعاية المولى.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يفهم من سؤالك أربعة أسئلة:

السؤال الأوّل: كيف بايع الناس كلّهم أبا بكر، ولم يبايعوا الإمام عليّاً(عليه السلام) بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وجوابه:

أوّلاً: لم يبايع جميع المسلمين أبا بكر! بل امتنع عنها الأنصار في بادئ الأمر، ثمّ رجعوا لحلبة الصراع ضمن تداعيات معروفة منها رفعهم شعار منا أمير ومنكم أمير، ثمّ بايع بعضهم وبقي البعض الآخر كسعد بن عبادة ومن تبعه من أهل بيته.

ولم يبايع علّية الصحابة وخيرتهم، مثل: عمّار، وأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد بن الأسود الكندي، وغيرهم، واعتصموا رافضين في بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وامتنع البيت الهاشمي برمّته، تبعاً لعليّ(عليه السلام) ، ويكفي امتناع عليّ(عليه السلام) نقضاً لها (للبيعة)، أقلاًّ


الصفحة 308

لما قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحقّه ويروونه في كتبهم: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)(1)، فلو كانت بيعة أبي بكر حقّاً لما تخلّف عنها عليّ(عليه السلام) ، وتخلّفه عنها شاهد بطلانها بنفس ملاك الحديث، كما أنّ امتناع أبي ذرّ شاهد آخر لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذرّ)(2)، فلو كان قد بايع لقلنا: أنّ الحقّ مع أبي بكر لامتناع الكذب عليه وفق الحديث، وما دام لم يبايع فهذا معناه أنّه لا يسمح للسانه أن ينطق مكذّباً بالحقّ وبإعطاء الخلافة لغير أهلها, كأبي بكر، فإنّه إذا نطق بالبيعة؛ فبداعي الصدق لا بدّ أن يلتزم بها، كما أنّه بداعي الصدق سيلتزم بولاء عليّ(عليه السلام) ، لأنّه يقرّ له بالحقّ، ولازم الالتزامين النفاق، وما دام أبو ذرّ التزم جانب أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم يبايع أبا بكر، فقد صار (رضي الله عنه) مصداقاً ودليلاً لثبوت حقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة لمن لا يقبل الحجّة إلّا بدليل خارج عن شخص الإمام عليّ(عليه السلام) ، فضلاً على كون سلوك أبي ذرّ، هذا فيه دلالة تامّة على صحّة قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.

ثانياً: بيعة أغلب من حضر في المدينة لرجل لا يعني أحقّية ذلك الرجل بالخلافة والقيادة! خاصّة مع علمنا بمعرفتهم بعدم استحقاق من بايعوه، بل علمهم

____________

1- انظر: سنن الترمذي ٥: ٢٩٧ كتاب المناقب، باب مناقب عليّ (ع) الحديث ٣٧٩٨، مسند أبي يعلى ١: ٤١٩ الحديث ٥٥٠، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٢٤، تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ١٤: ٣٢٢، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٤٩ ترجمة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) .

2- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٢٦ كتاب الفضائل، باب ٣٢ الحديث ١ ــ ٣، مسند أحمد بن حنبل ٢: ١٦٣، ٥: ١٩٧، ٦: ٤٤٢، سنن ابن ماجة ١: ٥٥ الحديث ١٥٦، سنن الترمذي ٥: ٣٣٤ الحديث ٣٨٨٩، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٣٤٢، ٤: ٤٨٠.


الصفحة 309

باستحقاق من تركوا بيعته في يوم السقيفة ــ نعني: الإمام عليّاً(عليه السلام) ــ فتكون بيعتهم بهذا اللحاظ لغيره إمّا عن نفاق، أو بغض، أو حسد، أو ارتداد عن الحقّ، أو إغراء، أو تخويف، أو عن عقد الماضي، أو طلب لمصالح المستقبل، أو نسيان لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأوامرهما، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة.

والشاهد على ذلك: ما ورد من كلام أمير المؤمنين في (نهج البلاغة): (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي)(1).

ثالثاً: ثمّ من القائل أنّه ــ أي الأُمّة ــ لم تبايع عليّاً(عليه السلام) ؟

أليس قد بايعته في غدير خمّ على الولاية وخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم), وهذا أمر ذو شجون يُرجع إلى مظانّه للتوسعة فيه.

ولا نحسب الانقلاب بعد ذلك أمراً صعباً على أُمّة انقلبت يوم أُحد، وتمنت الرجوع إلى الشرك طلباً للسلامة, حتّى قال الله تعالى: ﴿أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم(2)(3)، ويوم حُنين بما أثبته القرآن كشاهد تاريخي دائم الحياة بقوله تعالى: ﴿وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئاً وَضَاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرِينَ(4)(5), بمعنى انقلابهم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتركهم نصرته، وهذا معلوم.

____________

1- الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ١٧٦، الغارات، للثقفي ١: ٣٠٩، شرح نهج البلاغة ٩: ٣٠٥ خطبة ١٧٣، و١١: ١٠٩ ـ٢١١ـ.

2- آل عمران ٣: ١٤٤.

3- انظر: تفسير السمعاني ١: ٣٦٣ ــ ٣٦٥، تفسير البغوي ١: ٣٥٨، تفسير النسفي ١: ١٨٢.

4- التوبة ٩: ٢٥.

5- انظر: تفسير الثعلبي ٥: ٢٣، تفسير السمعاني ٢: ٢٩٨ أبواب الفتن، باب ١٦.


الصفحة 310

وفي طلبهم من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تكون لهم ذات أنواط كما أنّ للمشركين ذات أنواط، وذلك خلال رؤيتهم للشجرة التي كان المشركون يضعون أسلحتهم عليها ويعبدونها، وقد كان ذلك خلال مسير المسلمين إلى حرب حُنين(1).

رابعاً: وأمّا كيف حصلت البيعة، فبالكيفية المعروفة التي حسمت بها الخلافة لأبي بكر في السقيفة، وفي غياب صاحب الحقّ الإمام عليّ(عليه السلام) المنشغل برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتغسيله وتكفينه وتجهيزه، ومعه عمّه العبّاس وباقي بني هاشم، وإنهاء الموضوع في ظرف لم يسمح للإمام عليّ(عليه السلام) بالحركة الفعلية والاعتراض الميداني الآني، لما ذكرناه من انشغاله برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)...

وقطعاً هناك أسباب ومناشئ أُخرى أعرضنا عنها هنا لكفاية الجواب في هذا الباب.

خامساً: نلفت النظر إلى أنّ حصول البيعة من الناس وعدم حصولها لم يكن يعني الشيء الكثير بالنسبة للعصبة التي استولت على الحاكم وأذرعها المتحالفة معها، ولعلّ عموم الناس فهموا ذلك، فرأوا البيعة خيراً من عدمها للآثار المترتّبة على ذلك التي يخالفها أكثر الناس.

نعم، إنّ وقوع البيعة كان مرغوباً من الناحية الشكلية لتصويرها مأطّرة بالتأييد الشعبي، وإن كانت بحقيقيها مشروعاً حزبياً. فالأمر كان ماضياً على كلّ حال سواء بايع الناس، أم لم يبايعوا.

____________

1- انظر: مسند الطيالسي: ١٩١، المصنّف، لعبد الرزّاق ١١: ٣٦٩ الحديث ٢٠٧٦٣، مسند الحميدي ٢: ٣٧٥، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٦٣٤ الحديث ٢٦٧، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢١٨ حديث أبي واقد الليثي، سنن الترمذي ٣: ٣٢١ الحديث ٢٢١٧، صحيح ابن حبّان ١٥: ٩٤.


الصفحة 311

والدليل: أنّ عمر تسنّم المنصب بعد ذلك ليس على أساس البيعة، واتّبعه الناس رغم أنّها آلت إليه بوصية ممّن سبقه عليه، وكذا عثمان بن عفّان إنّما جاءه المنصب لا بالبيعة ولا بالوصية، إنّما بأُسلوب آخر هذه المرّة، وهي الشورى المدّعاة، واتّبعه المسلمون أيضاً!

والعجيب أنّ عليّاً(عليه السلام) بويع له بالولاية في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تنفذ من الناحية الظاهرية بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)!! ممّا يدلّل على أنّ المقاييس التي حكمت الوضع الإسلامي ليست هي نفسها التي أرادها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن بايعوه لم يتّبعوه، ومن حصل على الخلافة ببيعة مدعاة أو نص أو شورى ــ وهذه الثلاثة لا تمنح لصاحبها حقّاً ما حسب المقياس الإسلامي الصحيح كما قلنا ــ أقروا له بها وأطاعوه!!

السؤال الثاني: لماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته.

والجواب: من قال ذلك؟! حيث يمكن القول:

أوّلاً: قد دعاهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواطن كثيرة للالتزام بإمامة عليّ(عليه السلام) استغرقت زمناً بعمق تاريخ الدعوة من يومها الأوّل إن لم نقل بأوّل ساعة منه، إلى آخر يوم فيها إن لم نقل في آخر ساعة منه(1), وتوّجها بيوم الغدير، وأخذ البيعة لعليّ(عليه السلام) بعد نصب الفسطاط له، وإيجاب السلام عليه بإمرة المؤمنين، وكان أوّل الداخلين عليه

____________

1- ذكر العلّامة الحلّي في كتابه نهج الحقّ: ٢١٢ ــ ٢٣١ ـ٢٨ـ مورداً منها، وانظر: مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، لابن المغازلي: ٩٤ الحديث ١١٤، ٢١٢، مسند أحمد بن حنبل ١: ١١١، و٤: ٤٣٨، صحيح البخاري ٤: ٢٠٨، و٥: ١٢٩، و٧: ١٢٠، وصحيح مسلم ٧: ١٢٠، ١٢١، المعجم الكبير، للطبراني ٦: ٢٢١.


الصفحة 312

الخليفتان الأوّل والثاني وبايعاه، وقال عمر في ذلك كلاماً بقي شاهداً عليهم ما بقي الدهر واستمر العصر(1).

ثانياً: ودعاهم عليّ(عليه السلام) في أوّل أيام غصب الخلافة عندما أرادوا أخذ البيعة منه كرهاً، ويوم الشورى أيضاً، بل إنّ جملة مواقف الإمام(عليه السلام) التي وقفها قبال من تسنّم مسند الخلافة، وقبال أُسلوب إدارتها، هو بالواقع عين الدعوة للناس بالنظر إلى حقّه والرجوع إلى إمامته والقول بها.

ثالثاً: إنّ دعوة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وإعلانه المكرّر على خلافته وإمامته الذي كان يصدر منه كلّما سنحت الفرصة لا يأتي إلّا تحصيلاً للحاصل, فالمسلمون عارفون بتلك الخلافة، وهاتيك الإمامة، وقد اتخمت أذانهم بنداءات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، وأشبعت نفوسهم بضرورتها، ولكن...

رابعاً: ترك الإمام(عليه السلام) أُسلوب الفعل العملي والإصرار على خلع الواضع لنفسه خليفة ولو بالسيف إنّما يأتي من باب الالتزام بوصية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، ومن باب الخوف على الأُمّة من الارتداد عن الإسلام، فقبل الإمام(عليه السلام) بأهون الضررين، وأخفّ الشرّين، من باب التزاحم وتقديم الأهمّ، وهو بقاء الرسالة وديمومة الدين، ولو بحدّه الأدنى وبنوعه الشكلي على المهم، وهو حقّه في قيادة المجتمع وخلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

1- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٣ الحديث ٥٥ كتب الفضائل، فضائل عليّ (عليه السلام) ، مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٨١، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٢٣٠ ــ ٢٣٤، تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ٨: ٢٨٤، تفسير الثعلبي ٤: ٩٢.


الصفحة 313

خامساً: إنّ عدم دعوة الإمام(عليه السلام) لنفسه كخليفة وعدم مطالبته لحقّه ــ لو سلّمنا به حسب الدعوى ــ لا تخرجه بالمرّة عن مهام الخلافة ووظيفة الإمامة! لقولنا بأنّ خلافة الإمام(عليه السلام) وإمامته بجعل شرعي لا بتنصيب بشري وفق معتقداتنا بأهل البيت(عليهم السلام) أهل العصمة والطهارة والإمامة، وعدم بيعة الناس له وعدم مطالبته بحقّه لا تعفيه من منصبه ولا تقيله من مسؤولياته وفق مبنى كون الإمامة بالجعل لا بالترشيح والانتخاب؛ فتأمل في ذلك!

السؤال الثالث: هل قال الإمام(عليه السلام) للناس بأن يبايعوا أبا بكر وعمر وعثمان؟

والجواب عليه:

أوّلاً: أنّه لم يؤثر عنه ذلك حتّى نعتمده كدليل على هذا المدّعى، وعدم الدليل دليل العدم كما يقول الفلاسفة.

ثانياً: أنّه بنفسه لم يبايع، فعدم بيعته للخليفة ودعواه أنّها حقّه الشرعي دليل على ضرورة أن يكون موقف أصحابه كموقفه في عدم البيعة، لقوله(عليه السلام) : (ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه...)(1).

ثالثاً: إنّ أتباعه فعلاً لم يبايعوا واعتصموا، ولاقوا في سبيل ذلك الأمرّين، وقد اعتصموا معه في بيت فاطمة(عليها السلام) ، ومن بايع منهم فيما بعد فقد بايع مكرهاً، وحتّى لو فرضنا أنّ الإمام(عليه السلام) سمح لهم بالبيعة بعد الإكراه، فهذا أوّلاً دالّ على الجواز لا الوجوب, وثانياً: مقتضاه ما أسلفنا من ضرورة تقديم الأهمّ على المهم، وثالثاً: غرضه الحفاظ على رجال يكون لهم شأن في نشر الإسلام في الغد والمحافظة عليه.

____________

1- نهج البلاغة ٣: ٧٠ من كتابه إلى عثمان بن حنيف رقم ٤٥.


الصفحة 314

رابعاً: سيكون أمره (عليه السلام) بالبيعة لغيره نقضاً لبيعته أوّلاً، أو تحميل الآخرين بيعتين في آن واحد! وهذا ممتنع، ثانياً: إعطاء مشروعية لغيره الذي بايعوه ــ أبا بكر ــ، ثالثاً: وهذا ممّا لا يراه الإمام(عليه السلام) أقلاًّ لقوله: (لقد تقمّصها ابن أبي قحافة...)(1).

خامساً: إنّ أتباعه احتجّوا على الخليفة الأوّل بحقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة وبطلان خلافته هو(2)، ولو كانوا مأمورين بالبيعة كيف يصحّ منهم الاحتجاج؟!

السؤال الرابع: كيف خالفوا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم بيعتهم عليّاً(عليه السلام) ؟

وجواب هذا السؤال بات واضحاً ممّا سبق، وممّا أثبته التاريخ وكتب السيرة من سوابق مخالفاتهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، وتفصيل ذلك في العديد من أجوبتنا تحت عنوان الإمام عليّ(عليه السلام) ؛ فراجع!

(استعانته بقبيلة أسلم)

« حسن صالح ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أريد أسأل سماحتكم عن: قبيلة أسلم من هي؟ وكيف جاءت لمساعدة أبي بكر؟

____________

1- نهج البلاغة ١: ٣٠ خطبة ٣ المعروفة بالخطبة الشقشقية.

2- الخصال، للصدوق ١: ٤٦١ ــ ٤٦٥ أبواب الاثني عشر، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ١٣٧.


الصفحة 315

وماذا فعلوا في يوم السقيفة؟ هل جاءوا لمجرّد التهديد، أم حصل قتل وسفك دماء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قبيلة أسلم قبيلة من قبائل الأعراب التي تسكن البادية حوله المدينة، روى الشيخ المفيد في كتابه (الجمل) عن زايدة بن قدامة: ((قال: كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها ــ أي: لتأخذ الطعام من المدينة إلى محلّ سكناها ــ فشغل الناس عنهم بموت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فشهدوا البيعة وحضروا الأمر، فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم، وقال لهم: خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا، فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه.

قال: والله لقد رأيت الأعراب تحزّموا، واتّشحوا بالأُزر الصنعانية، وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتّى خبطوا الناس خبطاً، وجاءوا بهم مكرهين إلى البيعة))(1).

وهناك من يقول: كان هناك اتّفاقً بين أبي بكر وعمر وأنصارهما وبين هذه القبيلة لتوقيت الدخول في هذا الوقت، باعتبار أنّ عمر أيقن بالنصر، كما قال عند رؤيته لهذه القبيلة، فقد روى الطبري عن هشام: ((قال أبو مخنف: فحدّثني أبو بكر ابن محمّد الخزاعي: أنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر))(2).

____________

1- الجمل: ٥٩ دعوى الإجبار في البيعة.

2- تاريخ الطبري ٢: ٤٥٨ ذكر الخبر عمّا جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة.


الصفحة 316

وبالتالي فهذا القائل يرجّح أنّ هناك اتّفاقاً بين الطرفين، فكأنّ عمر كان يتوقّع حضورهم، فإنّ الذي فعلته القبيلة عند حضورها، هو المبايعة لأبي بكر؛ ففي (الكامل في التاريخ) لابن الأثير: ((وجاءت أسلم فبايعت فقوي أبو بكر بهم وبايع الناس بعد))(1).

ولا يظهر من الروايات أنّه حصل سفك للدماء بمعونة مباشرة من هذه القبيلة.

نعم، إنّ أبا بكر قويّ جانبه بهذه الجماعات، وبذلك استطاع تهديد بني هاشم وغيرهم من الرافضين لبيعته.

(رأيُ أبي قحافة في خلافة ابنه)

« عبد الله أحمد ــ الأردن »

السؤال:

قرأت في بعض المواقع: بأنّ أبا قحافة كان يرى بأنّ ابنه أبا بكر لا يليق بالخلافة، وأنّه لا يمتلك أيّ شرط من شروطها، وكان مستغرباً من وصول ابنه إلى دفّة الحكم، وكان يعتقد بأنّ الخلافة من حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) .

هل هذا صحيح؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الكامل في التاريخ ٢: ٣٣١ حديث سقيفة.


الصفحة 317

ورد في ذلك روايات؛ نذكر منها: ما جاء في كتاب (الاحتجاج) للعلّامة الطبرسي(رحمه الله)، حيث قال: ((روي أنّ أبا قحافة كان بالطائف لمّا قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبويع لأبي بكر، فكتب ابنه إليه كتاباً عنوانه: من خليفة رسول الله إلى أبي قحافة.

أمّا بعد: فإنّ الناس قد تراضوا بي، فإنّي اليوم خليفة الله، فلو قدمت علينا كان أقرّ لعينك.

قال: فلمّا قرأ أبو قحافة الكتاب، قال للرسول: ما منعكم من عليّ؟ قال (الرّسول): هو حدث السنّ، وقد أكثر القتل في قريش وغيرها، وأبو بكر أسنّ منه.

قال أبو قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسنّ، فأنا أحقّ من أبي بكر، لقد ظلموا عليّاً حقّه، وقد بايع له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرنا ببيعته!!

ثمّ كتب إليه: من أبي قحافة إلى ابنه أبي بكر.

أمّا بعد، فقد أتاني كتابك فوجدته كتاب أحمق، ينقض بعضه بعضاً، مرّة تقول: خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومرّة تقول: خليفة الله، ومرّة تقول: تراضى بي الناس! وهو أمر ملتبس، فلا تدخلنّ في أمر يصعب عليك الخروج منه غداً، ويكون عقباك منه إلى النار والندامة، وملامة النفس اللوّامة لدى الحساب بيوم القيامة، فإنّ للأُمور مداخل ومخارج، وأنت تعرف من هو أولى بها منك، فراقب الله كأنّك تراه، ولا تدعنّ صاحبها، فإنّ تركها اليوم أخفّ عليك وأسلم لك (والسلام)))(1).

____________

1- الاحتجاج ١: ١١٥، ذكر طرف عمّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من اللجاج الحجاج في أمر الخلافة.


الصفحة 318

(قوله: أقيلوني أقيلوني)

« أبو هاشم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نقول: إنّ أبا بكر كان طامعاً في الخلافة والرئاسة، فكيف يقول: أقيلوني أقيلوني.. وهو طامع فيها؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد تعجّب الإمام عليّ(عليه السلام) من هذا السلوك المتناقض لأبي بكر، فقال(عليه السلام) : (فيا عجبا! بينما هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته)(1)!!

وقد ورد عندنا رواية تشير إلى أنّ طلب أبي بكر الإقالة كان بعد أن قام مجموعة من الصحابة لمحاججته، وأنّه ليس الأحقّ بالخلافة فأفحم، فطلب الإقالة(2).

وفي (الإمامة والسياسة): أنّ طلب الإقالة كان في جمع من الناس بعد أن خرج من بيت فاطمة(عليها السلام) التي قالت له: (والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أصلّيها)(3)، فيكون طلبه الإقالة بعد أن ألزمته الحجّة، وأُحصر عن الجواب أمام الناس.

____________

1- نهج البلاغة ١: ٣٢ الخطبة ٣ المعروفة بالشقشقية.

2- انظر: الاحتجاج، للطبرسي ١: ٩٧ ــ ١٠٤ الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر في المسجد.

3- الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٠ كيف كانت بيعة عليّ كرّم الله وجهه.


الصفحة 319

(معنى لفظة: (فلتة) في قولة عمر المشهورة)

« خادم أهل البيت ــ السعودية »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

قال عمر في الحديث المعروف: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة)).

ما هو المقصود بالفلتة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ذكر ابن الأثير في (النهاية) أنّ الفلتة هي الفجأة، وقال: ((ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى! والفلتة: كلّ شيء فُعِل من غير روية، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر)).

ثمّ قال: ((وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة، أي: أنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلّدها أبو بكر إلّا انتزاعاً من الأيدي واختلاساً))(1).

فبيعة أبي بكر إمّا أن نقول: إنّها حصلت فجأة من دون تروي، وإنّما استبق إليها أبو بكر استباقاً، أو نقول: إنّ البيعة حصلت خلسة بين جماعة اجتمعت في السقيفة!

فأيّة فضيلة تكون لبيعة تحصل خلسة، أو تسرق من أصحابها سرقةً؟!! ولو لم تكن بمثل هذا السوء لما قال عمر: ((الله وقى شرّها))، ونهى عن العودة لمثلها(2).

____________

1- النهاية في غريب الحديث ٣: ٤٦٧ حرف الفاء، باب الفاء مع اللام.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٥٥ حديث السقيفة، صحيح البخاري ٨: ٢٥ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.


الصفحة 320

ومن معاني (الفلتة) هو: الزلّة(1)، فبيعة أبي بكر وقت عمر وقت قوله ذاك، كانت زلّة، والذي يرجّح هذا المعنى هو وصفها بالشرّ من قبل عمر.

ويعرف مدى قبح تلك البيعة حتّى عند عمر من قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))(2).

تعليق:

« محمود الأحمد ــ سوريا ــ سُنّي »

لماذا لم تتمّوا حديث عمر(رضي الله عنه) عن أبي بكر(رضي الله عنه): ((...لأنّه ليس فيكم من تشرئب له الأعناق مثل أبي بكر))؟! ولأنّ هذا هو ديدنكم تكذبون وتدلّسون.

ألا لعنة الله على الكاذبين.

____________

1- دلائل النبوّة، للبيهقي ١: ٢٩٧ حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله، غريب الحديث، لابن قتيبة ١: ٢١٥ حديث ابن أبي هالة التميمي، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير ٥: ١٦، باب النون مع التاء، مجمع البحرين ٢: ٢١٣ كتاب التاء، باب ما أوّله الفاء.

2- تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٨ أيام عمر بن الخطّاب، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني: ٤٩٥، باب الكلام في إمامة عمر، والشافي في الإمامة ٢: ١١٤ الوجوه الدالة على فساد النص على أبي بكر، المغني، للقاضي عبد الجبّار ٢٠: ٣٣٩ ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، الملل والنحل، للشهرستاني ١: ٢٤ المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، شرح المقاصد في علم الكلام ٢: ٢٩٣ الفصل الرابع في الإمامة، المبحث الخامس، الصواعق المحرقة، للهيتمي: ٣٦ الباب الأوّل، الفصل الخامس، شرح المواقف، للجرجاني ٨: ٣٥٨ المرصد الرابع في الإمامة، نهاية الأقدام في علم الكلام، للشهرستاني: ٢٦٩ القول في الإمامة، تذكرة الخواص، لابن الجوزي ١: ٣٥٤ الباب الثالث في ذكر خلافته.


الصفحة 321

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ما تحاوله من تأويل للمعنى الظاهر في قولة عمر المشهورة: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة))، اعتذاراً له، نظراً إلى ما نسب إليه من قوله بعدها في الرواية: ((وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر))(1)، قد حاوله قبلك ابن تيمية الحرّاني اتّباعاً لمن سبقه ــ وسيأتي إيراد أقوالهم قريباً ــ .

قال: ((قال الرافضي: وقال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، ولو كانت إمامته صحيحة لم يستحقّ فاعلها القتل، فيلزم تطرّق الطّعن إلى عمر. وإن كانت باطلة لزم الطعن عليهما معاً.

والجواب: إنّ لفظ الحديث سيأتي، قال فيه: ((فلا يغترّن امرؤ أن يقول: (إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت. ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى اللّه شرّها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، ومعناه: إنّ بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريّث ولا انتظار; لكونه كان متعيّناً لهذا الأمر. كما قال عمر: (ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)))(2).

وقال في موضع آخر: ((ومعنى ذلك أنّها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها ولا تهيّأنا; لأنّ أبا بكر كان متعيّناً لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها النّاس; إذ كلّهم يعلمون أنّه أحقّ بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر، فمن أراد أن ينفرد ببيعة

____________

1- صحيح البخاري ٨: ٢٦، باب رجم الحبلى من الزنا.

2- منهاج السُنّة ٥: ٤٦٩، فصل: مناقشة ابن المطهّر في ذكره لمثالب أبي بكر.


الصفحة 322

رجلٍ دون ملأٍ من المسلمين فاقتلوه. وهو لم يسأل وقاية شرّها، بل أخبر أنّ الله وقى شرّ الفتنة بالاجتماع))(1).

لكن هذا لا يخرج عن كونه تأويلاً وتحميلاً على النصّ لا يغني عن ظاهر المعنى المفهوم من قولة عمر ((فلتة))، والمتّسق مع الذوق العربي.

فوجود العبارة المدّعاة بعد قوله: ((فلتة)) لا يغيّر من المعنى المراد شيئاً، إذ بيعة أبي بكر تبقى في رأي عمر فلتة وإن اعتذر منها، وهذا غاية الذمّ والقدح، خاصّة بعد قوله: ((الله وقى شرّها))، فنسبها إلى الشرّ إذ الضمير يعود إليها، بل أكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، وهو مناقض لما يرومه ابن تيمية والذين من قبله من معنى! إذ حسب تأويلهم لا بدّ وأن يقول: الله وقى بها الشرّ، لا ((الله وقى شرّها))، وقول عمر بعدها إن صحّ ــ سيأتي ما فيه ــ فهو اعتذار عن الفلتة لا تصحيح للفلتة كما يتعسّف به أهل السُنّة.

وإذا أردنا التفصيل فيما سبرنا من أعذار وتأويلات القوم، فنقول:

إنّ أوّل من وصف بيعة السقيفة بـ(الفلتة) هو أبو بكر بن أبي قحافة صاحب البيعة نفسه، فقد خطب بعد بيعته مباشرة متعذّراً، بما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف)، قال: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن محمّد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري، قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كلّه علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً قدّام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاه

____________

1- منهاج السُنّة ٨: ٢٧٨ قول الرافضي: الثاني قول عمر: بيعة أبي بكر فلتة.


الصفحة 323

هلك. ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّى خشيت فتنة...))(1).

ورواه ابن أبي الحديد عن الجوهري، قال: ((قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام) معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم: أُسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام) ، وناشدتهم الله. فأخذوا سيفي عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، وخشيت الفتنة...))(2)؛ وفي الخبر ما يعلم كذبه من قول أبي الأسود أنّ عليّاً والزبير بايعا وقبلا عذره، وقالا: ((ما غضبنا إلّا في المشورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها...))(3) الخ، فإنّ عليّاً(عليه السلام) بايع بعد ستّة أشهر كما في الصحيح عندهم، أو لم يبايع مختاراً كما هو الثابت عندنا.

واعتذار أبي بكر يتناسب وكون معنى (الفلتة) الزلّة أو الخلسة، وحتّى لو كان معناها الفجأة والبغتة، فإنّه لا يخرجها عن وجود ما يلام فيها ويذمّ حتّى يحتاج أبو بكر للاعتذار منها، فالاعتذار لا يكون إلّا عن جريرة وخطأ.

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٩١ ـ١١٩٦ـ أمر السقيفة وبيعة أبي بكر، العثمانية، للجاحظ: ٢٣١، سبل الهدى والرشاد، للشامي ١٢: ٣١٥، الباب الثالث والثلاثون: في ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر.

2- شرح نهج البلاغة ٢: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

3- المصدر نفسه.


الصفحة 324

وأنت ترى في رواية أبي الأسود بدايات محاولات التأويل؛ بأنّ البيعة جرت من غير مشورة حتّى اعترف أبو بكر بأنّها فلتة، أي: أنّها صارت فلتة لأنّها جرت من غير مشورة.

وهذا التأويل أقرب من عذر أبي بكر بأنّه خاف الفتنة، لأنّ الفتنة وقعت فيها! إذ خالف الأنصار وردّها سعد بن عبادة ومن معه، وعليّ(عليه السلام) ، وبنو هاشم ومن معهم.

وإلى هنا لا تجد شيئاً من محاولات جعل (الفلتة) حسنة، وأنّ أبا بكر هو المتعين لها، وإنّما الاعتراف بكونها فلتة لأنّها جرت من غير مشورة ثمّ الاعتذار عنها بخوف الفتنة، أو الاعتراف بأنّها خطأ يوجب الاعتذار منه.

ولكن هذا لا يرضي الملكيين المتأوّلين، فرغم اعتراف أبي بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، نجد الضحّاك بن خليفة حسب نقل سيف بن عمر الكذّاب يدّعي أنّ خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة كان هو الفلتة، لا أنّ البيعة الفلتة كانت لأجل خوف الفتنة.

روى ذلك الطبري، قال: ((حدّثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لمّا قام الحبّاب بن المنذر انتضى سيفه، وقال: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه، ثم وثب على سعد، ووثبوا على سعد، وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتله الله إنّه منافق، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه))(1).

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٤٥٩ ذكر خبر ما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة.


الصفحة 325

والكذب في هذه الرواية من جهات، أوضحه ما ذكره من مبايعة سعد، فإنّ سعداً لم يبايع حتّى قتل في الشام، ونحن لا نعرف من الكاذب فيها، هل هو سيف أو الضحّاك؟!

ثمّ بعد ذلك نجد آخرين يخوضون ويدورون في تأويلاتهم، يقرّبون البعيد ويبعّدون القريب، عند ذكرهم لاعتراف عمر بعد أبي بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، من أجل قلبها إلى فضيلة.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت٢٢٤هـ) في (غريب الحديث): ((قوله: افتلتت نفسها، يعني: ماتت فجأة لم تمرض فتوصي ولكنّها أخذت فلتة، وكذلك كلّ أمر فعل على غير تمكّث وتلبّث فقد افتلت، والاسم منه الفلتة. ومنه قول عمر في بيعة أبي بكر: إنّها كانت فلتة، فوقى الله شرّها. إنّما معناه: البغتة، وإنّما عوجل بها مبادرة لانتشار الأمر والشقاق، حتّى لا يطمع فيها من ليس لها بموضع، وكانت تلك الفلتة هي التي وقى الله بها الشرّ المخوف))(1).

فتحوّلت عنده من كونها مورد للذمّ إلى مورد للمدح بعد أن وقى الله بهذه البيعة الفلتة الشرّ المخوف، وكأنّ عمر لم يكن يعرف العربية عندما نسب الشرّ لنفس البيعة، وقال: ((وقى الله شرّها)) بدل أن يقول: ((وقى الله بها الشرّ)).

وقال أبو عبيد أيضاً: ((في حديث عمر أنّه خطب الناس، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها.

وعن ابن عوف، قال: خطبنا عمر، فذكر ذلك وزاد: أنّه لا بيعة إلّا عن مشورة، وأيّما رجل بايع من غير مشورة فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.

____________

1- غريب الحديث ٢: ٢٣١، ٢٣٢ مادّة (فوت).


الصفحة 326

قال شعبة: فقلت لسعد: ما تغرّة أن يقتلا، قال: عقوبتهما أن لا يؤمّر واحد منهما.

قال أبو عبيد: وهذا مذهب ذهب إليه سعد تحقيقاً لقول عمر: لا يؤمّر واحد منهما، وهو مذهب حسن، ولكن التغرّة في الكلام ليست بالعقوبة، وإنّما التغرّة: التغرير، يقال: غررت بالقوم تغريراً وتغرّة...

إلى أن قال: وإنّما أراد عمر: أنّ في بيعتهما تغريراً بأنفسهما للقتل، وتعرّضاً لذلك، فنهاهما عنه لهذا، وأمر أن لا يؤمّر واحد منهما لئلاّ يطمع في ذلك فيفعل هذا الفعل.

وأمّا قوله: فلتة، فإنّ معنى الفلتة: الفجأة، وإنّما كانت كذلك لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب محمّد(صلى الله عليه وسلم) من المهاجرين وعامّة الأنصار إلّا تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة، فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها، ولو علموا أنّ في أمر أبي بكر شبهة وأنّ بين الخاصّة والعامّة فيه اختلافاً ما استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة، ولو استجازوه ما أجازه الآخرون إلّا لمعرفة منهم به متقدّمة، وهذا تأويل قوله: كانت فلتة وقى الله شرّها))(1).

فانظر إليه كيف يناقض آخر كلامه أوّله، فأيّ فجأة في بيعة اجتمع عليها أكابر أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين وعامّة الأنصار؟! وهل يصحّ أن يقال على مثل هذه البيعة ــ التي لم تقع على الصفة التي ذكرها إلّا في خياله، وصحيح النصوص كما في حديث عمر في البخاري يكذّبها ــ بـ(الفلتة).

____________

1- غريب الحديث ٣: ٣٥٥ ــ ٣٥٧ مادّة (غرر)، المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده ٩: ٤٩٤ التاء واللام والفاء.


الصفحة 327

ولكن عمر لمّا كان يعرف ما وقع من خلاف الأنصار وعدم بيعة سعد ومن معه، وعليّ(عليه السلام) وبنو هاشم ومن معهم، كما ذكر ذلك في كلامه، وأنّه لم تكن مشاورة كما عرّض لذلك فيه حقّ له أن يصفها بالفلتة.

وإنّك تجد في كلام أبي عبيد محاولة التعليل والاعتذار بادّعاء انفراد أبي بكر في الفضل، بحيث لا يقارنه أحد، ولذا أخضع له المهاجرين والأنصار، فتمسك بهذا من جاء بعده في تأويل الفلتة.

ولكنّي أعجب كيف يوقع التأويل صاحبه في التناقض! حيث قال: ((فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها))، فكأنّه يقول: إنّ الفلتة الشرّ وقت بنفسها شرّ نفسها، أو أنّ الله وقى المسلمين شرّ الفلتة بنفس شرّ الفلتة!! فيا لله والتأويل! ولكن الحمد لله أنّه اعترف في آخر كلامه بأنّه تأويل!!

وردّ عليه الخطّابي (ت٣٨٨هـ) بقوله: ((قد تكون الفلتة بمعنى الفجاءة، وليست بالذي أراد عمر ولا لها موضع في هذا الحديث، ولا لمعناها قرار هاهنا، وحاش لتلك البيعة أن تكون فجاءة لا مشورة فيها، ولست أعلم شيئاً أبلغ في الطعن عليها من هذا التأويل.

وكيف يسوغ ذلك وعمر نفسه يقول في هذه القصّة: لا بيعة إلّا عن مشورة، وأيّما رجل بايع عن غير مشورة فلا يؤمر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.

وقد روينا عنه من غير هذا الوجه أنّه قال: ((من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فاقتلوه))، أخبرنا محمّد بن هاشم، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ليث، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد، عن عمر.


الصفحة 328

وثبت عنه أنّه جعل الأمر بعد وفاته شورى بين النفر الستّة، فكيف يجوز عليه مع هذا أن تكون بيعته لأبي بكر ودعوته إليها إلّا عن مشورة، وتقدمة نظر، هذا ممّا لا يشكل فساده وممّا يبيّن ذلك أنّ الأخبار المروية في هذه القصّة كلّها دالّة على أنّها لم تكن فجاءة، وأنّ المهاجرين والأنصار تآمروا لها وتراجعوا الرأي بينهم فيها.

أخبرنا ابن الأعرابي، أخبرنا ابن أبي خيثمة، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: لمّا قبض رسول الله قالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر، وقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنّ رسول الله أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيّكم تطيب نفسه أن يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر.

وممّا يؤكّد ذلك ويزيده وضوحاً حديث سالم بن عبيد: حدّثناه جعفر الخلدي، أخبرنا أحمد بن علي بن شعيب النسائي، أخبرنا قتيبة، وحدّثناه أصحابنا، عن إسحاق، أخبرنا قتيبة، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد، وذكر قصّة موت رسول الله، قال: ثم خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم، قال: ثم قالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر: سيفان في غمد إذاً لا يصطلحان. قال: ثم أخذ بيد أبي بكر فقال له: من له هذه الثلاث ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(1)، من صاحبه إذ هما في الغار من هما مع من قال، ثم بايعه فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها.

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.


الصفحة 329

فتأمّل قوله: ((فجعلوا يتشاورون بينهم))، فإنّه قد صرّح بأنّها لم تكن فجاءة، وأنّ القوم لم يعطوا الصفقة إلّا بعد التشاور والتناظر واتّفاق الملأ منهم على التقديم لحقّه، والرضى بإمامته، والأخبار في هذا الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.

قال أبو سليمان: وكلام أبي عبيد في الفصل الأوّل إذا تأمّلته تبيّنت منه نفس هذا المعنى، وعلمت أنّه إنّما منع في الجملة ما أعطاه في التفصيل، وذلك أنّه قال: إنّما كانت بيعته فجاءة لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب رسول الله من المهاجرين وعامّة الأنصار، إلّا تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، فتأمّل كيف يقضي آخر كلامه على أوّله! وهل يشكل أنّ مثل الذي وصفه لا يكون فجاءة.

قال: ومعنى الحديث صحيح من حيث لا متعلّق عليه لطاعن))(1).

فانظر إلى هذا الرجل حينما يردّ على صاحبه يعترف بأنّ حمل معنى الفلتة على الفجأة فيه قبح وشناعة، وأنّه لا يوجد أبلغ منه في الطعن، ثمّ بدأ ينكر الحقائق فيما وقع في سقيفة بني ساعدة، ويدّعي أنّ المهاجرين والأنصار تآمروا وتشاوروا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر، ويستدلّ على ذلك بأخبار مقطوعة الكذب. فليت شعري أين ذهب قول الحبّاب: ((أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب))؟!

وأين ذهب قول عمر بعد أن وطئوا سعد ((قتله الله))؟!

____________

1- غريب الحديث ٢: ١٢٣ ــ ١٢٦ حديث عمر بن الخطّاب.


الصفحة 330

وأين ذهب الهجوم على دار عليّ(عليه السلام) ، والتهديد بحرقه على من فيه؟!

بل يدّعي أنّ كلّ الأخبار تدلّ على أنّها لم تكن فجاءة، وإنّما عن مشاورة! مع أنّ حديث عمر ــ الذي رواه البخاري ويحاول الخطّابي هنا تأويل عبارة منه ــ ينقض كلامه؛ فراجع!

ولا أعرف كيف يمكن الاستدلال برواية تجعل أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كلّ المهاجرين؟! ومن اجتمع في السقيفة كلّ الأنصار؟!

فانظر إلى ما في رواية سالم بن عبيد قوله: ((ثمّ خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم...)) الخ، فإنّما هو عمر نادى أبا بكر فخرج، فأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة، فذهبا إليها يتعاديان وأخذا معهما أبا عبيدة، فهل تواطُؤ هؤلاء الثلاثة في غفلة عن المسلمين المشغولين بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المشاورة، أو أنّ ما حدث في السقيفة لم يكن فيها، وإنّما وقع في المسجد بحضور جميع المسلمين.

وإن أبيت فانظر إلى ما نقله ابن حبّان (ت٣٥٤هـ) عن أبي حاتم، قال: ((قال أبو حاتم: قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها. يريد: أنّ بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ، والشيء الذي يكون عن غير ملأ يقال له: الفلتة، وقد يتوقّع فيما لا يجتمع عليه الملأ الشرّ، فقال: وقى الله شرّها يريد الشرّ المتوقّع في الفلتات، لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ))(1).

____________

1- صحيح ابن حبّان ٢: ١٥٨، باب حقّ الوالدين، الزجر عن أن يرغب المرء عن آبائه إذ استعمال ذلك ضرب من الكفر.


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية