المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360)

وتمسّك بكلامه التفتازاني (ت٧٩٣هـ) في (شرح المقاصد)، فقال: ((إنّ المعنى كانت فجأة وبغتة، وقى الله شرّ الخلاف الذي يكاد يظهر عندها، فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه))(1).

فنحن نقبل اعترافهم بأنّها لم تكن عن ملأ ففلتوا بها، فلم تكن مشورة ولا تبادل رأي! ولكن لا نرضى محاولة ابن حبّان تقليل وقوع الشرّ فيها بقوله: ((وقد يتوقّع...))، وأنّ الله وقى عن هذا الشرّ لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ، لأنّ عمر صرّح بأنّ الشرّ فيها ــ أي: في البيعة الفلتة ــ وقال: ((وقى الله شرّها))، وأكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا وزن ولا اعتبار للتأويل مقابل ظاهر كلامه، وهذه الفلتة ليست ككلّ الفلتات، فهي فلتة في إمارة المسلمين وخلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا وقعت لا عن مشورة ومن غير ملأ كان الشرّ فيها واقعاً لا محالة، وادّعاء عمر بأنّ الله وقى شرّها، يردّه ما وقع من الشرّ بسببها من أوّل يومها إلى يوم المسلمين هذا.

ثمّ التجأ الخطّابي إلى تأويل جديد هو أشنع عليه من سابقه، قال: ((الفلتة عند العرب: آخر ليلة من الأشهر الحرم، أخبرني أبو عمر، أنبأنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الفلتة الليلة التي يشكّ فيها كما يشكّ في اليوم، فيقول قوم: هي من شعبان، ويقول قوم: بل هي من رجب. وبيان هذه الجملة: أنّ العرب كانوا يعظّمون الأشهر الحرم ويتحاجزون فيها فلا يتقاتلون، يرى الرجل منهم قاتل أبيه فلا يمسّه بسوء ولا ينداه بمكروه، ولذلك كانوا يسمّون رجباً شهر الله الأصمّ، وذلك لأنّ الحرب تضع أوزارها فلا تسمع قعقعة سلاح ولا صوت قتال، ويسمّونه كذلك منصل الأسنّة،

____________

1- شرح المقاصد ٢: ٢٩٣ المقصد السادس، الفصل الرابع، المبحث الخامس، شرح التجريد، للقوشجي: ٣٧١ المقصد الخامس في الإمامة، مطاعن أبي بكر.


الصفحة 332

لأنّ الأسنّة كانت تنزع من الرماح، فلا يزال هذا دأبهم ما بقي من أشهر الحرم شيء إلى أن تكون آخر ليلة منها، فربّما يشكّ قوم فيقولون: هي من الحلّ، وبعضهم يقول: بل هي من الحرم، فيبادر الموتور الحنق في تلك الليلة فينتهز الفرصة في إدراك ثأره غير متلوّم أن تنصرم عن يقين علم، فيكثر الفساد في تلك الليلة، وتسفك الدماء، وتشن الغارات...

ــ إلى أن قال ـ ـ: فشبّه عمر أيام حياة رسول الله وما كان الناس عليه في عهده من اجتماع الكلمة وشمول الأُلفة ووقوع الأمنة بالشهر الحرام الذي لا قتال فيه ولا نزاع، وكان موته شبيه القصّة بالفلتة التي هي خروج من الحرم، لما نجم عند ذلك من الخلاف وظهر من الفساد، ولما كان من أمر أهل الردّة، ومنع العرب الزكاة، وتخلّف من تخلّف من الأنصار عن الطاعة جرياً منهم على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلّا رجل منهم، فوقى الله شرّها بتلك البيعة المباركة التي كانت جماعاً للخير ونظاماً للأُلفة وسبباً للطاعة.

وقد روينا نصّ هذا المعنى عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخبرني الحسن بن عبد الرحيم، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي أبو عبيدة السري بن يحيى، قال شعيب بن عمر التميمي: أخبرنا سيف بن عمر، عن مبشّر، عن سالم بن عبد الله، قال: قال لي عمر: كانت إمارة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، قلت: وما الفلتة؟ قال: كان أهل الجاهلية يتحاجزون في الحرم، فإذا كانت الليلة التي يشكّ فيها أدغلوا فأغاروا، وكذلك كان يوم مات رسول الله أدغل الناس من بين مدّع إمارة، أو جاحد زكاة، فلولا اعتراض أبي بكر دونها لكانت الفضيحة))(1).

____________

1- غريب الحديث ٢: ١٢٦ ــ ١٢٨ حديث عمر بن الخطّاب، حديث عمر أنّه قال: (إنّ بيعة أبي بكر فلتة...)، مشارق الأنوار على صحيح الآثار ٢: ١٥٧ مادّة (ف ل ت).


الصفحة 333

ونحن لا نعلم هل وقع التأويل في هذه الرواية من سالم بن عبيد الله بن عمر، أو من سيف الكذّاب، اعتذاراً من قولة عمر!

ولكن نقول: انظر إلى الخلط والخبط والتمويه في التشبيه بين الليلة الفلتة ووفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ عمر وصف البيعة بالفلتة، فكان حقّ التشبيه تشبيه البيعة بليلة الفلتة لا وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ فيها حدث انتهاز للفرصة، وأخذ للثأر من عليّ(عليه السلام) المشغول برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغصب حقّه في غفلة عن المسلمين وذهولهم بموت نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وكيف أبعد من لفّق هذا التشبيه، وجمع بين ردّة أهل الردّة، وبين خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، مع أنّ بعض الردّة كانت قبل وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، فكانت نتاج بيعته الفلتة! وخلاف الأنصار كان في نفس البيعة، فلم يجمع المتباعدات عندهم إلّا التأويل المتعسّف.

قال ابن حجر في تقرير هذا التأويل: ((حكى ثعلب عن ابن الأعرابي، وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه، قال: الفلتة: الليلة التي يشكّ فيها هل هي من رجب أو شعبان، وهل من المحرم أو صفر، كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربّص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقّق انسلاخ الشهر فيتمكّن ممّن يريد إيقاع الشرّ به وهو آمن، فيترتّب على ذلك الشرّ الكثير، فشبّه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، والفلتة بما وقع من أهل الردّة، ووقى الله شرّ ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم، كذا قال))(1).

____________

1- فتح الباري ١٢: ١٣٢، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.


الصفحة 334

وابن حجر اختصر على ذكر أهل الردّة، لأنّ الأنصار لم يكن عندهم ثأر مع أحد، ولم يقصدوا انتهاز الفرصة، فلا يتمّ التشبيه فيهم، ولكنّه لا يتم في أهل الردّة أيضاً! لأنّ الردّة بدأت قبل وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، وإنّ عمر في قولته لم يشر إلى ذلك بحرف، وإنّما وصف نفس البيعة بالفلتة، وقال: ((وقى الله شرّها))، ولم يقل: ((وقى الله شرّها بأبي بكر))؟!

ولمّا كان هذا التشبيه واضح الخطأ والتعسّف، حاول ابن حجر إصلاحه، فقال: ((والأولى أن يقال: الجامع بينهما انتهاز الفرصة، لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشرّ الكثير، فوقى الله المسلمين شرّ ذلك، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه الناس كلّهم من حضر البيعة ومن غاب عنها))(1).

والجامع وهو (انتهاز الفرصة) وإن كان صحيحاً، ولكنّه بين ما يقع في الليلة الفلتة، وما وقع ممّن انتهز الفرصة بانشغال المسلمين بنبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) وبايع أبا بكر، حتّى يكون التشبيه بين البيعة الفلتة والليلة الفلتة متطابقاً وصحيحاً.

وقوله: ((فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ))، أوّل الكلام! وهل سلّ سيف أكثر ممّا سلّ في الإمامة؟! فالشرّ واقع فيها إلى الآن.

ومن هنا حاول القاضي عبد الجبّار (ت٤١٥هـ) في (المغني) نقلاً عمّن سبقه، قلب المعنى في الليلة الفلتة، فقال: ((قال شيخنا أبو علي: وليست الفلتة هي الزلّة والخطيئة، بل يجب أن تكون محمولة على ما نقل عن أهل اللغة من أنّ المراد بها بغتة فجأة من غير روية ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر:

____________

1- المصدر نفسه.


الصفحة 335

من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا

سبقت منيته المشيب وكان ميتته إفتلاتا

يعني بغتة من غير مقدّمة، أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي: أنّ العرب تسمّي آخر يوم من شوال: فلتة، من حيث إنّ من لم يدرك ثأره وطلبه فيه فاته، لأنّهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر، وذو القعدة من الأشهر الحرم، وإنّما سمّوه فلتة، لأنّهم أدركوا فيه ما كاد يفوتهم.

فأراد عمر على هذا: أنّ بيعة أبي بكر تداركوها بعد ما كادت تفوت.

وقوله: ((وقى الله شرّها))، دليل على التصويب، لأنّ المراد بذلك: أنّه تعالى دفع شرّ الاختلاف فيها.

فأمّا قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، فالمراد من عاد إلى مثلها من غير مشاورة ولا عذر ولا ضرورة، ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة فاقتلوه))(1).

وقد أجابه السيّد المرتضى في (الشافي) مفصّلاً(2)، فارجع إليه مليّاً! ولكن نحن قد نقلنا عن ثعلب خلاف هذا المعنى الأخير في الليلة الفلتة، وإن كان هذا المعنى الجديد يتّحد معنى المعنى السابق في جامع التشبيه، من أنّهم انتهزوا الفرصة وأخذوها خلسة وثأراً من صاحبها وهو عليّ(عليه السلام) ، وتداركوها بعد أن كادت تفوت، بعدما نصب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً للإمامة يوم الغدير.

____________

1- المغني ٢٠: ٣٣٩، فصل في ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، شبهة أخرى لهم.

2- الشافي ٤: ١٢٦ كتاب بيعة أبي بكر فلتة.


الصفحة 336

ومع أنّ البغتة التي اعترف بها عبد الجبّار وأقرّ بأنّها كانت عن غير مشورة تلزم الشنعة والذمّ أيضاً، ولكن معنى الفلتة لا ينحصر فيها، بل إنّه يشمل أيضاً الزلّة أو الخطيئة، كما نصّ عليه أهل اللغة، فلا بدّ أن نرجع إلى سياق الكلام لنحدّد أيّ المعاني هو المراد.

إذ قول عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، وقوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، يخصّ المعنى بالزلّة والخطيئة، فهو ظاهر في الذمّ والقدح.

وبعبارة أُخرى: إنّ ظاهر قول عمر يصرف المعنى في (الفلتة) إلى الذمّ والقدح، حتّى ولو كانت في معنى البغتة والفجأة.

ولهذا نقل سحنون عبد السلام بن سعيد (ت٢٤٠هـ) عن أشهب بن عبد العزيز (ت٢٠٤هـ)، أنّها بضمّ الفاء، ويفسّرها بانفلات الشيء من الشيء ويقول: إنّ الفتح غلط، وأنّه إنّما يقال فيما يندم عليه وبيعة أبي بكر ممّا لا يندم عليه أحد.

ولكن ابن حجر ردّ عليه: بأنّ الثابت في الروايات هو الفتح(1).

ونقل ابن بطّال (ت٤٤٩هـ) قول الكرابيسي في ضمن نقله لمجمل كلام أبي عبيد وتأويل الخطّابي، قال: ((وقال الكرابيسي: في قولهم: (كانت فلتة)، لأنّهم تفلّتوا في ذهابهم إلى الأنصار وبايعوا أبا بكر في حضرتهم، وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه، فقال قائل منهم: (منّا أمير ومنكم أمير)، وقد ثبت عن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أنّ الخلافة في قريش، فإمّا بايعناهم على ما يجوز لنا، وإمّا قاتلناهم على ذلك فهي الفلتة، ألا ترى قول عمر: (والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من بيعة أبي بكر، ولأن أقدم

____________

1- فتح الباري ١٢: ١٢٩، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت.


الصفحة 337

فيضرب عنقي أحبّ إليَّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر)، فهذا يدلّ أنّ قول عمر: (كانت فلتة)، لم يرد مبايعة أبي بكر، وإنّما أراد ما وصفه من خلاف الأنصار عليهم، وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه، وقول عمر: (قتل الله سعداً)))(1).

وهذا المعنى من الكرابيسي يثبت أنّها كانت خلسة، وانتهاز الفرصة، ولا يثبت أنّ عمر لم يرد بوصف (الفلتة) بيعة أبي بكر، وأراد ما وقع من خلاف الأنصار وسعد بن عبادة، لأنّه عدول عن ظاهر كلامه، فهو قال: ((إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت))، ثمّ يؤكّد على ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا يخرج ما حاوله الكرابيسي عن التأويل البعيد.

وقال الزمخشري بعدما أورد ما ذكره أبو عبيد والخطّابي: ((ويجوز أن يريد بالفلتة الخلسة، يعني أنّ الإمارة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها كلّ نفس، ونيط بها كلّ طمع، ولذلك كثر فيها التشاجر والتجاذب، وقاموا فيها بالخطب، ووثب غير واحد يستصوبها لرجل عشيرته، ويبدي ويعيد، فما قلّدها أبو بكر إلّا انتزاعاً من الأيدي، واختلاساً من المخالب، ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى))(2).

وهذا يكشف أنّها لم تكن شرعية، فأيّ حجّية لبيعة أُخذت خلسة من صاحبها الحقّ عليّ(عليه السلام) ، وتولاّها أبو بكر تغلباً وانتزاعاً من الأيدي في المشاجرة بعد أن بايعه

____________

1- شرح صحيح البخاري، لابن بطّال ٨: ٤٦٠ كتاب الرجم، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

2- الفائق في غريب الحديث ٣: ٥٠ الفاء مع اللام.


الصفحة 338

عمر، وتولّي خصوص أبي بكر لها لا يصحّحها بعد أن كان من ضمن المختلسين وطرفاً في المشاجرة.

وإن حاول الزمخشري تخفيف الأمر بأن جعلها جديرة بالشرّ لا أنّ الشرّ واقع فيها كما قال عمر، ولم يحاول أن يخرج الشرّ منها إلى غيرها كما فعل غيره، كابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) الذي نقل عن ثعلب قوله: ((في الكلام إضمار، تقديره: كانت فلتة من فتنة وقى الله شرّها))(1).

فانظر إليه كيف أدخل في الكلام ما ليس منه، وقلب به المعنى، وأرجع الضمير في (شرّها) إلى ما أضافه في كلام عمر، وهو لفظة (فتنة)، ليصرفه عن متعلّقه الواضح وهو (الفلتة)، فقلب معناها من المذمة إلى نقيضها وجعلها فضيلة! وإذا كان الهوى والعصبية تجوّز مثل هذا فلا عتب بعد ذلك على الجاحظ (ت٢٥٥هـ) لمّا جعل الفلتة من مقام الأولياء والأنبياء، ليكون كلّ ما أنعم الله عليهم ووفّقهم له فلتات!

قال في العثمانية: ((فقد صدق أبو بكر، وصدق عمر، أنّ تلك البيعة كانت فلتة وأُعجوبة وغريبة. إذ سلمت على كلّ ما وصفنا من أسباب الهلكة، وهي سربخ، وليس دونها ستر ولا ردّ. فكانت بيعته يمناً وبركة أنقذ الله بها من الهلكة، وجمع بها من الشتات، وردّ بها الإسلام في نصابه، بعد تخلّعه واضطرابه. فأماتت السخيمة، وأودعت القلوب السلامة، وجمعتها على الأُلفة. وهذه مكرمة وعطية، ولا يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلّا نبيّاً أو خليفة نبيّ))(2).

____________

1- كشف المشكل من حديث الصحيحين ١: ٦٥ الحديث ٢٦، كشف المشكل من مسند أبي حفص عمر بن الخطّاب.

2- العثمانية: ١٥٨ قول أبي بكر وعمر في أنّ بيعة أبي بكر فلتة.


الصفحة 339

نقول: نعم صدق أبو بكر وعمر بوصفها فلتة، وقد كانت أُعجوبة وغريبة خاصّة في انقلابهم على وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بعد لم يدفن، ولكن كونها سلمت من أسباب الهلكة الآنية ولم تسفك فيها الدماء لحكمة ومداراة عليّ(عليه السلام) لهم لا يجعلها شرعية، ولا يعطيها الحجّية، وبالتالي لا تكون يمناً وبركة، كيف والأُمّة إلى الآن تعاني من تبعتها وتنزف دماً بسببها، وقد أزالت روح الإسلام وحقيقته، ولم يبق منه إلّا القشر والاسم، فهل مثل هذه تكون عطيّة ومكرمة لأقلّ المؤمنين فضلاً عن الأولياء والأنبياء؟! ــ ونحن لا نعلم أيّ فلتات الأنبياء تلك التي فيها شرّ، وأيّها يستحقّون عليها القتل؟!! ــ بل إنّها كانت ثلمة وشناعة في الإسلام إلى يوم القيامة.

وقد اعتمد هذه التأويلات قسم آخرين من علماء أهل السُنّة، كالقاضي أبي بكر الباقلاّني (ت ٤٠٣هـ) في (تمهيد الأوائل)(1)، وسيف الدين الآمدي (ت٦٣١هـ) في (غاية المرام)(2)، وابن حجر (ت٨٥٢هـ) في (فتح الباري)(3)، والعيني (ت٨٥٥هـ) في (عمدة القاري)(4)، والمحبّ الطبري (ت٦٩٤هـ) في (الرياض النضرة)(5)،

____________

1- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: ٤٩٦، باب الكلام في إمامة أبي بكر.

2- غاية المرام في علم الكلام: ٣٨٩ القانون الثامن، الطرف الثاني: في معتقد أهل السُنّة في الصحابة وإمامة الخلفاء الراشدين.

3- فتح الباري ١٢: ١٣٢، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

4- عمدة القاري ٢٤: ١٠ الحديث ٦٨٣٠، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

5- الرياض النضرة في مناقب العشرة ١: ٢٣٧ ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها.


الصفحة 340

والإيجي (ت٧٥٦هـ) في (المواقف)(1)، والفضل بن روزبهان (ت٩٢٧هـ) في ردّه على العلّامة(2)، وابن حجر الهيتمي المكّي (٩٧٤هـ) في (الصواعق)(3).

ولك أن تنظر في ما نقلناه وما أشرنا إلى مصادره من تأويلاتهم كيف يخبط بعضهم بعضاً، ويردّ آخرهم تأويل أوّلهم، ولا يخرجهم من هذه العويصة رأي واحد منهم، بإصرارهم على التأويل مقابل المعنى الظاهر، كلّ ذلك محافظة على أهوائهم وبناء مذهبهم، حتّى مقابل تصريح خليفتهم عمر بن الخطّاب.

ولكن هناك آخرون لم يعرفوا شيئاً من هذه التأويلات، فأخذوا بالمعنى الظاهر من لفظة (الفلتة) وإشعارها للذمّ والتخطئة.

من ذلك ما أورده محمّد بن جرير الطبري الشيعي في (المسترشد)، قال: ((روى الهيثم بن عدي، عن مجالد، قال: غدوت يوماً إلى الشعبي، وأنا أُريد أن أسأله عن شيء بلغني أنّ ابن مسعود كان يقوله، فأتيته في مسجد حيه، وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج ونهض إليه القوم، فقلت: أصلحك الله، أكان ابن مسعود يقول: ما كنت محدّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة؟ قال: نعم، كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عبّاس يقوله، وكان لابن عبّاس علوم يعطيها أهلها ويصونها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر خب على أبي بكر، فقال الأزدي: والله ما رأينا، ولا سمعنا قطّ برجل

____________

1- المواقف ٣: ٦٠٠ نفي أهلية الإمامة عن أبي بكر.

2- انظر: إحقاق الحقّ: ٢١٩.

3- الصواعق المحرقة: ٣٦ الفصل الخامس، في ذكر شبة الشيعة الرافضة.


الصفحة 341

كان أسلس قياداً لرجل من عمر لأبي بكر، ولا أَقْولَ فيه بالجميل من عمر في أبي بكر، فأقبل عليَّ الشعبي وقال: هذا ممّا سألت عنه! ثمّ أقبل على الرجل، فقال الشعبي: يا أخا الأزد! فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرّها، أترى عدوّاً يقول في عدوّه ما قاله عمر في أبي بكر؟! فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو! أنت تقول مثل هذا؟! فقال الشعبي: ما أنا أقوله، ولكن قاله عمر بن الخطّاب، فنهض الرجل مسرعاً ولم يودّع، وهو كالمغضب يهمهم بما لا يفهم من الكلام. قال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلّا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثّه فيهم، قال: إذاً لا أحفل به، وقد قاله عمر على رؤوس المهاجرين والأنصار، ولم يحفل به، أأحفل به أنا! وأنتم أيضاً فأذيعوه عنّي ما بدا لكم))(1).

وفي كتاب (الإيضاح) المنسوب للفضل بن شاذان، قال: ((ورويتم عن المعتمر ابن سليمان، عن يونس، عن الحسن البصري، أنّه سُئل عن قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، ما أراد عمر بذلك؟ قال: شيء كان في صدر عمر أحبّ أن يظهره، فقال السائل: أمن موجدة كانت من عمر على أبي بكر؟ قال الحسن: فما تراه إذاً؟! مع أنّه قد كانت بين قوم حركة هي التي دعت عمر إلى ذلك الموقف بهذا الكلام. فقال له الرجل: فما تلك الحركة؟ فقال الحسن: أعرض عمّا فات، فإنّ الله حسيب ما هناك))(2).

فأنت لا تجد عند الشعبي ولا الحسن البصري شيئاً من تلك التأويلات التي أوردوها في معنى الفلتة، والحركة التي أشار إليها الحسن البصري هي ما جاء

____________

1- المسترشد: ٢٤٥ الحديث ٧٠ الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له.

2- الإيضاح: ١٣٤ في أنّه كانت بيعة أبي بكر فلتة.


الصفحة 342

ذكره في أوّل رواية البخاري، وسيأتي الكلام عليها، ومثل هذه الروايات لم يذكرها محدّثوا أهل السُنّة لأنّها تعارض ما أرادوه من تأويل المعنى في قولة عمر!!

بل أصرح من ذلك ما في (المسترشد)، و(الإيضاح)، و(الشافي)؛ والنصّ كما في (المسترشد):

قال: ((رواه الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش الهمداني، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل من القوم: كانا والله شمسي هذه الأُمّة وبدريها، فقال ابن عمر: وما يدريك؟! فقال الرجل: أليس قد ائتلفا؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، فأشهد أنّي كنت عند أبي يوماً، وقد أمرني أن أُهيّئ أحلاساً، وأصلح منها، إذ استأذن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال أبي: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه! فأوحشني منه ذلك، فقلت: يا أبة! عبد الرحمن خير من أبيه؟! فقال: ومن ليس خيراً من أبيه؟! لا أُمّ لك. وأذن لعبد الرحمن، فدخل، فكلّمه في أمر الحطيئة، أن يرضى عنه، وقد كان حبسه في شعر قاله، فقال له: إنّ في الحطيئة تأوّدا، فدعني أقومه وأحسنه بطول الحبس، فألحّ عليه عبد الرحمن، فأبى، وخرج عبد الرحمن، فأقبل علَيَّ عمر، فقال: أو في غفلة أنت إلى يومك هذا عمّا كان من أُحيمق بني تيم، وتقدّمه علَيَّ، وظلمه لي؟! فقلت: يا أبة! لا أعلم شيئاً من ذلك، فقال: يا بني! وما عسيت أن تعلم؟ فقلت: والله لهو أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، فقال: إنّ ذلك لكما ذكرت على رغم أبيك وسخطه، فقلت: يا أبة! أفلا تحكي أفعاله بمقام في الناس، يبين ذلك عنه؟ فقال: وكيف لي بذلك، مع ما ذكرت من أنّه أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، إذاً لرضخت هامة أبيك بالجندل.


الصفحة 343

قال ابن عمر: ثمّ تجاسر فجسر، فما دارت الجمعة حتّى وقف به في الناس، فقال: يا أيّها الناس! كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه...

فقال ابن عمر: لكلّ أمر سبباً، وإن ما كان من أخبار هؤلاء القوم الذين همّوا بأفاعيل، هي التي هيّجت على عمر، وأنّه باب فتحه عمر من السخطة على أبي بكر))(1).

وهذه الأخبار وإن لم تكن حجّة على أهل السُنّة، ولكنّها لا تخلو من الدلالة على ظاهر المعنى في الفلتة، وأن لا موضع للتأويل فيها إلّا التعلّلات والاستبعادات التي نقلناها عنهم:

فقد جاء في رواية البخاري التي هي الأصحّ عند القوم عن ابن عبّاس: ((إذ رجع إليَّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلّا فلتة فتمّت، فغضب عمر، ثم قال:...)).

ثمّ ذكر خطبة عمر، وفيها: ((ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترّن امرؤ أن يقول، إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر...))(2) الخ.

____________

1- المسترشد: ٢٤٢ الحديث ٦٩ الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له، الإيضاح: ١٣٥ فيما نقل من عمر في أبي بكر، الشافي في الإمامة ٤: ١٢٦ كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها.

2- صحيح البخاري ٨: ٢٥، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.


الصفحة 344

ففلان الذي قال أوّلاً: إنّ بيعة أبي بكر فلتة، وأقرّه عمر على ذلك في خطبته، لم يكن يقصد منها المدح والفضيلة، ولا يقصد ما تأوّلوه من تلك المعاني قطعاً، وإلّا لماذا غضب عمر؟! بل المعنى واضح من سياق كلامه أنّه كان يقصد باللفظة الإشارة إلى بطلان وعدم حجّية بيعة أبي بكر، وأنّه يريد أن يصحّح ذلك بالبيعة للآخر الذي نادى ببيعته بُعيد موت عمر.

وإذا عرفنا أنّ فلاناً القائل بالفلتة، وفلاناً الذي يراد البيعة له، كانا من الصحابة، لكفانا ذلك في الاستدلال على بطلان بيعة أبي بكر، فإنّ شهادة القائل، وشهادة عمر في عرض واحد في الحجّية، بل إنّهما اتّفقا في الشهادة، فإنّ الأوّل شهد بالفلتة على معناها الذي يريده، وأقرّه عمر على تلك الشهادة، كما هو واضح من حديث البخاري!

ففي رواية البلاذري: ((عن بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس صكة عمّي. فلمّا سكت المؤذّنون، خطب فقال: إنّي قائل مقالة لا أدري لعلّها قدّام أجلي، فمن وعاها، فليتحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإنّي لا أحلّ لأحد أن يكذب عليَّ.

ثم قال: بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(1).

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٨١ الحديث ١١٧٦.


الصفحة 345

وطريق هذه الرواية يتّحد مع طريق رواية البخاري السابقة، وقد صرّح ابن حجر بقوّته(1)، وفيها قول الزبير: (بايعنا) بالجمع، وهذا يعني أنّ معه غيره! وفيها أيضاً تصريح عمر باسم القائل، ومن يراد المبايعة له! فأيّ أيدٍ أمينة حذفتهما من نصّ رواية البخاري؟!! وأيّ أيد أمينة وضعت تكذيب عمر للقائل هنا مع وضوح إقراره له في رواية البخاري؟!!

كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ابن حجر(2)، والحافظ الهيثمي(3) ضعّفا سند ما جاء في (مسند البزّار) من أنّ الذي يراد المبايعة له طلحة(4).

ونقل ابن أبي الحديد عن البلخي عن الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً عمّار بن ياسر(5).

وروى البلاذري أيضاً بطريق يتّحد مع سابقه: ((...إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، فتمّت بيعته، فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها...))(6).

وفي آخر: ((عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها...))(7).

____________

1- مقدّمة فتح الباري: ٣٣٧ كتاب الحدود.

2- المصدر نفسه.

3- مجمع الزوائد ٦: ٣، باب تدوين العطاء.

4- مسند البزّار ١: ٤٠٧ الحديث ٢٨٦ مسند عمر بن الخطّاب.

5- شرح نهج البلاغة ٢: ٢٥ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

6- أنساب الأشراف ١: ٥٨٣ الحديث ـ١١٨١ـ.

7- أنساب الأشراف ٥: ٥٠٠ الحديث ١٢٨٨.


الصفحة 346

وقال ابن حجر: ((ووقع في رواية ابن إسحاق: أنّ من قال ذلك كان أكثر من واحد، ولفظه: أنّ رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر))(1)، والخبر في (مصنّف) ابن أبي شيبة(2).

وفي رواية البزّار التي أشرنا إليها: ((قال ناس من الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً، يعنون طلحة بن عبيد الله))(3).

ولفظة رواية ابن أبي شيبة: ((فبلغه أنّ الناس يقولون: لو مات أمير المؤمنين قمنا إلى فلاناً فبايعناه))(4)، ومن طريقٍ آخر: ((فسمعته يقول ــ أي عمر ــ : إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(5)، وفي آخر: ((قال: وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر أنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك))(6).

وروى النسائي عن عبيد الله بن عبيد، عن ابن عبّاس: ((أنّ عمر قال: إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(7).

وفي أخبار الدولة العبّاسية بطريق الكلبي، أنّ ابن الزبير قال: ((إنّ ناساً قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ...))(8).

____________

1- فتح الباري ١٢: ١٢٩، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

2- المصنّف ٨: ٥٧٠ ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.

3- مسند البزّار ١: ٤٠٧ الحديث ٢٨٦ مسند عمر بن الخطّاب.

4- المصنّف ٧: ٦١٥ ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.

5- المصنّف ٨: ٥٧٠ ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.

6- المصنّف ٨: ٥٧٠ ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.

7- السنن الكبرى ٤: ٢٧٢ الحديث ٧١٥١، و٤: ٢٧٣ الحديث ٧١٥٤.

8- أخبار الدولة العبّاسية: ٩٣ من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.


الصفحة 347

فظهر أنّ القائلين: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))، وأقرّهم عمر في خطبته على ذلك، ليسوا واحداً كما في رواية البخاري، بل هم رجال من المهاجرين والأنصار، فيهم الزبير، وعمّار، بل في روايات عديدة (أُناس)، وفي بعضها (الناس) بألف ولام، الدالّة على الإطلاق والشمول! وكلّهم حسب ظاهر الروايات لم يكونوا في صدد مدح بيعة أبي بكر وإقرارها، بل في صدد الاعتراض عليها وعلى الطريقة التي تمّت بها، وبيان عدم إقرارهم بحجّيتها، بدليل طلبهم التصحيح بمبايعة عليّ(عليه السلام) ، فلولا اعتقادهم بأحقّية عليّ(عليه السلام) وعدم صحّة خلافة أبي بكر لمّا نادوا ــ وبين الحجيج ــ على عزمهم المبادرة إلى مبايعة عليّ(عليه السلام) فور موت عمر، وقد كان أمر بيعة أبي بكر من المعروفية والشهرة بمكان حتّى إنّ عليّاً(عليه السلام) عرّض ببيعة الفلتة في خطبة له أوّل خلافته عندما تخلّف عنه سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، ومحمّد بن سلمة، وأُسامة ابن زيد، وغيرهم، فقال في خطبته برواية الشعبي: (وهذه بيعة عامّة، من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتّبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، وإنّي أُريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم...)(1)، وقال ابن أبي الحديد، وابن ميثم البحراني في شرحيهما: ((وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر))(2)، فهل في تعريضه(عليه السلام) ما يشمّ منه رائحة المدح؟!

____________

1- الإرشاد، للمفيد ١: ٢٤٣ من كلامه (عليه السلام) حين تخلّف بعض الصحابة، نهج البلاغة ٢: ١٩ ـ١٣٦ـ.

2- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٩: ٣١ ـ١٣٦ـ، شرح نهج البلاغة، لابن ميثم ٣: ١٦٤ ـ١٣٥ـ.


الصفحة 348

وأين هذا المعنى ممّا حاول المتأوّلون تأويله صرفاً عن معناه وتعمية على المسلمين وتقديساً لرموز السلف؟!

ومن الواضح من عبارة عمر أنّه يقرّهم على ما أرادوا من معنى، ويزيد الأمر وضوحاً معرفتنا أنّ ما نسب إليه من قوله: ((وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر))، لم يروه إلّا الزهري المعروف بانحرافه عن عليّ(عليه السلام) وهواه في أبي بكر وعمر وشدّة جهده في تشييد أركان أمرهما.

فعند تتبّع رواياته التي نقلها البلاذري، نجد أنّه روى عنه مرفوعاً: ((خطب عمر الناس يوماً، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرّها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحبّاب بن المنذر...))(1)، وليس فيها هذه الزيادة من قول عمر، ولكنك تجد الزيادات المختلفة العبارة في مروياته الأُخر، بما يشعرك بمحاولاته للترقيع حسب اختلاف أوقات التحديث والرواية!

ففي رواية البلاذري، عن بكر بن الهيثم، التي أوردناها آنفاً.. ــ قال عمر ــ : بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(2).

وروى عن: ((علي بن محمّد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً فتمت بيعته، فإنّما

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٨١ الحديث ١١٧٩.

2- أنساب الأشراف ١: ٥٨١ الحديث ١١٧٦.


الصفحة 349

كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، وكذبا والله، ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر)، فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا...))(1).

ففضلاً عن أنّ النصّ فيه قلب لكلام عمر إلى عكسه من تكذيبه لقولة الفلتة، فيه تقوّلٌ عليه ما لم يقله، بل فيه كذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه اختار أبا بكر ليقوم مقامه! مع أنّ الفقرات واضحة الإقحام ولا يتسق موضعها بين قوله: ((فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها))، قوله: ((فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا))، فإنّ سياق الكلام وجريه يتّفق مع تتابع الفقرتين لاتّحاد المعنى فيهما، ولا مكان لإقحام الفقرات الأُخر للطفرة الواضحة في جري الكلام على المعنى المقصود.

ولوضوح كذب الفقرات الآنفة ــ نعني: ((ولقد أقامة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مقامه، واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر))) ــ اقتصر الزهري في الروايات الأُخر على الفقرة الأخيرة، كما عند أحمد بطريق مالك ابن أنس عن الزهري(2)، والبخاري بطريق صالح عن الزهري(3)، وعبد الرزّاق الصنعاني بطريق معمر عن الزهري(4)، وابن حبّان بطريق هشيم عن الزهري(5)(6)،

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٨٣ الحديث ١١٨١.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٥٥ مسند عمر بن الخطّاب، حديث السقيفة.

3- صحيح البخاري ٨: ٢٥ كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

4- المصنّف ٥: ٤٤١ الحديث ٩٧٥٨.

5- صحيح ابن حبّان ٢: ١٤٨ الحديث ٤١٢، باب حقّ الوالدين.

6- في رواية عبد الرزّاق وابن حبّان زيادة بعدها، وهي قوله(صلى الله عليه وسلم):(أنّه كان من خيرنا حين توفّي رسول الله(صلى الله عليه وسلم))، وهو أيضاً إقحام في الرواية لو صحّ بهذا اللفظ، والصحيح أنّه تصحيف من قوله في رواية أحمد وغيره:(وأنّه كان من خبرنا حين توفّي رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، أنّ عليّاً والزبير...).


الصفحة 350

وابن عساكر بطريق سفيان بن عيينة عن الزهري(1)، والطبري بطريق عبّاد بن راشد عن الزهري(2)، وابن إسحاق عن طريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري(3).

وفي رواية ابن أبي شيبة بطريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري، اختلفت عبارته بعض الشيء، حيث قال: ((وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر: إنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك، ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرّها، وإيّاكم هذا الذي تنقطع إليه الأعناق كانقطاعها إلى أبي بكر...))(4).

وتجد عند الزهري أُوْلى محاولات التأويل، كما وجدت في بعض الذي أوردناه التكذيب..

فقد روى البلاذري، قال: ((وحدّثني محمّد بن سعد، ثنا محمّد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب، قال: بينا المهاجرون في حجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وقد قبضه الله إليه، وعليّ بن أبي طالب والعبّاس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبداً. هذا سعد

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٢٨٥ ترجمة أبي بكر.

2- تاريخ الطبري ٢: ٤٤٦ السنة الحادي عشرة، حديث السقيفة.

3- السيرة النبوية، لابن هشام ٤: ١٠٧١ أمر سقيفة بني ساعدة.

4- المصنّف ٨: ٥٧٠ ــ ٥٧١، ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.


الصفحة 351

ابن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح...))(1).

وهذا كما هو واضح من قول الزهري وادّعاءه وحده، يريد أن يوحي أنّ الفتنة الفلتة كانت من الأنصار، وأنّ الله وقى شرّها بأبي بكر، مع أنّ كذبه ظاهر! لأنّ من جاء وأخبر عمر بما في سقيفة بني ساعدة واحد لم يذكروا اسمه، وعمر هو الذي أخبر أبا بكر، ثمّ ذهب الثلاثة فلاقاهم معن وعويم.. فتأمّل كذبه الواضح الفاضح هنا!! وهو كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ترقيعاً لرواية أشياخه وتشيداً لأركان أمرهما!

هذا، ولم ترد هذه الزيادة ــ أي: قوله: ((وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر)) ــ في روايات غير الزهري!

روى ابن أبي شيبة، قال: ((حدّثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يحدّث عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: حجّ عمر فأراد أن يخطب الناس خطبة، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنّه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم، فأخّر ذلك حتّى تأتي المدينة، قال: فلمّا قدمت المدينة دنوت قريباً من المنبر، فسمعته يقول: إنّي قد عرفت أنّ أناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة، وإنّما كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها، إنّه لا خلافة إلّا عن مشورة))(2).

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٨١ الحديث ١١٧٧.

2- المصنّف ٨: ٥٧٠ ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.


الصفحة 352

ورواها النسائي عن الحسين بن إسماعيل بن سليمان الجالدي، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن شعبة...(1).

ورواها بطريق آخر، قال: ((أخبرنا العبّاس بن محمّد الدوري، قال: ثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا عمر فقال: قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة ولكن وقى الله شرّها، وإنّه لا خلافة إلّا عن مشورة، وأيّما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة لا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا))(2).

ومثله عن ابن سلام والزمخشري في غريبيهما(3).

فهذه عن طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس بغير طريق الزهري.

وروى البلاذري: ((محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، قال: لمّا بلغ عمر في حجّته التي رجع منها فطعن، أنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرّها، وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستّة الذين قبض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راض))(4).

وروى أيضاً: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، وإنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى))(5).

____________

1- السنن الكبرى ٤: ٢٧٣ الحديث ٧١٥٤.

2- السنن الكبرى ٤: ٢٧٢ الحديث ٧١٥١.

3- غريب الحديث ٤: ٣٥٥ مادّة (غرر)، الفائق في غريب الحديث ٣: ٥٠ مادّة (فلت).

4- أنساب الأشراف ١: ٥٩١ الحديث ١١٩٨.

5- أنساب الأشراف ٥: ٥٠٠ الحديث ١٢٨٨.


الصفحة 353

وروى اليعقوبي: ((واستأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد، فقال: قد تقدّم لكم مع رسول الله. قال: إنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرة. لا تخرجوا! فتسلّلوا بالناس يميناً وشمالاً. قال عبد الرحمن بن عوف، فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين، ولم تمنعنا من الجهاد؟ فقال: لأن أسكت عنك، فلا أجيبك، خير لك من أن أجيبك. ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر، حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه))(1).

وكذا لم ترد الزيادة عند كلّ من رواه مرسلاً أو أقرّ به من الشيعة أو من أهل السُنّة، فاقتصروا على قولة عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، كالشيخ الطوسي(2)، والقاضي النعمان(3)، والصدوق(4)، والكراجكي(5)، وأبو جعفر الإسكافي(6)، والإمام يحيى بن الحسين(7)، والزمخشري(8)، والإيجي(9)، والقاضي عبد الجبّار(10)، والمرتضى(11)، والعلّامة الحلّي(12)، والشهرستاني(13)، والتفتازاني(14).

____________

1- تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٧ أيام عمر بن الخطّاب.

2- الاقتصاد: ٢٠٨ ذكر أعيان الأئمّة(عليهم السلام)، دليل آخر على إمامته.

3- دعائم الإسلام ١: ٨٥ ذكر من يجب أن يؤخذ عنه العلم.

4- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ٢: ٢٥٥، باب ذكر ما كلّم به الرضا يحيى بن الضحّاك السمرقندي.

5- التعجّب من أغلاط العامّة: ٥٤ الفصل الرابع.

6- المعيار والموازنة: ٣٨ بدء بيعة أبي بكر وبيان عن نفسيته.

7- تثبيت الإمامة: ١٣ قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة.

8- الفائق في غريب الحديث ٣: ٥٠ مادّة (فلت).

9- المواقف ٣: ٦٠٠.

10- المغني/قسم الإمامة ٢٠: ٣٣٩.

11- الشافي ٤: ١٢٦ كانت بيعة أبي بكر فلتة.

12- منهاج الكرامة: ٩٩ المطاعن.

13- الملل والنحل ١: ٢٤ المقدّمة الرابعة.

14- شرح المقاصد ٢: ٢٩٣.


الصفحة 354

بل إنّ ابن أبي الحديد ذكر أنّ عمر قالها مرّتين، قال: ((فأمّا حديث الفلتة، فقد كان سبق من عمر أن قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عبّاس وعبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفلتة، ولكنّه منسوق على ما قاله أوّلاً، ألا تراه يقول: فلا يغرنّ امرءاً أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك، فهذا يشعر بأنّه قد كان قال من قبل: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))(1).

ويؤيّد ذلك ما أوردناه عن ابن عمر عن قول أبيه لمّا جاءه عبد الرحمن بن أبي بكر، وما رواه اليعقوبي في جواب عمر لعبد الرحمن بن عوف.

نعم، وردت عبارة قريبة ممّا رواه الزهري عن غير طريقه، رواها البزّار، عن زهير بن محمّد بن قمير، قال: نا حسين بن محمّد، قال: نا أبو مشعر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قالا:

ــ والرواية طويلة، وفيها قول عمر ــ : ((قد بلغني مقالة قائلكم: لو قد مات عمر أو لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً فبايعناه، وكانت إمارة أبي بكر فلتة، أجل والله لقد كانت فلتة، ومن أين لنا مثل أبي بكر نمدّ أعناقنا إليه كما نمدّ أعناقنا إلى أبي بكر...))(2)، ورواها ابن أبي شيبة عن ابن معشر أيضاً(3).

____________

1- شرح نهج البلاغة ٢: ٢٦ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

2- مسند البزّار ١: ٤٠٧ الحديث ٢٨٦ مسند عمر بن الخطّاب.

3- المصنّف ٧: ٦١٥ الحديث ٥ ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.


الصفحة 355

ولكنّها فضلاً عن ضعفها كما ذكر الهيثمي بابن معشر(1)، ليست نقلاً لنصٍ روائي، وإنّما سرد متأخّر طويل بالمعنى، ملفّق من عدّة روايات، لكيفية قسمة العطاء في زمن أبي بكر، وما تلاه من تدوين عمر للدواوين وقسمته خلافاً لِما قَسَمَ أبو بكر.

وبالتالي فإنّه يتّضح من كلّ ما ذكرنا تفرّد الزهري بهذه العبارة، ويتّضح كذلك من اختلاف عباراته وزيادته ونقصانه في الروايات المختلفة عنه، أنّها من وضعه، بإقحامه في الرواية ما ليس منها، وتقوّله على عمر ما لم يقله، والغرض منه واضح!

وبه يرتفع ما يجده القارئ للرواية من عدم سلاسة واتّساق العبارة بين ما سبقها وما لحقها وعدم موائمتها لمجمل المعنى الذي أراده عمر.

إن قلت: من أين جاء الزهري بهذا الاعتذار، بل محاولة جعل الفلتة فضيلة لأبي بكر؟ هل هو من عنده أو ألقاه أحد في ذهنه.

قلنا: جاء في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية) من طريق هشام بن محمّد الكلبي، قال: ((قال عيسى بن طلحة: حضرت من ابن عبّاس محضراً ما حضرته من قرشي قطّ، قال: كان مروان بن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عبّاس يجلس على منبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عند رأسه وابن الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الذي عند رأسه، فجاء ابن عبّاس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنّه يريد أن يتكلّم، فقال: إنّ أُناساً

____________

1- مجمع الزوائد ٦: ٥، باب تدوين العطاء.


الصفحة 356

قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإنّ أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيراً من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلّا ما قال أبو بكر، ثم حضرت عمر الوفاة، فألقى حظّهم في حظوظ، وجدّهم في جدود، فأسقط الله حظّهم وأدحض جدّهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتّى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرّة فقتلوه، ثمّ قتلهم الله بعد ذلك كلّ قتلة، وفرّقهم تحت بطون الكواكب.

فقال ابن عبّاس: على رسلك أيّها القائل في أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدّم من تقدّم منهم، وإن كانوا خيراً فما نألوا أن نقول، ولو تقدّم متأخّر لكان أهله. ولولا أنّك تذكر حظّ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أنّ من أُولئك متكلّماً لأخبرته عنّي وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظّ نفسك فإنّه لك، وإنّ أحداً لن ينازعك، إنّي وإيّاك من الأوّلين بمنزلة، وإنّ الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعدي لعدي، وأُميّة لأُميّة، وإن يك في أسد شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهداً وأبيض عندك يداً ممّن أمسيت تظنّ هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد))(1).

ومن الواضح أنّ هذه المقولة في ذمّ بيعة أبي بكر قد اشتهرت عن أنصار عليّ(عليه السلام) ، وعُرفت بين الناس، حتّى اضطرّ ابن الزبير لمجابهة ابن عبّاس والتعريض بعليّ(عليه السلام) ، فأجابه ابن عبّاس بما أسكته، وأخبره أنّه لو كان من فخر بهم من الأوّلين

____________

1- أخبار الدولة العبّاسية: ٩٣ من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.


الصفحة 357

أحياء لعرف كيف يجيبهم جواب حاضر لحاضر، وتبيّن من هذه الرواية أنّ ابتداء قول الزهري أخذه من ابن الزبير وآله، ولا يبعد أن يكون أوّله من عائشة خالة ابن الزبير.

إذا عرفت هذا واتّضح لك المعنى المراد من لفظة الفلتة، وأنّه لا يخرج عن الذمّ والقدح، سواء أريد بها الفجأة، أو الزلّة، أو الخلسة، بما يؤدّي إلى بطلان بيعة أبي بكر.

فإنّا نقول: إنّ معنى المراد فهمه كلّ الناس عامّهم وخاصّهم حتّى أصبح مورد المثل، ونظمه الشعراء.

قال دعبل الخزاعي في قصيدته المشهورة التي ألقاها لمّا قدم على الرضا(عليه السلام) :


تراث بلا قربى وملك بلا هدىوحكم بلا شورى بغير هـــــــداة
رزايا أرتنا خضرة الأُفق حمرةوردّت أُجاجاً طعم كلّ فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهمعلى الناس إلّا بيعة الفلتات(1)

ونقل أبو حيّان التوحيدي (ت٤٠٠هـ) في معرض سرده لحالات الصاحب بن عبّاد نقلاً عن محمّد بن المرزبان، قال: ((وحدّثني، قال: انفلتت ليلة أُخرى ضرطة من بعض الحاضرين وهو في الجدل، فقال على حدته وجنونه (كانت بيعة أبي بكر)، خذوا فيما أنتم فيه، يعني (كانت فلتة) لأنّه قيل في بيعة أبي بكر: (كانت فلتة)))(2)، وأوردها عن أبي حيّان ياقوت الحموي في (معجم الأُدباء)(3).

____________

1- ديوان دعبل الخزاعي: ٥٧ قال يذكر ما أصاب آل البيت من كوارث وألم، مختصر أخبار شعراء الشيعة: ١٠٠ دعبل بن علي الخزاعي.

2- أخلاق الوزيرين ١: ٢٢٨.

3- معجم الأُدباء ٦: ٢١٧ إسماعيل بن عبّاس الوزير الصاحب.


الصفحة 358

وإن قلت: إذاً كيف لنا أن نوفّق بين ما تجشمه وجهده عمر في فعله وقوله لتشييد بيعة أبي بكر، وترسيخ شرعيتها وإقامة أركانها أوّل أمره ــ إذ ما اتّسقت إلّا على يديه ــ وبين وقوفه في آخر جمعته لينقض بنائها ويهدم أساسها، بحيث يجعلها لم تتم على شيء بقولته فيها أنّها فلتة، بل زاد بأن أوعد على قتل فاعل مثلها؟

وهل يعقل مثل هذا التناقض مع ما ظهر واشتهر وبان من اتّساقهما وتوافقهما على أمرها؟

قلنا: إن عرف السبب بطل العجب! ولو عُرف الغرض والغاية القصوى لكلّ أفعال وأقوال عمر من يوم رجوعه عن بعث أُسامة إلى آخر لحظات حياته بعد طعنة أبي لؤلؤة له، لزال ما تجده من التناقض المتوهّم، وانبسطت أمامك مواقفه متراتبة متّسقة في وضوحها كرابعة النهار.

فلم يكن في قولته بوجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم مرضه في حجرته، ولا في وقفته مع أبي بكر في سقيفة بني ساعدة وصفقه على يده، إلّا رافضاً مانعاً لولاية عليّ(عليه السلام) وحقّه، كما لم يقم في جمعته الأخيرة مهدّداً متوعّداً وواصفاً للبيعة التي أقامها بأنّها فلتة، إلّا تمسّكاً بهذا الرفض لتولّي عليّ(عليه السلام) ، وإصراراً على دفعه عن حقّه، فغضبه من قول الزبير وعمّار ومن معهما بأنّهم سيبايعون عليّاً(عليه السلام) أخرجه عن طوره، بحيث لم يعطي أدنى أهمّية لما ينتج من التنافي بين قوله الأخير وبين كلّ ما صدر منه اتّجاه أبي بكر طوال خلافته ما دام يمكن له أن يحقّق مطلوبه في منع عليّ(عليه السلام) من تسلّم كرسي الخلافة.

فبعد أن تشاور مع عبد الرحمن بن عوف واتّفقا على حبك خطّة الشورى للوقوف أمام المنادين ببيعة عليّ(عليه السلام) ، لم يبق هناك كثير أهمّية لأن يقف


الصفحة 359

ويُشَهّر ببيعة الفلتة.. ما كان تشهيره يمهّد الجوّ العام لتنفيذ خطّته ويخدم غرضه ومطلوبه الأساس ويقطع الطريق على المناوئين، بعد أن قرنه بالتهديد بالقتل، لم يكرر ما فعله مع أبي بكر ولكن مع عليّ(عليه السلام) .

وفي البنان بقية بيان في هذا الموضع أعرضنا عنه خوف الإطالة والملل.

(من روى قوله: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة)

« كميل ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

أجد الكثير من الروايات التي لا أعلم مدى صحّتها عند أهل السُنّة، فأرجو تزويدي بالمصادر الموثقة عندنا، أو عند أهل السُنّة حتّى تتم الحجّة عليهم:

الحديث القائل عن أبي بكر، أنّه قال قبيل وفاته: ((إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ ووددت أنّي تركتهنّ... وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب...)).

ولكم منّا جزيل الشكر والامتنان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى قول أبي بكر: ((إنّي لا آسى على شيء من الدنيا...)) جمع كثير من المحدّثين من الخاصّة والعامّة.

فأمّا من رواه من العامّة، فهم:


الصفحة 360

١ــ أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت٢٢٤هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم ندم أبي بكر على كشفه بيت فاطمة(عليها السلام) ، فقال: ((فوددّت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا لخلّة ذكرها ــ قال أبو عبيد: لا أريد أن أذكرها ــ...))(1).

٢ــ الحافظ سعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ) في سننه، وحسّنه، وكتابه السنن مفقود إلّا جزء صغير منه مطبوع، ولكن أخرجه عنه الهندي في (كنز العمّال)(2)، وأسنده بعد أن أورد الحديث بطوله إلى: ((أبو عبيد في كتاب الأموال، العقيلي، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة، الطبراني، ابن عساكر، سعيد بن منصور، وقال: إنّه حديث حسن إلّا أنّه ليس فيه شيء عن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ...)) الخ.

٣ــ وسُئل أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) عن قول أبي بكر بسند ليس فيه علوان بن داود، فقال: ليس بصحيح..

قال ابن قدامة المقدسي في (المنتخب من علل الخلال): ((قال مهنا: سألت أحمد عن حديث الليث بن سعيد، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنّه دخل على أبي بكر في مرضه، فسلّم عليه، فقال: أما إنّي ما آسى إلّا على ثلاث فعلتهنّ... الحديث؟

فقال أحمد: ليس صحيحاً. قلت: كيف ذا؟ قال: أخذ من كتاب ابن دأب، فوضعه على الليث.

____________

1- الأموال، لابن سلاّم: ١٧٤ الحديث ٣٥٣ كتاب فتوح الأرضين صلحاً وسننها وأحكامها، باب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسارى والسبي.

2- كنز العمّال ٥: ٦٣١ الحديث ١٤١١٣ كتاب الخلافة، خلافة أبي بكر.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية