المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 361 - ص 390)

قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة: روي هذا الحديث عن علوان بن داود البجلي، من أهل قرقيسيا، وهو يحدّث بهذه الأحاديث عن ابن دأب، ورأيت هذا الحديث من حديثه عن دأبٍ، وعلوان في نفسه لا بأس به))(1).

والسند المذكور أورده ابن عساكر في (تاريخه)، وقال في آخر الحديث: ((كذا رواه خالد بن القاسم المدائني، عن الليث، وأسقط منه علوان بن داود. وقد وقع لي عالياً من حديث الليث، وفيه ذكر علوان...))(2)، ثمّ أورد السند.. فمن الواضح سقوط علوان من هذا السند؛ لوجوده في سند كلّ من روى قول أبي بكر عن الليث وعن غيره.

وما قاله أحمد بن حنبل وما نقله الخلال (٣١١هـ) عن ابن صدقة (٢٩٣هـ) من أنّ الحديث أُخذ من كتاب ابن دأب، غير صحيح.. لعدم وجود ذكر لابن دأب في جميع أسانيد الحديث عند كلّ من رواه على كثرتهم شيعة كانوا أم سُنّة، ولعلّ ما قاله الطبري في ذيل الحديث من تأكيده على اتصال السند بعلوان ردّ على ما قاله أحمد! وسيأتي.

٤ــ ابن زنجويه حميد بن مخلّد (ت٢٥١هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم كشفه بيت فاطمة(عليها السلام) في المورد الثاني أيضاً، وقال: ((فوددّت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا، لشيء ذكره))، مع أنّه صرّح به في المورد الأوّل(3)!

____________

1- المنتخب من علل الخلال: ٢٩٦ ـ١٩٦ـ الملاحم.

2- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٤١٧ ترجمة أبي بكر.

3- الأموال، لابن زنجويه: ٣٠١ الحديث ٤٦٧ كتاب فتوح الأرضين وسننها وأحكامها، باب الحكم في رقاب أهل الذمة، و٣٤٧ الحديث ٥٤٨، باب ما أمر به من قتل الأسرى.


الصفحة 362

٥ــ ابن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦هـ) في كتابه (الإمامة والسياسة)، ورواه مرسلاً ولم يذكر له سنداً(1).

٦ــ البلاذري (ت٢٧٩هـ) في كتابه (أنساب الأشراف)، رواه بسند آخر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عوف، وليس فيه علوان(2).

٧ــ أبو العبّاس المبرّد (ت٢٨٥هـ) في كتابه (الكامل)، روى أوّله مرسلاً(3).

٨ــ محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) في (تاريخه)، بسند عن الليث، عن علوان، وقال في آخره: ((قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثمّ قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنّه هو حدّث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه؟ فأخبرني أنّه: علوان ابن داود))(4)، وكأنّ ما ذكره آخراً جواباً لما قاله أحمد بن حنبل الذي أوردناه آنفاً؛ فلاحظ!

٩ــ العقيلي (ت٣٢٢هـ) في كتابه (الضعفاء الكبير)، رواه بسنده عن سعيد بن كثير ابن عفير، عن علوان بن داود، ثمّ أورد له أسانيد أُخر عن الليث، ولكنّه ضعّف علوان، وقال: ((لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلّا به، حدّثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري، قال: علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح، منكر

____________

1- الإمامة والسياسة ١: ٢٤ مرض أبي بكر واستخلافه عمر.

2- أنساب الأشراف ١٠: ٣٤٦ نسب بني عدي.

3- الكامل في اللغة والأدب ١: ١٠، باب كلمة أبي بكر في مرضه لعبد الرحمن بن عوف.

4- تاريخ الطبري ٢: ٦١٩ ــ ٦٢٠ السنة الثالثة عشر، ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعمّاله على الصدقات.


الصفحة 363

الحديث. وهذا الحديث حدّثناه...))، ثمّ أورد الحديث في قول أبي بكر بالسند المذكور(1).

ومن الواضح أنّه لم يجد تضعيفاً في علوان إلّا إنكار حديثه، فجعله منكر الحديث، ونقل ذلك عن البخاري ــ مع أنّا لم نجده منقولاً عنه في غيره! ــ وهذا مصداق من مصاديق ردّ الحديث بالرأي وتضعيف الرواة به، وإلّا فقد سمعنا تحسين الحديث عن سعيد بن منصور، كما ذكره المتّقي الهندي، وعرفنا قول حافظ بغداد أبو بكر بن صدقة (ت٢٩٣هـ) في علوان بأنّه لا بأس به في نفسه، ثمّ أنّ ابن حبّان ذكره في (الثقات)(2).

وكان القوم لمّا حاروا في تضعيف الحديث، ذهب كلّ منهم في مورد، فقال أحمد بن حنبل أنّه أُخذ من كتاب ابن دأبٍ! ولوضوح خطئه ودوران أسانيد الحديث على علوان بن داود التجأ العقيلي إلى تضعيفه بنكارة حديثه. وقد بيّنا عدم صحّة ذلك.

نعم، نقل العقيلي عن سعيد بن عفير أنّه قال: ((كان علوان بن داود زاقولياً من الزواقيل))، ومعنى الزواقيل: اللصوص. ولكنّا قد عرفنا أنّ سعيد بن عفير أحد رواة هذا الحديث عن علوان، فلو كان علوان قد سرقه، فكيف يرويه سعيد عنه؟! وقد قال ابن عدي في سعيد: ((لم أسمع أحداً ولا بلغني عن أحد من الناس كلاماً في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس صدوق ثقة، وقد حدّث عنه الأئمّة من الناس...

____________

1- الضعفاء الكبير ٣: ٤١٩ ـ١٤٦١ـ علوان بن داود البجلي.

2- الثقات ٨: ٥٢٦.


الصفحة 364

إلى أن قال: ولم أجد لسعيد بعد استقصائي على حديثه شيئاً ممّا ينكر عليه أنّه أتى بحديث به برأسه، إلّا حديث مالك عن عمّه أبي سهيل، أو أتى بحديث زاد في إسناده، إلّا حديث غسل النبيّ(صلى الله عليه وسلم) في قميص، فإنّ في إسناده زيادة عائشة، وكلا الحديثين يرويهما عنه ابنه عبيد الله، ولعلّ البلاء من عبيد الله، لأنّي رأيت سعيد بن عفير عن كلّ من يروي عنهم، إذا روى عن ثقة، مستقيم صالح))(1).

ومن كلامه يظهر أنّ ما رواه سعيد عن علوان ليس بمنكر، ولا يخفى ما في كلامه الأخير من توثيق لمن روى عنهم سعيد، ومنهم علوان، وكأنّ كلام ابن عدي جواب على العقيلي؛ فلاحظ!

١٠ــ أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت٣٢٣هـ) في كتابه (السقيفة)، وكتاب السقيفة مفقود، ولكن أخرجه عنه ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة)(2).

١١ــ ابن عبد ربّه الأندلسي (ت٣٢٨هـ) في كتابه (العقد الفريد)، رواه بسند عن الليث، عن علوان، عن صالح بن كيسان(3).

١٢ــ خيثمة بن سليمان الطرابلسي (ت٣٤٣هـ) في كتابه (فضائل الصحابة)، كما ذكره المتّقي في (كنز العمّال)، وقد أوردنا قوله سابقاً.

١٣ــ الطبراني (ت٣٦٠هـ) في كتابه (المعجم الكبير)، رواه بسند فيه سعيد بن غفير، عن علوان بن داود البجلي(4).

____________

1- الكامل ٣: ٤١١ ـ٨٣٩ـ.

2- شرح نهج البلاغة ٢: ٤٥ خطبة ٢٦ حديث السقيفة.

3- العقد الفريد ٥: ٢٠ كتاب العسجدة الثانية، استخلاف أبي بكر لعمر.

4- المعجم الكبير ١: ٦٢ الحديث ٤٣ ممّا أسند أبو بكر.


الصفحة 365

١٤ــ وسُئل عنه الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، كما في (علله)، فقال: ((هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له: علوان بن داود، واختلف عليه فيه؛ فرواه عنه سعيد ابن عفير، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي بكر الصدّيق.. وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان، بهذا الإسناد، إلّا أنّه لم يذكر بين علوان وبين صالح: حميد بن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنّه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات))(1).

نقول: وهذا جواب آخر على ما زعمه أحمد بن حنبل من أنّ الحديث أخذ من كتاب ابن دأب، وكما نرى هنا أنّ الدارقطني لم يضعّف علوان، بل قال فيه: ((شيخ لأهل مصر))، ولم يقل: شيخ من أهل مصر، والفرق واضح بينهما.

١٥ــ في كتاب (الضعفاء) لابن شاهين (ت٣٨٥هـ)، قال: ((وفي كتاب جدّي: عن ابن رشدين، قال: سألت أحمد بن صالح عن حديث علوان بن داود الذي يروي أصحابنا؟ فقال: هذا حديث موضوع كذب لا ينبغي أن يكتب ولا يقرأ ولا يحدّث به. وكأنّي رأيت علوان عنده متروكاً هو وحديثه، وقال: هذا باطل موضوع))(2).

نقول: إن كان الحديث المعني هو هذا الحديث عن أبي بكر، فقد ارتقوا لوصفه بالوضع، بعد أن قالوا بنكارته، دون دليل أو شاهد! مع ما في قوله من النهي عن كتابته وقراءته والتحدّث به من شدّة، وسببها معروف واضح!

____________

1- علل الدارقطني ١: ١٨١ (س ٩).

2- تاريخ أسماء الضعفاء والكذّابين: ٢٥٤ ـ٤٠٥ـ.


الصفحة 366

وأمّا قوله الأخير من كون علوان متروكاً هو وحديثه، فهو تبرّع من عنده، وقد عرفنا قول سعيد بن منصور وابن صدقة في قبول قول علوان وتحسين حديثه.

١٦ــ الباقلاني (ت٤٠٣هـ) في كتابه (إعجاز القرآن)، روى أوّله مرسلاً(1).

١٧ــ الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ) في كتابه (المستدرك على الصحيحين)، روى ما يخص ميراث العمّة والخالة فقط بسند عن سعيد بن عفير عن علوان(2).

١٨ــ القاضي عبد الجبّار (ت٤١٥هـ) في كتابه (المغني)(3).

١٩ــ أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ) في كتابه (حلية الأولياء)، روى أوّله فقط بسنده إلى سعيد بن عفير(4)، وفي (معرفة الصحابة)، وروى أوّله أيضاً(5).

٢٠ــ ابن عساكر (ت٥٧١هـ) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق)، رواه بعدّة أسانيد كلّها عن علوان، إلّا واحد(6). وقد أشرنا إليه وقلنا: إنّ فيه سقطاً.

٢١ــ ضياء المقدسي (ت٦٤٣هـ) في كتابه (الأحاديث المختارة)، بسند فيه سعيد ابن عفير، عن علوان، وقال في آخره بعد أن أورد بعضاً من كلام الدارقطني السابق:

____________

1- إعجاز القرآن: ١٣٨ عهد لأبي بكر إلى عمر.

2- المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٤٣ كتاب الفرائض ميراث العمّة والخالة.

3- المغني ج٢٠ القسم الأوّل من الإمامة: ٣٤٠، فصل في ذكر مطاعنهم في أبي بكر والجواب عنها.

4- حلية الأولياء ١: ٣٤ أبو بكر من مفاريد أقواله.

5- معرفة الصحابة ١: ٣١ الحديث ١٠٢ معرفة نسبة أبي بكر ومولده ووفاته.

6- تاريخ مدينة دمشق ٣: ٤١٧ ــ ٤٢٣ ترجمة أبي بكر.


الصفحة 367

((قلت: وهذا حديث حسن عن أبي بكر إلّا أنّه ليس فيه شيء عن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، وقد روى البخاري في كتابه غير شيء من كلام الصحابة))(1).

٢٢ــ الذهبي (ت٧٤٨هـ) في كتابه (تاريخ الإسلام)(2).

٢٣ــ ابن حجر الهيثمي (ت٨٠٧هـ) في كتابه (مجمع الزوائد)، وقال في آخره: ((رواه الطبراني، وفيه: علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر ممّا أُنكر عليه))(3).

نقول: قد عرف جوابه ممّا سبق.

ورواه بعدهم غيرهم أعرضنا عن إيرادهم اكتفاءً بما أوردناه.

وتلخّص ممّا قلناه: إنّ حديث أسى أبي بكر الذي قاله في مرض موته حسن عند القوم، ذكره جمع كبير من محدّثيهم، ولم يردّه أحد قبل أحمد بن حنبل بدعوى أنّه مسروق من كتاب ابن دأب، ولم يتابعه في دعواه أحد، فالتجئوا في سعيهم لردّ الحديث بالطعن في راويه علوان بن داود من دون دليل؛ فنقل العقيلي عن البخاري أنّه منكر الحديث من أجل إنكارهم لهذا الحديث بالذات، بل قال ابن شاهين: ((إنّ الحديث موضوع))، وهو ردّ للحديث وتضعيف رواته بالهوى.. ثمّ تبع العقيلي جمع ممّن جاء بعده في تضعيف علوان من دون دليل، وجرحهم هذا مردود بما سيأتي من مدح علوان وتوثيقه وتحسين حديثه؛ لأنّه جرح غير مفسّر.

وبعد أن أثبتنا أنّ الحديث مروي عن علوان وليس مأخوذاً من كتاب ابن دأب، فإنّ سعيد بن منصور وهو متقدّم على أحمد بن حنبل حسّنه، وتبعه في

____________

1- الأحاديث المختارة ١: ٨٨ الحديث ١٢ ما رواه عبد الرحمن عن أبي بكر.

2- تاريخ الإسلام ٣: ١١٧ أحداث سنة ثلاث عشرة.

3- مجمع الزوائد ٥: ٣٦٦ الحديث ٩٠٣٠.


الصفحة 368

ذلك الضياء المقدسي، ورواه الحاكم في (المستدرك)، فلا يبقى لدعوى النكارة أو الوضع مجال.

وأمّا راويه علوان، فقد قال عنه ابن صدقة: ((لا بأس به))، ومدحه الدارقطني بقوله: ((شيخ لأهل مصر))، وذكره ابن حبّان في الثقات، ولم ينكر على سعيد بن عفير روايته لهذا الحديث عن علوان.

وفوق كلّ ذلك، فإنّ للحديث سنداً آخراً رواه البلاذري عن الزهري، والزهري لا مطعن للقوم فيه عندهم ولا هو متّهم على أبي بكر.

وأمّا من رواه من الخاصّة، فمنهم:

١ــ اليعقوبي (ت٢٩٢هـ)، رواه في تاريخه مرسلاً(1).

٢ــ المسعودي (ت٣٤٦هـ)، رواه مرسلاً في كتابه (مروج الذهب)(2).

٣ــ محمّد بن جرير الطبري الشيعي (القرن الرابع)، في كتابه (المسترشد)(3).

٤ــ الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، في كتابه (الخصال)، بسنده عن الليث بن سعد، عن علوان بن داود بن صالح، عن صالح بن كيسان(4).

٥ــ ابن شاذان القمّي (القرن الخامس)، في كتابه(5) (الإيضاح)، رواه بسند منقطع عن زياد البكائي، عن صالح بن كيسان، عن إياس بن قبيصة الأسدي،

عن أبي بكر(6).

____________

1- تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٧ أيام أبي بكر.

2- مروج الذهب ٢: ٣٠١، باب ذكر خلافة أبي بكر.

3- المسترشد: ٢٢٤ الحديث ٦٤.

4- الخصال: ١٧١ الحديث ٢٢٨.

5- الظاهر أنّ كتاب الإيضاح له لا للفضل بن شاذان (ت٢٦٠هـ).

6- الإيضاح: ١٥٩ ندامة أبي بكر على أشياء عند وفاته.


الصفحة 369

وهذا سند آخر للحديث، فيه متابعة لعلوان عن صالح بن كيسان.

٦ــ السيّد المرتضى (ت٤٣٦هـ)، أقرّ رواية القاضي عبد الجبّار للحديث عند ردّه عليه(1).

٧ــ أبو الصلاح الحلبي (ت٤٤٧هـ)، رواه مرسلاً في (تقريب المعارف)(2).

٨ــ الشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ)، اتّبع في تلخيصه ما قاله المرتضى في (الشافي)(3).

٩ــ ابن شهرآشوب (ت٥٨٨هـ)، في كتابه (مثالب النواصب)(4).

١٠ــ عماد الدين الطبري (القرن السابع)، رواه مرسلاً في كتابيه (أسرار الإمامة)(5)، و(تحفة الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار)(6).

١١ــ العلامّة الحلّي (ت٧٢٦هـ) روى بعضه مرسلاً في كتابه (نهج الحقّ)(7).

وغيرهم بعدهم..

(سند قوله: ليتني لم أُفتّش بيت فاطمة)

« مهدي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

____________

1- الشافي في الإمامة ٤: ١٣٨، فصل في تتبع ما أجاب به عن مطاعن أبي بكر.

2- تقريب المعارف: ٣٦٦، ما أظهره القوم عند وفاتهم الدال على ضلالهم، و٣٩٧ ما أستدل به على إيمان القوم من الكتاب والسُنّة.

3- تلخيص الشافي ٣: ١٧٠، فصل فيما طعن على أبي بكر، قوله: (ليتني كنت سألت رسول الله...).

4- مثالب النواصب: ١٥٥ مخطوط.

5- أسرار الإمامة: ١٥٩ أصل في المطاعن، فصل: في ما أسند إلى الأوّل.

6- تحفة الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار: ٢٤٧ الباب التاسع، الفصل الأوّل (فارسي).

7- نهج الحق وكشف الصدق: ٢٦٥ ما جاء في كتب القوم من مطاعن، المطلب الأوّل: في المطاعن التي رواها السُنّة في أبي بكر.


الصفحة 370

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

طلبي هو في مجموعة المصادر في قول أبي بكر: ((ليتني لم أفتش بيت فاطمة)).

والمصادر: تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٣٧، وتاريخ الإسلام للذهبي ج١ ص١١٧/١١٨، وإثبات الهداة ج٢ ص٣٥٩ و٣٦٧ و٣٦٨، والعقد الفريد ج٤ ص٢٦٨، والإيضاح لابن شاذان ص١٦١، والإمامة والسياسة ج١ ص١٨، وسير أعلام النبلاء، سير الخلفاء الراشدين ص١٧، ومجموع الغرائب للكفعمي ص٢٨٨، ومروج الذهب ج١ ص٤١٤، وج٢ ص٣٠١، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج١ ص١٣٠، وج١٧ ص١٦٨ و١٦٤، وج٦ ص٥١، وج٢ ص٤٧ و٤٦، وج٢٠ ص٢٤ و١٧، وميزان الاعتدال ج٣ ص١٠٩، ج٢ ص٢١٥، والإمامة ص٨٢ مخطوط توجد نسخة مصوّرة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت، ولسان الميزان ج٤ ص١٨٩، وتاريخ الأُمم والملوك ج٣ ص٤٣٠ ط المعارف، وكنز العمّال: ج٣ ص١٢٥، وج٥ ص٦٣١ و٦٣٢، والـرسائـل الاعتقادية رسـالـة طـريق الإرشاد ص٤٧٠، و٤٧١، ومنتخب كنز العمّال، مطبوع بهامش مسند أحمد ج٢ ص١٧١، والمعجم الكبير للطبراني ج١ ص٦٢، وضياء العالمين، مخطوط ج٢ ق٣ ص٩٠، و١٠٨، عن العديد من المصادر، والنص والاجتهاد: ص٩١، والسبعة من السلف ص١٦ و١٧، والغدير ج ٧ ص١٧٠، ومعالم المدرستين ج٢ ص٧٩، وعن تاريخ ابن عساكر، ترجمة أبي بكر، ومرآة الزمان؛ وراجع: زهر الربيع ج٢ ص١٢٤، وأنوار الملكوت ص٢٢٧، وبحار الأنوار ج٣٠، ص١٢٣ و١٣٦ و١٣٨ و١٤١ و٣٥٢، ونفحات اللاهوت ص٧٩، وحديقة الشيعة ج٢ ص٢٥٢، وتشييد المطاعن ج١ ص٣٤٠، ودلائل الصدق ج٣


الصفحة 371

ق١ ص٣٢، والخصال ج١ ص١٧١/١٧٣، وحياة الصحابة ج٢ ص٢٤، والشافي للمرتضى ج٤ ص١٣٧ و١٣٨، والمغني لعبد الجبّار ج٢٠ ق١ ص٣٤٠ و٣٤١، ونهج الحقّ ص٢٦٥، والأموال لأبي عبيد ص١٩٤، وإن لم يصرّح بها، ومجمع الزوائد ج٥ ص٢٠٣، وتلخيص الشافي ج٣ ص١٧٠، وتجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي ص٤٠٢، وكشف المراد ص ٤٠٣، ومفتاح الباب أي الباب الحادي عشر للعرب شاهي تحقيق مهدي محقّق ص١٩٩، وتقريب المعارف ص٣٦٦ و٣٦٧، واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص٣٠٢، ومختصر تاريخ دمشق ج١٣ ص١٢٢، ومنال الطالب ص٢٨٠.

هل كلّها لها طريق واحد فقط، لعلوان البجلي, الذي حاول الدمشقية, تضعيف طريقه, كما في كتاب (ظلامات الزهراء), للأُستاذ يحيى الدوخي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد فصّلنا آنفاً في مصادر قول أبي بكر المشهور: ((وددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء...))، وأوضحنا:

أوّلاً: إنّ ادّعائهم ضعف علوان بن داود غير صحيح، وقد اعتمدوا فيه على نقل العقيلي عن البخاري قوله: منكر الحديث(1)، ولم يثبت ذلك عن البخاري، وما كان حكمهم بنكارة حديثه إلّا لإنكارهم حديث أبي بكر في

____________

1- الضعفاء الكبير ٣: ٤١٩ ـ١٤٦١ـ.


الصفحة 372

كشف بيت فاطمة(عليها السلام) هذا! فكان تضعيفاً للراوي وحديثه بالرأي، وهو غير مقبول في علم الجرح والتعديل، مع أنّ حافظ بغداد أبا بكر بن صدقة قال في علوان: ((لا بأس به في نفسه))(1)، وذكره ابن حبّان في (الثقات)(2)، ووصفه الدارقطني: بأنّه شيخ لأهل مصر(3)، وحَسّن سعيد بن منصور حديثه هذا(4)، ومثله فعل الضياء المقدسي في المختارة(5)، ولم ينكره ابن عدي فيما ردّه من أحاديث سعيد بن عفير راوي الحديث عن علوان(6)، واستشهد به ابن حجر في شرحه للبخاري نقلاً عن الطبراني ولم يعلّق عليه(7).

ثانياً: إنّ دعوى أحمد بن حنبل أنّ الحديث أخذ من كتاب ابن دأب ووضع على الليث، ودعوى الخلال نقلاً عن ابن صدقة أنّ علوان رواه عن ابن دأب، غير صحيحتين! وذلك لِما أكّده الطبري نقلاً عن يونس عن يحيى من اتّصال السند بين الليث وبين علوان(8)، وخلوّ أسانيد الحديث بطريق علوان وغيره عن ابن دأب، إذ لم يرد له ذكر في أي طريق.

ثالثاً: وجود طريق آخر ليس فيه علوان، رواه البلاذري عن الزهري عن عبد الرحمن بن عوف(9)، والزهري لا يتّهم عندهم في أبي بكر، ولا مطعن للقوم فيه.

____________

1- المنتخب من علل الخلال: ٢٩٦ ـ١٩٦ـ الملاحم.

2- الثقات ٨: ٥٢٦.

3- علل الدارقطني ١: ١٨١ سؤال ٩.

4- انظر: كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٥: ٦٣١ الحديث ١٤١١٣.

5- الأحاديث المختارة ١: ٨٨ الحديث ١٢.

6- الكامل ٣: ٤١١ ـ٨٣٩ـ.

7- فتح الباري ١٠: ١٠٤، باب ما رخّص للمريض أن يقول.

8- تاريخ الطبري ٢: ٦١٩، ٦٢٠ السنة الثالثة عشر.

9- أنساب الأشراف ١٠: ٣٤٦.


الصفحة 373

رابعاً: إنّ هذا الخبر مسلّم، ذكره أصحاب التواريخ والتراجم والكلام، وأُرسل إرسال المسلّمات، ولم ينكره أحد منهم؛ فلاحظ!

(تعريضه بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) )

« عروة ــ المغرب »

السؤال:

هل ثبت سبّ أبي بكر لسيّدنا عليّ(عليه السلام) بعد سماعه لخطبة سيّدة النساء(سلام الله عليها) في كتب العامّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى الجوهري في (السقيفة)، بسنده، كما نقل عنه ابن أبي الحديد في (شرح النهج): ((فلمّا سمع أبو بكر خطبتها ــ أي فاطمة(عليها السلام) ــ شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر وقال: أيّها الناس! ما هذه الرعة إلى كلّ قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ألا من سمع فليقل, ومن شهد فليتكلّم, إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه, مربّ لكلّ فتنة, هو الذي يقول: كروها جذعة بعدما هرمت, يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء، كأُمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي...)).

ثم قال ابن أبي الحديد: ((قلت: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر ابن يحيى بن أبي زيد البصري، وقلت له: من يعرّض؟

فقال: بل يصرّح.

قلت: لو صرّح لم أسألك.


الصفحة 374

فضحك وقال: بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

قلت: هذا الكلام كلّه لعليّ يقوله!

قال: نعم، إنّه المُلك يا بني.

قلت: فما مقالة الأنصار؟

قال: هتفوا بذكر عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم.

فسألته عن غريبه؟

فقال: أمّا الرعة بالتخفيف، أي: الاستماع والإصغاء، والقالة: القول، وثعالة: اسم الثعلب عَلم غير مصروف، ومثل ذؤاله للذئب، وشهيده ذنبه، أي: لا شاهد له على ما يدّعى إلّا بعضه وجزء منه، وأصله مثل، قالوا: إنّ الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنّه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً، قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة. فقبل شهادته وقتل الذئب، ومرب: ملازم، أرب بالمكان. وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأُولى، يعني الفتنة والهرج، وأُمّ طحال: امرأة بغي في الجاهلية، ويضرب بها المثل، فيقال: أزنى من أُمّ طحال))(1).

قال حبيب الله الهاشمي الخوئي في (منهاج البراعة) بعد نقله لكلام ابن أبي الحديد: ((فقد اتّهم عليّاً(عليه السلام) في كلامه هذا بأنّه يجرّ النار إلى قرصه، ويشهد لجرّ النفع وجلب المنفعة، وأنّه يريد إلقاء الفتنة بين المسلمين وإيقاد نيران الحرب وردّ الإسلام قهقرى، فيستعين بالضعفة والنساء، وكفى وهناً به وبفاطمة قوله: ((كأُمّ

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٦: ٢١٤ ــ ٢١٥ كتبه (عليه السلام) رقم ٤٥.


الصفحة 375

طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ))، وهل قصد تشبيه عليّ(عليه السلام) بأُمّ طحال أو فاطمة(عليها السلام) أو هما معاً، وكفى به توهيناً لهم))(1).

(ردّ مزاعم الخراشي في كتابه (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت) بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكر)

« جعفر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نشكركم على جهدكم لردّ شبهات وتدليسات المخالفين.

خلال تصفّحي مواقع ومنتديات الوهابية أرى روايات كثرة تروّج في منتدياتهم، وتنقل منها إلى منتديات الشيعة، وهذه الروايات أكثرها مبتورة، تنقل عن أحد شيوخهم المعروفين واسمه الشيخ سليمان الخراشي مؤلّف كتاب (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت), وخلال تتبّعي لبعض الروايات، اتّضح أنّ شيخهم هذا مدلّس، يبتر الروايات لقلب المعنى، ليخادع قرّاءه، وخلال تصفّحي في موقعكم رأيت توضيحاً لبعض تلك الروايات السُنّية منها والأُخرى المبتورة، وأمّا البعض الآخر فغير مردود على موقعكم.

فلهذا سأنقلها من أحد المواقع التي يدرجها الشيخ سليمان الخراشي فيه:

((الشيخ/سليمان الخراشي ٢٤/١٠/١٤٢٥..

____________

1- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ٢٠: ١١٤ المختار الرابع والأربعون، بحث تحقيقي في أمر فدك.


الصفحة 376

دعوة لقراءة المقال.. (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت)(الجزء الثاني).

رأي أهل البيت في أبي بكر الصدّيق:

قال ابن عبّاس وهو يذكر الصدّيق: (رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيماً، وللقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المنهيات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً).(ناسخ التواريخ ج٥ كتاب٢ ص١٤٣، ١٤٤ ط طهران).

ويقول الحسن بن عليّ ــ الإمام المعصوم الثاني عند الشيعة، والذي أوجب الله اتّباعه عليهم حسب زعمهم ــ يقول ــ وينسبه إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنّه قال ــ: (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع).(عيون الأخبار ج١ ص٣١٣، أيضاً كتاب معاني الأخبار ص١١٠ ط إيران).

وكان الحسن يوقّر أبا بكر وعمر كثيراً, إلى حدّ أنّه جعل من أحد الشروط على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) لمّا تنازل له: (أنّه يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسُنّة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين, ــ وفي النسخة الأُخرى ــ الخلفاء الصالحين).(منتهى الآمال ص٢١٢ ج٢ ط إيران).

وأمّا الإمام الرابع للشيعة: عليّ بن الحسين بن عليّ، فقد روي عنه أنّه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان(رضي الله عنهم)، فلمّا فرغوا من كلامهم قال لهم: (ألا تخبروني أنتم: ﴿المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(1)؟

____________

1- الحشر ٥٩: ٨.


الصفحة 377

قالوا: لا، قال: فأنتم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ(1)؟

قالوا: لا، قال: أمّا أنتم قد تبرّأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنّكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا(2)، أخرجوا عنّي فعل الله بكم).(كشف الغمّة للإربلي ج٢ ص٧٨ ط تبريز إيران).

وأمّا ابن زين العابدين محمّد بن عليّ بن الحسين الملقّب بالباقر ــ الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة ــ فسُئل عن حلية السيف، كما رواه علي بن عيسى الإربلي في كتابه (كشف الغمّة): ((عن أبي عبد الله الجعفي، عن عروة ابن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ(عليهما السلام) عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه، قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم، الصدّيق، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة)).(كشف الغمّة ج٢ ص١٤٧).

ولم يقل هذا إلّا لأنّ جدّه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الناطق بالوحي سمّاه الصدّيق، كما رواه البحراني الشيعي في (تفسيره البرهان): ((عن علي بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: لمّا كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الغار، قال لأبي بكر: (كأنّي أنظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم

____________

1- الحشر ٥٩: ٩.

2- الحشر ٥٩: ١٠.


الصفحة 378

في البحر، وانظر إلى الأنصار محبتين (مخبتين خ) في أفنيتهم)، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟! قال: نعم! قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (أنت الصدّيق))).(البرهان ج٢ ص١٢٥).

ويروي الطبرسي عن الباقر أنّه قال: (ولست بمنكر فضل أبي بكر، ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر).(الاحتجاج للطبرسي ص٢٣٠، تحت عنوان احتجاج أبي جعفر بن عليّ الثاني في الأنواع الشتّى من العلوم الدينية ط مشهد كربلاء).

وسُئل جعفر الصادق عن أبي بكر وعمر: ((يا بن رسول الله! ما تقول في حقّ أبي بكر وعمر؟ فقال(عليه السلام) : (إمامان عادلان قاسطان، كانا على حقّ، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة))).(إحقاق الحقّ للشوشتري ج١ ص١٦ ط مصر).

وروى عنه الكليني في الفروع حديثاً طويلاً ذكر فيه: ((وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإنّ الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصي بالخمس، وقد جعل الله عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به.

ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان، وأبو ذرّ(رضي الله عنهما)، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله! أنت في زهدك تصنع هذا، وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟

فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي بقاء كما خفتم عليّ الفناء، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت.


الصفحة 379

وأمّا أبو ذرّ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، وأنزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم.

ومن أزهد من هؤلاء، وقد قال فيهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ما قال؟)).(كتاب المعيشة الفروع من الكافي ج٥ ص٦٨).

فأثبت أنّ منزلة الصدّيق في الزهد من بين الأُمّة المنزلة الأُولى، وبعده يأتي أبو ذرّ، وسلمان.

وروى عنه الإربلي أنّه كان يقول: (لقد ولدني أبو بكر مرّتين).(كشف الغمّة ج٢ ص١٦١)، لأنّ أُمّه: أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها (أي: أُمّ أُمّ فروة) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.(فرق الشيعة للنوبختي ص٧٨).

ويروي السيّد مرتضى في كتابه (الشافي) عن جعفر بن محمّد أنّه كان يتولاّهما، ويأتي القبر فيسلّم عليهما مع تسليمه على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) .(كتاب الشافي ص٢٣٨، أيضاً شرح نهج البلاغة ج٤ ص١٤٠ ط بيروت).

ويقول إمام الشيعة المعروف بالحسن العسكري ــ الإمام الحادي عشر المعصوم عندهم ــ وهو يسرد واقعة الهجرة: (إنّ رسول الله بعد أن سأل عليّاً(رضي الله عنه) عن النوم على فراشه، قال لأبي بكر(رضي الله عنه): (أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما أطلب، وتعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب)؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أُعذّب في جميعها أشدّ عذاب، لا ينزل علَيَّ موت صريح، ولا فرح


الصفحة 380

منج، وكان ذلك في محبّتك، لكان ذلك أحبّ إلَيَّ من أن أتنعّم فيها وأنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلّا فداءك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (لا جرم أن اطّلع الله على قلبك، ووجد موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن))).(تفسير الحسن العسكري ص١٦٤، ١٦٥ ط إيران).

وها هو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، شقيق محمّد الباقر، وعمّ جعفر الصادق، الذي قيل فيه: ((كان حليف القرآن)).(الإرشاد للمفيد ص٢٦٨ تحت عنوان ذكر إخوته ــ أي الباقر ــ)، واعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف.(الإرشاد للمفيد ص٢٦٨).

فها هو زيد يُسأل عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما؟ قال: (ما أقول فيهما إلّا خيراً كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوّة) إلّا خيراً، ما ظلمانا ولا أحد غيرنا، وعملاً بكتاب الله وسُنّة رسوله).(ناسخ التواريخ ج٢ ص٥٩٠ تحت عنوان أحوال الإمام زين العابدين).

فلمّا سمع الشيعة منه هذه المقالة رفضوه، فقال زيد: ((رفضونا اليوم))، ولذلك سمّوا بالرافضة.(ناسخ التواريخ ج٢ ص٥٩٠).

ويقول سلمان الفارسي(رضي الله عنه) ــ وهو ممّن تعظّمهم الشيعة ــ: ((إنّ رسول الله كان يقول في صحابته: (ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه))).(مجالس المؤمنين للشوشتري ص٨٩).

خلافة أبي بكر:

وبعد ما ذكرنا أهل بيت النبيّ وموقفهم وآرائهم تجاه سيّد الخلق بعد أنبياء الله ورسله أبي بكر الصدّيق(رضي الله عنه)، نريد أن نذكر أنّه لم يكن خلاف بينه


الصفحة 381

وبين أهل البيت في مسألة خلافة النبيّ وإمارة المؤمنين وإمامة المسلمين، وأنّ أهل البيت بايعوه كما بايعه غيرهم، وساروا في مركبه، ومشوا في موكبه، وقاسموه هموم المسلمين وآلامهم، وشاركوه في صلاح الأُمّة وفلاحها، وكان عليّ(رضي الله عنه) أحد المستشارين المقرّبين إليه، يشترك في قضايا الدولة وأُمور الناس، ويشير عليه بالأنفع والأصلح حسب فهمه ورأيه، ويتبادل به الأفكار والآراء، لا يمنعه مانع ولا يعوقه عائق، يصلّي خلفه، ويعمل بأوامره، ويقضي بقضاياه، ويستدلّ بأحكامه ويستند، ثمّ ويسمّي أبناءه بأسمائه حبّاً له وتيمّناً باسمه وتودّداً إليه.

وفوق ذلك كلّه يصاهر أهل البيت به وبأولاده، ويتزوّجون منهم ويزوّجون بهم، ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات، ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابّين والأحبّاء المتقاربين, وكلّ ذلك ممّا روته كتب الشيعة ــ ولله الحمد ــ.

فقد استدلّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) على صحّة خلافته وانعقادها، كما يذكر وهو يردّ على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) أمير الشام بقوله: (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى).(نهج البلاغة ص٣٦٦، ٣٦٧ ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).


الصفحة 382

وقال: (إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار).(ناسخ التواريخ ج٣ الجزء٢).

وهذا النص واضح في معناه، لا غموض فيه ولا إشكال بأنّ الإمامة والخلافة تنعقد باتّفاق المسلمين واجتماعهم على شخص، وخاصّة في العصر الأوّل باجتماع الأنصار والمهاجرين، فإنّهم اجتمعوا على أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، كما ذكرنا قريباً روايتين عن عليّ ابن أبي طالب في (الغارات) للثقفي، بأنّ الناس انثالوا على أبي بكر، وأجفلوا إليه، فلم يكن إلّا أن يقرّ ويعترف بخلافته وإمامته.

وهناك رواية أُخرى في غير (الغارات) تقرّ بهذا عن عليّ أنّه قال وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: (رضينا عن الله قضائه، وسلّمنا لله أمره …. فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي، إذ الميثاق في عنقي لغيري).(نهج البلاغة ص٨١ خطبة ٣٧ ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).

ولمّا رأى ذلك تقدّم إلى الصدّيق، وبايعه كما بايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه، وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ولا يتّقي الناس، ولا يظهر إلّا ما يبطنه، لعدم دواعي التقية حسب أوهام القوم، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: (فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث... فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، وسدّد ويسر، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله جاهداً).(منار الهدى لعلي البحراني الشيعي ص٣٧٣، أيضاً ناسخ التواريخ ج٣ ص٥٣٢).

ولأجل ذلك ردّ على أبي سفيان والعبّاس حينما عرضا عليه الخلافة، لأنّه لا حقّ له بعد ما انعقدت للصدّيق.


الصفحة 383

وكتب إلى أمير الشام معاوية بن أبي سفيان: (وذكرت أنّ الله اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام كما زعمت, وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصدّيق وخليفة الخليفة الفاروق، ولعمري إنّ مكانهما في الإسلام لعظيم، وإنّ المصائب بهما لجرح في الإسلام شديد يرحمهما الله، وجزاهم الله بأحسن ما عملا).(ابن ميثم شرح نهج البلاغة ط إيران ص٤٨٨).

وروى الطوسي عن عليّ: أنّه لمّا اجتمع بالمهزومين في الجمل، قال لهم: (فبايعتم أبا بكر، وعدلتم عنّي، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه... فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له بيعته... فبايعتم عثمان، فبايعته وأنا جالس في بيتي، ثمّ أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم، فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحقّ أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي).(الأمالي لشيخ الطائفة الطوسي ج٢ ص١٢١ ط نجف).

وينقل الطبرسي أيضاً عن محمّد الباقر ما يقطع أنّ عليّاً كان مقرّاً بخلافة أبي بكر، ومعترفاً بإمامته، ومبايعاً له بإمارته، كما يذكر أنّ أُسامة بن زيد حبّ رسول الله لمّا أراد الخروج، انتقل رسول الله إلى الملأ الأعلى، (فلمّا ورد الكتاب على أُسامة انصرف بمن معه حتّى دخل المدينة، فلمّا رأى اجتماع الخلق على أبي بكر، انطلق إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فقال: ما هذا؟ قال له عليّ(عليه السلام) : هذا ما ترى، قال أُسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم).(الاحتجاج للطبرسي ص٥٠ ط مشهد عراق).


الصفحة 384

ولقد أقرّ بذلك شيعي متأخّر وإمام من أئمّة القوم هو محمّد حسين آل كاشف الغطاء بقوله: ((وحين رأى ــ أي عليّ ــ أنّ الخليفة الأوّل والثاني بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد، وتجهيز الجيوش، وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا بايع وسالم)).(أصل الشيعة وأُصولها ط دار البحار بيروت ١٩٦٠ ص٩١).

ويروي ابن أبي الحديد: أنّ عليّاً والزبير قالا بعد مبايعتهما أبي بكر: ((وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالصلاة بالناس وهو حيّ)).(شرح نهج البلاغة لأبي أبي الحديد ج١ ص١٣٢).

وأورد ابن أبي الحديد رواية أُخرى مشابهة في (شرحه ج١ ص١٣٤، ١٣٥).

إقتداء عليّ بالصدّيق في الصلوات وقبوله الهدايا منه:

ولقد كان عليّ(رضي الله عنه) راضياً بخلافة الصدّيق، ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلّياً خلفه، عاملاً معه, محبّاً له، مبغضاً من يبغضه.

فقد ذكرنا قبل أنّ عليّاً قال للقوم حينما أرادوه خليفة وأميراً: (وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميرا).(نهج البلاغة ص١٣٦ تحقيق صبحي صالح).

يذكّرهم أيّام الصدّيق والفاروق حينما كان مستشاراً مسموعاً، ومشيراً منفذاً كلمته. كما يروي اليعقوبي الشيعي في تاريخه، وهو يذكر أيّام خلافة الصدّيق: ((وأراد أبو بكر أن يغزو الروم، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدّموا وأخّروا، فاستشار عليّ بن أبي طالب، فأشار أن يفعل، فقال: إن


الصفحة 385

فعلت ظفرت؟ فقال: بشّرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيباً، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم)).(تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٣٢، ١٣٣ ط بيروت ١٩٦٠م).

وفي رواية: ((سأل الصدّيق عليّاً كيف ومن أين تبشّر؟ قال: من النبيّ حيث سمعته يبشّر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن! يسرّك الله)).(تاريخ التواريخ ج٢ كتاب ٢ ص١٥٨ تحت عنوان عزام أبي بكر).

ويؤيّد ذلك عالم الشيعة محمّد بن النعمان العكبري الملقّب بالشيخ المفيد، حيث بوّب باباً خاصّاً في كتابه (الإرشاد) لقضايا أمير المؤمنين(عليه السلام) في إمارة أبي بكر. ثمّ ذكر عدّة روايات عن قضايا عليّ في خلافة أبي بكر، ومنها: ((أنّ رجلاً رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فقال له: إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها لأنّي نشأت بين قوم يستحلّونها ولم أعلم بتحريمها حتّى الآن, فارتجّ على أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضر أن يستخبر أمير المؤمنين(عليه السلام) عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين: (مرّ رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم: هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم، فأقم الحدّ عليه، وإن لم يشهد أحد بذلك فاستتبّه وخلّ سبيله)، ففعل ذلك أبو بكر، فلم يشهد أحد من المهاجرين والأنصار أنّه تلا عليه آية التحريم، ولا أخبره عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بذلك، فاستتابه أبو بكر وخلّى سبيله، وسلّم لعليّ(عليه السلام) في القضاء به).(الإرشاد للمفيد ص١٠٧ ط إيران).


الصفحة 386

وكان عليّ يمتثل أوامره، كما حدث أنّ وفداً من الكفّار جاءوا إلى المدينة المنوّرة، ورأوا بالمسلمين ضعفاً وقلّة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدّين والبغاة الطغاة، فأحسّ منهم الصدّيق خطراً على عاصمة الإسلام والمسلمين، فأمر الصدّيق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر عليّاً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحرّاس، وبقوا كذلك حتّى أمنوا منهم.(شرح نهج البلاغة ج٤ ص٢٢٨ تبريز).

وللتعاطف والتوادد والوئام الكامل بينهما: كان عليّ وهو سيّد أهل البيت يتقبّل من أبي بكر الهدايا، دأب الإخوة المتحابّين؛ كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية, حيث قالت كتب الشيعة: ((وأمّا عمر ورقية فإنّهما من سبيئة من تغلب، يقال لها: الصهباء، سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر)).(شرح نهج البلاغة ج٢ ص٧١٨، أيضاً عمدة الطالب ط نجف ص٣٦١). ((وكانت اسمها أُمّ حبيب بنت ربيعة)).(الإرشاد ص١٨٦).

وأيضاً منحه الصدّيق خولة بنت جعفر بن قيس، التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة، وولدت له أفضل أولاده بعد الحسنين: محمّد بن الحنفية. ((وهى من سبي أهل الردّة، وبها يعرف ابنها، ونسب إليها محمّد بن الحنفية)).(عمدة الطالب الفصل الثالث ص٣٥٢، أيضاً حقّ اليقين ص٢١٣).

كما وردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصدّيق(رضي الله عنهم أجمعين)، وكان عليّ هو القاسم


الصفحة 387

والمتولّي في عهده على الخمس والفيء, وكانت هذه الأموال بيد عليّ، ثمّ كانت بيد الحسن، ثمّ بيد الحسين، ثمّ الحسن بن الحسن، ثمّ زيد بن الحسن.(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٤ ص١١٨).

وكان يؤدّي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصدّيق، راضياً بإمامته، ومظهراً للناس اتّفاقه ووئامه معه.(الاحتجاج للطبرسي ٥٣، أيضاً كتاب سليم بن قيس ص٢٥٣، أيضاً مرآة العقول للمجلسي ص٣٨٨ ط إيران).

مساعدة الصدّيق في تزويج عليّ من فاطمة: وكان للصدّيق مَنّ على عليّ(رضي الله عنهما) حيث توسّط له في زواجه من فاطمة(رضي الله عنها) وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) , وهذا يرويه أحد أعاظم الشيعة، ويسمّى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي: ((عن الضحّاك بن مزاحم، أنّه قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فذكرت له فاطمة. قال: فأتيته، فلمّا رآني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ضحك، ثمّ قال: ما جاء بك يا عليّ! وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا عليّ! صدقت، فأنت أفضل ممّا تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها)).(الأمالي للطوسي ج١ ص٣٨).

وأمّا المجلسي فيذكر هذه الواقعة ويزيدها بياناً ووضوحاً، حيث يقول: ((في يوم من الأيّام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوساً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة(عليها السلام) . فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبيّ، ولكن الرسول قال لهم بأنّ الأمر في ذلك إلى الله ــ ونظنّ أنّها لعليّ بن أبي طالب ــ وأمّا عليّ بن أبي طالب فلم يتقدّم بطلبها


الصفحة 388

إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثمّ قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى عليّ بن أبي طالب لنشجّعه ونكلّفه بأن يطلب ذلك من النبيّ، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك. فأجاب سعد: ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين(عليه السلام) ... فلمّا وصلوا إليه، سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلّا وأنت سابق بها... فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة؟ فلمّا سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت، وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟ ولكن يمنعني من ذلك فقري واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال... الخ)).(جلاء العيون للملاّ مجلسي ج١ ص١٦٩ ط كتابفروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية).

ثمّ وأكثر من ذلك أنّ الصدّيق أبا بكر هو الذي حرّض عليّاً على زواج فاطمة(رضي الله عنهم)، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيّأ له أسباب الزواج وأعدّها بأمر من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، كما يروي الطوسي: ((أنّ عليّاً باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول، ثمّ قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر، وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمّار بن ياسر وبعدّة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء ممّا يصلح فلا يشترونه حتّى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه... حتّى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الذين كانوا معه الباقي)).(الأمالي ج١ ص٣٩، أيضاً مناقب لابن شهر آشوب المازندراني ج٢ ص٢٠ ط الهند، أيضاً جلاء العيون فارسي ج١ ص١٧٦).


الصفحة 389

بل إنّ الصدّيق ورفاقه كانوا شهوداً على زواجه بنصّ الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، وطلب منه كما يذكر الخوارزمي الشيعي والمجلسي والإربلي: ((أنّ الصدّيق والفاروق وسعد بن معاذ لمّا أرسلوا عليّاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وسلم) انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقّعون، فيقول عليّ: فخرجت من عند رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما وراءك؟ فقلت: زوّجني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ابنته فاطمة... ففرحا بذلك فرحاً شديداً، ورجعا معي إلى المسجد، فلمّا توسّطناه حتّى لحق بنا رسول الله، وإنّ وجهه يتهلّل سروراً وفرحاً، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلَيَّ المهاجرين والأنصار، فجمعهم ثمّ رقي درجة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إنّ جبرائيل أتاني آنفاً وأخبرني عن ربّي عزّ وجلّ أنّه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعاً أنّه زوّج أَمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده عليّ بن أبي طالب، وأمرني أن أُزوّجه في الأرض وأشهدكم على ذلك)).(المناقب للخوارزمي ص٢٥١، ٢٥٢، أيضاً كشف الغمّة ج١ ص٣٥٨، أيضاً بحار الأنوار للمجلسي ج١٠ ص٣٨، ٣٩، أيضاً جلاء العيون ج١ ص١٨٤).

الجـزء الثالث:

ويكشف النقاب عن الشهود الإربلي في كتابه (كشف الغمّة)، حيث يروي: ((عن أنس، أنّه قال: كنت عند النبيّ(صلى الله عليه وسلم) فغشيه الوحي، فلمّا أفاق قال لي: (يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرائيل من عند صاحب العرش)؟ قال:


الصفحة 390

قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً وطلحة والزبير، وبعددهم من الأنصار)، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلمّا أن أخذوا مجالسهم، قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (ثمّ إنّي أشهدكم أنّي زوّجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضّة))).(كشف الغمّة ج١ ص٣٤٨، ٣٤٩ ط تبريز، بحار الأنوار ج١ ص٤٧، ٤٨).

ولمّا ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصدّيق يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه، ويقول: بأبي شبيه بالنبيّ... غير شبيه بعليّ).(تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١١٧).

وكانت العلاقات وطيدة إلى حدّ أنّ زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبيّ عليها السلام ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتّى الأنفاس الأخيرة, فروت كتب الشيعة: ((وكان (عليّ) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس(رحمها الله) على استمرار بذلك)).(الأمالي للطوسي ج١ ص١٠٧).

و((وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها، فعملت أسماء بها)).(جلاء العيون ص٢٣٥، ٢٤٢).

و((هي التي كانت عندها حتّى النفس الأخير، وهي التي نعت عليّاً بوفاتها)).(جلاء العيون ص٢٣٧).

و((كانت شريكة في غسلها)).(كشف الغمّة ج١ ص٥٠٤).

وكان أبو بكر الصدّيق دائم الاتصال بعليّ ليسأله عن أحوال فاطمة: ((فمرضت (أي: فاطمة(رضي الله عنها) ) وكان عليّ(عليه السلام) يصلّي في المسجد الصلوات


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية