المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450)

السابع: وأمّا النقل عن ابن ميثم البحراني في شرحه للنهج, فقد وجدناه أيضاً بشيء من الاختلاف عند ابن أبي الحديد، وعند المجلسي في بحاره، وغيرهم، نقلاً عن نصر بن مزاحم في كتابه (وقعة صفّين)، بسند عامّي، قال: ((عن عمر بن سعد، عن أبي ورق: أنّ ابن عمر بن مسلمة الأرحبي أعطاه كتاباً في إمارة الحجّاج بكتاب من معاوية إلى عليّ، قال: إنّ أبا مسلم الخولاني قدم إلى معاوية في أُناس من قرّاء أهل الشام...))(1).

علماً أنّه لا يوجد في كلّ المصادر التي رأيناها، وأوّلها وأقدمها كتاب (صفّين) لابن مزاحم لفظة: ((الفاروق))، و((الصدّيق)) في نصّ رسالة عليّ(عليه السلام) أبداً! بل حتّى في نصّ رسالة معاوية لعليّ(عليه السلام) مع أنّه لو كان فالإمام يكذّبه، كما هو واضح بقوله: (زعمت)!

نعم، انفرد بذكر هذين اللّفظين ابن ميثم في شرحه للنهج، ولكن مع إضافة كلمات تبيّن معناهما بما يخالف اعتقاد أهل السُنّة فيهما، ويوافق ما عليه الشيعة، قال بعد قوله: (وجزاهما بأحسن ما عملا): (غير أنّك ذكرت أمراً إن تمّ اعتزلك كلّه وإن نقص لم يلحقك ثلمة. وما أنت والصدّيق، فالصدّيق من صدّق بحقّنا وأبطل باطل عدوّنا، وما أنت والفاروق فالفاروق من فرّق بيننا وبين أعدائنا. وذكرت أنّ عثمان...)(2).

ثمّ إنّ إحسان إلهي ظهير حذف بعض الكلمات من نصّ رواية ابن ميثم وتبعه الخراشي، حتّى يموّها على المعنى الذي أراده عليّ(عليه السلام) من تكذيب ما

____________

1- وقعة صفّين: ٨٦ ــ ٨٨ رسالة معاوية وجواب الإمام(عليه السلام) .

2- شرح نهج البلاغة، لابن ميثم ٤: ٣٦٢، باب المختار من كتبه (عليه السلام) إلى أعدائه وأُمراء بلاده، كتابه (عليه السلام) إلى معاوية.


الصفحة 422

زعمه معاوية من فضل الأوّلين! فإنّ أصل ما أورده ابن ميثم هكذا: (وذكرت أنّ اللَّه اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، وكان أفضلهم في الإسلام، كما زعمت، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصدّيق، وخليفة الخليفة الفاروق...)(1)، فحذفا قوله(عليه السلام) : (وكان أفضلهم في الإسلام) قبل قوله(عليه السلام) : (كما زعمت)، ليكون مقصود عليّ(عليه السلام) من الزعم ما ادّعاه معاوية من أنّ تفاضل منازل من أيّد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين عنده على قدر فضائلهم في الإسلام..

فيكون ظاهر الكلام، وكأنّ عليّاً(عليه السلام) يردّ هذه الكلّية في التفاضل! مع أنّ أصل كلام الإمام عليّ(عليه السلام) ظاهر في ردّ زعم معاوية من أنّ الأوّل والثاني كانا أفضل المسلمين في الإسلام؛ وأصبحت العبارة وكأنّ عليّاً(عليه السلام) يقرّ بأنّ الأوّل والثاني كانا أنصحهم لله ورسوله؛ فلاحظ.. ودقّق.. وتعجّب؟!!

فهل رأيت أدهى من هذا التحريف، وأخفى من هذا التدليس؟!

ولكن ممّا يهوّن الخطب على المتعجّب أنّهما ليسا أوّل من سلك هذا الطريق، فهؤلاء محقّقو كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي: أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري، قد حذفوا لفظة (زعمت) من متن طبعة (لجنة التأليف والترجمة والنشر/طبعة القاهرة سنة ١٢٦٣هـ ــ ١٩٤٤م)، وحرّفوها بقولهم في الهامش رقم ٣ إلى: ((في بعض الأُصول: أفضلهم ابن عمّك في الإسلام))(2)!

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن ميثم ٤: ٣٦١ ــ ٣٦٢، باب المختار من كتبه (عليه السلام) إلى أعدائه وأمراء بلاده، كتابه (عليه السلام) إلى معاوية.

2- العقد الفريد ٤: ٣٣٥ العسجدة الثانية، أخبار عليّ ومعاوية، طبعة بتحقيق أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري.


الصفحة 423

علماً أنّنا لم نوفّق في الحصول على المخطوط لننظر في ذلك؛ إذ يحتمل أنّ الحذف كان من قِبَل الناسخ، أو من ابن عبد ربّه نفسه، فهذا هو دأبهم، وسيحصيها الله عليهم يوم القيامة.

وأمّا قوله كما في كتاب (وقعة صفّين): (ولعمري إنّ مكانهما من الإسلام لعظيم)، فقد جرى كلامه(عليه السلام) هنا مجرى التورية، وعدّى مكانهما بـ(من) لا بـ(في)، فإنّ مكانهما ممّا فعلاه بالإسلام لعظيم.

وقوله: (وإنّ المصاب بهما لجرح نازف في الإسلام شديد)، فإنّ ما أصابنا وأصاب الإسلام بهما وبفعلهما لجرح نازف في الإسلام إلى يوم القيامة، فورّى (عليه السلام) كلامه بلطيف بلاغته.

وقوله: (فرحمهما الله وجزاهما أحسن الجزاء)، يسأل لهما الرحمة والجزاء على ما عملاه، ولا يقرّ لهما بالفضل على ما زعمه لهما معاوية، تَذْرية للقول في عيون ابن أبي سفيان وأهل الشام، حيث كان معاوية يتحرّى على عليّ(عليه السلام) كلامه ليسقطه في أعين أهل الشام.

كما قال النقيب أبو جعفر يحيى بن أبي زيد لابن أبي الحديد: ((كان معاوية يتسقّط عليّاً وينعى عليه ما عساه يذكره من حال أبي بكر وعمر، وأنّهما غصباه حقّه، ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه، والرسالة يبعثها يطلب غرته، لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر، إمّا مكاتبة أو مراسلة، فيجعل ذلك حجّة عليه عند أهل الشام، ويضيفه إلى ما قرّره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم، فقد كان غمصه عندهم بأنّه قتل عثمان، ومالأ على قتله، وأنّه قتل طلحة والزبير، وأسر عائشة، وأراق دماء أهل البصرة. وبقيت خصلة واحدة، وهو أن يثبت عندهم أنّه يتبرّأ من أبي بكر وعمر،


الصفحة 424

وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة، وأنّهما وثبا عليها غلبة، وغصباه إيّاها، فكانت هذه الطامّة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه، بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره، لأنّهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين، إلّا القليل الشاذّ من خواصّ الشيعة، فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليّاً ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر...

فكان الجواب مجمجماً غير بيّن، ليس فيه تصريح بالتظليم لهما، ولا التصريح ببراءتهما، وتارة يترحّم عليهما، وتارة يقول: أخذا حقّي وقد تركته لهما))(1).

الثامن: أمّا بالنسبة إلى رواية الطوسي في أماليه, فهي واضحة في إثبات حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) إذا قرأناها من دون حذف إلهي ظهير والخراشي!

حيث إنّها تبدأ بقوله(عليه السلام) : (أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قُبض وأنا أولى الناس به وبالناس؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: فبايعتم أبا بكر وعدلتم عنّي، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه، وكرهتُ أن أشقّ عصا المسلمين، وأن أُفرّق بين جماعتهم، ثمّ إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده، وأنتم تعلمون أنّي أولى الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالناس من بعده، فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له ببيعته، حتّى لمّا قُتل جعلني سادس ستّة، فدخلت حيث أدخلني، وكرهت أن أُفرِّق جماعة المسلمين وأشقّ عصاهم, فبايعتم عثمان، فبايعته، ثمّ طعنتم على عثمان فقتلتموهُ، وأنا جالس في بيتي،

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٥: ١٨٤ ـ٢٨ـ من كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جواباً.


الصفحة 425

ثمّ أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم، فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحقّ أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي؟)(1).

وهذا النصّ واضح في بيان حقّه (عليه السلام) ، وأنّه هو الخليفة الشرعي، وأنّه(عليه السلام) يريد أن يلزمهم بما التزموه من الوفاء بالبيعة للأوّل والثاني والثالث دونه، مع أنّ الملاك واحد والمبرّر فارد، ومع أنّ أمير المؤمنين حقّه سابق وواضح بنصّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه، ومعترف به قبل هؤلاء الثلاثة: أنّ الحقّ له أصلاً دونهم.

فكيف يدّعي أحدٌ أنّ هذا الكلام في مقام رضى الإمام عمّن سبقهُ؟!

بل هو واضح في الاستنكار على من رضي بالثلاثة دونه! وواضح أيضاً أنّه(عليه السلام) ينصّ على إمامته وولايته دونهم، فكيف يُدّعى أنّه راضٍ ببيعتهم بعد كلّ هذا التصريح؟!!

نعم، بعد تقطيعه وحذف المهم من عباراته يوهمان قرّاءهما بدلالته على مرادهما. جزاهما الله بما يستحقّان.

التاسع: أمّا ما قاله ظهير ونقله الخراشي عن الطبرسي في احتجاجه عن أُسامة بن زيد, فقد نقل جزءً مقتطعاً من الرواية يظنّ ويتوهّم أنّه ينفعه كما فعل بسابقتها ممّا نقل ودلّس واقتطع ما يروق له من الروايات! وكلّ ما حاول اقتطاعه هو عليه وليس له، ويثبت حقّنا ويبطل باطله ولله الحمد.

وفي هذا الكتاب وموقف أُسامة وكلامه ما يدين أبا بكر وغيره بكلّ صراحة ووضوح، من حيث إنّ:

____________

1- الأمالي، للطوسي: ٥٠٧ المجلس ١٨ الحديث ١٦.


الصفحة 426

أ ــ في الرواية قول أبي بكر في كتابه لأُسامة وتهديده: ((فلا تتخلّفن فتعصي، ويأتيك منّي ما تكره، والسلام))، فهذا هو الإكراه الذي يدّعى أنّه إجماع!!

ب ــ وفي كتاب أُسامة ما يثبت إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وإثبات حقّه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ((من أُسامة بن زيد، عامل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على غزوة الشام. أمّا بعد، فقد أتاني منك كتاب ينقض أوّله آخره، ذكرت في أوّله أنّك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أنّ المسلمين قد اجتمعوا عليك فولّوك أمرهم ورضوك, فاعلم! أنّي ومن معي من جماعة المسلمين والمهاجرين، فلا والله ما رضيناك ولا ولّيناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحقّ إلى أهله وتخلّيهم وإيّاه، فإنّهم أحقّ به منك، فقد علمتَ ما كان من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى! انظر مركزك ولا تخالف فتعصي الله ورسوله، وتعصي من استخلفه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليك، وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتّى قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّك وصاحبك رجعتما وعصيتما، فأقمتما في المدينة بغير إذن!

فأراد أبو بكر أن يخلعها من عنقه، قال: فقال له عمر: لا تفعل، قميص قمّصك الله لا تخلعه فتندم، ولكن ألحَّ عليه بالكتب والرسائل...

فلمّا وردت الكتب على أُسامة، انصرف بمن معه حتّى دخل المدينة، فلمّا رأى اجتماع الخلق على أبي بكر، انطلق إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فقال له: ما هذا؟ قال له عليّ: هذا ما ترى؟ قال له أُسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا أُسامة. فقال: طائعاً أو كارهاً؟ فقال: لا بل كارهاً. قال: فانطلق أُسامة فدخل على أبي بكر وقال


الصفحة 427

له: السلام عليك يا خليفة المسلمين، قال: فردّ عليه أبو بكر، وقال: السلام عليك أيّها الأمير))(1).

فهذا هو النصّ الذي اقتطعا منه جزءاً دون التزام الأمانة العلمية في النقل، ليكذّبا، ويدلّسا، تغييراً للحقائق، بدلاً من طلب الفهم والحقّ, فهل في ما فعلاه إنصاف وصدق وأمانة ودين؟!

فما قبل هذه الفقرة من كلام أُسامة يدينكم ويدين أبا بكر! وما بعد هذه الفقرة أيضاً من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وأنّه بايع فبايع أُسامة يدين أبا بكر ويدينكم كذلك، إذ بيّن الإمام(عليه السلام) أنّه بايع أبا بكر كارهاً لا طائعاً راضياً!

فكيف يحمل كلامه على الإقرار بخلافة أبي بكر؟!!

العاشر: وأمّا ما نقلاه عن كاشف الغطاء في (أصل الشيعة وأُصولها)، فهو كلام مبتور أيضاً!

اكتفيا بنقل جزء من كلامه، وقرضا ما يتمّ به مراده، وفعلا فيه كما يفعل الخصم الجدِل بغريمه، حينما يريد التشهّد فيقول: (لا إله)، فيقول: كفر! ولو تمهّل لسمع خصمه يكمل: (إلّا الله)، ولكنّه لا يريد لخصمه إتمام كلامه، لأنّه سيثبت من خلاله إسلامه.

وقد فعل إحسان إلهي ظهير والخراشي هذا الأمر باطّراد، ودون خجل، أو وجل! ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ(2).

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ١: ١١٤ ــ ١١٥ ذكر طرف ممّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من اللجاج والحجّاج في أمر الخلافة.

2- الصفّ ٦١: ٨.


الصفحة 428

ونصّ كلام الشيخ كاشف الغطاء، هذا: ((ثمّ لمّا ارتحل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعليّ(عليه السلام) : إمّا لصغر سنّه! أو لأنّ قريشاً كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة لبني هاشم، زعماً منهم أنّ النبوّة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤوا! أو لأُمور أُخرى لسنا بصدد البحث عنها، ولكنّه باتّفاق الفريقين امتنع أوّلاً عن البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر: أنّه لم يبايع إلّا بعد ستّة أشهر، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة، كالزبير، وعمّار، والمقداد، وآخرين.

ثمّ لمّا رأى تخلّفه يوجب فتقاً في الإسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، وكلّ أحد يعلم أنّ عليّاً ما كان يطلب الخلافة رغبة في الإمرة، ولا حرصاً على الملك والغلبة والأثرة، وحديثه مع ابن عبّاس بذي قار مشهور، وإنّما يريد تقوية الإسلام، وتوسيع نطاقه، ومدّ رواقه، وإقامة الحقّ، وإماتة الباطل ــ وقد حذف إحسان إلهي ظهير كلام كاشف الغطاء من قوله: ((زعماً منهم)) إلى هنا، وقال مكانه: ((إلى أن قال))، فانظر فعله، الله حسيبه! ــ

وحين رأى أنّ المتخلّفين ــ أعني الخليفة الأوّل والثاني ــ بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد، وتجهيز الجنود، وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا؛ بايع وسالم، وأغضى عمّا يراه حقّاً له، محافظة على الإسلام أن تتصدّع وحدته وتتفرّق كلمته، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأُولى))(1).

فمن الواضح في هذا النص وما بعده بأنّ الشيخ يثبت أنّ لأمير المؤمنين(عليه السلام) حقّاً قد اغتصب، ومقاماً قد صودر.

____________

1- أصل الشيعة وأُصولها: ١٩٢ منشأ التشيّع.


الصفحة 429

فنراه مرّة يذكر أسباب تنحيتهم لعليّ(عليه السلام) عن الخلافة وأسباب سكوته ومرّة يومئ بقوله عن الخليفتين بـ(المتخلّفين)، وقد تحسّس منها ظهير فحذفها ولم ينقلها، مع أنّها تقع بين الكلمات التي نقلها!! وهي كلمة فيها ما فيها من دلالات! ومن قرأ تعابير الشيخ في كتابه، وجد البلاغة والأناقة والعربية الصحيحة الفصيحة في كلّ كلماته وعباراته!

ومرّة أُخرى، نرى عباراته التي ظاهرها المدح، ليس فيها مدح صريح، ولا قبول ولا تأييد، ولا تصحيح عام, وإنّما يذكر الشيخ كاشف الغطاء الفرق بين الخلفاء الذين سبقوا أمير المؤمنين(عليه السلام) وبين معاوية، ومن بعده من الجبابرة والملوك, فيؤكّد الشيخ الفرق الشاسع والبون الواسع بين هؤلاء وهؤلاء، من جهة التجبّر، والتكبّر، والاستبداد، والعناد، والاستئثار، فبيّن أنّ هؤلاء لم تكن طريقتهم في الحكم طريقة الطواغيت والجبابرة، فكانوا يستشيرون أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلّ صغيرة وكبيرة، حتّى قال قائلهم: ((لولا عليّ لهلك عمر))(1)، وقال: ((لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن))(2).

فذكر على نحو التحديد ــ لو دققتم النظر ــ مسألة الفتوحات, وهذه المسألة أمرها واضح ومُسلّم، حيث إنّهم شرعوا بذلك بعد أن خالفوا أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في

____________

1- مسند زيد بن علي: ٣٣٥، الأحكام، ليحيى بن الحسين ٢: ٢٢٠، شرح الأزهار ٤: ٣٤٦، تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: ١٥٢، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٣: ١١٠٣، وغيرها.

2- الأحكام، ليحيى بن الحسين ٢: ٢٢٠، شرح الأزهار ٤: ٣٤٦، تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: ١٥٢، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٨، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٢٥: ٣٦٩، الإصابة، لابن حجر ٤: ٤٦٧، وغيرها.


الصفحة 430

بعث أُسامة، وتأخّرهم عن الخروج، ورجوعهم إلى المدينة دون إنفاذه، فأصبحوا بعد أن تقلّدوا ما ليس لهم في موقف محرج، والناس تنتظر ما يحدث، فبعثوا أُسامة بحجّة طاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّ من عصى وأخّر خروجه أوّلاً هم، وليس غيرهم، فتظاهروا بطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الحرفية، ذرّاً للرماد في العيون، وأنفذوا الجيش دونهم، وأبعدوا شطراً من المسلمين عنهم، ليأمنوا من خطر القيل والقال، أو الوقوف مع أمير المؤمنين(عليه السلام) والتحزّب عليهم.. ثمّ بدأت ما سمّوه حروب الردّة، وبعدها الفتوح.. وما إلى ذلك.

فأين ما تقولان من قول الشيخ كاشف الغطاء وتصريحاته في كتابه؟! بل في عنوان كتابه وهدفه من تأليفه؟! فلماذا تقلبون الحقائق وتصطادون في الماء العكر؟!!

الحادي عشر: أمّا ما أورده عن ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، بأنّ عليّاً(عليه السلام) والزبير قالا بعد مبايعتهما أبي بكر: (وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها إنّه لصاحب الغار...)(1)، فهذا أيضاً من تدليساته الواضحة!

فابن أبي الحديد معتزلي يخالف الشيعة الإمامية ويتبرّأ من عقائدهم، وهو يتولّى الصحابة ويعتذر لهم(2)، مع حبّه لعليّ(عليه السلام) الذي يدّعيه ويظهره من خلال كتاباته وأشعاره، فهو ليس شيعيّاً، وليس في كلامه حجّة على الشيعة أبداً.

وما نقله في كتابه، نقله عن أهل السُنّة أصلاً! فكيف يدلّس هذا الظهير دون خوف من الله عزّ وجلّ؟!

____________

1- شرح نهج البلاغة ٢: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

2- انظر: شرح نهج البلاغة ١: ٣، ١٥٦، ١٦١، و٣: ٩٨.


الصفحة 431

فقد نقله ابن أبي الحديد، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، صاحب كتاب (السقيفة)، عن عمر بن شبّة، صاحب كتاب (تاريخ المدينة)، وغيره من التواريخ وكتب الحديث السُنّية, وروى هذه الرواية أيضاً الحاكم في مستدركه(1)، والبيهقي في سننه(2)، وغيرهم(3)، ولا يوجد مصدر شيعي واحد ينقل هذه الأكاذيب أبداً!

فكيف يستدلّ بها ظهير على الشيعة؟!!

وقد فصّلنا القول في هذه الرواية هنا تحت عنوان (ردّ روايات نقلت من مصادر شيعية يتصوّر فيها مدح لأبي بكر/النقطة ٦)؛ فليراجع.

الثاني عشر: أمّا ما أشار إليه من الرواية بعدها عن (شرح النهج) أيضاً، فإنّه لم يورد نصّها ــ وإن أورده ظهير ــ لأنّ قارئها سيجدها عليه لا له! وأنّ مراده الاستدلال بكلمة وردت فيها إيهاماً للقارئ، وهي رواية عامّية السند، ونصّها هو:

((قال أبو بكر ــ أي: الجوهري صاحب كتاب السقيفة ــ: وأخبرنا أبو زيد، عن هارون بن عمر، عن محمّد بن سعيد بن الفضل، عن أبيه، عن الحارث بن كعب، عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي، قال: كان خالد بن سعيد بن العاص من عمّال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على اليمن، فلمّا قُبض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) جاء المدينة، وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أيّاماً، وقد بايع الناس، وأتى بني هاشم،

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٦٦.

2- السنن الكبرى ٨: ١٥٣ كتاب قتال أهل البغي، باب ما جاء في تنبيه الإمام عليّ من يراه أهلاً للخلافة بعده.

3- انظر: البداية والنهاية، لابن كثير ٥: ٢٧٠، والسيرة النبوية، لابن كثير ٤: ٤٩٦، السيرة الحلبية ٣: ٤٨٤، تاريخ الخلفاء، للسيوطي: ٧٨، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٥: ٥٩٧ الحديث ١٤٠٦٠.


الصفحة 432

فقال: أنتم الظهر والبطن، والشعار دون الدثار، والعصا دون اللحا، فإذا رضيتم رضينا، وإذا أسخطتم سخطنا. حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل! قالوا: نعم، قال: على برد ورضى من جماعتكم؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أرضى وأُبايع إذا بايعتم. أما والله يا بني هاشم! إنّكم الطوال الشجر، الطيب الثمر.

ثمّ إنّه بايع أبا بكر، وبلغت أبا بكر فلم يحفل بها، واضطغنها عليه عمر، فلمّا ولاّه أبو بكر الجند الذي استنفر إلى الشام، قال له عمر: أتولّي خالداً وقد حبس عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال! وقد جاء بوَرق من اليمن وعبيد وحبشان ودروع ورماح! ما أرى أن تولّيه، وما آمن خلافه، فانصرف عنه أبو بكر، وولّى أبا عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنه))(1).

والسند مسلسل بالضعفاء والمجاهيل، فيه: هارون بن عمر المخزومي، دمشقي، قال فيه أبو حاتم: ((وعلى عمد لم نكتب عنه، محلّه الصدق))(2)، ولم يذكر فيه ابن عساكر مدحاً ولا جرحاً(3)؛ ومحمّد بن سعيد بن الفضل، دمشقي أيضاً، مجهول الحال، ذكره ابن أبي حاتم(4)؛ وسعيد بن الفضل، بصري حدّث في دمشق، قال فيه أبو حاتم: ((ليس بالقويّ، منكر الحديث))(5)؛ والحارث بن كعب، مجهول(6)؛ وعبد

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٥٨ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

2- الجرح والتعديل ٩: ٩٣ ـ٣٨٥ـ.

3- تاريخ مدينة دمشق ٦٤: ١٤ ـ٨٠٨٦ـ.

4- الجرح والتعديل ٧: ٢٦٦ ـ١٤٥٢ـ، تاريخ الإسلام ١٥: ٣٧.

5- الجرح والتعديل ٤: ٥٥ ـ٢٤٢ـ، ضعفاء العقيلي ٣: ٥٥ ـ١١٦٩ـ.

6- لسان الميزان، لابن حجر ٢: ١٥٦ ـ٦٨٩ـ، رجال الطوسي: ١١٢ ـ١١٠٢ـ.


الصفحة 433

الله بن أبي أوفى الخزاعي، هو الذي روى عنه البخاري إنكاره لوصيّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله: أنّه أوصى بكتاب الله(1).

وأمّا المتن، فليس فيه تعرّض لرضى عليّ(عليه السلام) بالبيعة، وإنّما المخاطب هم بنو هاشم، وفيه دلالة على أنّ خالد بن سعيد كان يرى حقّ الولاية فيهم، وبالأولى في سيّدهم عليّ(عليه السلام) ! وآخره يوضّح أُسلوب حكم المتغلّبين على الخلافة في إقصائهم السابقين الأوّلين من شيعة عليّ(عليه السلام) من المناصب الإدارية والعسكرية، وتقديمهم الطلقاء وأبناء الطلقاء.

بل إنّ هذا المتن لا يثبت بتفصيله! خاصّة ما كان مقصوداً لمن أورده لإثبات الرضى بالبيعة، لأنّه جاء بطريقٍ منفرد ــ وقد عرفت حاله ــ خالفه فيه ما جاء بالطرق الأُخر.

فقد جاء من عدّة طرق: أنّ خالد بن سعيد خاطب بني مناف لا بني هاشم، بقول: ((يا بني عبد مناف! طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم))، كيف وقد خاطب بذلك عليّاً(عليه السلام) ، وعثمان بن عفّان، وعثمان ليس من بني هاشم؟!

أورده الحاكم (ت٤٠٥هـ) في (المستدرك) بطريق ابن إسحاق وصحّحه على شرط مسلم: ((عن محمّد بن عبد الله بن أبي بكير، عن أبيه: أنّ خالد بن سعيد حين ولاّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) اليمن، قَدم بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتَربّص ببيعته شهرين، يقول: قد أمرَني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ لم يعزلني حتّى قبضه الله عزّ وجلّ، وقد لقي عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عبد مناف [عفّان]، فقال: يا بني عبد مناف! طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم، فنقلها عمر إلى أبي بكر، فأمّا أبو بكر فلم يحملها عليه، وأمّا عمر فحملها عليه، ثمّ أبو بكر بعث الجنود إلى الشام فكان أوّل من استعمل على ربع

____________

1- صحيح البخاري ٣: ١٨٦ كتاب الوصايا.


الصفحة 434

منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمّره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله، وأمّرَ يزيد بن أبي سفيان))(1).

وهو عند الطبري (ت٣١٠هـ) بطريق آخر عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، وفيه: ((وقد لقى عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان...))(2)، وعنه ابن عبد البرّ (ت٤٦٣هـ) في (الاستيعاب)(3).

وبطريق آخر عن ابن إسحاق عند ابن عساكر، وفيه: ((أتى عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، فقال: يا بني عبد مناف! لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه عليكم غيركم...))(4).

وأورده ابن سعد (ت٢٣٠هـ) بسنده: ((عن إبراهيم بن عقبة، قال: سمعت أُمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول: قدم أبي من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر، فقال لعليّ وعثمان: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم، فنقلها عمر إلى أبي بكر، فلم يحملها أبو بكر على خالد، وحملها عمر عليه...))(5).

وأورده البلاذري (ت٢٧٩هـ): ((عن المدائني، عن أبي زكريّا العجلاني، عن صالح بن كيسان، قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، فأتى عليّاً، وعثمان، فقال: أنتما الشعار دون الدثار! أرضيتم يا بني عبد

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٢٤٩ ذكر مناقب خالد بن سعيد.

2- تاريخ الطبري ٢: ٥٨٦ السنة الثالثة عشر.

3- الاستيعاب ٣: ٩٧٥.

4- تاريخ مدينة دمشق ١٦: ٧٨ ـ١٨٨٠ـ خالد بن سعيد بن العاص.

5- الطبقات الكبرى ٤: ٩٧ خالد بن سعيد بن العاص.


الصفحة 435

مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال عليّ: أو غلبة تراها؟ إنّما هو أمر الله يضعه حيث شاء. قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر، وأضطغنها عمر عليه))(1).

وقول عليّ(عليه السلام) : ((أو غلبة تراها؟ إنّما هو أمر الله يضعه حيث شاء))، مزيدة لم ترد في غيره، أُدخلت في المتن! بدلالة ما أوردناه آنفاً.

وجاء في (تاريخ) اليعقوبي (ت٢٨٤هـ): ((وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم، فأتى عليّاً، فقال: هلمّ أُبايعك، فو الله ما في الناس أحد أوْلى بمقام محمّد منك))(2).

فظهر أنّ ما أراده إحسان إلهي ظهير والخراشي من النصّ في الرواية الذي هو: ((حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل! قالوا: نعم، قال: على برد ورضى من جماعتكم؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أرضى وأُبايع إذا بايعتم))، لم يثبت، وإنّما هو مزيد، ومن دسّ الوضّاعين.

الثالث عشر: أمّا قوله: ((لقد كان عليّ(رضي الله عنه) راضياً بخلافة الصدّيق))، فقد أثبتنا بطلانه ممّا مضى.

وقوله بعد ذلك: ((ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلّياً خلفه، عاملاً معه, محبّاً له، مبغضاً من يبغضه))، ففيه أُمور هي من الكذب وأُخرى فيها مجازفة، مع خلط في عبارته بين الضمائر ــ أي: بين ما ينسب إلى عليّ(عليه السلام) أنّه فعله، وبين ما ينسب إلى أبي بكر ــ فلم نعرف من هو المشارك له في معاملاته وقضاياه، فإذا كان المراد أنّ عليّاً(عليه السلام) شارك أبا بكر حسب ما يجب

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٥٨ أمر سقيفة وبيعة أبي بكر.

2- تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٦ خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.


الصفحة 436

أن يكون السياق، فيكون من الكذب! وإن كان المراد العكس، فهو لحاجة أبي بكر عند عجزه!

ولم نعرف المراد من الهدايا، فهل المقصود أنّ أبا بكر خصّ عليّاً(عليه السلام) بهدايا معيّنة وعطايا خاصّة؟ فهذا يحتاج إلى دليل وشاهد وبيّنة، ولم نجده في كلامه! وإن كان المراد ما يصله (عليه السلام) من الخراج، فهو حقّه كأيّ أحد من المسلمين، فلا فضل لأبي بكر فيه؛ مع أنّا نعتقد أنّ للإمام(عليه السلام) أكثر من ذلك، لأنّه صاحب الولاية الحقّة، فله أن يأخذ وله أن يترك.

وكذا لم نعرف من كان يقصد في عبارته أنّه يرفع إليه الشكاوى، فهل المراد أنّ عليّ(عليه السلام) كان يرفع إلى أبي بكر الشكوى، فهو كذب محض إلّا إذا أُريد منه أنّه (عليه السلام) طالبه بحقّه وحقّ عمّه العبّاس في الخمس والأنفال وطالبه بحقّ زوجته فاطمة(عليها السلام) بفدك وسهمها من خيبر، وهذا فيه من الإزراء والفضيحة لأبي بكر ما لا يخفى لأنّه كان ظالماً وألزمه عليّ(عليه السلام) الحجّة.

وإن كان المراد أنّ أبا بكر كان يرفع الشكاوي إلى عليّ(عليه السلام) ففيه مثل ما في قبله من الإزراء بهم، وأنّهم ليسوا أهلاً للخلافة، وكانوا يلجئون إلى عليّ(عليه السلام) كلّما ألمّت بهم المعضلات، حتّى في أبسطها كالفصل في القضايا والأحكام.

وقوله: ((مصلّياً خلفه))، فهو من باب المعايشة، بعد المصالحة لهم ودخوله في المجتمع واندماجه مع الناس، بعد أن ضيّقوا عليه(عليه السلام) وحاربوه وتنكّروا له وعزلوه عنهم، وأرادوا له الاعتزال وعدم مخالطة المسلمين لئلاّ يقع منه ما يفسد عليهم سلطتهم ويخلّ نظم أُمورهم، فما كان إلّا ما لا بدّ منه من الصلاة في جماعتهم لنقض غرضهم وحلّ عقدتهم والدخول مع المسلمين ومخالطتهم، وهل كان له


الصفحة 437

أن يعتزل الصلاة ليعطيهم ما كانوا يتحيّنونه من ذريعة لتأليب الناس عليه مع ما ورد من روايات كثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذمّ تارك صلاة الجماعةـ وقد نصّ علماء الشيعة في مسألة صلاته (عليه السلام) معهم على أنّها كانت على التقيّة، وأنّه(عليه السلام) كان يفعل ذلك ليظهر للناس أنّه متّفق ومتوائم معهم لينفعهم ويستطيع أن يباشرهم برأيه وعلمه لتتحصّل المصلحة الممكنة للإسلام بذلك.

وقوله: ((محبّاً له، مبغضاً من يبغضه))، فهو لا يخرج عن دعوى ادّعاها، وكذبة كذبها، من دون شاهد ودليل، سواء أرادها من طرف عليّ(عليه السلام) ، أو من طرف أبي بكر.

ولا يسعنا هنا إيراد الشواهد على نقيضها لكثرتها في تراث الشيعة لا يحتاج الإطلاع عليها كثير جهد، ولكن يكفينا في ردّه عدم دليله، فالدليل على من ادّعى، وهو لم يأت بدليل لنردّه وننقضه.

وحتّى لو وقع ما ذكره في الجملة من الصلاة معهم، أو قبول عطاياهم، أو تقديم النصح لهم، وحلّ معضلاتهم في القضاء وغيره، أو المخالطة معهم، فإنّه كان لتحصيل مصالح عليا للإسلام وأهله، فأمير المؤمنين(عليه السلام) حينما صالح وبايع تقيّة، وحينما فعل ما يترتّب على ذلك من لوازم، إنّما فعله لهذا الغرض والسبب لا غير، فما يُسوّغ لأمير المؤمنين(عليه السلام) أصل المصالحة والمبايعة يُسوّغ له الصلاة في جماعتهم وقبول عطاياهم والتآلف الظاهري معهم ومعاشرتهم والتعايش معهم.

وسيأتي بعض الكلام على ما أورده من شواهد لاحقة.

الرابع عشر: وأمّا ما نقله واستدلّ به من قول أمير المؤمنين(عليه السلام) حينما أرادوا مبايعته بعد مقتل عثمان: (أنا لكم وزيراً خيراً لكم منّي أميراً)، بعد أن أُغلقت كلّ


الصفحة 438

الأبواب أمامهم، وسقطوا على وجوههم، وحدثت فتنة عظيمة في صفوفهم، وخافوا وارتعدوا من انتقام بني أُميّة منهم؛ فلجاءوا إلى قلعة الإسلام، وحصن المسلمين، والكرّار غير الفرّار، وغيث الشدائد والمعضلات والملمّات، أبي الحسن، أرواح العالمين له الفداء.

فإنّا قد أوضحناه وبيّنا ما فيه في أكثر من موضع في هذه الموسوعة، فراجع عنوان: (نهج البلاغة/معنى قوله(عليه السلام) : والله ما كانت لي في الخلافة رغبة)، و(الإمام عليّ(عليه السلام) /لماذا دفع (عليه السلام) الخلافة عنه حينما قُتِل عثمان)، وبشكل خاص: (نهج البلاغة/ردّ شبهات حول بعض كلماته (عليه السلام) في النصّ على الإمامة)، وغيرها.

الخامس عشر: وأمّا مسألة نصح أمير المؤمنين(عليه السلام) للمتقدّمين عليه، فلحاجتهم له، ولجلب المصلحة للإسلام وأهله كما أوضحنا، والمستشار مؤتمن، وأهل البيت(عليهم السلام) لا يخونون أبداً، ولو مع ألدِّ أعدائهم.

فحينما صالحهم أمير المؤمنين(عليه السلام) ، كان غرضه كما بيّنته عائشة في البخاري، وذكرناه آنفاً ونقله ظهير والخراشي لإثبات بيعة أمير المؤمنين لمن تقدّم عليه، بأنّ السلطة وأتباعها قاموا بحصار وعزل لأمير المؤمنين(عليه السلام) عن المجتمع، فرأى (عليه السلام) أنّ واجبه يقتضي الدخول في المجتمع ونصحهم، وإعانتهم على الاستقامة، وإنقاذهم من الهلاك، ولو بنفع الحاكم المغتصب لحقّه (عليه السلام) ، فالمصلحة العليا هي التي تجعل أمير المؤمنين(عليه السلام) ينصح حتّى أعدائه، لأنّ حاكم المسلمين يمثّل واجهة الإسلام أمام أعداء الإسلام، فينبغي عدم خيانته وعدم خذلانه، وبالتالي تقويمه وإرشاده.

وهذا لا يخرج عمّا أوضحناه قبله آنفاً، ولا يدلّ بأيّ شكل من الأشكال على رضاه بخلافتهم، فليس في ما أورده اليعقوبي دلالة أكثر من هذا! وكذا


الصفحة 439

رواية (ناسخ التواريخ)، مع أنّها ليست من روايات الشيعة، بل وردت بسند عامّي عند ابن عساكر في تاريخه(1).

وما نقله من رواية المفيد بخصوص حكم عليّ(عليه السلام) في من استحلّ الخمر وعدم علم أبي بكر، فهو بعض دليلنا بما قلناه من إرجاعهم القضايا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد العجز عنها، ومثلها كثير قام بها أمير المؤمنين في زمن حكومة أبي بكر وعمر.

وأمّا ما زعمه من امتثال عليّ(عليه السلام) لأمر أبي بكر وحراسته أنقاب المدينة عندما رأى المرتدّون قلّة من في المدينة، فهو في (تاريخ الطبري)(2) من رواية سيف بن عمر الكذّاب الزنديق، وأمره مشهور بالوضع والاختلاق، فلا هو من رواية الشيعة، ولا رواية من يعتمد عليه من أهل السُنّة.

فانظر، بما يستدلّ إحسان إلهي ظهير وبعده الخراشي على الإمامية؟!

السادس عشر: وأمّا ما استدلّ به على التوادد والوئام بين عليّ(عليه السلام) وأبا بكر، من قبول عليّ(عليه السلام) الصهباء كهدية من أبي بكر، فهذا هو الكذب والتدليس بعينه، فإنّهم أجمعوا على أنّ عليّاً(عليه السلام) اشتراها من سبي خالد بن الوليد من عين التمر، ولم يذكر أحد أنّ أبا بكر وهبها له(3)، ولا يشترط في صحّة سبي الكافر وشرائه أن يكون

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٢: ٦٣، باب ذكر اهتمام أبي بكر بفتح الشام وحرصه عليه.

2- تاريخ الطبري ٢: ٤٧٦ مجيء وفود العرب إلى أبي بكر يقرّون بالصلاة ويمنعون الزكاة.

3- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٢٠ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، و٥: ١١٧ عمر الأكبر بن عليّ، أنساب الأشراف، للبلاذري ٢: ١٩٢ ـ٢٣٧ـ، فتوح البلدان، للبلاذري ١: ١٣١ ـ٣٠٩ـ، تاريخ الطبري ٢: ٥٨٢ السنة الثانية عشرة، الثني والزميل، سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: ٩٦ نسب عمر الأطرف ابن الإمام عليّ، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك، لابن الجوزي ٤: ١٠٩ سنة اثني عشرة، الثني والزميل، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ٢: ٣٩٩ ذكر واقعة الثني والزميل، البداية والنهاية، لابن كثير ٦: ٣٨٨ وقعة الثني والزميل، ذخائر العقبى، للطبري: ١١٧ ذكر ولده (عليه السلام) ، عمدة الطالب، لابن عنبة: ٣٦١ الفصل الخامس في عقب عمر الأطرف.


الصفحة 440

سابيه مؤمناً أو مسلماً، بل يجوز ذلك حتّى إن كان السابي كافراً، وقد عدّها بعض من ترجم لأمير المؤمنين(عليه السلام) في زوجاته(1)، فيكون قد أعتقها وتزوّجها بعد شرائها.

وكذا ما ذكره في خولة بنت جعفر أُمّ محمّد بن الحنفية، فقد كذب فيه أوّلاً: من أنّها هبة من أبي بكر، ودلّس فيه، ثانياً ما نقله من قول ابن عنبة في عمدة الطالب فقد ذكر أوّله وبتر بقية كلامه.

قال ابن عنبة (ت٨٢٨هـ) في ذكر عقب محمّد بن الحنفية: ((وأُمّه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنفية ابن لجيم، وهي من سبي أهل الردّة، وبها يُعرَف ابنها ونُسب إليها، كذا رواه شيخ الشرف أبو الحسن محمّد بن أبي جعفر العبيدلي، عن أبي نصر البخاري، وحكى ابن الكلبي عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في خلافة أبي بكر، فاشتراها أُسامة بن زيد بن حارثة، وباعها من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فلمّا عرف أمير المؤمنين صورة حالها أعتقها، وتزوّجها ومهرها.

وقال ابن الكلبي: من قال إنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل.

وروى الشيخ أبو نصر البخاري عن ابن اليقظان: أنّها خولة بنت قيس بن جعفر ابن قيس بن مسلمة، وأُمّها بنت عمرو بن أرقم الحنفي.

____________

1- تذكرة الخواص، لابن الجوزي ١: ٦٦٤ الباب السادس في ذكر أزواجه.


الصفحة 441

وقال أبو نصر البخاري أيضاً: روي عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: رأيت الحنفية سوداء حسنة الشعر، اشتراها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بذي المجاز ــ سوق من أسواق العرب ــ أوان مقدمه من اليمن، فوهبها فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وباعتها فاطمة من مكمل الغفاري، فولدت له عونة بنت مكمل، وهي أُخت محمّد لأُمّه. هذا كلامه.

والأشهر هو الأوّل المروى عن شيخ الشرف))(1).

فظهر وجود الخلاف في سبيها وشرائها، وسيظهر ممّا يأتي أنّ الأشهر لا يساعده الدليل، ولم يقل إلّا الشاذّ: أنّ أبا بكر وهبها لعليّ(عليه السلام) (2).

فحتّى من قال أنّها من سبي ردّة بني حنيفة، لم يقل: بأنّ أبا بكر أهداها لعليّ(عليه السلام) (3)، بل صرّح بعضهم بأنّها من سهمه من القسمة(4).

وهذا لا يستقيم! لأنّها إن كانت من قوم مالك بن النويرة، فسبيها غير صحيح، فهي مسلمة حقيقة، وقد ردّهم عمر، وهذه أُمّ محمّد لم تُرد، مع أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) نكحها ومهرها. وهذا يردّ دعوى القوم!

____________

1- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ٣٥٢ الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.

2- انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٨: ٢٦ ـ١١٦ـ محمّد بن عليّ بن أبي طالب، ذخائر العقبى، للطبري: ١١٧ ذكر ولده، نقله عن ابن السمّان، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب.

3- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين، للطبري: ١١٧ ذكر من هلك منهم سنة ٨١، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٤: ٣٢٣ ــ ٣٢٦ ـ٦٧٩٧ـ محمّد ابن عليّ بن أبي طالب.

4- انظر: الأنساب، للسمعاني ٢: ٢٨١ الحنفي، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٢٤٤ ـ١١ـ محمّد بن الحنف ية ونسبه.


الصفحة 442

قال السيّد المرتضى في كتابه (الشافي): ((فأمّا الحنفية فلم تكن سبيّة على الحقيقة، ولم يستبحها (عليه السلام) بالسبا، لأنّها بالإسلام قد صارت حرّة مالكة أمرها، فأخرجها من يد من استرقّها، ثمّ عقد عليها عقد النكاح، فمن أين أنّه استباحها بالسبا دون عقد النكاح))(1).

وهذا ما وردت به الرواية عندنا بطريقين، فيهما انقطاع وضعف.

فقد أخرج القطب الراوندي في (الخرائج): ((عن دعبل الخزاعي، قال: حدّثني الرضا، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، قال: كنت عند أبي الباقر(عليه السلام) إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد، فقالوا: هل رضي أبوك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة الأوّل والثاني؟

فقال: اللّهمّ لا.

قالوا: فلِمَ نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!

فقال الباقر(عليه السلام) : امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبد الله الأنصاري، فقل له: إنّ محمّد بن عليّ يدعوك.

قال جابر بن يزيد: فأتيت منزله وطرقت عليه الباب، فناداني جابر بن عبد الله الأنصاري من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد.

قال جابر بن يزيد: فقلت في نفسي: من أين علم جابر الأنصاري أنّي جابر بن يزيد ولم يعرف الدلائل إلّا الأئمّة من آل محمّد(عليهم السلام)! والله لأسألنه إذا خرج إليَّ، فلمّا خرج قلت له: من أين علمت أنّي جابر، وأنا على الباب وأنت داخل الدار؟

____________

1- الشافي في الإمامة ٣: ٢٧١ في جواب الاعتراض على أنّه (عليه السلام) نكح من سبيهم، وانظر: الاستغاثة، لأبي القاسم الكوفي ١: ٤ ذكر بدع الأوّل منهم.


الصفحة 443

قال: قد خبّرني مولاي الباقر(عليه السلام) البارحة أنّك تسأله عن الحنفية في هذا اليوم، وأنا أبعثه إليك يا جابر بكرة غد أدعوك.

فقلت: صدقت.

قال: سر بنا. فسرنا جميعاً حتّى أتينا المسجد.

فلمّا بصر مولاي الباقر(عليه السلام) بنا ونظر إلينا، قال للجماعة: قوموا إلى الشيخ فاسألوه حتّى ينبئكم بما سمع ورأى وحدث.

فقالوا: يا جابر! هل رضي إمامك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة من تقدّم؟

قال: اللّهمّ لا.

قالوا: فلِم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!

قال جابر: آه آه آه، لقد ظننت أنّي أموت ولا أُسأل عن هذا، والآن إذ سألتموني فاسمعوا، وعوا: حضرت السبي وقد أُدخلت الحنفية فيمن أُدخل، فلمّا نظرت إلى جميع الناس عدلت إلى تربة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرّنت رنّة، وزفرت زفرة، وأعلنت بالبكاء والنحيب، ثم نادت:

السلام عليك يا رسول الله صلّى الله عليك، وعلى أهل بيتك من بعدك، هؤلاء أُمّتك سبتنا سبي النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلّا الميل إلى أهل بيتك، فجعلت الحسنة سيئة، والسيئة حسنة فسبتنا.

ثمّ انعطفت إلى الناس، وقالت: لِمَ سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

قالوا: منعتمونا الزكاة.

قالت: هبوا الرجال منعوكم، فما بال النسوان؟


الصفحة 444

فسكت المتكلّم كأنّما ألقم حجراً.

ثمّ ذهب إليها طلحة وخالد بن عنان في التزوّج بها وطرحا إليها ثوبين.

فقالت: لست بعريانة فتكسوني.

قيل لها: إنّهما يريدان أن يتزايدا عليك، فأيّهما زاد على صاحبه أخذك من السبي.

قالت: هيهات والله لا يكون ذلك أبداً، ولا يملكني ولا يكون لي بعل إلّا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن أُمّي.

فسكت الناس ينظر بعضهم إلى بعض، وورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم، وبقي القوم في دهشة من أمرها.

فقال أبو بكر: ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض؟!

قال الزبير: لقولها الذي سمعت.

فقال أبو بكر: ما هذا الأمر الذي أحصر أفهامكم، إنّها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت، فلا شكّ أنّها داخلها الفزع، وتقول ما لا تحصيل له.

فقالت: لقد رميت بكلامك غير مرمى ــ والله ــ ما داخلني فزع ولا جزع، و ــ والله ــ ما قلت إلّا حقّاً، ولا نطقت إلّا فصلاً، ولا بدّ أن يكون كذلك، وحقّ صاحب هذه البنية ما كذبت ولا كذّبت.

ثمّ سكتت وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما، وهي قد جلست ناحية من القوم.

فدخل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فذكروا له حالها.

فقال(عليه السلام) : هي صادقة فيما قالت، وكان من حالها وقصّتها كيت وكيت في حال ولادتها، وقال: إنّ كلّ ما تكلّمت به في حال خروجها من بطن أُمّها


الصفحة 445

هو كذا وكذا، وكلّ ذلك مكتوب على لوح نحاس معها، فرمت باللوح إليهم لمّا سمعت كلامه(عليه السلام) ، فقرؤوه فكان على ما حكى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، لا يزيد حرفاً ولا ينقص.

فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها.

فوثب سلمان، فقال: ــ والله ــ ما لأحد هاهنا منّة على أمير المؤمنين، بل لله المنّة ولرسوله ولأمير المؤمنين، ــ والله ــ ما أخذها إلّا لمعجزه الباهر، وعلمه القاهر، وفضله الذي يعجز عنه كلّ ذي فضل.

ثم قام المقداد، فقال: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم طريق الهداية فتركوه، وأخذوا طريق العمى! وما من يوم إلّا وتبيّن لهم فيه دلائل أمير المؤمنين.

وقال أبو ذرّ: واعجباً لمن يعاند الحقّ، وما من وقت إلّا وينظر إلى بيانه، أيّها الناس! إنّ الله قد بيّن لكم فضل أهل الفضل. ثمّ قال: يا فلان أتمنّ على أهل الحقّ بحقّهم وهم بما في يديك أحقّ وأولى؟!

وقال عمّار: أناشدكم الله، أما سلّمنا على أمير المؤمنين هذا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإمرة المؤمنين؟

فوثب عمر وزجره عن الكلام. وقام أبو بكر.

فبعث عليّ(عليه السلام) خولة إلى دار أسماء بنت عميس، وقال لها: خذي هذه المرأة، أكرمي مثواها.

فلم تزل خولة عند أسماء إلى أن قدم أخوها، وزوّجها من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

فكان الدليل على علم أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وفساد ما يورده القوم من سبيهم، وأنّه (عليه السلام) تزوّج بها نكاحاً.


الصفحة 446

فقالت الجماعة: يا جابر بن عبد الله، أنقذك الله من حرّ النار كما أنقذتنا من حرارة الشكّ))(1).

ومثله في كتابي (الروضة)، و(الفضائل) لشاذان بن جبرئيل القمّي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد المدني، قال: ((حدّثني الحسين بن عبد الله البعرمي بالبصرة، قال: حدّثني عبد الله بن هشام، عن الكلبي، قال: حدّثني مهران بن مصعب المكّي، قال: كنّا عند أبي العبّاس بن سابور المكّي، فأجرينا حديث أهل الردّة، فذكرنا خولة الحنفية، ونكاح أمير المؤمنين(عليه السلام) لها.

فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني، قال: بلغني أنّ الباقر(عليه السلام) قد كان جالساً ذات يوم، إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر ألست القائل أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يرض بإمامة من تقدّمه؟

قال: بلى.

فقالا له: هذه خولة الحنفية نكحها من سبيهم، ولم يخالفهم على أمرهم مدّة حياتهم...))(2) الخ.

وفي (مدينة المعاجز) للسيّد هاشم البحراني طريق آخر له أورده عن صاحب كتاب سير الصحابة(3).

____________

1- الخرائج والجرائح ٢: ٥٨٩، فصل في إعلام الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام) ، وانظر: ٥٦٣، فصل في إعلام أمير المؤمنين.

2- الروضة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) : ٣٥ حديث خولة الحنفية، الفضائل: ١٠١ خبر خولة الحنفية.

3- مدينة المعاجز ٢: ٢٢٤ الحديث ٥١٩ الحادي والستّون وثلاثمائة أخباره (عليه السلام) بحال خولة أُمّ محمّد بن الحنفية.


الصفحة 447

وأمّا إن كانت من سبي اليمامة من بني حنيفة ممّن ارتدّوا مع مسيلمة، فإنّ خالداً لم يسبهم، وإنّما صالحهم على الرقّيق بخدعة مجاعة بن مروة(1).

ولذلك قال بعض: إنّ الحنفية لم تكن من أنفسهم، وإنّما من سبيهم(2).

وهذا لا يصحّ، لأنّ نسبها معروف في بني حنيفة، فهي: خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله [عبيد] بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنيفة بن لجيم(3).

فتبيّن أنّ القول الأشهر وهو أنّها من سبي بني حنيفة غير صحيح، وليس لمن ادّعاه من دليل إلّا كونها من بني حنيفة، بل حتّى لو صحّ فلا يفيد إحسان إلهي ظهير، لأنّهم ذكروا أنّها صارت إلى عليّ(عليه السلام) من سهمه، ومن شذّ بقول الهبة فخبره مرسل منقطع، ولا ينفعه لو أراد به تصحيح خلافة أبي بكر، لأنّ صحّة سبي الكافر

____________

1- انظر: تاريخ خليفة بن خيّاط: ٧٢ خبر اليمامة، فتوح البلدان، للبلاذري ١: ١٠٨ الحديث ٢٧٠، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٠ أيام أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٥١٦ ــ ٥١٨ ذكر بقية خبر مسيلمة الكذّاب وقومه من اهل اليمامة، تجارب الأُمم، لابن مسكويه ١: ٢٨٦ قتل مسيلمة في حديقة الموت.

2- انظر: شرح الأخبار، للقاضي النعمان ٣: ٢٩٥ الحديث ١٢٠٠ الإمام الصادق(عليه السلام) ، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٤: ٣٢٣ ـ٦٧٩٧ـ محمّد بن عليّ بن أبي طالب، تهذيب الكمال، للمزّي ٢٦: ١٤٨ ـ٥٤٨٤ـ، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٣١٥ ـ٥٨٨ـ، المعارف، لابن قتيبة: ٢١٠ أخبار عليّ بن أبي طالب، الرياض النضرة، للطبري ٣: ٢٣٩ مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الفصل الثاني عشر في ذكر أولاده، الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله، للبري: ٥٨ أبو القاسم محمّد بن عليّ ابن الحنفية.

3- عمدة الطالب، لابن عنبة: ٣٥٢ الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.


الصفحة 448

لا يشترط فيها إسلام أو إيمان أو صحّة ولاية وحكومة السابي، كما ذكرنا سابقاً في قصّة الصهباء، مع أنّ عليّاً(عليه السلام) أعتقها وتزوّجها ومهرها(1).

ومثله في عدم الصحّة القول بأنّها كانت أمة سوداء حسنة الشعر، كما نقل عن أسماء بنت أبي بكر، لأنّ الطريق الذي جاء به نُقل بمتنين متضاربين متعارضين.

فقد أورد ابن سعد عن محمّد بن عمر: ((قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر، قالت: رأيت أُمّ محمّد ابن الحنفية سندية سوداء وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنّما صالحهم خالد ابن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم))(2). وقد عرفت أنّ هذا غير صحيح، لأنّ خولة (أُمّ محمّد) من بني حنيفة أنفسهم، نسبها إليهم ابن سعد وغيره(3).

وخالفه ما أورده الذهبي بنفس السند في (سير أعلام النبلاء)، قال: ((فروى الواقدي، حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: رأيت الحنفية وهي سوداء، مشرطة حسنة الشعر، اشتراها عليّ بذي المجاز، مقدمه من اليمن، فوهبها لفاطمة فباعتها، فاشتراها مكمل الغفاري فولدت له عونة))(4)، والرواية في (سرّ السلسلة العلوية) لأبي نصر البخاري عن أسماء بنت عميس، وهو خطأ! لأنّها أسماء بنت أبي بكر أنّها قالت: ... الخ مع بعض الاختلاف، إلى أن قال: ولا يصحّ أنّها كانت من سبي خالد بن الوليد(5).

____________

1- الأنساب، للسمعاني ٢: ٢٨١ الحنفي.

2- الطبقات الكبرى ٥: ٩١ محمّد بن الحنفية.

3- المصدر نفسه.

4- سير أعلام النبلاء ٤: ١١٠ ـ٣٦ـ ابن الحنفية.

5- سر السلسلة العلوية: ٨١ أولاد محمّد بن الحنفية.


الصفحة 449

والسند كما رأيت زبيريّ بامتياز، وعدائهم لابن الحنفية معروف مشهور.

ولو كانت سوداء لبان ذلك من محمّد، ولعيّره أعداؤه بأُمّه واشتهر.

وروي عندنا أنّ عليّاً(عليه السلام) أخبر في كتابه الذي كتبه إلى أصحابه بعد منصرفه من النهروان أنّه سباها من اليمن، قال في كتابه لأصحابه مبيّناً لحقّه وشارحاً لأمره: (وقد سمع قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة الأسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، وقال: إذا افترقتما فكلّ واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعليّ عليكم جميعاً، فغزونا وأصبنا سبياً فيهم خولة بنت جعفر جار الصفا، وإنّما سمّي جار الصفا من حسنه، فأخذت الحنفية خولة واغتنمها خالد منّي وبعث بريدة إلى رسول الله محرشاً علَيَّ فأخبره بما كان من أخذي خولة، فقال: يا بريدة! حظه في الخمس أكثر ممّا أخذ، وإنّه وليّكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر).

نقلها السيّد ابن طاووس عن كتاب (الرسائل) لمحمّد بن يعقوب الكليني: ((عن علي بن إبراهيم بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس...))(1).

ورويت بسندٍ آخر عند الطبري الإمامي في (المسترشد) عن الشعبي: ((عن شريح بن هاني، قال: خطب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بعدما افتتحت مصر، ثمّ قال: وإنّي مخرج إليكم كتاباً، وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي من المؤمنين والمسلمين: أمّا بعد...)).

____________

1- كشف المحجّة لثمرة المهجة: ١٧٧ كتابه لأصحابه لمّا انصرف من النهروان.


الصفحة 450

وهو كتاب طويل يشكو فيه من تقدّمه من أخذهم حقّه، وجاء فيه:

((وقد سمع قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة الأسلمي، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، فقال: إذا تفرّقتما فكلّ واحد منكما أمير على حياله، وإذا اجتمعتما فأنت يا عليّ أمير على خالد، فأغرنا على أبيات، وسبينا فيهم خولة بنت جعفر جان الصفا، وإنّما سُمّيت جان لحسنها، فأخذت خولة واغتنمها خالد منّي!...))(1) الخ.

وقد ذكر لقبها (جار الصفا) ابن قتيبة في (المعارف)(2)، و(جان الصفا) البري في (الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله)(3).

ويؤيّده ما في (الإصابة) لابن حجر، قال: ((خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية، والدة محمّد بن عليّ بن أبي طالب، رآها النبيّ(صلى الله عليه وسلم) في منزله، فضحك ثمّ قال:

(يا عليّ! أما إنّك تتزوّجها من بعدي، وستلد لك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، وأنحله). رويناه في فوائد أبي الحسن أحمد بن عثمان الآدمي من طريق إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبي جبير، عن أبيه قنبر حاجب عليّ، قال: رآني عليّ فذكره، وسنده ضعيف وثبوت صحبتها مع ذلك يتوقّف على أنّها كانت حينئذٍ مسلمة))(4).

وما في (أنساب الأشراف) للبلاذري، عن علي بن محمّد المدائني أنّه قال: ((بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عليّاً إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب، وصارت في سهمه، وذلك في عهد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال

____________

1- المسترشد: ٤٠٩ ــ ٤١٤ من كتاب له (عليه السلام) إلى من قرأ من المؤمنين والمسلمين.

2- المعارف: ٢١٠ أخبار عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

3- الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله: ٥٨ أبو القاسم محمّد ابن الحنفية.

4- الإصابة ٨: ١١٣ ـ١١١١٤ـ خولة بنت إياس بن جعفر.


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية