المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 451 - ص 480)

له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : إن ولدت منك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، فولدت له بعد موت فاطمة(عليها السلام) غلاماً فسمّاه محمّداً وكنّاه أبا القاسم)).

ولكن البلاذري روى بعدها: ((وحدّثني علي بن المغيرة الأثرم وعبّاس بن هشام الكلبي، عن هشام، عن خراش بن إسماعيل العجلي، قال: أغارت بنو أسد بن خزيمة على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر، ثمّ قدموا بها المدينة في أوّل خلافة أبي بكر فباعوها من عليّ، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على عليّ فعرفوها، وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها (عليّ) ومهّرها وتزوّجها، فولدت له محمّداً ابنه، وقد كان قال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) : أتأذن لي إن ولد لي بأن أُسمّيه باسمك، وأُكنّيه بكنيتك؟ فقال: نعم. فسمّى ابن الحنفية محمّداً، وكنّاه أبا القاسم.

(قال البلاذري): وهذا أثبت من خبر المدائني))(1).

وقد عرفت ممّا ذكره ابن عنبة عن الكلبي آنفاً أنّ أُسامة بن زيد اشتراها وباعها من عليّ(عليه السلام) ، ونقله أيضاً علي بن محمّد العلوي العمري (ت٧٠٩هـ) في (المجدي في أنساب الطالبين) عن شيخ الشرف: أنّ شيخه أبا نصر البخاري حكى: أنّ ابن الكلبي ذكر عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في سلطان أبي بكر فاشتراها أُسامة بن زيد... إلى أن قال: فقال: ابن الكلبي فيما زعم البخاري: من قال أنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل(2).

ونسبه ابن أبي الحديد للمحقّقين وأنّه أظهر الأقوال(3).

____________

1- أنساب الأشراف ٢: ٢٠٠ الحديث ٢٤٦، ٢٤٨.

2- المجدي في أنساب الطالبين: ١٤ أخبار بني علي لصلبه.

3- شرح نهج البلاغة ١: ٢٤٤ ـ١١ـ محمّد بن الحنفية ونسبه وبعض أخباره.


الصفحة 452

وممّا مضى يتّضح بطلان القول بسبيها في ردّة بني حنيفة، إذ الدليل يردّه، وبالتالي يلحقه في البطلان القول بهبتها لشذوذه وضعفه وبطلان أصله، ثمّ تعدّد النقل بشرائها من قبل عليّ(عليه السلام) ، واتّفاق الأقوال على عتقها وتزويجها ومهرها في عدّة روايات على مختلف الأقوال.. فأيّ حجّة تبقى لمن يعشى عن ضوء الشمس، ويتمسّك مدلّساً بدعوى هبتها من أبي بكر لعليّ(عليه السلام) .

السابع عشر: وأمّا ما ادّعاه من قبول عليّ(عليه السلام) وأولاده الهدايا المالية من أبي بكر، فهذا كذب محض لم يورد عليه دليلاً! بل لم يكن لمثل هذه الهدايا واقع في زمن أبي بكر لهم أو لغيرهم، فإنّه كان يقسّم ما يجيئه من الغنيمة على المسلمين في المدينة بالسويّة، ولم تكن مبالغ كبيرة في زمنه، نعم لمّا تولّى عمر قسّم العطاء بالتفاضل بين المسلمين، وفي زمن عثمان لمّا كثرت الأموال كانت عطاياه لبني أُميّة خاصّة، حتّى ثار عليه المسلمون.

وأمّا أموال الخمس والفيء، فهو حقّهم بالأصل للقرابة والإمامة خصّهم الله به وأعطاه لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ حتّى إنّ فاطمة(عليها السلام) طالبت به أبا بكر ــ فغصبه منهم من تولّى بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ظالماً. وكذب المدّعي هنا أيضاً من أنّ أبا بكر كان يعطيهم ما لم يعطي غيرهم من الخمس والفيء، مع أنّه حقّهم خاصّة.

والخراشي هنا حذف الشاهد الذي أورده إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة وآل البيت) تحت عنوان: (اقتداء عليّ بالصدّيق في الصلوات وقبوله الهدايا منه)، من رواية أبي داود في سننه، لأنّه أبعد من أن يدلّ على مطلوبه؛ فهو أوّلاً: ليس من مرويات الشيعة، بل من روايات أهل السُنّة؛ وثانياً: فيه تصريح بأنّ عليّاً(عليه السلام) يطلب من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل له قسمة حقّهم من الخمس، فإذا كان الخمس حقّهم والمولّي هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأيّ تفضّل لأبي بكر في ذلك.


الصفحة 453

قال أبو داود: ((حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، ثنا هاشم بن البريد، ثنا حسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول: (اجتمعت أنا والعبّاس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، فقلت: يا رسول الله! إن رأيت أن تولّيني حقّنا من هذا الخمس في كتاب الله فأقسمه [في] حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك، قال: فقسمته حياة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثمّ ولاّنيه أبو بكر، حتّى إذا كانت آخر سنة من سنيّ عمر، فإنّه أتاه مال كثير، فعزل حقّنا، ثمّ أرسل إليَّ فقلت: بنا عنه العام غنى، وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم، فردّه عليهم، ثمّ لم يدعني إليه أحد بعد عمر، فلقيت العبّاس بعد ما خرجت من عند عمر، فقال: يا عليّ! حرمتنا الغداة شيئاً لا يردّ علينا أبداً، وكان رجلاً داهياً))(1).

ولم يرد فيه ذكر للفيء، وفيه أنّ عليّاً(عليه السلام) كان قاسماً لحقّهم من الخمس من قِبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن يرد ّ ذلك وينازعه يكون مخالفاً لأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي آخره أنّ هذا الحقّ أخذ منهم أيضاً! فأين استدلّ به إحسان إلهي ظهير من هذا الحديث.

وهل لسائل يسأل ظهير: لِمَ أوردت هذا الحديث من أبي داود فقط ولم تورد ما ذكره قبله عن ابن عبّاس؟!

حيث قال أبو داود: ((حدّثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب: أخبرني يزيد بن هرمز: أنّ نجدة الحروري حين حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه؟ قال ابن

____________

1- سنن أبي داود ٢: ٢٧ الحديث ٢٩٨٤.


الصفحة 454

عبّاس: لقربي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، قسمه لهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله))(1).

أو الذي قبله عند أبي داود، قال: ((حدّثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عثمان بن عمر، أخبرني يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، ثنا جبير بن مطعم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئاً، كما قسم لبني هاشم وبني المطّلب.

قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، غير أنّه لم يكن يعطي قربى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كما كان يعطيهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منهم))(2).

وهل لسائل يسأل: لماذا لم يكن أبو بكر يعطيهم مثل ما كان يعطيهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وإذا كان الخمس حقّهم، فهل يكون التصرّف فيه بخلاف عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا أخذاً له من دون وجه حقّ؟!!

ثمّ لم يكتف ظهير بذلك حتّى أخذ في الكذب، وقال: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ، ثمّ كانت بيد الحسن، ثمّ بيد الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ الحسن بن الحسن، ثمّ زيد بن الحسن))، ونسبها إلى ابن أبي الحديد!

وفي الحقيقة أخذ ذيل ما رواه ابن أبي الحديد عن الجوهري ــ وهما من أهل السُنّة ــ من رواية مالك بن أوس بن الحدثان في تنازع عليّ(عليه السلام) والعبّاس عند عمر

____________

1- سنن أبي داود ٢: ٢٦ الحديث ٢٩٨٢.

2- سنن أبي داود ٢: ٢٦ الحديث ٢٩٧٩.


الصفحة 455

في ميراث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وهي عند البخاري ومسلم(2)، ولا تعلّق لها بما ذكره أوّلاً من أموال الخمس وقسمة عليّ(عليه السلام) لها، حتّى يقول: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ...)) الخ، وإنّما تخصّ وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي الحوائط السبعة التي أوصى بها مخيريق اليهودي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما أفاء الله به عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أموال بني النضير، والتي منعها أبو بكر فاطمة(عليها السلام) مع ما منعه من ملكها في فدك وخيبر(3)، ثمّ ولاّها عمر عليّ(عليه السلام) ، ثمّ تولاها الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ زيد بن الحسن، إلى أن تولّى بنو العبّاس فقبضوها(4).

الثامن عشر: وأمّا مسألة زواج أمير المؤمنين(عليه السلام) من الزهراء(عليها السلام) , فلا نرى أيّة رواية تحكي فضلاً لأبي بكر في ذلك الزواج، أو أيّة خصوصية له فيه، أو لغيره.

نعم, حضورهم وإشهادهم على ذلك الزواج كان مقصوداً من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكونهم تجاوزوا حجمهم الحقيقي، وأرادوا الزواج من سيّدة نساء العالمين(عليها السلام) ! فبعد أن

رفضهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واعتذر لهم بصغر فاطمة(عليها السلام) ، تَقدّم عليّ(عليه السلام) ، بعد أنّ

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٢٩ ـ٤٥ـ ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك.

2- صحيح البخاري ٥: ٢٣ ــ ٢٥ كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، صحيح مسلم ٥: ١٥ كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء.

3- صحيح مسلم ٥: ١٥٣ ــ ١٥٥، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): لا نوّرث ما تركناه فهو صدقة، صحيح البخاري ٤: ٤١، باب فرض الخمس.

4- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٦: ١٣٩ ــ ١٤٥ كتاب فرض الخمس، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ٣: ١٥٥ ــ ١٥٧ الباب السادس، الفصل الثاني: طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها.


الصفحة 456

اقترحوا عليه كما ورد في بعض الروايات, وانتظروا الردّ من النبيّ متوقّعين ردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) ــ أيضاً لفقره أو لصغر فاطمة(عليها السلام) ــ ورفضه كما رفضهم ليرتاحوا ويطمئنوا، ويرضوا غرورهم على الأقلّ، بعد افتضاحهم بردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم.

فلمّا وافق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عليّ(عليه السلام) بعد يوم، أو يومين ــ وفاطمة(عليها السلام) لم تكبر في ذلك اليوم أو اليومين ــ انكشف بذلك لهم وللناس، أنّ عدم تزويج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم وعدم رضاهم لسيّدة نساء العالمين(عليها السلام) لم يكن إلّا لعدم كفاءتهم لها، وظهر للناس فضل عليّ(عليه السلام) وشرفه.

وقد روى النسائي في سننه بسنده، قال: ((خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : إنّها صغيرة، فخطبها عليّ، فزوّجها منه))(1)، وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّحه(2)، ووافقه الذهبي(3).

وما أورداه من روايات ليس فيها أيّ دلالة على مساعدة أبي بكر لعليّ(عليه السلام) ، أو توسّطه في أمر زواجه كما ادّعاه ظهير والخراشي، كيف وعليّ(عليه السلام) ذهب لخطبتها من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده ولا يوجد أيّ نصّ يذكر أنّ أبا بكر أو عمر أو غيرهما كلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأنه، والروايات متّفقة على أنّ عليّاً(عليه السلام) كان فقيراً لا يملك إلّا درعه ودفع مهر فاطمة(عليها السلام) ، وليس فيها أنّهم ساعدوه في المهر على علمهم بفقره. نعم هم طلبوا من عليّ(عليه السلام) التعرّض لخطبة فاطمة(عليها السلام) بعد أن يأسوا من الزواج منها، وأخبرهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أمرها إلى الله.

____________

1- سنن النسائي ٦: ٦٢ الحديث ٣٢٢١ كتاب النكاح، باب ٧.

2- المستدرك على الصحيحين ٢: ١٦٧ كتاب النكاح.

3- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٢: ٢٨٨ الحديث ٢٧٥٤ كتاب النكاح.


الصفحة 457

ولا نعرف لِمَ قطع إحسان إلهي ظهير الرواية الأُولى، ولم يأت بها على وجهها كاملة كما هي في أمالي الشيخ الصدوق(1) الذي نقلها منه؟ أليس لأنّها نصّ في أفضلية عليّ(عليه السلام) على غيره حتّى رضى الله زواجه من فاطمة(عليها السلام) ، وإنّ عليّاً(عليه السلام) وزوجه أحبّ خلق الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فراجع، وأعجب من تدليسه على الناس!!

والأعجب من ذلك أنّه يعدّ شراء بعض لوازم العرس من قبل أبي بكر بمال عليّ، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مساعدة فعلية من أبي بكر في زواج عليّ(عليه السلام) !! حتّى إنّ القارئ يظنّ أنّ أبا بكر اشترى ما اشترى لعليّ وفاطمة(عليهما السلام) من ماله، سبحان الله!!! إذ ما كان أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له بالمساعدة في الشراء إلّا كما أمر غيره من أصحابه والقريبين منه كما هي العادة في كلّ عرس، ولكون أبا بكر كان يدور في السوق يبيع الثياب على منكبه، فهو أعرف بالسوق من غيره.

وأمّا ما نقله عن كتاب المجلسي (جلاء العيون) بالفارسية، فأصله ما ورد في مناقب الخوارزمي (ت٥٦٨هـ)، وهو ليس بشيعيّ كما زعمه ظهير، وإنّما سُنّي حنفي أشعري(2)، رواه بسند عامّي، قال: ((أنبأني مهذّب الأئمّة أبو المظفّر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني ــ نزيل بغداد ــ أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن محمّد الأنصاري وأبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين، قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إذناً، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن عبد الصمد بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزّاز، حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن الحسين بن الخطّاب بن فرات بن حيّان العجلي ــ قراءةً علينا من لفظه ومن كتابه ــ حدّثنا الحسن

____________

1- أمالي الصدوق: ٣٩ الحديث ٤٤ المجلس الثاني.

2- انظر: طبقات الحنفية لعبد القادر القرشي ٢: ١٨٨ ـ٥٨٤ـ.


الصفحة 458

ابن محمّد الصفّار الضرير، حدّثنا عبد الوهاب بن جابر، حدّثنا محمّد بن عمير، عن أيّوب، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أُمّ سلمة وسلمان الفارسي وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، قال: لمّا أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النساء، خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، وكان كلّما ذكرها رجل من قريش لرسول الله أعرض رسول الله عنه بوجهه، حتّى كان الرجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وحي من السماء، ولقد خطبها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر الصدّيق، فقال له رسول الله: يا أبا بكر أمرها إلى ربّها، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب، فقال له كمقالته لأبي بكر، وإنّ أبا بكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله ومعهما سعد بن معاذ الأنصاري، ثم الأوسي فتذاكروا أمر فاطمة بنت رسول الله، فقال أبو بكر: لقد خطبها من رسول الله الأشراف فردّهم رسول الله، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، وإنّ عليّ بن أبي طالب لم يخطبها من رسول الله ولم يذكرها له ولا أراه يمنعه من ذلك إلّا قلّة ذات اليد، وأنّه ليقع في نفسي أنّ الله ورسوله إنّما يحبسانها عليه.

قال: ثم أقبل أبو بكر على عمر بن الخطّاب وعلى سعد بن معاذ، فقال: هل لكما في القيام إلى عليّ بن أبي طالب حتّى تذكرا له هذا، فإن منعه منه قلّة ذات اليد، واسيناه وأسعفناه.

فقال له سعد بن معاذ: وفّقك الله يا أبا بكر، فما زلت موفّقاً، قوموا بنا على بركة الله ويُمنه.

قال سلمان الفارسي: فخرجوا من المسجد فالتمسوا عليّاً في منزله فلم يجدوه، وكان ينضح ببعير كان له الماء على نخل رجل من الأنصار بأُجرة، فانطلقوا نحوه.


الصفحة 459

فلمّا رآهم، نظر إليهم عليّ(عليه السلام) ، قال: ما وراكم وما الذي جئتم له؟

فقال له أبو بكر: يا أبا الحسن! إنّه لم يبق خصلة من خصال الخير إلّا ولك فيها سابقة وفضل، وأنت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمكان الذي قد عرفت من القرابة والصحبة والسابقة، وقد خطب الأشراف من قريش إلى رسول الله ابنته فاطمة فردّهم، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، فما يمنعك أن تذكرها لرسول الله وتخطبها منه؟ فإنّي أرجو أن يكون الله سبحانه وتعالى ورسوله إنّما يحبسانها عليك.

قال: فتغرغرت عينا عليّ بالدموع، وقال: يا أبا بكر! لقد هيّجت منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، وبالله إنّ فاطمة لرغبتي وما مثلي يقعد عن مثلها، غير أنّي يمنعني من ذلك قلّة ذات اليد.

فقال له أبو بكر: لا تقل هذا يا أبا الحسن، فإنّ الدنيا وما فيها عند الله تعالى ورسوله كهباء منثور.

قال: ثمّ إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حلّ عن ناضحه وأقبل يقوده إلى منزله، فشدّه فيه، وأخذ نعله وأقبل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان رسول الله في منزل زوجته أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة المخزومي، فدقّ عليّ بن أبي طالب الباب.

فقالت أُمّ سلمة: من بالباب؟

فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله ــ قبل أن يقول عليّ، أنا عليّ ــ قومي

يا أُمّ سلمة، فافتحي له الباب، ومريه بالدخول، فهذا رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّهما.

قالت أُمّ سلمة: فقلت: فداك أبي وأُمّي، ومن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره؟


الصفحة 460

فقال: مَه يا أُمّ سلمة! هذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق، هذا أخي، وابن عمّي، وأحبّ الخلق إليَّ.

قالت أُمّ سلمة: فقمت مبادرة، أكاد أن أعثر بمرطي، ففتحت الباب، فإذا أنا بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، والله ما دخل حين فتحت له حتّى علم أنّي قد رجعت إلى خدري.

قالت: ثمّ إنّه دخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته.

فقال النبيّ: وعليك السلام يا أبا الحسن! اجلس.

قالت أُمّ سلمة: فجلس عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل يطرق إلى الأرض كأنّه قصد لحاجة وهو يستحي أن يبديها لرسول الله، فهو مطرق إلى الأرض حياءً من رسول الله.

فقالت أُمّ سلمة: فكأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) علم ما في نفس عليّ، فقال له: يا أبا الحسن! إنّي أرى أنّك أتيت لحاجة، فقل حاجتك، وأبد ما في نفسك، فكلّ حاجة لك عندي مقضية؟

قال عليّ بن أبي طالب: فقلت: فداك أبي وأُمّي، إنّك تعلم أنّك أخذتني من عمّك أبي طالب، ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي، لا عقل لي، فغذّيتني بغذائك، وأدّبتني بأدبك، فكنت لي أفضل من أبي طالب، ومن فاطمة بنت أسد، في البرّ والشفقة، وأنّ الله عزّ وجلّ هداني بك وعلى يديك، واستنقذني ممّا كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشرك، وأنّك والله يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة.


الصفحة 461

يا رسول الله! فقد أحببت مع ما قد شدّ الله من عضدي بك أن يكون لي بيت، وأن تكون لي زوجة أسكن إليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً، أخطب إليك ابنتك فاطمة، فهل أنت مزوّجني يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قالت أُمّ سلمة: فرأيت وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتهلّل فرحاً وسروراً، ثمّ تبسّم في وجه عليّ(عليه السلام) ، وقال له: يا أبا الحسن! فهل معك شيء أُزوّجك به؟

فقال له عليّ: فداك أبي وأُمّي، والله ما يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي وناضحي، ما أملك شيئاً غير هذا.

فقال له رسول الله: يا عليّ! أمّا سيفك فلا غناء بك عنه. تجاهد به في سبيل الله، وتقاتل به أعداء الله، وناضحك فتنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكنّي قد زوّجتك بالدرع، ورضيت بها منك، يا أبا الحسن! أأبشرك؟

قال عليّ(عليه السلام) : فقلت: نعم فداك أبي وأُمّي يا رسول الله! بشّرني فإنّك لم تزل ميمون النقيبة، مبارك الطائر، رشيد الأمر صلّى الله عليك.

فقال لي رسول الله: أبشر يا أبا الحسن! فإنّ الله عزّ وجلّ قد زوّجكها في السماء من قبل أن أُزوّجكها في الأرض، ولقد هبط علَيَّ في موضعي من قبل أن تأتيني ملك من السماء له وجوه شتّى، وأجنحة شتّى، لم أر قبله من الملائكة مثله، فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أبشر يا محمّد باجتماع الشمل وطهارة النسل.

فقلت: وما ذاك أيّها الملك؟

فقال: يا محمّد! أنا سيطائيل الملك الموكّل بإحدى قوائم العرش، سألت ربّي عزّ وجلّ أن يأذن لي في بشارتك، وهذا جبرئيل في أثري يبشّرك عن ربّك عزّ وجلّ بكرامة الله عزّ وجلّ.


الصفحة 462

قال النبيّ: فما استتمّ الملك كلامه حتّى هبط عليَّ جبرئيل، فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا نبيّ الله!

ثمّ إنّه وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنّة وفيها سطران مكتوبان بالنور.

فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الحريرة؟ وما هذه الخطوط؟

فقال جبرئيل: يا محمّد! إنّ الله اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارك من خلقه وابتعثك برسالاته، ثمّ اطّلع إلى الأرض ثانية، فاختار لك منها أخاً ووزيراً وصاحباً وختناً، فزوّجه ابنتك فاطمة.

فقلت: حبيبي جبرئيل ومن هذا الرجل؟

فقال لي: يا محمّد! أخوك في الدين، وابن عمّك في النسب، عليّ بن أبي طالب، وأنّ الله أوحى إلى الجنان أن تزخرفي، فتزخرفت، وإلى شجرة طوبى أن احملي الحُليّ والحُلل، فحملت شجرة طوبى الحُليّ والحُلل، وتزخرفت الجنان، وتزيّنت الحور العين، وأمر الله الملائكة أن تجتمع في السماء الرابعة عند البيت المعمور.

قال: فهبطت الملائكة: ملائكة الصفيح الأعلى، وملائكة السماء الخامسة إلى السماء الرابعة، ورقت ملائكة السماء الدنيا، وملائكة السماء الثانية، وملائكة السماء الثالثة إلى الرابعة، وأمر الله عزّ وجلّ رضوان، فنصب منبر الكرامة على باب البيت المعمور، وهو المنبر الذي خطب فوقه آدم يوم علّمه الله الأسماء وعرضهم على الملائكة، وهو منبر من نور، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملك من ملائكة حجبه ــ يقال له راحيل ــ: أن يعلو ذلك المنبر، وأن يحمده بمحامده، وأن يمجّده بتمجيده، وأن


الصفحة 463

يثني عليه بما هو أهله، وليس في الملائكة كلّها أحسن منطقاً ولا أحلى لغةً من راحيل الملك، فعلا الملك راحيل المنبر وحمد ربّه ومجّده وقدّسه وأثنى عليه بما هو أهله، فارتجّت السماوات فرحاً وسروراً.

قال جبرئيل: ثمّ أوحى إليَّ: أن اعقد عقدة النكاح، فإنّي قد زوّجت أمتي فاطمة ابنة حبيبي محمّد من عبدي عليّ بن أبي طالب، فعقدت عقدة النكاح، وأشهدت على ذلك الملائكة أجمعين، وكتبت شهادة الملائكة في هذه الحريرة، وقد أمرني ربّي أن أعرضها عليك، وأن أختمها بخاتم مسك أبيض، وأن أدفعها إلى رضوان خازن الجنان، وأنّ الله عزّ وجلّ لمّا أن أشهد على تزويج فاطمة من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ملائكته أمر شجرة طوبى أن تنثر حملها وما فيها من الحُليّ والحُلل، فنثرت الشجرة ما فيها، والتقطته الملائكة والحور العين، وأنّ الحور ليتهادينه ويفخرن به إلى يوم القيامة.

يا محمّد! وأنّ الله أمرني أن آمرك أن تزوّج عليّاً في الأرض فاطمة، وأن تبشّرهما بغلامين زكيين نجيبين طيبين طاهرين فاضلين، خيرين في الدنيا والآخرة.

يا أبا الحسن! فوالله ما خرج ملك من عندي حتّى دققت الباب، ألا وإنّي منفذ فيك أمر ربّي، امض يا أبا الحسن أمامي، فإنّي خارج إلى المسجد، ومزوّجك على رؤوس الناس، وذاكر من فضلك ما تقرّ به عينك، وأعين محبّيك في الدنيا والآخرة.

قال عليّ بن أبي طالب: فخرجت من عند رسول الله مسرعاً وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر وقالا لي: ما وراك يا أبا الحسن؟ فقلت: زوّجني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته فاطمة، وأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ زوّجنيها في السماء، وهذا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خارج في أثري ليظهر ذلك بحضرة الناس، ففرحا بذلك فرحاً


الصفحة 464

شديداً، ورجعا معي إلى المسجد. فوالله ما توسّطناه حيناً، حتّى لحق بنا رسول الله وأنّ وجهه ليتهلّل سروراً وفرحاً.

وقال: أين بلال بن حمامة؟ فأجابه مسرعاً بلال، وهو يقول: لبّيك، لبّيك

يا رسول الله!

فقال له رسول الله: أجمع لي المهاجرين والأنصار، فانطلق بلال لأمر رسول الله، وجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قريباً من منبره، حتّى اجتمع الناس، ثمّ رقى على درجة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر المسلمين، إنّ جبرئيل(عليه السلام) أتاني آنفاً فأخبرني عن ربّي عزّ وجلّ بأنّه جمع الملائكة عند البيت المعمور، وأنّه أشهدهم جميعا أنّه زوّج أمته فاطمة بنت رسوله محمّد، من عبده عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وأمرني أن أُزوّجه في الأرض وأشهدكم على ذلك، ثمّ جلس.

وقال لعليّ(عليه السلام) : قم يا أبا الحسن! فاخطب أنت لنفسك.

قال: فقام فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ، وقال: الحمد لله شكراً لأنعمه وأياديه ولا إله إلّا الله، شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على محمّد، صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح ممّا أمر الله عزّ وجلّ به ورضيه، ومجلسنا هذا ممّا قضاه الله ورضيه وأذن فيه، وقد زوّجني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته فاطمة، وجعل صداقها درعي هذا، وقد رضيت بذلك، فسلوه واشهدوا.

فقال المسلمون لرسول الله: زوّجته يا رسول الله؟

فقال رسول الله: نعم.

فقال المسلمون: بارك الله لهما وعليهما وجمع شملهما.

وانصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أزواجه فأمرهنّ أن يدففن لفاطمة، فضربن أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على رأس فاطمة(عليها السلام) بالدفوف.


الصفحة 465

قال عليّ بن أبي طالب: وأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا أبا الحسن! انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنه حتّى أُهيّء لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما.

قال عليّ(عليه السلام) : فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق، فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفّان، فلمّا أن قبضت الدراهم منه وقبض الدرع منّي، قال لي: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع منك، وأنت أولى بالدراهم منّي؟

فقلت: نعم.

قال: فإنّ الدرع هدية منّي إليك.

قال: فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان. فدعا له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بخير، وقبض رسول الله قبضة، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه، وقال: يا أبا بكر اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، وبعث معه سلمان الفارسي، وبلال بن حمامة ليعيناه على حمل ما يشتري به.

قال أبو بكر: وكانت الدراهم التي دفعها إلى رسول الله ثلاثة وستّين درهماً. قال: فانطلقت إلى السوق فاشتريت فراشاً من خيش مصر محشوّاً بالصوف، ونطعاً من أدم، ووسادة من أدم محشوّة ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء ــ وقلت: هي خادم البيت ــ وكيزاناً وجراراً ومطهرة للماء، وستر صوف رقيق، وحملت أنا بعضه وسلمان بعضه وبلال بعضه، وأقبلنا به فوضعناه بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا نظر إليه بكى وجرت دموعه على لحيته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللّهمّ بارك لقوم جُلّ آنيتهم الخزف.

قال عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) : ودفع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) باقي ثمن الدرع إلى أُمّ سلمة، وقال: ارفعي هذه الدراهم عندك، ومكثت بعد ذلك شهراً، لا أُعاود


الصفحة 466

رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر فاطمة بشيء استحياءً من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّي إذا خلوت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لي: يا أبا الحسن! ما أحسن زوجتك وأجملها. أبشر يا أبا الحسن! فقد زوّجتك سيّدة نساء العالمين.

قال عليّ: فلمّا كان بعد شهر، دخل عليَّ أخي عقيل، فقال: والله يا أخي، ما فرحت بشيء قطّ كفرحي بتزويجك فاطمة ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يا أخي! فما بالك لا تسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخلها عليك فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما؟

فقلت: والله، يا أخي! إنّي لأحبّ ذلك وما يمنعني أن أسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك إلّا حياءً منه.

فقال: أقسمت عليك، إلّا قمت معي تريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلقيتنا في الطريق أُمّ أيمن ــ مولاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ فذكرنا ذلك.

فقالت: لا تفعل يا أبا الحسن! ودعنا نحن نتكلّم في هذا، فإنّ كلام النساء في هذا الأمر أحسن وأوقع في قلوب الرجال.

قال: ثمّ انثنت راجعة، فدخلت على أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعلمتها بذلك، وأعلمت نساء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جميعاً، فاجتمعت أُمّهات المؤمنين إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان في بيت عائشة بنت أبي بكر، فأحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله! قد اجتمعنا لأمر لو أنّ خديجة في الأحياء، لقرّت بذلك عينها.

قالت أُمّ سلمة: فلمّا ذكرنا خديجة، بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: خديجة! وأين مثل خديجة؟ صدّقتني حين كذّبني الناس، وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أُبشّر خديجة ببيت في الجنّة من قصب الزمرّد، لا صخب فيه ولا نصب.


الصفحة 467

قالت أُمّ سلمة: فقلنا: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! إنّك لم تذكر من خديجة أمراً إلّا وقد كانت كذلك، غير أنّها قد مضت إلى ربّها، فهنّأها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في درجات جنّته ورحمته ورضوانه، يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! هذا أخوك في الدين، وابن عمّك في النسب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يحبّ أن تدخل [عليه] زوجته فاطمة وتجمع بها شمله.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أُمّ سلمة! فما بال عليّ لا يسألني ذلك؟

قلت: يمنعه من ذلك الحياء منك يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

قالت أُمّ أيمن: فقال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أُمّ أيمن! انطلقي إلى عليّ فأتيني به، فخرجت من عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا أنا بعليّ ينتظرني ليسألني عن جواب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا رآني، قال: ما وراك يا أُمّ أيمن؟

قلت: أجب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال عليّ: فدخلت عليه وهو في حجرة عائشة، وقمن أزواجه فدخلن البيت، وأقبلت فجلست بين يدي رسول الله مطرقاً نحو الأرض، حياءً منه.

فقال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أتحبّ أن تدخل عليك زوجتك؟

فقلت ــ وأنا مطرق ــ: نعم فداك أبي وأُمّي.

فقال: نعم وكرامة يا أبا الحسن! أدخلها عليك في ليلتنا هذه، أو في ليلة غد إن شاء الله.

فقمت من عنده فرحاً مسروراً.

وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أزواجه ليزينّ فاطمة وليطيّبنها ويفرشن لها بيتاً حتّى يدخلها على بعلها عليّ. ففعلن ذلك.


الصفحة 468

وأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الدراهم التي دفعها إلى أُمّ سلمة من ثمن الدرع عشرة دراهم فدفعها إلى عليّ، ثم قال: اشتر تمراً وسمناً وإقطاً.

قال عليّ: فاشتريت بأربعة دراهم تمراً، وبخمسة دراهم سمناً وبدرهم إقطاً، وأقبلت به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحسر النبيّ عن ذراعيه، ودعا بسفرة من أدم، وجعل يشدخ التمر بالسمن، وجعل يخلطه بالأقط، حتّى اتّخذه حيساً، ثمّ قال لي: يا عليّ! ادع من أحببت.

فخرجت إلى المسجد وأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متوافرون، فقلت: أجيبوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقام القوم بأجمعهم وأقبلوا نحو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخلت على رسول الله فأخبرته أنّ القوم كثير، فجلّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) السفرة بمنديل، ثم قال: أدخل علَيَّ عشرة بعد عشرة، ففعلت ذلك، فجعلوا يأكلون ويخرجون والسفرة لا ينقص ما عليها، حتّى لقد أكل من الحيس تسعمائة رجل وامرأة، كلّ ذلك ببركة كفّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت أُمّ سلمة: ثمّ دعا النبيّ بابنته فاطمة، ودعا بعليّ، فأخذ عليّاً بيمينه، وأخذ فاطمة بشماله، فجمعهما إلى صدره، فقبّل بين أعينهما، ودفع فاطمة إلى عليّ(عليه السلام) ، وقال: يا عليّ! نعم الزوجة زوجتك. ثم أقبل على فاطمة، فقال لها: يا فاطمة! نعم البعل بعلك، ثمّ قام معهما يمشي بينهما حتّى أدخلهما بيتهما الذي هيّأ لهما، ثمّ خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب، وقال: طهّركما الله وطهّر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما.

قال عليّ(عليه السلام) : ومكث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك ثلاثاً لا يدخل علينا، فلمّا كان في صبيحة اليوم الرابع جاءنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ليدخل علينا، فصادف في حجرتنا أسماء بنت


الصفحة 469

عميس الخثعمية، فقال لها: ما يوقفك هاهنا وفي الحجرة رجل؟ فقالت له: فداك أبي وأُمّي! إنّ الفتاة إذا زفّت إلى زوجها تحتاج إلى امرأة تتعهدّها وتقوم بحوائجها فأقمت هاهنا لأقضي حوائج فاطمة وأقوم بأمرها، فتغرغرت عينا رسول الله بالدموع، وقال: يا أسماء! قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.

قال عليّ(عليه السلام) : وكانت غداة قرّة وكنت أنا وفاطمة تحت العباء، فلمّا سمعنا كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأسماء ذهبنا لنقوم، فنظر إلينا رسول الله، فقال: سألتكما بحقّي عليكما لا تفترقا حتّى أدخل عليكما، فرجع كلّ واحد منّا إلى صاحبه ودخل علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقعد عند رؤوسنا وأدخل رجليه فيما بيننا، فأخذت رجله اليمنى وضممتها إلى صدري، وأخذت فاطمة رجله اليسرى فضمّتها إلى صدرها، وجعلنا ندفئ رجلي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من القرّ، حتّى إذا دفئت رجله قال لي: يا عليّ! آتني بكوز من ماء فأتيته بكوز من ماء، فتفل فيه ثلاثاً، وقرأ عليه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ، وقال: يا عليّ! اشربه واترك منه قليلاً ففعلت ذلك، فرشّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) باقي الماء على رأسي وصدري، وقال: أذهب الله عنك الرجس يا أبا الحسن وطهّرك تطهيراً.

ثمّ قال: آتني بماء جديد فتفل فيه ثلاثاً، وقرأ عليه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ ودفعه إلى ابنته فاطمة، وقال: (اشربي هذا الماء واتركي منه قليلاً)، ففعلت ذلك فاطمة ورشّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) باقي الماء على رأسها وصدرها، وقال: أذهب الله عنكِ الرجس وطهّركِ تطهيراً، وأمرني بالخروج عن البيت، وخلا بابنته، وقال: (كيف أنت يا بنية! وكيف رأيت زوجك؟

قالت: يا أبة، خير زوج إلّا أنّه دخل عليَّ نساء قريش، وقُلن لي: زوّجك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من رجل فقير، لا مال له.


الصفحة 470

فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أبوك بفقير ولا بعلك بفقير، ولقد عرضت علَيَّ خزائن الأرض من الذهب والفضّة، فاخترت ما عند ربّي عزّ وجلّ. لو تعلمين ما يعلم أبوك لسمجت الدنيا في عينك! والله يا بنية ما آلوتك نصحاً أن زوّجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً، يا بنية! إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة فاختار من أهلها رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك، يا بنية! نعِمَ الزوج زوجك، لا تعصين له أمراً.

ثمّ صاح بي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عليّ! فقلت: لبيك يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: ادخل بيتك وألطف بزوجتك وأرفق بها، فإنّ فاطمة بضعة منّي، يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما.

قال عليّ(عليه السلام) : فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها من بعد ذلك على أمر، حتّى قبضها الله عزّ وجلّ إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتكشف عنّي الغموم والأحزان بنظري إليها.

قال عليّ(عليه السلام) : ثم قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لينصرف، فقالت له فاطمة: يا أبة! لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادماً يخدمني ويعينني على أمر البيت.

فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا فاطمة! أيّما أحبّ إليك، خادم أو خير من الخادم؟

فقال عليّ: فقلت: قولي خير من الخادم. فقالت: يا أبة خير من الخادم.

فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): تكبّرين الله في كلّ يوم أربعاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرّة، وتسبّحينه ثلاثاً وثلاثين مرّة، فذلك مائة باللسان،


الصفحة 471

وألف حسنة في الميزان; يا فاطمة! إنّك إن قلتها في صبيحة كلّ يوم، كفاك الله ما أهمّك من أمر الدنيا والآخرة))(1).

فمن الواضح أنّها رواية ملفّقة من عدّة روايات أشبه بالسرد القصصي جمعت معاً في رواية واحدة، وفيها ما لا يمكن قبوله من أنّه خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، فإنّه لم يكن في المهاجرين يومئذٍ من يعد من أكابر قريش وأهل الشرف والمال، فإنّ أكابرهم وأشرافهم وذو المال لم يسلموا، ومن ذكر أنّهم خطبوا فاطمة كأبي بكر وعمر لم يكونوا منهم قطعاً.

ومن أنّ الدموع اغرورقت في عيني عليّ، وقال: (يا أبا بكر! لقد هيّجت منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، وبالله إنّ فاطمة لرغبتي وما مثلي يقعد عن مثلها)، فإنّه لا يليق بفضل عليّ(عليه السلام) وحيائه.

ومن أنّه قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (واستنقذني ممّا كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشرك)، فإنّ آباءه آباء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وكلّهم موحّدون على ملّة أبيهم إبراهيم(عليه السلام) .

ومن أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أزواجه أن يدففن لفاطمة، فضربن أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على رأس فاطمة(عليها السلام) بالدفوف..

ومن أنّ عليّاً(عليه السلام) باع درعه من عثمان بن عفّان، وأنّ عثمان أهدى الدرع إلى عليّ(عليه السلام) ، فإنّه لم يرد شيء من ذلك في الروايات أصلاً، وإنّما حُشر عثمان هنا حشراً.

____________

1- المناقب، للخوارزمي: ٣٤٢ الحديث ٣٦٤ الفصل العشرون: في تزويج رسول الله إيّاه فاطمة.


الصفحة 472

ومثله حشر عقيل بن أبي طالب هنا، وأنّه دخل على عليّ(عليه السلام) ، فقال: والله،

يا أخي ما فرحت بشيء قطّ كفرحي بتزويجك فاطمة ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخلها عليك، فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما... الخ، فإنّ عقيلاً لم يحضر زواج عليّ(عليه السلام) ، لأنّه كان يرسف في قيوده أسيراً، أو كان في مكّة بعد أن فدى نفسه.

ومن ظهور الرواية بأنّ عليّاً(عليه السلام) دخل بفاطمة بعد شهر من عقده عليها، والذي كان في رمضان من السنة الثانية، مع أنّ عليّاً(عليه السلام) دخل بفاطمة أوائل شهر ذي الحجّة من السنة المذكورة حسب المشهور.

وكذلك حشر أسماء بنت عميس هنا ودعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وهي ما زالت في الحبشة مع جعفر.

وفيها ما يخالف ما جاء في روايات أُخر، فإنّ الذي كلّم عليّاً(عليه السلام) في أمر فاطمة(عليها السلام) سعد بن معاذ وحده(1)، وإنّ عليّاً(عليه السلام) لم يكن يملك إلّا درعه الحطمية لا غير، كما في عدّة روايات، فلا شكّ في وقوع زيادات في الرواية من قِبَل الرواة، وإدخال الروايات بعضها في بعض، فلا يمكن قبول ما ورد فيها إلّا إذا وافقه ما في الروايات الأُخرى، وليس هناك في الروايات الأُخر من شيء رامه إحسان إلهي ظهير؛ فتأمّل!

التاسع عشر: وأمّا ما رواه إحسان إلهي ظهير من قول أبي بكر في الحسين(عليه السلام) ، فهو من التدليس والتلاعب بالكلمات لاستغفال القارئ.

____________

1- المناقب، للخوارزمي: ٣٣٧ الحديث ٣٥٩.


الصفحة 473

وعبارة اليعقوبي هكذا: ((وكان المشبّهون برسول الله: جعفر بن أبي طالب، قال رسول الله: (أشبهت خلقي وخلقي)، والحسن بن عليّ، وكانت فاطمة تقول: (بأبي شبيه بأبي غير شبيه بعليّ!)، ويقال: إنّ أبا بكر قال له، وقد لقيه في بعض طرق المدينة: بأبي شبيه بالنبيّ غير شبيه بعليّ!...))(1). فأبو بكر هو الذي أخذ هذا القول من فاطمة(عليها السلام) فيما لو ثبت أنّه قاله، لا أنّ فاطمة(عليها السلام) تمسكت بقول أبي بكر كما يدّعيه هذا المدلّس.

فإنّ ظاهر رواية البخاري أنّ أبا بكر قاله في زمن خلافته(2)، ورواية أبي يعلى تنصّ على كونه بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بليال(3)، وإن كنّا نشكّ في صحّة ما نسب إلى أبي بكر من قوله، لأنّه روي بطريقٍ واحد عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث(4)، مع أنّ أبا مليكة هو الذي روى أنّ فاطمة كانت تنقز الحسن بن عليّ(عليه السلام) ، وتقول: (بأبي شبه النبيّ ليس شبيهاً بعليّ)(5)، وقد ضعّف اليعقوبي والبلاذري نسبته إلى أبي بكر بالقيل، مع أنّهما نقلاه عن فاطمة(عليها السلام) (6).

____________

1- تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٧ المشبهون بالنبيّ.

2- انظر: صحيح البخاري ٤: ١٦٤، باب صفة النبيّ.

3- انظر: مسند أبي يعلى ١: ٤١ الحديث ٣٨.

4- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٦٨ فضائل الحسن بن علي، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٣: ١٧٤ ــ ١٧٦ ـ١٣٨٣ـ ترجمة الحسن بن عليّ، مسند أحمد بن حنبل ١: ٨ مسند أبي بكر، تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ١: ١٤٩ سيّد شباب أهل الجنّة، دلائل النبوّة، للبيهقي ١: ٣٠٧ جماع أبواب صفة النبيّ، ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد: ٣٧ الحديث ٣٢، ٣٣، وغيرها.

5- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٨٣ أحاديث فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٣: ١٧٦ ـ١٣٨٣ـ، المحبّر، لابن حبيب: ٤٦ المشبّهون بالنبيّ(صلى الله عليه وسلم).

6- أنساب الأشراف ١: ٥٣٩ الحديث ١٠٩٢، تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٧ المشبهون بالنبيّ.


الصفحة 474

ثمّ لعلّ الخراشي تنبّه لتلاعب إحسان إلهي ظهير، فاقتصر في النقل عنه على قول أبي بكر فقط، ولم يذكر قول فاطمة(عليها السلام) !

العشرون: أمّا موضوع أسماء بنت عميس(رضي الله عنها) وقربها من الزهراء(عليها السلام) ، وخدمتها لها، فهو لا لكونها زوجة أبي بكر أبداً! فإنّ أسماء هي زوجة جعفر الطيار قبل أن يتزوّجها أبو بكر، فعلاقتها بأهل البيت(عليهم السلام) قديمة وعظيمة ومتجذّرة.

ثمّ إنّها أصبحت بعد ذلك زوجة لأمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أبي بكر، وهي أُمّ محمّد بن أبي بكر المعروف بولائه لأهل البيت(عليهم السلام) كأُمّه رضوان الله عليها، فلا علاقة ولا خصوصية لأبي بكر بولاء أسماء(رضي الله عنها) لعليّ(عليه السلام) والزهراء(عليها السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) عموماً.

الحادي والعشرون: أمّا سؤال أبي بكر عن أحوال الزهراء(عليها السلام) ، فكان لطلب العفو والصفح، كما في ذيل الرواية التي نقلها وبترها، والله حسيبه على ذلك، فعن أبان، عن سليم بن قيس، عن عبد الله بن عبّاس، في رواية طويلة فيها: ((وكان عليّ(عليه السلام) يصلّي في المسجد الصلوات الخمس. فكلّما صلّى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ إلى أن ثقلت، فسألا عنها وقالا: قد كان بيننا وبينها ما قد علمت، فإن رأيت أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا؟

قال(عليه السلام) : ذاك إليكما.

فقاما فجلسا بالباب، ودخل عليّ(عليه السلام) على فاطمة(عليها السلام) ، فقال لها: (أيّتها الحرّة، فلان وفلان بالباب يريدان أن يسلّما عليك، فما ترين؟).

قالت (عليها السلام) : (البيت بيتك والحرّة زوجتك، فافعل ما تشاء).

فقال: (شدّي قناعك)؛ فشدّت قناعها وحوّلت وجهها إلى الحائط.


الصفحة 475

فدخلا وسلّما، وقالا: ارضي عنّا رضي الله عنك.

فقالت: (ما دعاكما إلى هذا؟).

فقالا: اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنّا وتخرجي سخيمتك.

فقالت: (فإن كنتما صادقين فأخبراني عمّا أسألكما عنه، فإنّي لا أسألكما عن أمر إلّا وأنا عارفة بأنّكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنّكما صادقان في مجيئكما).

قالا: سلي عمّا بدا لك.

قالت: نشدتكما بالله، هل سمعتما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (فاطمة بضعة منّي، فمن آذاها فقد آذاني)؟

قالا: نعم.

فرفعت يدها إلى السماء، فقالت: (اللّهمّ إنّهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك. لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتّى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما).

قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً.

فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله! من قول امرأة!))(1).

وأمّا طلب أبي بكر الصلاة على الزهراء(عليها السلام) ، فلكونه تصدّر للولاية، وفي عدم صلاته على الزهراء(عليها السلام) دخول للنقص والشناعة عليه وعلى ولايته، ولكن أمير المؤمنين(عليه السلام) صلّى هو وأهل بيته وشيعته عليها ليلاً، ودفنوها (عليها السلام) ليلاً دون أن يشعر بها أحداً, لوصيتها (عليها السلام) بعدم إشهاد العامّة لجنازتها والصلاة عليها ودفنها؛ فالأمر هنا على عكس ما ادّعي، بل يدلّ على نفور شديد وفرقة!

____________

1- كتاب سليم بن قيس: ٣٩١ الحديث ٤٨ الفقرة الثالثة.


الصفحة 476

وإلى هنا تمّ الجواب على ما نقله السائل عن إحسان إلهي ظهير والخراشي.

وأمّا ما نقله عن المسمّى (ساجد لله)، فقد مضى ذكر موضع إجابتنا على ما نقله من قول عليّ(عليه السلام) : (إنّه بايعني القوم الذين...) الخ، في الجواب على كلام ظهير والخراشي بخصوص خلافة أبي بكر في النقطة (أوّلاً)؛ فليراجع.

وأمّا النص الثاني، وهو قوله(عليه السلام) : (إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه...)(1), فهو كالنصّ الأوّل بالضبط؛ فأمير المؤمنين(عليه السلام) يتحدّث عن خلافته وإمامته وبيعته بصورة الإطلاق والعموم، كما هو معروف في الاستعمال العربي والقرآني، وما يدلّ على ذلك هو عدم انطباق هذه الشروط إلّا عليه (عليه السلام) ، حيث إنّ المهاجرين والأنصار لم يجتمعوا بإرادتهم واختيارهم الحقيقي إلّا على أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ولذلك وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) اجتماعهم بأنّ فيه لله رضى، فإنّه لم يجتمع الناس على أحد بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا على أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وبني هاشم والزبير وعمّار وسلمان وأبا ذرّ والمقداد لم يبايعوا أبا بكر، إلّا بعد حين وبعد الإكراه، وكذا سعد بن عُبادة(2) الذي قُتل في عهد عمر، فهو لم يبايع أبا بكر أيضاً ولا عمر حتّى مات.

وكان كلامه (عليه السلام) عمّن يخالف، بأنّه يجب قتاله، فهل يقصد الإمام(عليه السلام) نفسه وشيعته من بني هاشم وكبار الصحابة، ويفتي باستحقاقه للقتل؟

____________

1- نهج البلاغة ٢: ٨٦ خطبة ١٧٣.

2- انظر: أُسد الغابة، لابن الأثير ٢: ٢٨٤، سير أعلام النبلاء، للذهبي ١: ٢٧٦ ـ٥٥ـ، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٦١٦، مروج الذهب، للمسعودي ٢: ٣٠١، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ١٧.


الصفحة 477

فهذا أمر غير ممكن ومحال، فيكون قصده إذاً كلّ من خرج عليه، ولذلك قاتل في حروب ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين.

والحمد لله ربّ العالمين.

(بعض مواقفه السلبية)

« سعيد خليل الزين ــ لبنان »

السؤال:

السلام عليكم..

نشكر لكم جهودكم في طريق الإصلاح وإظهار الدين الحقّ.

السؤال: سمعنا عن عمر وتأكّدنا من مخالفته للوصية المقدّسة للرسول الأعظم, ولكن نريد أيضاً أن نعرف نبذة عن أبي بكر ودوره كيف كان؟

شاكرين لكم جهودكم وأجركم عند الله إن شاء الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سألت عن دور أبي بكر, فنجيبك باختصار:

١ــ إنّ أبا بكر قد أغضب فاطمة(عليها السلام) , فهجرته حتّى توفّيت. رواه البخاري في صحيحه(1), ومسلم في صحيحه(2), وأحمد في مسنده(3), حتّى روى ابن قتيبة في

____________

1- صحيح البخاري ٤: ٤٢، باب فرض الخمس، و٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، و٨: ٣ كتاب الفرائض، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): لا نورّث ما تركناه صدقة.

2- صحيح مسلم ٥: ١٥٤ كتاب الجهاد والسير، باب قول النبيّ: لا نورّث.

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ٦ ــ ٩ عن أبي بكر، و٦: ٢٨٣ عن فاطمة الزهراء.


الصفحة 478

(الإمامة والسياسة) قول فاطمة(عليها السلام) لأبي بكر: (والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها)(1).

٢ــ إنّ أبا بكر لا يعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً(2)(3).

٣ــ إنّ أبا بكر لسانه قد أورده الموارد(4).

٤ــ إنّ أبا بكر وعمر انهزما يوم خيبر وأُحد(5).

٥ــ إنّ أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى نزل النهي(6).

____________

1- انظر: الإمامة والسياسة ١: ٢٠، أنساب الأشراف، للبلاذري ١٠: ٧٩، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٦: ٢١٤، ٢٦٤، ٢٦٨.

2- عبس ٨٠: ٣١.

3- انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ١٨٠ كتاب فضائل القرآن، باب ٣٣ الحديث ٩، تخريج الأحاديث، للزيلعي ٤: ١٥٧ ـ١٤٥٧ـ، تفسير الثعلبي ١٠: ١٣٤، تفسير البغوي ٤: ٤٤٩، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ١: ٦، و٤: ٥٠٤.

4- انظر: مسند أبي يعلى ١: ١٧ الحديث ٥، المصنّف، لابن أبي شيبة ٦: ٢٣٧ كتاب الأدب، باب ١٨٤، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ١١، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٣: ٨٣٤ الحديث ٨٨٩٠، حلية الأولياء، لأبي نعيم ٩: ١٧، الدرّ المنثور، للسيوطي ٢: ٢٢١.

5- انظر: مسند البزّار ١١: ٣٢٧ الحديث ٥١٤٠، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٥٢١ كتاب المغازي، باب ٣٣، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٣٧، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٠: ٤٦٣ الحديث ٣٠١٢١، السيرة النبوية، لابن هشام ٣: ٧٩٧، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٩٧ ترجمة الإمام عليّ.

6- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٦ عن قيس بن أبي غرزة، صحيح البخاري ٥: ١١٦، و٦: ٤٦، و٨: ١٤٥، سنن الترمذي ٥: ٦٣ الحديث ٣٣١٩ كتاب التفسير سورة الحجرات، سنن النسائي ٨: ٢٢٦ الحديث ٥٣٨٦ كتاب آداب القضاء، الباب ٦، مسند البزّار ٦: ١٤٥ الحديث ٢١٨٧، مسند أبي يعلى ١٢: ١٩٣ الحديث ٦٨١٦.


الصفحة 479

٦ــ روى مالك في (الموطّأ), عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال لشهداء أُحد: (هؤلاء أشهد عليهم), فقال أبو بكر: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم! أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (بلى, ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي), فبكى أبو بكر، ثمّ بكى، ثمّ قال: أئنّا لكائنون بعدك(1).

٧ــ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أعطى فدكاً لفاطمة(عليها السلام) ، وقد غصبها أبو بكر وعمر(2).

٨ــ إنّ فاطمة(عليها السلام) قد دفنت ليلاً، وصلّى عليها عليّ(عليه السلام) ، ولم يؤذن بها أبا بكر (3).

تعليق:

« أحمد حبيب أحمد ــ الكويت ــ إمامي »

السلام عليكم..

لقد أوردتم في نقاطكم السالفة أنّ فاطمة(عليها السلام) قد دفنت ليلاً، وصلّى عليها عليّ(عليه السلام) ، ولم يؤذن بها أبا بكر..

____________

1- الموطّأ ٢: ٤٦١ ــ ٤٦٢ الحديث ٣٢ كتاب الجهاد، باب ٨٤، وانظر: الاستذكار، لابن عبد البرّ: ١٠٤ ــ ١٠٦.

2- انظر: مسند أبي يعلى ٢: ٣٣٤ الحديث ١٠٧٥، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٤٣٨ ــ ٤٤٢ الحديث ٤٦٧ ــ ٤٧٦، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٣: ٣٩، الدرّ المنثور، للسيوطي ٤: ١٧٧، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٣: ٧٦٧ الحديث ٨٦٩٦، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك، لابن الجوزي ١٤: ١٤٠.

3- انظر: صحيح البخاري ٥: ٨٢، صحيح مسلم ٥: ١٥٤، المصنّف، لعبد الرزّاق ٣: ٥٢٢ الحديث ٦٥٥٦ كتاب الجنائز، باب الدفن بالليل، السنن الكبرى، للبيهقي ٦: ٣٠٠، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٦٢، نصب الراية، للزيلعي ٢: ٣٦٠، تاريخ الطبري ٣: ٤٤٨، صحيح ابن حبّان ١١: ١٥٣.


الصفحة 480

سؤالي: ما معنى لم يؤذن بها؟ وما هي العلّة من ذلك؟ وما وجه الانتقاصة في ذلك؟

ودمتم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أي: لم يؤذن له بالصلاة عليها ولا بالحضور في تشييعها، وشخصية مثل فاطمة(عليها السلام) التي هي بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الوحيدة، يشكل عدم حضور من ينصّب نفسه خليفة للمسلمين عند وفاتها ــ والوارد أنّ الوالي أحقّ بالصلاة على الميّت(1) ــ فهو أمر يثير التساؤل عن وجه العلّة في ذلك؟!

والجواب عن هذا التساؤل: إنّ فاطمة(عليها السلام) ماتت وهي واجدة على أبي بكر(2)، أي: غاضبة، ومع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى

____________

1- انظر: فتح العزيز، للرافعي ٥: ١٥٩ كتاب الصلاة على الجنائز، القول في الصلاة، فيمن يصلّي، المدونة الكبرى، لمالك بن أنس ١: ١٨٨ كتاب الجنائز، في ولاية الميّت إذا اجتمعوا للصلاة، المبسوط، للسرخسي ٢: ٦٢، باب غسل الميّت، بدايع الصنايع ١: ٣١٧، فصل في بيان من له ولاية الصلاة على الميّت، المغني، لابن قدامة ٢: ٣٦٧ غسله والصلاة عليه والأحق بالإمامة في صلاة الجنازة، السنن الكبرى، للبيهقي ٤: ٢٨ جماع الأبواب من أولى بالصلاة على الميّت، الكافي، لابن عبد البرّ: ٨٣، باب من أولى بالصلاة على الميّت.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٦، ٩ عن أبي بكر، و٦: ٢٨٣ عن فاطمة الزهراء، صحيح البخاري ٤: ٤٢، و٥: ٨٢، صحيح مسلم ٥: ١٥٤، صحيح ابن حبّان ١١: ١٥٣، السنن الكبرى، للبيهقي ٦: ٣٠٠، ٣٠١.


الصفحة 481
الصفحة السابقةالصفحة التالية