المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 31 - ص 60)

٥ــ كنز الفوائد، للكراجكي: ص٣٠٦.

٦ــ حلية الأبرار، للبحراني: ج١ ص١٠٤ ــ وج٢ ص٤١٤.

٧ــ الوسائل، للحرّ العاملي: ج٢٠ ص٢٧٦.

٨ــ الغدير، للأميني: ج١ ص٤٨٠.

وكما عودتمونا دائماً على التفسير العلمي للأجوبة، أتمنّى منكم أن تجاوبونني على هذا السؤال.

شكراً جزيلاً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ما ورد في (الكافي)، في طريقه مجاهيل(1).

٢ــ وما ورد في (أمالي) الطوسي(2)، في طريقيه ضعفاء، وهما طريقان عامّيان.

٣ــ وما ورد في (الفصول المختارة)(3)، فهو من باب التنزّل مع قول الخيّاط.

٤ــ وما جاء في كلام الطبري صاحب (المسترشد)(4)، فهو نقل كلام أهل السُنّة في ادّعائهم وجود أبي بكر في الغار، وأجابهم من باب اشتهار القصّة.

____________

1- الكافي، للكليني ٨: ٢٦٢ الحديث ٣٧٧، وانظر: مرآة العقول، للمجلسي ٢٦: ٢٥٤ الحديث ٣٧٧.

2- أمالي الطوسي: ٤٤٦ ــ ٤٤٧، المجلس ١٦ الحديث ٩٩٨، ٩٩٩.

3- الفصول المختارة، للمفيد: ٤٢، فصل: جواب الشيخ على ما أورده أبو الحسن الخيّاط.

4- المسترشد: ٤٣١ ــ ٤٤٠ الحديث ١٤٣ الباب السادس: حول قصّة الغار.


الصفحة 32

٥ــ وما ما ذكره الكراجكي في (كنز الفوائد)(1)، فهو تقرير لجواب الشيخ المفيد، لِما ادّعاه عمر من فضل صاحبه أبي بكر على ما ذكره المفيد من رؤياه المعروفة.

٦ــ وما ذكره البحراني في (حلية الأبرار)(2)، فهي نفس الروايات التي ذكرها الطوسي في (الأمالي)، وقد ذكرنا أنّها طرق عامّية، وفي سندها ضعفاء ومجاهيل.

٧ــ وأمّا ما ورد في هامش (الوسائل)(3)، فهو منقول عن (رجال الكشّي)(4)، وهو مردود قطعاً، إضافة لطريقه الضعيف.

٨ــ وأمّا ما ورد ذكره في (الغدير) من قصّة الغار، فهو على كونه من طرق العامّة، فقد أجاب عنها الأميني بما فيه الكفاية.

(هل ننفي وجوده في الغار؟)

« أبو الوفا سميح ــ فلسطين ــ سُنّي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمّد بن عبد الله الصادق الأمين.

____________

1- كنز الفوائد: ٢٠٢ ــ ٢٠٦ ذكر منام الشيخ المفيد.

2- حلية الأبرار ١: ١٣٦ ــ ١٥٣ الباب ١٥ الحديث ٤، ٥، ٧، الباب ١٦ الحديث ٢، ٧.

3- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٠: ٢٧٥ هامش ٨٤٢، بتحقيق عبد الرحيم الرباني الشيرازي، طبعة المكتبة الإسلامية طهران.

4- اختيار معرفة الرجال ١: ١٢٩ الحديث ٥٨.


الصفحة 33

أمّا بعد، كيف تفنّد، أو تشكّك، أو حتّى تقبل أن تناقش فكرة: أنّ أبا بكر هل كان مع صاحبه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكرت في القرآن نصّاً وفصّلها الرسول.. في أكثر من واقعة، وهذا شيء مثبّت؟!

وهذا ما وجد في القرآن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (فما بالك باثنين الله ثالثهما)!

أو تقبل التشكيك؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ التمسّك بآية الغار لوحدها لا ينفع في إثبات وجود أبي بكر في الغار؛ لأنّ الآية لا تصرّح بوجود شخص أبي بكر في الغار، فهي مبهمة من هذه الجهة، وإذا أردت إثبات ذلك، كان عليك إيراد الأدلّة المثبتة والمبيّنة.

وما أوردته آخر سؤالك، فهو ليس بآية! وإنّما قول منسوب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورد من طرق أهل السُنّة، لم يثبت عندنا!

ثمّ لا بدّ أن تعلم أنّ الذي طرح فكرة عدم وجود أبي بكر في الغار هو أحد الكتّاب في تأليف له، وكلّ ما نريد أن نقوله نحن: إنّ ذلك نظرية تقبل التصديق والردّ؛ بينما أنت تريد جعله من المسلّمات التاريخية المقطوعة التي لا تقبل النقاش، وبنيت رأيك على ما رويتموه أنتم في كتبكم ومقالة علمائكم، أمّا لو راجعتها وراجعت غيرها بنظرة التدقيق والتحقيق، لعرفت


الصفحة 34

أنّ هذا الرأي، وهو: عدم وجود أبي بكر في الغار، رأي يملك درجة من الاحتمال مقابل الآراء والأقوال الأُخر، وبذلك يسقط القطع بوجوده في الغار وإن كان مشهوراً.

تعليق ١:

« م/عماد ــ فلسطين »

دليل واضح من القرآن والسُنّة أنّ أبا بكر كان مع النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وقت وجوده في غار حراء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يوجد دليل واضح من القرآن يشير إلى وجود أبي بكر في الغار..

نعم، الآية تشير إلى وجود شخصين في الغار، فالمثبتون يقولون: إنّ الآخر هو أبو بكر؛ تبعاً لروايات مشهورة يذكرونها هم، ولكن تلك الروايات معارضة بروايات تشير إلى وجود أبي بكر في المدينة في مسجد قباء يصلّي خلف سالم مولى أبي حذيفة ليلة هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

تعليق ٢:

« المغيرة ــ السعودية ــ سُنّي »

ما تفسير الحديث الوارد عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) : (إنّ آمن الناس علَيَّ في صحبته أبو بكر)؟ لا تقل أنّها تقيّة، وإلّا فما سببها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 35

هذه الرواية من موضوعات عمر الكردي؛ قال الدارقطني: ((كذّاب خبيث)), وقال الخطيب: ((غير ثقة؛ يروي مناكير من الأثبات))(1).

(هل هاجر أبو بكر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟)

« حارث فهمي الساكني ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد، أوّل ما يجب أن نعلمه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اعتمد أُسلوب السرّية التامّة في أمر هجرته تلك الليلة، خاصّة بعدما أمر بهجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وأبقى عليّاً(عليه السلام) ؛ لأنّه وصيّه، والقائم مقامه في تأدية حقوق وأمانات الناس المودعة عنده، لذا فإنّ أحداً لم يكن عالماً بخروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك الليلة سوى أهل بيته المقرّبين، عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وأُمّ هاني بنت أبي طالب(عليه السلام) .

إنّ هذه السرّية تتناقض مع الرواية المنقولة، والتي تقول: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد خرج من بيت أبي بكر نهاراً! (تاريخ الطبري ج٢ ص١٠٠).

وهناك سؤال منطقي آخر، هو: كيف يتوجّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت أبي بكر الذي كان يحوي المشركين؟! ألا يفترض به أن لا يتوجّه إلى ذلك البيت بالذات، حتّى لا يكشفه أحد من هؤلاء المشركين؟

____________

1- انظر: الغدير، للأميني ٧: ٣٠٧ أحاديث الغلوّ أو قصص الخرافة، الحديث ٢٥.


الصفحة 36

جاء في كتاب (البداية والنهاية)، لابن كثير الأُموي، عن ابن جرير الطبري ما يؤيّد هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غار ثور وحده، فخاف ابن كثير من هذه الرواية الصحيحة الدالّة على بطلان صحبة أبي بكر، فارتجف قائلاً: ((وهذا غريب جدّاً، وخلاف المشهور من أنّهما خرجا معاً))! (البداية والنهاية ج٣ ص٢١٩، السيرة النبوية، لابن كثير أيضاً ج٢ ص٢٣٦).

الظاهر أنّ الماكرين قد قاموا بتصحيف وتزوير كبيرين، ليوافق اسم (أبي بكر) اسم (ابن بكر)؛ فقد غيّروا اسم أبي بكر الحقيقي(عتيق)، وجعلوه (عبد الله) ليوافق اسم (عبد الله) بن أُريقط بن بكر. (مختصر تاريخ دمشق، لابن عساكر ج١٣ ص٣٥)، وبهذا بقي التغيير بين (ابن بكر)، و(أبي بكر)، وهو سهل وبسيط؛ لأنّ الكتابة في السابق لم تكن منقوطة، لذا فإنّ اسم أبي بكر وكذلك ابن بكر يكتبان بالطريقة نفسها.

إنّ الروايات التي تذكر هجرة أبي بكر مع خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) هي روايات إسرائيلية؛ لأنّها تشتمل على بعض التفاصيل الواضح اتّصالها باليهود وتراثهم!

من تلك القضايا: أنّ حمامة قد جاءت وباضت بيضة أمام الغار، وأنّ عنكبوتاً قد جاء ونسج خيوطه على فتحة الغار، الأمر الذي جعل المشركين يتوهّمون عدم وجود أحد فيه.

وهذا الأمر مناقض للعقل وللصحيح من الروايات؛ لأنّ غار ثور مثلما تشاهدونه هو غار صغير لا تتعدّى مساحته مترين مربعين فقط، فمن غير الممكن أن يحجب أي شيء الرؤية إلى داخله، فلو وقف أي شخص أمام فتحة الغار لشاهد كلّ ما فيه بشكل واضح جدّاً؛ لأنّه غار صغير.


الصفحة 37

ويضاف إلى ذلك: أنّ هناك فتحة أُخرى جانبية في الغار، الأمر الذي يجعل الضوء ينفذ ويضيء الغار بأكمله ممّا يسهل الرؤية. لذا فلا معنى لخيوط عنكبوت ولبيضة حمامة، فالرؤية واضحة تماماً.

والحقيقة أنّهم قد جاؤوا برواية العنكبوت من سيرة النبيّ داود(عليه السلام) في كتب اليهود، حيث نسج العنكبوت خيوطه على غار داود(عليه السلام) عندما لاحقه جالوت بغرض قتله. (تفسير القرطبي ج١٣ ص٣٤٦).

فكيف تفسّرون لنا هذا الكلام مع العلم أنّنا نسمع أنّ أبا بكر كان معه في الغار...

مع جزيل الشكر والتقدير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نشكركم على المتابعة والبحث والتدقيق والتحقيق؛ إذ أنّ مدرسة الخلفاء والحكّام فيها كثير من المتناقضات والمتهافتات والعجائب والغرائب، ومنها ما موجود في قصّة الغار والهجرة؛ ففيها تناقضات عديدة، حاولت أنت الإشارة إلى بعضها، وإن كان ما ذكرته يحتاج إلى تدقيق وتصحيح.

ومع ذلك، فمن تناقضاتهم: ما ورد في البخاري من أنّ أبا بكر كان يصلّي في المدينة في قباء خلف سالم مولى أبي حذيفة، هو وعمر وآخرون، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هاجر بعد..

فقد روى البخاري: عن ابن عمر، قال: لمّا قدم المهاجرون الأوّلون العصبة ــ موضع بقباء ــ قبل مقدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً(1).. ثمّ روى البخاري نفسه: عن ابن عمر أيضاً، قال: كان سالم مولى

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٧٠ كتاب الآذان، باب إمامة العبد والمولى.


الصفحة 38

أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة(1).

فلا ندري كيف كان أبو بكر في الغار، وفي نفس الوقت في قباء في المدينة على بعد (٤٠٠كم) يصلّي خلف سالم؟!!

كما أنّه قد ثبت من روايتهم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هاجر وحده ليلاً دون علم أبي بكر، بحيث إنّ أبا بكر ذهب إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد أن خرج إلى هجرته، وهو يقول: يا نبيّ الله! وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) قد نام في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعلم بذلك أبو بكر، فأجابه عليّ(عليه السلام) : أنا عليّ ولست رسول الله، إن شئت أن تطلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فالحقه عند بئر ميمون..

كما روى ذلك الحاكم في مستدركه وصحّحه(2)، ووافقه الذهبي(3)، وقال الألباني: ((وهو كما قالا))(4). وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة وفيه لين(5).

والرواية عن ابن عبّاس في حديث طويل جامع في مناقبه (عليه السلام) ، كما قال الهيثمي...(وفيه): ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا نبيّ الله!

____________

1- صحيح البخاري ٨: ١١٥ كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٣.

3- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٤ الحديث ٤٧١٠.

4- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥: ٢٦٤ الحديث ٢٢٢٣.

5- مجمع الزوائد ٩: ١١٩ كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) ، باب جامع في مناقبه.


الصفحة 39

فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه.

فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يُرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يتضوّر، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف رأسه، فقالوا: إنّك للئيم، كان صاحبك نرميه لا يتضوّر، وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.

وهذا الحديث رواه أحمد في (مسنده)(1)، والنسائي في (السنن الكبرى)(2)، وفي (الخصائص)(3).

فلو كان خروجه في النهار، لما نام في فراشه أمير المؤمنين(عليه السلام) ! ولو كان أبو بكر يعلم بالهجرة، أو أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر من بيته، لما جاء إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

وكيف نكذّب رواية صحيحة وحادثة متواترة، وهي نوم أمير المؤمنين(عليه السلام) في فراشه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخروجه(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلاً وحده بعد أن رمى التراب في وجوههم ووضعه على رؤوسهم، ثمّ لحقه أبو بكر، فلا ندري ما هو وجه الغرابة عند ابن كثير(4)؟!

ثمّ ما هو التعارض أصلاً بين الروايتين حتّى يشتط ابن كثير هكذا ويدّعي الغرابة وخلاف المشهور، مع إمكان الجمع بينهما؟ من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر لوحده في

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن عبّاس.

2- السنن الكبرى ٥: ١١٣ الحديث ٨٤٠٩ كتاب الخصائص، ذكر خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

3- خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) : ٦٣ قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ الله جلّ ثناؤه لا يخزيه أبداً.

4- انظر: البداية والنهاية ٣: ٢١٩، باب هجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بنفسه الكريمة من مكّة إلى المدينة.


الصفحة 40

المرحلة الأُولى، ثمّ جاء أبو بكر يطلبه في داره، فوجد عليّاً(عليه السلام) نائماً مكانه ليوهم الكفّار بوجود رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نائماً في بيته ليشغلهم حتّى يبتعد، ثمّ حينما يزوره أبو بكر يؤكّد وجود النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في البيت، فيبقى مشركو قريش حينئذٍ في انتظار الوقت المناسب للانقضاض على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما كانوا يريدون فعل ذلك في ذلك اليوم..

ولمّا دخل أبو بكر يطلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أخبره أمير المؤمنين بأنّ رسول الله قد غادر بعيداً، فالتحق به عند بئر ميمون، ولمّا التحق أبو بكر بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غيّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مكانه، فانتقل إلى الغار في تلك الليلة من دون أن يشعر بهما أحد..

ولولا ذكاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووحي الله وتسديده له في كيفية التعامل مع الأحداث والأشخاص، لانكشف أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

فيمكن بحسب رواياتهم هذه أن يجمعوا بينها دون أدنى تعارض، فلا ندري لماذا استغرب ابن كثير رواية سبق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر بالهجرة دون إعلامه، وادّعى مخالفتها للمشهور؟! إلّا لأنّه تلميذ ابن تيمية، ولأنّ هذه الرواية تخدش في أبي بكر، وتقلّل من أهميته المتوقّعة والمزعومة!

ويرد أيضاً على بعض رواياتهم التي تدّعي فضلاً لآل أبي بكر، من أنّ ابنه عبد الله ابن أبي بكر كان يأتيهم بالأخبار والأنباء، وأنّ أسماء صنعت لهم الطعام، وسُمّيت عند ذلك بـ(ذات النطاقين)(1)، أنّه: أين كان عنهم ابنه الآخر الكافر عبد الرحمن، الذي كان

____________

1- صحيح البخاري ٤: ٢٥٤، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة.


الصفحة 41

اسمه عبد العزّى(1)، والذي خرج مع المشركين في بدر وأُحد وطلب البراز، فأراد أبو بكر أن يخرج له، فمنعه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: (متّعنا بنفسك)(2).

وقد رووا عن أسماء، أنّها قالت: ((مكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى أقبل رجل من الجنّ من أسفل مكّة يغنّي بأبيات من الشعر غناء العرب...))(3).

وأمّا ما ذكرته في مسألة العنكبوت، فإنّها مذكورة كثيراً في كلمات أصحابنا، ولم نر بحسب اطّلاعنا من أنكر ذلك، أو شكّك فيه. ونتمنّى من جنابكم أن تبحثوا هذه المسألة وتحقّوا الحقّ فيها إن أمكنكم، فهو أفضل من الحكم على مثل هذه الأُمور بسرعة، أو تسرّع، فيتورّط الإنسان، أو يندم، أو يُحرج على الأقل، وهو في غنىً عن ذلك كلّه.

تعليق ١:

« م/ عبد الله ــ السعودية »

السلام عليكم:

((كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم) في مسجد قباء...))، هذا لا يدلّ على أنّ المهاجرين الآخرين لم يأتوا بعد أو لم يهاجروا بعد.

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٤٧٤ كتاب معرفة الصحابة، مناقب عبد الرحمن بن أبي بكر.

2- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٥: ٢٨ ٣٨٥٥.

3- تاريخ الطبري ٢: ١٠٤ هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك، لابن الجوزي ٣: ٥٣ ذكر إقامتهما في الغار وما جرى لهما فيه، السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٣٣٧ هجرة رسول اللهّ(صلى الله عليه وسلم).


الصفحة 42

أن يكون جميع المهاجرين موجودين في المدينة، لا يعني بالضرورة أنّه يجب أن يكونوا جميعاً في وقت واحد وفي مكان واحد. والحديث لا يشرحه (أعداء أهل السُنّة)، ولا شرحه شخص معادي للصحابة, الحديث مشروح في شروح الحديث السُنّيّة كـ(كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ومن يبحث عن التفسير والشرح الصحيح للحديث يتبيّن له مدى افتراءكم على أهل السُنّة والصحابة، وبغضكم لهم، وحقدكم عليهم..

ولا تنسوا أنّكم امتنعتم عن الإجابة عن أسئلتي، أو عجزتم عن ذلك, وأنّ عدم نشر تعليقاتي السابقة يدلّ على افترائكم على أهل السُنّة، وعلى الصحابة، وأزواج النبيّ (أُمّهات المؤمنين).

لكن شدّة الافتراء على الصحابة جعلتني أكثر تسنّناً بعد تركي للتشيع والحمد لله.

الحمد لله، إنّي عرفت الحقيقة وتبت من (تشيّع بغض الصحابة وبغض أُمّهات المؤمنين). وأدعو كلّ شيعي معاد للصحابة إلى التوبة من بغض الصحابة، وبغض أُمّهات المؤمنين والقدح فيهم، قبل فوات الأوان.

والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

معنى كلامك: أنّ أبا بكر هاجر أكثر من مرّة، مرّة قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث صلّى خلف سالم, ومرّة أُخرى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما لا يقول به أحد!

أو أن تقصد بكلامك: أنّ المهاجرين لم يأتوا دفعة واحدة، بل دفعات.


الصفحة 43

ونحن نقول: كيف تفسّر صلاة أبي بكر خلف سالم قبل قدوم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما ذكرناه في الخبر؟

وأمّا قولك: ((أنّك تركت التشيّع)).

فنقول: إنّك لم تفصح عن اسمك، ولم تذكر بلدك، لنعرف صدق مدّعاك!

ثمّ إنّ هذا لا يضرّ المذهب أن يتحوّل شخص مثلك ويضلّ عن طريق الهداية، وأنت لو كنت عالماً بالمذاهب واختلافاتها، وبعد ذلك انتقلت، فيكون لانتقالك شأن، كما يحصل من انتقال باحثين ومحقّقين وعلماء سُنّة إلى مذهب التشيّع، أمّا أن ينتقل شخص من أي مذهب إلى آخر، فهذا لا يضرّ ذلك المذهب.

تعليق ٢:

« الصارم المسلول ــ ألمانيا ــ وهابي »

يا من تتشدّق وتكذب على البخاري! وتقول: بأنّ أبا بكر كان في المدينة حين هاجر النبيّ(صلى الله عليه وسلم) !!

أنت بهذا العمل تنسب هذا الكلام للبخاري، وأنا أطالبك بأن تجلب لي مصدرك، فالبخاري لم يقل بقولك هذا، وأنت أتيت بشيء جديد ونسبته إلى البخاري، وأنا الآن أطالبك بالمصداقية في النقل، وأن لا تكون ببغاء تردّد فقط كلام علماؤك.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا الأُسلوب نستطيع سلوكه، وهذا الجهل نستطيع علاجه!


الصفحة 44

ولكن انتظر قليلاً لنريك من الكاذب، ومن الجاهل، ومن الذي يعرف ما في كتبكم أكثر منكم!!

١ــ إليك نص حديث البخاري، الذي روي في موضعين، أحدهما يكملّ ويبيّن الآخر، وكليهما عن نافع.

الرواية الأُولى: عن ابن عمر، قال: ((لمّا قدم المهاجرون الأوّلون العصبة ــ موضع بقباء ــ قبل مقدم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً))(1).

والرواية الثانية: عن نافع، عن ابن عمر أيضاً، قال: ((كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة)) (2).

٢ــ هذا هو النص الذي ذكر بأنّ أبا بكر كان في المدينة قبل هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وبقي الكلام في الدلالة، ونكتفي بذكر شرح ابن حجر في (فتح الباري) لهذا الحديث:

قال: ((قوله: (وكان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة) زاد في الأحكام: من رواية ابن جريج عن نافع: (وفيهم أبو بكر وعمر...)، واستشكل ذكر أبي بكر فيهم! إذ في الحديث أنّ ذلك كان قبل مقدم النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، وأبو بكر كان رفيقه! ووجَّهه البيهقي باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم، فيصحّ ذكر أبي بكر، ولا يخفى ما فيه...))(3) اهـ، ولم يعقّب بشيء!!!

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٧٠ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة.

2- صحيح البخاري ٨: ١١٥ كتاب الأحكام.

3- فتح الباري ٢: ١٥٦ كتاب أبواب الأذان، باب إمامة العبد والمولى.


الصفحة 45

وأمّا أُسلوبك هذا، فقد رأيت أنّنا نستطيع الردّ بمثله، ولكن نريد أن نذكّرك ونقول: لا تنسَ نفسك وتظنّ أنّك على غرفة من غرف البالتوك!!

(علّة اصطحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له في الهجرة)

« عبد الخالق السعيدي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تذكر بعض مصادر الشيعة أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) اصطحب أبا بكر في الهجرة إلى المدينة خشية من أن تتسرب من خلاله معلومات حول طريق الهجرة. هل ترون هذا مقنعاً؟

من فضلكم هل لديكم ما ترشدوني إليه من مصادر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ كيفية اصطحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر في هجرته ــ حسب أخبار أهل السُنّة ــ مختلفة، وذلك لاختلاف الأحاديث فيها، والترجيح فيها صعب، لوجود روايات متضاربة عندهم!

فإحداها فيها: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي ذهب إلى بيت أبي بكر ظهراً وأخبره بهجرته، وأخذه معه(1). وأُخرى: إنّ أبا بكر اتّبع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل معه الغار من دون

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢١٢ حديث السيّدة عائشة، تاريخ الطبري ٢: ١٠١، في هجرة النبيّ، وغيرها.


الصفحة 46

ذكر لكيفية معرفته بخروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1). وأُخرى: أنّه ذهب إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد عليّاً(عليه السلام) ، فأخبره عليّ(عليه السلام) بوجود النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عند بئر ميمونة، وقال له: أدركه(2).

والأُولى وردت عن عائشة، وهي مردودة؛ لمخالفتها المقطوع من خروجه ليلاً من منزله إلى الغار بعد أن بيّتته قريش.

وأمّا عندنا، ففي بعض الروايات: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) استتبع أبا بكر وهند بن أبي هالة وأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره في طريقه إلى الغار، فلمّا وصل إليهما أخذهما معه إلى الغار، ثمّ أرجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هند إلى بعض أمره وبقي أبو بكر معه في الغار(3).

وفي بعضها: أنّه لا قاه في طريق الغار فأخذه معه حذراً من انكشاف أمره(4).

____________

1- دلائل النبوّة، للبيهقي ٢: ٤٧٧، باب خروج النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مع صاحبه أبي بكر إلى الغار، إمتاع الأسماع، للمقريزي ٥: ٢٧١، فصل جامع معجزات رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، حادي وثمانون، الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٢٤٠ سورة التوبة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٨٠ ترجمة أبي بكر.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن العبّاس، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ٧٧ عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ١٠٠ ترجمة الإمام عليّ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٣٣ فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وغيرها.

3- أمالي الطوسي: ٤٦٦ الحديث ١٠٣١ المجلس السادس عشر، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ١: ١٥٨، باب ذكر سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فصل في هجرته.

4- الخرائج والجرائج، للراوندي ١: ١٤٤ الحديث ٢٣١ الباب الأوّل، فصل من روايات الخاصة في معجزاته، تفسير القمّي ١: ٢٧٦ سورة التوبة، مبيت عليّ(عليه السلام) على فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إعلام الورى بأعلام الهدى، للطبرسي ١: ١٤٧ الباب الثالث، الفصل الثامن، قصص الأنبياء، للراوندي: ٣٣٤ الباب العشرون.


الصفحة 47

فالاحتمال في علّة أخذه وارد على كلّ الوجوه، ولا مرجّح إلّا بقرينة، فمن أحسن به ظنّاً وقدّسه نفى التهمة عنه.. ومن قال: إنّه رجل عادي وليس موثوقاً عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بدرجة كبيرة، ولا ذو إيمان قويّ بحيث إنّه لو عذّب سوف يصبر حتّى الموت ولا يخبر بمكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو طريقه، قال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صحبه خوفاً من انكشاف أمره.. ولا رواية تصرّح بعلّة أخذه، وهو أمر يقع على وجوه وعلل شتّى، فالله أعلم.

تعليق:

« باحث عن الحقيقة ــ أمريكا ــ سُنّي»

إذا كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قد أخذه خشية الوشاية به، فكان من الأجدر بفرض صحّة الرواية أن يقوم أبو بكر بالوشاية بالرسول(عليه أفضل الصلاة والسلام) وهما في الغار!

ولما لا! والمشركون موجودون والرسول(عليه الصلاة والسلام) بمفرده.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لم نقل: إنّ أبا بكر كان مبيّتاً لنيّة الوشاية برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ابتداءً، أو حين تحين له الفرصة! وإنّما قلنا: إنّ أحد الاحتمالات في علّة أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له معه إلى الغار هو خوفه(صلى الله عليه وآله وسلم) من افتضاح أمره، إذا وجد المشركون أبا بكر وقرّروه عن


الصفحة 48

مكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو طريقه الذي سلكه، فإنّه لا يعرف لأبي بكر تلك الجلادة أو الاستعداد للتضحية بالنفس من أجل سلامة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما كان الحال في عليّ(عليه السلام) ، فخافه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه..

والمؤيّد لما قلنا به هو: خزن أبي بكر في الغار، ومبيت عليّ(عليه السلام) على فراش رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وسكوته في الغار لا يثبت لنا عكس ذلك من حاله، وأنّه كان قويّ الجنان، صلب الإيمان، مستعد للتضحية بنفسه من أجل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّه لم يقع بعد في أيدي مشركي قريش فتُعرف صلابته وتضحيته، بل إنّ سكوته كان بسبب خوفه على نفسه، الذي جعله لا يستقرّ له قرار رغم ما شاهده من معجزات في الغار، فأخبرنا القرآن بخبره، فلعلّ الرجل كان طامعاً فهو يزن أمره بين الربح والخسارة في كلّ حين وموقف، فإذا وجد الخسارة في نفسه كبيرة إذا مسكه المشركون، فلا مانع من إنقاذها ولو بالتضحية بغيره، وإن وجد الربح مرجواً فيه ما دام في الغار، فلا بأس من الصبر وانتظار ما ينجلي عنه الحال.

ولقائل يقول: إنّ عدم قيام أبي بكر بالوشاية على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار لا يعني أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأخذ أبا بكر خشية الوشاية به، وذلك لاختلاف الظرف بين الموقفين؛ فوجوده في الغار مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يجعله متلبّساً بالهجرة، التي تكفي لوحدها مع إسلامه الظاهري لأن يكون عرضة للقتل، كما يريد المشركون ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وواحدة من الأسباب التي تدعوهم للقتل هو إخفاء معالم الجريمة التي يبغون إيقاعها..

ولعلّ تصوّر هذا الأمر في نفس أبي بكر هو أحد الأُمور التي أوجبت حزنه، فجاء القرآن ناهياً له عن هذا الحزن بقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ، وهو سبب كافٍ لردع أبي بكر عن الوشاية برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).


الصفحة 49

ثمّ إنّ من أخلاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) العالية أنّه يتعامل مع الآخرين بالمودّة والاحترام، واللّطف والكرامة، فمن الصعب جدّاً على أي شخص أن يقابل هذا السلوك الأخلاقي العالي بسلوك معادٍ, وأمام أنظار ذلك الشخص، فشخصية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) العظيمة وأخلاقه العالية كانت مهيمنة على سلوك أبي بكر، ورادعة لأيّ فعل معادٍ، مثل: الوشاية به.

نعم، يمكن أن يصدر ذلك الفعل ــ وهو الوشاية ــ لو كان بعيداً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتصوّر أنّه لا يعلم به, أمّا أن يفعل ذلك أمام أنظاره، فهذا ما لا يطيقه لا أبو بكر ولا غيره، وهو الذي يدّعي أنّه جاء مصدّقاً بالإسلام, فالأمر بهذه الطريقة أمر لا يصدر من شخص أخفى طمعه ــ على الفرض ــ لسنوات..

ولو فرض ونجا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أيدي المشركين على الرغم من وشاية أبي بكر، فماذا سيكون مصير أبي بكر وهو يعلم أنّه إن استطاع أن يفلت من يد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يفلت من يد حمزة وعليّ(عليه السلام) ؟!

(صحبته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن بطلب منه)

« م/ سالم ــ سوريا »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد الشكر الجزيل على كلّ الجهود التي تبذلوها في خدمة الإسلام.

أرجو الإجابة على سؤالي التالي، والذي يقول: لماذا كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار أبو بكر ولم يكن أحد سواه؟


الصفحة 50

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: بعد التسليم بأنّ أبا بكر كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الهجرة أو الغار كما هو المشهور ــ فإنّ هناك من يشكّك في ذلك ويقول: إنّ الذي كان في الغار غيره ــ يجب أن نشير إلى أنّه لم ينفرد في الهجرة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده, كما في مفروض السؤال, بل كان سواه معهما، كما سيأتي!

ثانياً: لا بدّ من ملاحظة ظروف الواقعة المفروض فيها التكتّم وقلّة المصاحب, والاحتياج إلى معرفة الطريق, وغير ذلك، فمن أوّل لحظات هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آخرها لم تقع فرصة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليختار بينه وبين غيره من الصحابة، ليقال: لماذا لم يكن هناك غيره؟ فلم يكن إلّا عليّ(عليه السلام) ، وهو اختار المبيت في الفراش والتضحية.

ثالثاً: إمكان دراسة الموضوع وملاحظته بأشكال متعدّدة.

فقد يقال: إنّه صاحبه خوفاً منه لا عليه, أو: كان يخشى منه البوح, ولعلّه يشير إليه قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(1)، أو: تؤخذ الواقعة كنوع امتحان وفتنة من الله سبحانه لعباده.

والمقبول من روايات الخاصّة والعامّة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من أبي بكر مصاحبته, أو كان القرار على ذلك, وهذه نكتة مهمة! بل كلّ ما هناك هو أنّه التقى به وهو في حال خروجه من مكّة، فصحبه معه, ولم يكن له خيار آخر، وهذا قد فسّر بخوفه من أن يفشي عليه ويخبر عنه.

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.


الصفحة 51

ولا شكّ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) طلب من أبي بكر في الغار أن يسكن، وقد أخذته الرعدة وأخبره ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وهذه نكتة أهم!

ثمّ إنّه قد صحبه(صلى الله عليه وآله وسلم) في هجرته: عامر بن فهر (فهيرة) مولى أبي بكر، وعبد الله ابن أريقط، كما عن عائشة وغيرها(1).

وفي أمالي الشيخ الطوسي: ((واستتبع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر بن أبي قحافة، وهند ابن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار))(2)؛ وفي بعض الروايات ــ على ما في مسند أحمد وغيره ــ أنّه لحق به بعد أن أخبره أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انطلق إلى بئر ميمون(3)؛ بل في (الخرائج) أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أبا بكر: قد خرج في الليل يتجسّس عن خبره, وكان وقف على تدبير قريش من جهتهم, فأخرجه معه إلى الغار(4).

____________

1- انظر: المعجم الكبير، للطبراني ٧: ١٠٥سليط أبو سليمان الأنصاري، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٤: ١٨٧٦ الحديث ٤٠٢٣، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٨، ٩ ذكر مقامات مرور النبيّ عند الهجرة، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ١: ١٤٢، باب ذكر سيّدنا رسول الله، فصل في أقاربه وخدّامه، وغيرها.

2- الأمالي: ٤٦٦ المجلس السادس عشر الحديث ١٠٣١ مبيت عليّ(عليه السلام) على فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن العبّاس، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ٧٧ عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٣٣فضائل عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٩٨، ١٠٠ ترجمة الإمام عليّ، وغيرها.

4- انظر: الخرائج والجرائح، للراوندي ١: ١٤٤ الحديث ٢٣١، فصل من روايات الخاصّة في معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 52

تعليق ١:

« مروة ــ مصر »

أو كان الله غير قادر أن يعيق أبا بكر لو كانت الفكرة من صحبته خشية أن يُخبر عن الرسول؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله قادر على أنّ يعيق؛ لكنّه لا يعيق، لأنّ ذلك يستلزم الإلجاء والجبر، كما لم يعق يوم كسرت رباعية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، ويوم ضرب بالحجارة في بداية بعثته(2)، وغير ذلك كثير، بل لو كان الأمر بالمنع من الله لمنع قريش وأعجزهم عن قتله أو اللحاق به إلى الغار، ولكن الله لا ينفذ تدبيره بإعجاز خلقه، لأنّه سلب الاختيار، وهي سُنّة الله في خلقه، لتمييز من يفعل الخير والشرّ وإظهارهما بالفعل وإتمام الحجّة على العباد، ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...(3).

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٦ مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة ٢: ١٣٣٦ الحديث ٤٠٢٧، المصنّف، لعبد الرزّاق ٥: ٢٩١ الحديث ٩٦٤٩، و٥: ٣٦٥ الحديث ٩٧٣٥، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٤٩٤ الحديث ٥٢ ما جاء في أحد.

2- انظر: السيرة الحلبية ٢: ٥٢، دلائل النبوّة، للبيهقي ٢: ٤١٥ جماع أبواب المبعث، باب عرض النبيّ نفسه على القبائل، عيون الأثر، لابن سيّد الناس ١: ١٧٥ ذكر خروج النبيّ(صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف، سبل الهدى والرشاد، للشامي ٢: ٤٣٨ جماع أبواب بعض الأُمور الكائنة بعد بعثته، الباب ٣١، البداية والنهاية، لابن كثير
٣: ١٦٧، فصل في ذهابه إلى الطائف.

3- آل عمران ٣: ١٧٩.


الصفحة 53

وهناك فرق بين أن يجبر الله أبا بكر على عدم الإخبار، وبين تصرّف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحكمة وتدبير في ذلك الموقف.

تعليق ٢:

« محمّد بن محمّد ــ اليمن ــ سُنّي»

ساعة تنكرون صحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، وساعة تقولون: إنّ النبيّ صاحبه خوفاً منه.. (حاشا لله)!!

النبيّ(صلى الله عليه وسلم) لم يخف من فجّار مكّة ويخاف أبا بكر.. عجب عجاب!!

صلوات الله وسلامه عليك يا حبيبي يا رسول الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: نحن ذكرنا أنّ هناك من يشكّك بوجود أبي بكر في الغار، مقابل المشهور الذين قالوا بوجوده، وجوابنا مبنيّ على مقالة المشهور.

ثانياً: إنّ خوف الوشاية برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقل خطراً عن خوف القتل الذي تعرّض له صلوات الله عليه وآله, فلو علم المشركون بمكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيرجع خطر القتل من جديد, وقد عالج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الموقف بشكل طبيعي بعيداً عن المعاجز، كما حصل عند تعرّضه للقتل، وذلك بأخذه لأبي بكر معه، وهذه هي حال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام)، فهم لا يلجأون إلى المعاجز إلّا بعد سدّ باب الأسباب الطبيعية، وبما لا يسلب اختيار المكلّفين؛ لأنّه من الإلجاء والجبر.

تعليق ٣:

« علي ــ أمريكا ــ إمامي »

أنا شيعي موالي..


الصفحة 54

كيف للرسول أن يصاحب أبا بكر وهو عندنا من الظالمين ـ بسبب شركه السابق، والشرك ظلم عظيم ـ ؟! وحتّى إن خاف اطّلاع الكفّار على مكانه؛ لأنّه محمي من الله..

وثانياً: هناك تناقضات بشأن هذه الواقعة، وهي: إنّ بعض الكتّاب يدّعي أنّ أبا بكر لم يصاحب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار أصلاً! فأيّ الادّعاءات صحيحة؟! صاحبه أو لم يصاحبه؟

وهناك أقوال أُخر ادّعت أنّ شخصاً آخر صاحب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

أتمنّى الإجابة الشافية.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما دام هناك تناقض في نقل واقعة معينة، فإنّه سيؤدّي إلى الشكّ في ثبوت تفاصيل هذه الواقعة، وهذا ممّا يدعم عقيدة الشيعة لا أن يزلزل الاعتقاد بها، فالمخالفون يدّعون تفاصيل معينة لقصّة الهجرة تثبت فضيلة لأبي بكر بمصاحبته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في هجرته، ونحن نقول: إنّ هذا لم يثبت عندنا لتضارب الأقوال في ذلك.

والذي يريد أن يثبت هذه الفضيلة المدّعاة لا بدّ:

أوّلاً: من إثباتها بشكل صحيح، وإزالة كلّ الأقوال المعارضة لها، وإنّ ما يأتي به على ذلك من دليل لا بدّ وأن يكون واضح الدلالة، فالآية القرآنية تقول إنّ هناك اثنين في الغار، ولم تسمّ الثاني! فهذا يعني أنّ الآية القرآنية لوحدها لا تكفي دليلاً.

وثانياً: لأجل إثبات الفضيلة لا بدّ من تأسيس القول بأنّ الصحبة في هذا الموقف تعدّ فضيلة، ثمّ بعد ذلك استبعاد كافّة المعارضات، ومنها: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخذ أبا بكر خوفاً أو اضطراراً، وكلّ هذه المقدّمات غير تامّة في دعواهم؛ فلا أصل الصحبة


الصفحة 55

سالم من المعارض واحتمال الخلاف، ولا ثبوت كونها فضيلة مسلّم عند الكلّ وقام الدليل عليه، إن لم يثبت العكس!

وإذا قيل: إذا كان هناك مجال للشكّ والاحتمال في تفاصيل وجود أبي بكر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، فكيف أورد بعض أصحابنا في كتبهم روايات تشير إلى وجوده؟!

نقول: إنّ من ينقل الروايات، وخصوصاً التاريخية منها، لا يلتزم بصحّة كلّ ما ينقل، فهو يسمع من الآخرين تلك الدعوى، وهو بدوره ينقلها، وإذا احتمل وقوعها، فلا مانع من وصولها إلى كتب الشيعة مع شهرتها، ونقلها لا يلغي احتمال عدم صحّتها.

ثمّ إنّ قولك إنّه: كيف يصاحبه وهو من الظالمين؟ يردّه: أنّ الظلم لم يظهر منه حينذاك، وإنّما ظهر منه بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوّل البعثة وحين الهجرة لم يكن يجاهر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء من غرضه، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان يعرف منقلبه، ولكنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان هو من يشخّص المصلحة في صحبته من عدمها.

وكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) محمي من الله لا يعني أن لا يتوسل بالأسباب الطبيعية لإنجاح غرضه والوصول إلى هدفه، والله يحمي عباده الصالحين ويدفع عنهم من خلال هذه الوسائل والأسباب، والمعجزة لا تسلب اختيار المكلّفين، وإلّا كان من البداية لا يخرج من بيته إلى الغار خائفاً من المشركين اعتماداً على حماية الله سبحانه وتعالى، وأنّه سبحانه سيمنع المشركين ويعجزهم عن الوصول إليه، وهكذا يبقى في مكّة ولا يحتاج إلى الهجرة، بل يبقى إلى أن يقضي الله على المشركين فيها وينصر الإسلام، وهذا خلاف السُنّة الإلهية؛ فالاعتماد على حماية الله لا يعني الاتكال وعدم فعل شيء انتظاراً لوقوع النصر الإلهي بالمعجز دون التوسّل بالأسباب الطبيعية، والسعي وبذل الجهد في سبيل اعلاء كلمته سبحانه وتعالى.


الصفحة 56

(الصحبة لا تعدّ فضيلة له)

« شعيب ــ الجزائر ــ مالكي»

السؤال:

إذا كان أبو بكر منافقاً، فهل يعقل أن يصاحبه الرسول(صلى الله عليه وسلم) ويبشّره بالجنّة؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ مجرّد المصاحبة لوحدها لا تنفع إذا لم يقترن معها ورع وتقوى واعتقادات حقّة، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مصاحباً لكلّ من دخل في الإسلام ونطق بالشهادتين، ولم يكن حال أبي بكر بأحسن من حال سائر الصحابة الباقين، ففيهم الفاسق والفاجر والمنافق، ومع ذلك كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعامل معهم على الظاهر كونهم يظهرون الإسلام ويخفون غير ذلك.

ثمّ إنّه لم يثبت عندنا حديثاً واحداً يثبت فيه بشارة لأبي بكر بالجنّة.

وأمّا لو كنت تقصد من الصحبة مصاحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، فإنّ هذه الصحبة لم يثبت أنّها كانت بطلب من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تكون فضيلة له! بل هناك أراء متعدّدة في حقيقة الصحبة، منها: أنّه كان خائفاً من الوشاية به، وأُخرى لكري دابته، وأُخرى أنّه فرض نفسه عليه، وهذه كلّها لا تعطي أي منقبة لأبي بكر.

تعليق:

« أبو درّ الجزائري ــ الجزائر ــ سُنّي »

كيف أستطيع أن أصدّقكم والقرآن الذي بين أيدينا جمعه أبو بكر وعثمان وعمر!


الصفحة 57

اتّقوا الله! كيف يختار الله لنبيّه أصحاباً سيكفرون بعد موته؟! إنّما أنتم تنتقمون منه بسبب قصمه لظهر الفرس.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ الكلام عن الصحبة، لا عن جمع القرآن، فلا ملازمة بين الاثنين، ولو كان كلامنا بنفي الصحبة ونفي جمعه للقرآن لصحّ منك الربط والملازمة!

٢ــ نحن نصرّ على أنّ الصحبة بما هي صحبة لا فضيلة فيها، فكثيرون صحبوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وانقلبوا على دينه وخالفوا أوامره ونواهيه فيما بعد.

ونرجوا أن لا نثير حفيظتك إذا قلنا: إنّ الذين قتلوا الخليفة الثالث هم الصحابة بالواقع، والذين يقول أهل السُنّة بعدالتهم جميعاً!!

٣ــ ثمّ من القائل أنّ الخلفاء الثلاثة هم الذين جمعوا القرآن؟! فقد ورد الكثير في كيفية جمع القرآن ذكرناه مفصلاً ضمن عنوان: (القرآن وعلومه/كيفية جمع القرآن، وجمع الإمام عليّ(عليه السلام) له)، وسيأتي؛ فليراجع.

ثمّ من قال أيّها الأخ العزيز: إنّ الله اختار الصحابة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فهذا أوّل الكلام!

وعلى فرض صحّة هذا الاختيار، فإنّه تعالى اختار له الصلحاء الميامين الأبرار الأخيار، لا المنافقين الذين مردوا على النفاق، ولا الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا الذين إذا قيل لهم: قاتلوا في سبيل الله اثّاقلوا، ولا الذين ينقلبون على الأعقاب، ويفرّون من الزحف، ويغدرون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، ظلماً وعدواناً باسم الإسلام والصحبة لنبيّ المسلمين(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومتى كان في كلامنا عن أبي بكر شيء اسمه أنّه: قصم ظهر الفرس! فإنّ بلاد الفرس لم تفتح إلّا في خلافة عمر بن الخطّاب، فنرجوا تصحيح معلوماتك التاريخية!


الصفحة 58

أضف إلى ذلك: كان في الجيش الذي قصم ظهر الفرس كثير من الصحابة المخلصين والموالين لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فكيف نسخط على جيش فيه مثل هؤلاء، الذين علّمونا معنى التشيّع والموالاة لأهل البيت(عليهم السلام)؟! بل كيف نسخط على جيش المسلمين الفاتح والناشر للتوحيد على أهل الشرك وعبادة النار؟!

إنّ ذوقك السقيم واعتقادك الفاسد يجرّك إلى مثل هذه التهم العديمة القيمة.

وهل الفرس قبل إسلامهم أولاد عمّنا، أم أعداءنا وأعداء ديننا ونبيّنا وأئمّتنا؟! نعم، صاروا بعد إسلامهم إخوة لنا ولجميع المسلمين باعتبار: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ(1)، والذي يبدو من مزاجك أنّك ترفض هذا الشعار القرآني، وأصبحوا بعد إيمانهم لا فرق بينهم وبيننا باعتبار: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم(2)، وباعتبار: (لا فضل لعربي على أعجمي... إلّا بالتقوى)(3)، الذي يرفضه كما يبدو مزاجك القومي وميلك العروبي؛ توهّماً منك أنّنا فرساً ولسنا عرباً!

أيّها الأخ الكريم، إنّ شعارنا في الحبّ والبغض هو الله تعالى، ومعيارنا قول المعصومين، وسيّدهم وسيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قالوا: (لا يبلغ إيمان أحدكم حقيقة الإيمان، حتّى يحبّ أبعد الخلق منه في الله، ويبغض أقرب الخلق منه في الله)(4)، هذا هو المعيار، الذي نرجوا أن تصحّح به منهجك في معرفة الأُمور وتميّزها.

____________

1- الحجرات ٤٩: ١٠.

2- الحجرات ٤٩: ١٣.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤١١ حديث رجل من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، المعجم الأوسط، للطبراني ٥: ٨٦.

4- تحف العقول، للحرّاني: ٣٦٩ ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، في قصار كلماته (عليه السلام) .


الصفحة 59

(هل تعدّ المعيّة فضيلة؟)

« علي طاهر ــ السعودية »

السؤال:

ما المقصود في آية الغار: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(1)؟ هل المقصود رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ(عليه السلام) ، أو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر؟

وإذا كان أبو بكر، هل تعدّ له فضيلة، أم ضدّه، حيث لم يثق بالرسول وبحماية الله لهما؟

أرجو إفادتنا بالجواب مع التفاصيل، والله يحفظكم ويجعلكم ذخراً لنشر فضائل أهل البيت(عليهم السلام).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نذكر لك مناظرة الشيخ المفيد(قدس سره)(2) مع عمر بن الخطّاب في المنام، ومن خلالها يتّضح الجواب على أسئلتك:

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.

2- هو: محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي، يعرف بـ (ابن المعلّم)، من أعاظم علماء الإمامية وأكبر شخصية شيعية ظهرت في القرن الرابع، انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة في عصره، كان كثير التقشّف والتخشّع والإكباب على العلم، وكان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، ونعم ما قاله فيه الخطيب البغدادي: إنّه لو أراد أن يبرهن للخصم أنّ الاسطوانة من ذهب وهي من خشب لاستطاع، وله قريب من مائتي مصنّف، ولد سنة ٣٣٨هـ، وتوفّي سنة ٤١٣هـ، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والموافق، وقيل: شيّعه ثمانون ألفاً من الناس، وصلّى عليه الشريف المرتضى، ودفن بجوار الإمامين الكاظم والجواد(عليهما السلام)، وحكي أنّه وجد مكتوباً على قبره بخطّ القائم ــ (عليه السلام) ــ:


لا صوّت الناعي بفقدك إنّهيوم على آل الرسول عظيمُ
إن كنت غُيّبت في جدث الثرىفالعدل والتوحيد فيك مقيمُ
والقائم المهدي يفرح كلّماتُليت عليك من الدروس علومُ

تجد ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٧: ٣٤٤ ـ٢١٣ـ، بحار الأنوار ٥٣: ٢٥٥.


الصفحة 60

عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد النعمان(رضي الله عنه)، أنّه قال: ((رأيت في المنام سنة من السنين، كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها أناس كثير, فقلت: ما هذا؟

قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.

فقلت: ومن هو؟

قالوا: عمر بن الخطّاب.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام، وقلت: أيّها الشيخ! أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ(1)؟

فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر في هذه الآية في ستّة مواضع:

الأوّل: أنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر أبا بكر وجعله ثانيه, فقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.

والثاني: أنّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.


الصفحة 61
الصفحة السابقةالصفحة التالية