المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 121 - ص 150)

ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يمكن أن يكون النبيّ حزن وأبو بكر لم يحزن؟ فهل أبو بكر أفضل من النبيّ لأنّه لم يحزن؟!

ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو أبو بكر، فكيف يمكن أنّ السكينة تنزل على الرسول الذي لم يحزن؟ أليست السكينة تنزل على الذي حزن؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

(السكينة) في روايات أهل البيت تُعرّف بالإيمان؛ ففي (الكافي): ((عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ(1)؟ قال: (هو الإيمان)))(2).

ولا يلزم لنزول الإيمان في قلب أحد أن يكون حزيناً، أو خالياً من الإيمان، حتّى تنزل عليه السكينة؛ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم...(3)، وقد صرّح القرآن بنزول السكينة على رسول الله في حُنين ولم يكن حزيناً، فلا يقال بعدم حاجة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لنزول السكينة بعد تصريح القرآن بذلك.

____________

1- الفتح ٤٨: ٤.

2- الكافي، للكليني ٢: ١٥ الحديث ١ كتاب الإيمان والكفر، باب في أنّ السكينة هي الإيمان.

3- الفتح ٤٨: ٤.


الصفحة 122

(هل هو الصدّيق الأكبر؟)

« كميل ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

بارك الله في جهودكم ووفّقكم لنصرة الحقّ..

أحببت أن أعرف: ما أصل تسمية أبي بكر بالصدّيق؟ هل كان ذلك في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أم بعده؟ وهل كما يقول أهل السُنّة: سمّي بذلك لتصديقه الرسول؟

خالص الشكر والامتنان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت عدّة روايات عند الخاصّة والعامّة ــ أوردها المجلسي في (بحار الأنوار)(1) ــ تذكر أنّ الصدّيق هو الإمام عليّ(عليه السلام) ، منها:

عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الصدّيقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين, وخربيل [خرتيل] مؤمن آل فرعون, وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم)(2).

____________

1- بحار الأنوار ٣٥: ٤١٠ الباب ٢١ إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن.

2- بحار الأنوار ٣٥: ٤١٠ الباب ٢١ إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن، وانظر: فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل ٢: ٢٤٠ الحديث ١٠٧٤ فضائل عليّ(عليه السلام) ، و٢٥١ الحديث ١١١٩، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٩: ١٧٢ ـ١٥٤ـ، الرياض النضرة، للطبري ٣: ١٠٤ الباب الرابع مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الجامع الصغير، للسيوطي ٣: ١١٥ الحديث ٥١٤٨، ٥١٤٩، شواهد التنزيل، للحسكاني ٢: ٣٠٤ الحديث ٩٣٨، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٣، ٣١٣، وغيرها.


الصفحة 123

وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): (صدّيق هذه الأمّة عليّ بن أبي طالب, وهو الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم)(1).

وعن عليّ(عليه السلام) : (أنا الصدّيق الأكبر, لا يقولها بعدي إلّا كذّاب)(2).

وهكذا وردت عدّة روايات في كتب الفريقين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(3), أنّ الذي جاء بالصدق هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), والذي صدّق به هو عليّ(عليه السلام) (4).

____________

1- بحار الأنوار ٣٥: ٤١٢ الباب ٢١ إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدق والصدّيق في القرآن، وانظر: مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٢: ٢٨٦، فصل في أنّه الصدّيق والفاروق والصدّيق والصادق، الطرائف في معرفة المذاهب، لابن طاووس: ٩٤ الحديث ـ١٣٢ـ.

2- بحار الأنوار ٣٥: ٤١٢ الباب ٢١ إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن، وانظر: سنن ابن ماجة ١: ٤٤ الحديث ١٢٠ باب ١١، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١١١ ــ ١١٣، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٨ الحديث ٢١ كتاب الفضائل باب ١٨، السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: ٥٨٤ الحديث ١٣٢٤، السنن الكبرى، للنسائي ٥: ١٠٧ الحديث ٨٣٩٥، وغيرها.

3- الزمر ٣٩: ٣٣.

4- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٢: ٣٥٩، ٣٦٠، شواهد التنزيل، للحسكاني ٢: ١٧٨ الحديث ٨١٠ ــ ٨١٥، معاني القرآن، للنحّاس ٦: ١٧٥، تفسير العزّ بن عبد السلام ٣: ٩٩، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ١٥: ٢٥٦ عن مجاهد، البحر المحيط، للأندلسي ٧: ٤١٢، طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلي ٢: ١٢٥.


الصفحة 124

وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(1), أنّ (مع الصادقين) هو: عليّ(عليه السلام) (2).

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ(3), إنّ من الصدّيقين: عليّ(عليه السلام) (4).

وعليه، ثبت أنّ عليّاً(عليه السلام) هو الصادق والمصدّق والصدّيق.

ولكن أعداءه(عليه السلام) ــ وبالخصوص اتّباع بني أُميّة ــ لم يتحمّلوا هذه المنقبة لعليّ(عليه السلام) ، فأخذوا يفترون أحاديث على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كذباً وزوراً، ويثبتون هذه المنقبة لأبي بكر، ذكر السيوطي مجموعة منها في (اللآلئ المصنوعة)(5)، وبعض منها في (ذيل اللآلئ)، والتي منها: (يا أبا أُمامة! إنّ الله شرّف أبا بكر فجعله في السماء صادقاً وفي الأرض صدّيقاً، فهو لهذه الأُمّة من بعدي)(6)، وذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة)(7).

وممّا تقدّم يظهر أنّ تسمية أبي بكر بالصدّيق لم تكن في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم), بل ولا حتّى في زمانه وخلافته, وإلّا لاستفاد من هذه المنقبة في إثبات خلافته بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), أو في دفاعه عن نفسه لمّا كذّبته فاطمة(عليها السلام) في قضيّة فدك!

____________

1- التوبة ٩: ١١٩.

2- انظر: شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٣٤١ ــ ٣٤٥ الحديث ٣٥٠ ــ ٣٥٧، الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٢٩٠، فتح القدير، للشوكاني ٢: ٤١٤.

3- النساء ٤: ٦٩.

4- شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ١٩٦ ــ ١٩٩ الحديث ٢٠٦ ــ ٢٠٩.

5- اللآلئ المصنوعة ١: ٢٦٢ مناقب الخلفاء الأربعة، وانظر ص ٢٦٥ وما بعدها.

6- ذيل اللآلئ: ٥٣ كتاب المناقب، وانظر فردوس الأخبار، للديلمي ٥: ٣٥٤ الحديث ٨٤١٧، ٨٤١٨.

7- تنزيه الشريعة ١: ٣٨٩ الحديث ١٢٥، باب مناقب الخلفاء الأربعة، الفصل الثالث.


الصفحة 125

وإنّما جاءته بعد وفاته.. ربّما من قبل عائشة، أو من هو على هواها.

(لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة)

« مسلم ــ مصر ــ شافعي »

السؤال:

حول فضيلة لأبي بكر, ممكن تفسير هذا الحديث:

((عن محمّد بن علي بن الحسين الباقر، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ(عليه السلام) ، عن حلّية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه, قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم الصدّيق, فمن لم يقل الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة)) (كشف الغمّة، للإربلي).

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه الرواية التي ذكرها الإربلي (ت٦٩٣هـ) في (كشف الغمّة)(1)، نقلها من (صفة الصفوة)(2) لابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، مصرّحاً بذلك، وقد نقلها عن كتاب ابن الجوزي أيضاً ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)(3).

____________

1- كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: ٣٥٩ ــ ٣٦٠ ذكر الإمام الخامس: أبي جعفر محمّد بن علي الباقر.

2- صفة الصفوة ٢: ٤٥٩ ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة ١٧١.

3- الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ٢: ٨٩٥.


الصفحة 126

وإن أبيت ورفضت تصريح الإربلي بنقلها من كتاب ابن الجوزي، فائتنا بسند من كتبنا متّصل بين عروة والإربلي، فإنّ بينهما مئات السنين، بل إنّ بين ابن الجوزي وعروة مئات السنين أيضاً.

إذاً هذه الرواية وفق مقاييس علم الرجال مرسلة، هذا بالإضافة إلى أنّ عروة بن عبد الله المذكور بالرواية مهمل رجالياً، فضلاً عن كون ابن الجوزي، الناقل للرواية، كان ناصبياً، ردّ في كتبه كثير من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فلا يصحّ الاحتجاج بهذه الرواية علينا!

على أنّنا لو سلّمنا بصحّة الرواية، فلا تقف هذه الرواية في قبال العشرات من الروايات المعارضة لها! فلا بدّ إذاً من أجل الجمع بين الروايات من حمل هذه الرواية على التقيّة.

على أنّ مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من الإمام(عليه السلام) ؛ لأنّ ذنب عدم قول الصدّيق لا يستحقّ مثل هكذا عقوبة، وهي عدم قبول قوله في الدنيا والآخرة، وإلّا لدخل أبو بكر نفسه في ذلك؛ فهو يقول: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني))(1), كما أنّ هناك كثيراً من أهل السُنّة عندما يذكر أبو بكر لا يذكر لقب الصدّيق، فهل يستحقّ هؤلاء جميعاً تلك العقوبة الإلهيّة؟!

____________

1- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٢١٢، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٢، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٠٣، ٣٠٤، تاريخ الطبري ٢: ٤٦٠، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٦: ٢٠، و١٧: ١٥٦، المصنّف، لعبد الرزّاق ١١: ٣٣٦ الحديث ٢٠٧٠١.


الصفحة 127

تعليق:

« المغيرة ــ السعودية ــ وهابي »

ممّا يدعم صفة الصدّيق، ولقبه أيضاً، ليس قول أحد أئمّة أهل البيتF، ولكن قول الرسول(صلى الله عليه وسلم) : (اثبت أحد فإنّ فوقك نبيّ وصدّيق وشهيدان).

إن قلتم: إنّ الرواية باطلة، فإنّكم تنفون صفة الشهيد والشهادة عن رابع الخلفاء عليّ(رضي الله عنه)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نبيّن الجواب بعدّة نقاط:

أوّلاً: هذا المتن في الرواية ليس صحيحاً عندنا، فلم يرد من طرقنا، ولا هو من المتّفق عليه بين الفريقين، فلا يحتجّ به علينا ولا يثبت مدّعاه عندنا..

والرواية تذكر أبا بكر وعمر وعثمان على النسق الواقع في الخلافة، ولا تذكر عليّاً(عليه السلام) ! وهو منهج معروف لبني أُميّة وأتباعهم، رفضه أحمد بن حنبل فربع بعليّ(عليه السلام) ، وهو دافع آخر يدفعنا للبحث في صحّة الرواية.

ثانياً: الرواية مضطربة المتن بمختلف طرقها الصحيحة عند أهل السُنّة، فمرّة كانت الواقعة على جبل أُحد، وأُخرى على حراء، وثالثة على ثبير.. ومرّة كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الثلاثة، وأُخرى كان عليّ(عليه السلام) مع الثلاثة، وثالثة كان هناك أيضاً طلحة والزبير وسعد، ورابعة وجود العشرة المبشّرة على زعمهم كلّهم.. ومرة قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (فإنّما عليك إلّا نبيّ، وصدّيق، وشهيدان)، وأُخرى قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد).


الصفحة 128

فقد روى البخاري بسنده: ((عن يحيى(1)، عن سعيد(2)، عن قتادة: أنّ أنس بن مالك حدّثهم: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: (اثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)))(3)، وعن يحيى أيضاً بالسند نفسه، ولكن بعبارة: (وقال: اسكن أُحد، أظنّه ضربه برجله، فليس عليك إلّا نبيّ، وصدّيق، وشهيدان)))(4).. ورواه أحمد بسنده عن يحيى، عن سعيد بن شعبة بدل سعيد الذي في البخاري(5).

بينما رواه مسلم: ((عن أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (اهدأ، فما عليك إلّا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد)))(6)، وبعده مباشرة رواه بسند عن أبي هريرة أيضاً بإضافة سعد بن أبي وقّاص إليهم(7).

وقال الترمذي بعد رواية أبي هريرة الأُولى التي فيها ذكر حراء: ((وفي الباب: عن عثمان، وسعيد بن زيد، وابن عبّاس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي. هذا حديث صحيح))(8).

____________

1- وهو: ابن سعيد القطّان.

2- وهو: ابن أبي عروبة.

3- صحيح البخاري ٤: ١٩٧ مناقب المهاجرين وفضلهم.

4- صحيح البخاري ٤: ٢٠٤ مناقب المهاجرين وفضلهم.

5- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٢ مسند أنس بن مالك.

6- صحيح مسلم ٧: ١٢٨، باب من فضائل طلحة والزبير.

7- المصدر نفسه.

8- سنن الترمذي ٥: ٢٨٧ الحديث ٣٧٨١ مناقب عثمان بن عفّان.


الصفحة 129

ثمّ روى الترمذي بسنده عن عثمان في حديث طويل، أنّه قال: ((أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان على ثبير مكّة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتّى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله، فقال: (اسكن ثبير، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)؟ قالوا: اللّهمّ نعم...))، ثمّ قال الترمذي بعده: ((هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان))(1).

وقد عرفت من رواية البخاري وغيره أنّ الصاعدين على الجبل مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة!

ولكن، روى ابن أبي عاصم بسنده: ((عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: صعد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أُحداً واتبعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (أثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)))(2).

وروى أحمد بسنده عن أبي هريرة: أنّهم كانوا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير(3).

ورواه مسلم عن أبي هريرة أيضاً، ثمّ أضاف سعداً في الحديث الذي بعده مباشرة(4).

وروى أحمد والترمذي عن سعيد بن زيد: أنّ الذين كانوا فوق الجبل

عشرة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بإضافة عبد الرحمن وسعيد بن زيد(5).

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٢٩١ الحديث ٣٧٨٧ مناقب عثمان بن عفّان.

2- السُنّة، بتعليق الألباني: ٦٠٧ الحديث ١٤٣٨.

3- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤١٩ مسند أبي هريرة.

4- صحيح مسلم ٧: ١٢٨، باب من فضائل طلحة والزبير.

5- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٧، ١٨٨ مسند سعيد بن زيد، سنن الترمذي ٥: ٣١٥ الحديث ٣٨٤١ مناقب أبي الأعور واسمه سعيد بن زيد.


الصفحة 130

وروى ابن أبي عاصم بسنده عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أنّه كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة من أصحابه(1).

وروى ابن عبد البرّ بسنده عن سعيد بن زيد: أنّ الأصحاب كانوا عشرة، بإضافة عبد الله بن مسعود(2).

ثمّ إنّك عرفت ممّا مضى الاختلاف في متن الحديث، من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (نبيّ وصدّيق وشهيدان)، أو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد)، أو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (نبيّ وصدّيق وشهيد)، والجمع بين الأحاديث؛ هروباً من الاضطراب، بالحمل على تعدّد الواقعة جمع تبرّعي، كما حاول بعضهم، كابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)(3)، والعيني(4)، وابن حجر الهيتمي المكّي(5).

ويردّه استبعاد تعدّد الواقعة بتفاصيلها على ثلاثة أجبل، بل يبعده استشهاد عثمان بما وقع على ثبير، أو حراء، على اختلاف النقل، لا بما وقع على أُحد الذي هو أقرب لأهل المدينة وأوقع في الشهادة عليهم وأوضح، وهو في موقف محتاج إلى وضوح الشهادة ومعروفيتها.

ثالثاً: وأمّا ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس، ففي سنده عدّة علل، فإنّه روي بعدّة طرق:

____________

1- الآحاد والمثاني، للضحّاك ٢: ١١٧ الحديث ٨١٩.

2- الاستيعاب ٣: ٩٨٨ ـ١٦٥٩ـ.

3- انظر: فتح الباري ٧: ٣٢، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

4- انظر: عمدة القاري ١٦: ١٩٠ الحديث ٥٧٦٣.

5- انظر: الصواعق المحرقة: ٨٠ الباب الثالث، الفصل الثالث.


الصفحة 131

عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.. وسعيد بن أبي عروبة اختلط في آخر خمس سنين من عمره في أقلّ الأقوال، وثلاثة عشر سنة في أكثرها، بل قال بعضهم: بدأ به الاختلاط في سنة (١٣٣هـ)، ومات سنة (١٥٧هـ)، وقال الأزدي: اختلط اختلاطاً قبيحاً(1).

فالقول بأنّ ما رواه البخاري عنه قبل الاختلاط تحكّم! خاصّة إذا عرفنا تردّده في اسم الجبل، فمرّة يروى عنه أًحد، وأُخرى حراء، بل يردّد بينهما بـ(أو) في رواية روح بن عبادة عنه(2).

وقد روى غيره عن قتادة أنّه حراء(3)؛ ولكن قتادة نفسه مدلّس معروف بالتدليس(4).

وقد روي هذا الحديث بعينه عن يونس بن جبير عن رجل من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أورد ذلك ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)؛ قال: ((حدّثنا عاصم الأحول، أبو عمر، نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن يونس ابن جبير، عن رجل من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم) : أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا على حراء فتحرك بهم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (أثبت حراء، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)))(5)، ورواه أيضاً بالسند نفسه في (السُنّة)، ولكنّه ذكر يونس بكنيته (أبو غلاب)(6).

____________

1- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٥٧ ـ١١٠ـ.

2- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٧: ٣٢، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

3- السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: ٦٠٧ الحديث ١٤٣٩، المعجم الأوسط ٦: ٣٣٨ من اسمه أحمد.

4- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٨: ٣١٨ ـ٦٣٧ـ.

5- الآحاد والمثاني ٥: ٣٤١ الحديث ٢٩٠٢.

6- السُنّة، بتعليق الألباني: ٦٠٧ الحديث ١٤٤٠.


الصفحة 132

وأنت ترى أنّه لم يصرّح هنا بذكر اسم الصحابي وأنّه أنس، ورواه عن الصحابي بواسطة واحدة، وهو يونس بن جبير.

والسؤال الوارد هنا: هل أنّ قتادة دلّس الحديث على أنس، أو أنّ الخلط قد وقع من سعيد بن أبي عروبة فحذف الصحابي والواسطة في حديث قتادة، وجعله عن أنس مباشرة؟

وإن كان الحديث عن صحابي لم يذكر اسمه، فمن هو هذا الصحابي؟ هل هو عثمان، كما في بعض الروايات عند مناشدته للصحابة يوم الدار، وهي لا تخلو من الضعف؟ أو هو أبو هريرة على ما في روايات أُخر؟

مع أنّهم لم يذكروا أنّ يونس بن جبير أبو غلاب البصري الباهلي روى عن أنس.. نعم، روى عن ابن عمر(1)، فلعلّ الصحابي الذي لم يذكر اسمه هو: ابن عمر!

رابعاً: قال ابن حجر في (فتح الباري): (((قوله: (صعد أُحداً)، هو الجبل المعروف بالمدينة.. ووقع في رواية لمسلم، ولأبي يعلى من وجه آخر، عن سعيد: (حراء)، والأوّل أصحّ))(2).

نقول: (قوله: والأوّل أصحّ)، أي: إنّهم كانوا على (أُحد) هو الصحيح، غير صحيح؛ لما ورد في غيره من الطرق عن بريدة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وابن عبّاس، وعثمان، وسعيد بن زيد، ورجل من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنس في رواية أُخرى(3)، من أنّ الجبل كان (حراء).

____________

1- تهذيب الكمال، للمزّي ٣٢: ٤٩٨ ـ٧١٧٢ـ.

2- فتح الباري ٧: ٣٢، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

3- انظر: السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: ٦٠٧ ــ ٦٠٨ الحديث ١٤٣٩ ــ ١٤٤٧، الرياض النضرة، للطبري ١: ٣٧ الباب الثالث: في ذكر ما دون العشرة من العشرة.


الصفحة 133

وفي بعضها: عن عثمان: ((أنّ الجبل تحرك حتّى تساقطت حجارته بالحضيض))(1)، ومن يرى (أُحد) يعرف أنّه أشبه بالتل المعزول عن غيره من الجبال ولا حضيض له.

ثمّ إنّهم متى كانوا على أُحد، أقبل المعركة؟ ولم يرد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صعد عليه، بل أرسل الرماة فوقه.. أو بعد المعركة؟ وقد انهزموا إلى الجبال خلفه ولم يصعدوا على أُحد، حتّى توارى أبو بكر وعمر في ثنيات الجبل، وعثمان هرب ورجع بعد ثلاثة أيام!(2)

فما في رواية أنس أنّه: (أُحد)، جاء من تخليط سعيد بن أبي عروبة.. وأمّا رواية سهل بن سعد، التي فيها أنّه (أُحد)، فهي رواية مناشدة عثمان يوم الدار نفسها، كما أخرجها عبد الرزّاق والطبراني(3)، وقد ورد عن عثمان في المناشدة أنّه (حراء) أو (ثبير)، كما أوردناها آنفاً.

وابن حجر والعيني لمّا لم يستطيعا ردّ رواية أنس من أنّ الجبل (أُحد)، قالا بتعدّد القصّة(4)! وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذا الرأي تمحّل لا شاهد له.

هذا، ولكن يرد على رواية بريدة وأبي هريرة التي فيهما أنّ الجبل (حراء)، أنّهما لم يحضرا الواقعة.. فبريدة أسلم حين مرّ به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مهاجراً بالغميم(5)،

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٢٩١ الحديث ٣٧٨٧ مناقب عثمان بن عفّان.

2- انظر: السيرة النبوية، لابن كثير ٣: ٥٨، فصل فيما لقي النبيّ من المشركين، و٣: ٥٥ غزوة أُحد، الدرّ المنثور، للسيوطي ٢: ٨٨ سورة آل عمران.

3- المصنّف ١١: ٢٢٩ الحديث ٢٠٤٠١، المعجم الكبير ١: ٩١ الحديث ١٤٦.

4- فتح الباري ٧: ٣٢، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، عمدة القاري ١٦: ١٩٠ الحديث ٥٧٦٣.

5- الإصابة، لابن حجر ١: ٤١٨ ـ٦٣٢ـ.


الصفحة 134

وأبو هريرة أسلم سنة سبعة للهجرة في غزوة خيبر، فكيف عرفا تفاصيلها ومن شهدها؟!!

ومن المعلوم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعبّد في (حراء) عدّة أشهر في السنة قبل البعثة، ولم يكن معه من هؤلاء المذكورين في هذه الأخبار على اختلافها إلّا عليّ(عليه السلام) ، أضف إلى ذلك أنّ بعض المذكورين تأخّر إسلامه بعد البعثة عدّة سنين، ولم يرد في الأخبار صعود الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حراء في سنيّ البعثة أو بعد فتح مكّة، فمتى اجتمع من ذكر معه على (حراء)؟!

قال ابن تيمية: ((وهو ــ أي: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ من حيث نبّأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام صلوات الله عليه بمكّة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكّة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريباً من عشرين ليلة، وأتاها في حجّة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه ولم يقصده))(1).

وقال أيضاً: ((وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكّة يصعدون إليه للتعبّد فيه، ويقال: إنّ عبد المطلّب سنَّ لهم ذلك، وكان النبيّ(صلى الله عليه وسلم) قبل النبوّة يتحنّث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أوّلاً؛ لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكّة بعد النبوّة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه وكذلك المؤمنون معه بمكّة؛ وبعد الهجرة أتى مكّة مراراً، في عمرة الحديبية وعام الفتح، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء ولا زاره))(2).

____________

1- مجموعة الرسائل والمسائل ٥: ٨٥ الرسالة الثالثة: العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعة، مجموعة الفتاوى ١٠: ٣٩٤، فصل في العبادات والفرق بين شرعيتها.

2- مجموعة الفتاوى ٢٧: ٢٥١، فصل مسائل في زيارة قبر الرسول.


الصفحة 135

خامساً: جاء في رواية أنس عند البخاري: (أبو بكر، وعمر، وعثمان)، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير)، وأضاف في رواية بعدها: (سعد بن أبي وقّاص)، وفي خبر سعيد بن زيد عند الترمذي ــ الذي قال عنه: حديث حسن صحيح ــ: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد)..

فإذا كان كلّ هؤلاء يشملهم قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (فإنّه ليس عليك إلّا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد)، فما هو اختصاص أبي بكر بالصدّيقية؟!

ولنا أن نقول: كيف يكون عثمان شهيداً وقد أجمعت الأُمّة من الصحابة يوم ذاك وغيرهم على قتله؟!

وكيف يكون طلحة والزبير شهيدين وقد قتلا بعد أن خرجا على إمام زمانهما؟!

وسعد قد مات مطعوناً؟!

وعبد الرحمن وسعيد ماتا حتف أنفهما، فأنّى لهما بالشهادة؟!

ثمّ لو سلّمنا لكم تنزلاً أنّ من قتل منهم يدخل تحت جنس الشهيد، لكن من لم يُقتل لا بدّ وأن يدخل تحت جنس الصدّيق، فكيف اختصّ أبو بكر بالصدّيقية؟!

وإن قلتم، كما عن بعضكم: إنّ الصدّيقية أخصّ ألقابه؛ لذا ذكرها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (1).

قلنا: ألم يختص عمر عندكم بلقب (الفاروق)، وعثمان بلقب (ذو النورين)، والزبير بلقب (الحواري)، فمن الذي نقلهم عن ألقابهم واختصهم بلقب (الشهادة)؟!

____________

1- انظر: الصواعق المحرقة، للهيتمي: ٨٨ الباب الرابع، الفصل الثاني في استخلاف أبي بكر.


الصفحة 136

ثمّ، ألم تقولوا أن أبا بكر قتل بخزبرة مسمومة(1)، فلماذا لا يدخل في الشهادة؟!

ولا يتوهّم متوهّم من ترتّب ذكر الأسماء، والابتداء بأبي بكر فعمر فعثمان ثم عليّ ومن بعده، قرينة على اختصاصهم بهذه الألقاب؛ فإنّ هذا الترتيب جاء من قبل الراوي لا من كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يعزّز ما نعتقده من تحريف هذا الحديث ليطابق ما وقع في الخارج من ترتّب للمستولين على السلطة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!

سادساً: من مجمل ما مضى يظهر عدم صحّة وقوع القصّة على جبل (أُحد)، وإنّما ــ لو اعتقدنا بوجود أصل لها ــ قد وقعت على جبل (حراء)، ولكن من نقل القصّة لم يكن معاصراً لها ــ بحسب السياق الطبيعي للأحداث، الموافق للحوادث التاريخية المنقولة لما قبل البعثة وبعدها إلى زمان الهجرة، والمنطبق على شخوص من أسلم في تلك الفترة وزمان إسلامهم وطبيعة تأثيرهم ومكانتهم ــ حتّى يذكر لنا شخوص المشاركين فيها..

نعم، باستثناء شخص واحد يمكن أن تلتقي فيه خيوط القصّة من دون تناقض، من المعاصرة والتأثير وطبيعة التحرك والقرب من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو عليّ(عليه السلام) ، فلم يكن هناك قبل البعثة وأوّلها من يرافق للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غيره حين كان يصعد على حراء للتعبّد.. وأمّا ما ذكر من وجود أشخاص غيره فلا يتّسق مع السياق الطبيعي للأحداث، كما قلنا؛ لتباعد زمان إسلام بعضهم إلى سنين بعد البعثة، حيث لم يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حينها يصعد على حراء.

____________

1- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ١٩٨ أبو بكر الصدّيق.


الصفحة 137

ومن هنا ورد في التراث الحديثي لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ما يبيّن أصل القصّة وحقيقتها، وملابسات النقل المضطرب، والتناقض الواقع في طرق أهل السُنّة، ومن ثمّ يكشف الغاية لمثل هكذا نقل..

فقد جاء في (كتاب سُليم)، عن طريق أبان راوي الكتاب عند لقائه أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ، في حديث طويل أنّه (عليه السلام) قال له: (وربّما رأيت الرجل الذي يُذكر بالخير ــ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ــ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد مضى من الولاة، لم يخلق الله منها شيئاً قطّ، وهو يحسب أنّها حقّ، لكثرة من قد سمعها منه ممّن لا يُعرف بكذب ولا بقلّة ورع. ويروون عن عليّ(عليه السلام) أشياء قبيحة، وعن الحسن والحسين(عليهما السلام) ما يعلم الله أنّهم قد رووا في ذلك الباطل والكذب والزور).

قال: قلت له: أصلحك الله، سمّ لي من ذلك شيئاً؟

قال: (رووا (أنّ سيّدي كهول أهل الجنّة أبو بكر وعمر)، و(أنّ عمر محدّث)، و(أنّ الملك يلقّنه)، و(أنّ السكينة تنطق على لسانه)، و(أنّ عثمان، الملائكة تستحي منه)، و(أنّ لي وزيراً من أهل السماء ووزيراً من أهل الأرض)، و(أن اقتدوا بالذين من بعدي)، و(اثبت حراء، فما عليك إلّا نبيّ وصدّيق وشهيد)).. حتّى عدد أبو جعفر(عليه السلام) أكثر من مائة رواية يحسبون أنّها حقّ، فقال(عليه السلام) : (هي والله كلّها كذب وزور).

قلت: أصلحك الله لم يكن منها شيء؟


الصفحة 138

قال(عليه السلام) : (منها موضوع، ومنها محرّف.. فأمّا المحرّف، فإنّما عنى: (إنّ عليك نبيّ الله وصدّيقاً وشهيداً)، يعني: عليّاً(عليه السلام) ، فقبلها. ومثله: (كيف لا يبارك لك وقد علاك نبيّ وصدّيق وشهيد)، يعني: عليّاً(عليه السلام) . وعامّها كذب وزور وباطل)(1).

فهذه الرواية عن الباقر(عليه السلام) تبيّن أنّ هذا الحديث الذي تتمسّك به مدرسة الخلفاء لإثبات الصدّيقية لأبي بكر من الأحاديث المقلوبة؛ لأنّ المعنيّ به: عليّاً(عليه السلام) ، فقلب وجعل من فضائل أبي بكر، بعد أن أضيف إليه أسماء من تخلّف بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغيرهم من العشرة المبشّرة عندهم، بترتيبها المعهود الذي استقر اعتقادهم عليه، تدعيماً وبناءً لهذا الاعتقاد، وصرفاً لإحدى فضائل عليّ(عليه السلام) من كونه الصدّيق الأكبر إلى أوّل خلفائهم وأفضلهم عندهم وهو أبو بكر، كما صرفوا غيرها من الفضائل بأحاديث مقلوبة أُخر، وهي كثيرة.

(الفضل بالتقوى لا بالمصاهرة)

« سلمان المحمّدي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

كيف حصل أبو بكر على تلك المنزلة ليكون والد زوجة الرسول؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- كتاب سليم بن قيس: ١٨٩ ـ١٠ـ علّة الفرق بين أحاديث الشيعة وأحاديث مخالفيهم.


الصفحة 139

إذا كان لا يمكن أن نحكم بالإيمان والنجاة لمثل أبناء الأنبياء، كما في ابني نبيّ الله آدم(عليه السلام) ، ونبيّ الله نوح(عليه السلام) .. ولا لمثل أعمام الأنبياء، كآزر عمّ نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) ، وأبي لهب عمّ نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم).. وإذا قال الله تعالى في كتابه: ﴿ضَرَبَ اللَّه مَثَلاً لّلَّذينَ كََفروا امْرَأَةَ نوح وَامْرَأَةَ لوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْن منْ عبَادنَا صَالحَيْن َخَانَتَاهمَا فَلَمْ يغْنيَا عَنْهمَا منَ اللَّه شَيْئاً وَقيلَ ادْخلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخلينَ(1)، وقال تعالى: ﴿فأَنجَيْنَاه وَأَهْلَه إلّا امْرَأَتَه كَانَتْ منَ الْغَابرينَ(2)، وكان من الممكن أن تكون زوجتا نوح ولوط(عليهما السلام) من الكفّار وهما زوجتا نبيّان.. وعلمنا أنّه لا يمكن أن نحكم بفضل لامرأة لمجرّد كونها زوجة نبيّ، ولا للولد بمجرّد كونه ولده، ولا لأقربائه كذلك، وكان الفضل بالتقوى والقرب من الله والإخلاص له، فكيف نحكم بالنجاة والفضل لآباء أزواج الأنبياء؟!!

فلا منزلة من هذه الجهة ولا هم يفترون.

(دعوى كثرة فضائله)

« العلقم ــ اليمن »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ ما ورد في فضل أبي بكر من الآيات والأحاديث الكثير والكثير، وما يجادل في هذا إلّا متّبع هوى، وصاحب زيغ.

____________

1- التحريم ٦٦: ١٠.

2- الأعراف ٧: ٨٣.


الصفحة 140

فقد جاء كثير من الأحاديث في فضله ومناقبه، فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لو وضع إيمان أبي بكر في كفّة وإيمان الأُمّة في كفه لرجحت كفّة أبي بكر)، ومن هذا الكثير والكثير، فأين ذهبتم بكلّ هذه الأحاديث؟! وارجعوا إن شئتم إلى كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) تجدون الكثير والكثير من مناقبه وفضائله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ البحث العلمي لا يتم هكذا بالادّعاءات والأحكام الكلّية، وفرض المسلّمات والمشهورات دونما دليل.

فقولك: ((وما يجادل في هذا إلّا متّبع هوى، وصاحب زيغ، فقد جاء كثير من الأحاديث في فضله...)) الخ، يدلّ على أنّك مدفوع بالعاطفة لا التحقيق والتنقيح، وإلّا فليس هذا طريق الاستدلال والإثبات المتّبع لدى من ينشد الحقّ, فهل لك أن تبدأ بهذا الكثير الذي تدّعيه من أوّله، فتورد آية آية، أو حديثاً حديثاً، ثمّ فضيلة بعد فضيلة حتّى نبيّن لك عوارها.

وعلى العموم فإنّا نرجعك إلى بعض كلام علمائك في فضائل أبي بكر.

قال الفيروزآبادي في (سفر السعادة) عند إيراده لأحاديث لم يثبت منها شيء صحيح عند جهابذة علماء الحديث في خاتمة كتابه: ((وباب فضائل أبي بكر الصدّيق أشهر المشهورات من الموضوعات: (إنّ الله يتجلّى للناس عامّة ولأبي بكر خاصّة), وحديث: (ما صبّ الله في صدري شيئاً إلّا وصبّه في صدر أبي بكر), وحديث: (كان(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اشتاق الجنّة قبّل شيبة أبي بكر), وحديث:


الصفحة 141

(أنا وأبو بكر كفرسي رهان), وحديث: (إنّ الله لمّا اختار الأرواح اختار روح أبي بكر).. وأمثال هذا من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل))(1).

ونقل العلجوني في خاتمة كتابه (كشف الخفاء) كلام الفيروزآبادي السابق(2).

وذكر السيوطي في (اللآلئ المصنوعة) ثلاثين حديثاً من أشهر فضائل أبي بكر(3)، ممّا اتّخذه المؤلفون في القرون الأخيرة من المتسالم عليه، وأرسلوه إرسال المسلّم بلا أي سند، أو أي مبالاة.

ومن هذه الأحاديث المدّعاة التي ليس لها سند، هذا الحديث الذي ذكرت: (لو وضع إيمان أبي بكر في كفّة وإيمان الأُمّة في كفّة لرجحت كفّة أبي بكر)، فإنّا لم نجد له سند في كتبكم، ولعلّ بحثنا كان ناقصاً، فتفضّل علينا بسنده.

نعم، جاء ما يقاربه في المعنى بأسانيد، ولكن كلّها مكذوبة مدخولة, كحديث الرؤيا التي رآها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي رواه أحمد عن أبي أُمامة(4)، تسلسل فيه الضعاف المناكير المتروكين، كـ ـ: مطرح بن زيد الكوفي، وعبيد الله بن زحر الأفريقي، وعلي بن زيد الألهاني، والقاسم بن عبد الرحمن الشامي، قال ابن حبّان: عبيد الله يروي الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن علي بن زيد أتى بالطامّات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر

____________

1- سفر السعادة: ١٤٣ خاتمة الكتاب.

2- كشف الخفاء ٢: ٤١٩ خاتمة يختم بها الكتاب في أقوال وأحاديث موضوعة مختلفة.

3- اللآلئ المصنوعة ١: ٢٦٢ مناقب الخلفاء الأربعة.

4- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٥٩ حديث أبي أُمامة الباهلي.


الصفحة 142

وعلي بن زيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الحديث إلّا ما عملته أيديهم(1).

أو الذي رواه أحمد عن ابن عمر(2)، وفيه: عبيد الله بن مروان؛ لا يعرف إلّا من رواية بدر بن عثمان عنه في هذا السند، وبدر بن عثمان مولى عثمان بن عفّان. وفيه: أبو عائشة، غير معروف؛ قاله علي بن المديني(3). ورواه بدر مرّة أُخرى عن عمّه(4)؛ وفي السند سيف بن عمر الوضّاع، والظاهر أنّ بدر وضع له الأسانيد.

أو ما رواه الطبراني عن معاذ بن جبل(5)، وفيه: عمرو بن واقد الكذّاب، قال الذهبي في ذكر أحاديثه، وهذا منها: وهذه الأحاديث لا تعرف إلا من رواية عمرو بن واقد، وهو هالك(6).

أو ما رواه الطبراني أيضاً عن عرفجة مرّة(7)، وعن أُسامة بن شريك مرّة أخرى(8)، وفيه: عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك(9).

____________

1- الموضوعات، لابن الجوزي ٢: ١٤، ١٥ حديث في ذكر عبد الرحمن بن عوف.

2- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٧٦ مسند عبد الله بن عمر.

3- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٨: ١١٦ ـ٤٤٩٢ـ.

4- تاريخ مدينة دمشق ٣٩: ١٧٠ ترجمة عثمان بن عفّان.

5- المعجم الكبير ٢٠: ٨٧ أبو إدريس الخولاني وعائذ الله بن عبد الله عن معاذ بن جبل.

6- ميزان الاعتدال ٣: ٢٩١ ـ٦٤٦٥ـ.

7- المعجم الأوسط ١: ٢٤٨ من اسمه أحمد.

8- المعجم الكبير ١: ١٨٦ الحديث ٤٩٠.

9- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ٥٩ كتاب المناقب، باب في ما ورد من الفضل لأبي بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء.


الصفحة 143

أو ما رواه ابن عدي عن ابن عبّاس(1)، وفيه: معروف بن أبي معروف البلخي، وهو ليس بمعروف؛ قاله ابن عدي، وقال عن الحديث: غير محفوظ.

وكحديث الرؤيا المنسوبة إلى رجل حكاها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، المروية في السنن، رواه أحمد(2)، وأبو داود السجستاني(3)، وأبو داود الطيالسي(4)، وابن أبي شيبة(5)، وغيرهم: عن أبي بكرة، وفيه: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف لا يحتجّ به(6)..

ورواه بسند آخر: أبو داود السجستاني(7)، والترمذي(8)، والحاكم(9)، والنسائي(10) عن أبي بكرة أيضاً، وفيه: الحسن البصري، وهو مدلّس، ولم يصرّح بالتحديث فيه عن أبي بكرة.

____________

1- الكامل ٦: ٣٢٦ ـ١٨٠٦ـ.

2- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٤، ٥٠ حديث أبي بكرة.

3- سنن أبي داود ٢: ٣٩٨ الحديث ٤٦٣٥.

4- مسند أبي داود: ١١٦ مسند أبي بكره.

5- مصنّف ابن أبي شيبة ٧: ٢٣٥ الحديث ٧ كتاب الإيمان والرؤيا، باب ما قالوا فيما يخبره النبيّ(صلى الله عليه وسلم) من الرؤيا.

6- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٧: ٢٨٣ ـ٥٤٥ـ.

7- سنن أبي داود ٢: ٣٩٨ الحديث ٤٦٣٤.

8- سنن الترمذي ٣: ٣٦٩ الحديث ٢٣٨٩.

9- المستدرك على الصحيحين ٣: ٧١ كتاب معرفة الصحابة، خلافة النبوّة ثلاثون عاماً ثمّ تكون ملك.

10- السنن الكبرى، للنسائي ٥: ٤٣ الحديث ٨١٣٦ فضائل أبي بكر وعمر وعثمان.


الصفحة 144

وأصل الحديث من أبي بكرة الثقفي، وكان منحرفاً عن عليّ(عليه السلام) ، بل روى ابن عساكر عن طريق قتادة عن الحسن عن أبي بكرة، أن صاحب الرؤيا هو أبو بكرة نفسه(1)، وبذلك وضحت الفرية!

وروي أيضاً: عن سفينة مولى أمّ سلمة؛ رواه الحاكم في المستدرك(2)، وفيه: المؤمّل بن إسماعيل، لا يحتجّ به، يروي المناكير عن شيوخه الأثبات.

أمّا ما جاء بلفظ: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)(3)، فهو موقوف على عمر. وبلفظ: (لو وضع إيمان...)، عن ابن عمر مرفوعاً بسند ضعيف(4)، وادّعاء المتابعة بالحديث الذي أخرجه ابن عدي عن عبد الله بن عبد العزيز لا يجدي بعد أن حكم عليه ابن عدي نفسه بعدم المتابعة(5)، ومن هنا يظهر أن هذه القولة من عمر وأتباع عمر، نسبت إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن وضعت لها الأسانيد؛ فلاحظ!

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٤٤: ١٣٤ ترجمة عمر بن الخطاّب.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ٧١ كتاب معرفة الصحابة، خلافة النبوّة ثلاثون عاماً ثمّ تكون ملك.

3- مسند ابن راهويه ٣: ٦٧١ الحديث ١٢٦٦، شعب الإيمان، للبيهقي ١: ٦٩ الحديث ٣٦، باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه، فضائل الصحابة، لابن حنبل: ١٥٠ الحديث ٦٥٥.

4- الكامل، لابن عدي ٥: ٢٦٠ ـ١٤٠٤ـ، تخريج الأحاديث، للزيعلي ١: ٢٤٨ الحديث ٢٦٢.

5- تذكرة الموضوعات، للفتني: ٩٣، باب فضل صحابته وأهل بيته وأويس..، كشف الخفاء ٢: ١٦٥ الحديث ٢١٣٠، الكامل، لابن عدي ٤: ٢٠١ ـ١٠١٢ـ، لسان الميزان، لابن حجر ٢: ٤٥٥ ـ٤٤٢٦ـ.


الصفحة 145

(فضائل مزعومة ـ١ـ)

« نور الإسلام ــ الجزائر ــ سُنّية»

السؤال:

كنت أتساءل فقط بيني وبين نفسي: هل يعقل أن يتحوّل ناصر الرسول(صلّى الله عليه وسلّم وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين)، وأوّل رجل أسلم في التاريخ ــ ولو عددت مناقبه على قلّة اطّلاعي ما انتهيت ــ إلى رجل يسلب حقّاً من حقوق آل البيت.

أنا والله لا أظنّ أنّ الأُمور تسير بعبثيه مطلقة... أن يسخّر الله رجلاً لنصرة الإسلام حتّى بشره حبيبنا بالجنّة، ثمّ يتنافس على الدنيا ومتاعها؟!

هذه بعض من تساؤلاتي.. أرجو أن تؤخذ بعين الاعتبار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم تتحقّق عندنا موارد النصرة التي تذكرينها عن أبي بكر، فلم نشهد لأبي بكر موقفاً أو مواقف في حروب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمكن ذكرها أو الإشارة إليها، وكذلك لم تثبت دعوى أنّه أوّل رجل أسلم في الإسلام.

ولا ندري أيّ بشارة بالجنّة تعنيها.. فإن كنت تقصدين هنا: حديث العشرة المبشّرة، فإسناد هذا الحديث حسب (سنن الترمذي)(1) لا يتم؛ نظراً إلى وفاة حميد

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٣١١ الحديث ٣٨٣٠ ــ ٣٨٣٢ أبواب المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عون.


الصفحة 146

ابن عبد الرحمن سنة (١٠٥هـ) وعمره (1) عاماً، فتكون ولادته سنة (٣٢هـ)! أيّ: عام وفاة الراوي الذي يروي عنه هذا الحديث، وهو أبوه الصحابي عبد الرحمن بن عوف، ولذلك كان ابن حجر يرى أنّ رواية حميد الزهري عن عمر وعثمان وأبيه منقطعة قطعاً(2). هذا حال ما روي عن عبد الرحمن بن عوف.

ويبقى ما روي عن سعيد بن زيد، وهو الأصل في حديث العشرة المبشّرة، والمتّهم فيه هو: راويه سعيد بن زيد؛ فإنّه يجرّ النار إلى قرصه في هذا الحديث، وإلّا فأين ذهب الصحابة الكُثر الأفضل منه قطعاً من المهاجرين والأنصار، فما بالهم لا يدخلون في العشرة، وما بال الحديث اقتصر على الأصحاب المهاجرين من قريش بما يوحي بأنّ واضعه كان من حزب قريش أصحاب السلطة، أو لعلّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان من حزب قريش السياسي ــ نعوذ بالله ــ ولا نعلم؟!

ثمّ ما باله جمع بين من تقاتلوا وسفكت بينهم الدماء، بل بين القاتل والمقتول، فبشّرهم بالجنّة، أي: عليّ(عليه السلام) وطلحة والزبير؟!!

ويتّضح لنا الحال في حديث سعيد بن زيد، عندما نعلم أنّه لم يكن لهذا الحديث خبر قبل أن يرويه سعيد في الكوفة أيّام إمارة معاوية، فأي حديث هذا الذي لا يعلمه المبشّرين بالجنّة أنفسهم؟!

هذا.. وقد ثبت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه حذّر أصحابه التنافس في الدنيا من بعده، كما جاء في (صحيح البخاري): (والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)(3)، الذي يدلّ مع مجموع أحاديث الحوض

____________

1- راجع: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٣: ٤٠ ـ٧٧ـ.

2- صحيح البخاري ٥: ٤٠ كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، و٧: ١٧٣ كتاب الرقاق.

3- التوبة ٩: ٤٠.


الصفحة 147

الواردة في موضوع الصحابة أنّ هناك أحداثاً سيحدثها أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ستؤثّر على موقفهم الشرعي أمام الله سبحانه وتعالى، لذا يلزم البحث والتفحّص الدقيق عن مواقف الأصحاب بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليصحّ تبنّي موقف شرعي كامل منهم.

(فضائل مزعومة ـ٢ـ)

« علي ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

باسمه تعالى.

بعد التحية والتقدير..

إنّني معتقد بأحقّية المذهب الشيعي الجعفري، وملتزم بتلقي المعرفة الصحيحة، ومن أجل توسيع آفاق رؤيتي المعرفية والدينية، واكتساب قدرة الإجابة على الشبهات المطروحة, أطلب منكم الإجابة المنطقية على الشبهات الفقهية والكلامية الموجودة في هذه الروايات.. أرجو منكم المساعدة:

١ــ حدّثني زهَير بن حَرب، وعَبد بن حمَيد، وعَبد اللّه بن عَبد الرّحمَن الدّارمي، (قَالَ عَبد اللّه: أَخبَرَنَا. وَقَالَ الاخَرَان: حَدّثَنَا) حَبّان بن هلاَل، حَدّثَنَا هَمّامٌ، حَدّثَنَا ثَابتٌ، حَدّثَنَا أَنَس بن مَالك: أَنّ أَبَا بَكر الصدّيقَ حَدّثَه، قَالَ: نَظَرت إلى أَقدَام المشركينَ عَلَىَ رؤوسنَا وَنَحن في الغَار. فقلت: يا رَسولَ اللّه! لَو أَنّ أَحَدَهم نَظَرَ إلى قَدَمَيه أَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيه. فَقَالَ: (يا أَبَا بَكر مَا ظَنّكَ باثنَين اللّه ثَالثهمَا؟!).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).


الصفحة 148

٢ــ حدّثنا عَبد الله بن جعفر بن يحيىَ بن خَالد، حَدّثَنَا مَعنٌ، حَدّثَنَا مَالكٌ، عَن أَبي النّضر، عَن عبَيد بن حنَين، عَن أبي سَعيد: أَنّ رَسولَ(صلى الله عليه وسلم) جَلَسَ عَلَىَ المنبَر، فَقَالَ: (عَبدٌ خَيّرَه بَينَ أَن يؤتيه زَهرَةَ الدّنيا وَبَينَ مَا عندَه. فَاختَارَ مَا عندَه)، فَبَكَىَ أبو بكر. وَبَكَىَ. فَقَالَ: فَدَينَاكَ بآبَائنَا وَأمّهَاتنَا.. قَالَ: فَكَانَ رَسول(صلى الله عليه وسلم) هوَ المخَير. وَكَانَ أبو بكر أَعلَمَنَا به. وَقَالَ رَسول(صلى الله عليه وسلم) : (إنّ أَمَنّ النّاس عَلَيَّ في مَاله وَصحبَته أبو بكر)، (وَلَو كنت متّخذاً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر خَليلاً، وَلَكن أخوّة الإسلام)، (لاَ يبقَينّ في المَسجد خَوخَةٌ إلّا خَوخَةَ أبي بَكر).(صحيح مسلم،كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٣ــ حدّثنا محمّد بن بَشّار العَبدي، حَدّثَنَا محمّد بن جَعفر، حَدّثَنَا شعبَة، عَن إسمَاعيلَ بن رَجَاء، قَالَ: سَمعت عَبد الله بنَ أبي الهذَيل يحَدّث عَن أبي الأَحوَص، قَالَ: سَمعت عَبد الله بنَ مَسعود يحَدّث عَن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، أنّه قَالَ: (لَو كنت متّخذاً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر خَليلاً، وَلَكنّه أَخي وَصَاحبي. وَقَد اتّخَذَ الله عزّ وجلّ صَاحبَكم خَليلاً).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٤ــ حدّثنا محمّد بن المثَنّى وابن بَشّار (وَاللفظ لابن المثَنّى)، قَالاَ: حَدّثَنَا محمّد بن جَعفر، حَدّثَنَا شعبَة، عَن أبي إسحَاقَ، عَن أبي الأَحوَص، عَن عَبد الله, عَن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، أنّه قَالَ: (لَو كنت متّخذاً من أُمّتي أَحَداً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).


الصفحة 149

٥ــ حدّثنا عثمَان بن أبي شَيبَةَ، وزهَير بن حَرب، وإسحَاق بن إبرَاهيمَ، (قَالَ إسحَاق: أَخبَرَنَا. وَقَالَ الاَخَرَان: حَدّثَنَا) جَريرٌ، عَن مغيرةَ، عَن وَاصل بن حَيانَ، عَن عَبد الله بن أبي الهذَيل، عَن أبي الأَحوَص، عَن عَبد الله, عَن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، قَالَ: (لَو كنت متّخذاً من أَهل الأَرض خَليلاً، لاَتّخَذت ابنَ أبي قحَاَفةَ خَليلاً، وَلَكن صَاحبكم خَليل الله).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٦ــ حدّثنا يحيىَ بن يحيىَ، أَخبَرَنَا خَالد بن عَبد الله، عَن خَالد، عَن أبي عثمَانَ، أَخبَرَني عَمرو بن العَاص: أَنّ رَسولَ(صلى الله عليه وسلم) بَعَثَه عَلَىَ جَيش ذَات السّلاَسل. فَأَتَيته فَقلت: أَي النّاس أَحَبّ إلَيكَ؟ قَالَ: (عَائشَة)، قلت: منَ الرّجَال؟ قَالَ: (أَبوهَا)، قلت: ثمّ مَن؟ قَالَ: (عمَر)، فَعَدّ رجَالاً.(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٧ــ حدّثني الحَسَن بن عَلي الحلوَاني، حَدّثَنَا جَعفر بن عَون، عَن أبي عمَيس..

وَحَدّثَنَا عَبد بن حمَيد (وَاللفظ لَه)، أَخبَرَنَا جَعفر بن عَون، أَخبَرَنَا أَبو عمَيس، عَن ابن أبي ملَيكَةَ: سَمعت عَائشَةَ، وَسُئلَت: مَن كَانَ رسول(صلى الله عليه وسلم) مستَخلفاً لَو استَخلَفَه؟ قَالَت: أبو بكر. فَقيلَ لَهَا: ثمّ مَن بَعدَ أبي بَكر؟ قَالَت: عمَر. ثمّ قيلَ لَهَا: مَن بَعدَ عمَرَ؟ قَالَت: أَبو عبَيدَةَ بن الجَرّاح. ثمّ انتَهَت إلى هَذَا.(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٨ــ حدّثني عَبّاد بن موسَىَ، حَدّثَنَا إبرَاهيم بن سَعد، أَخبَرَني أبي، عَن محمّد بن جبَير بن مطعم، عَن أبيه: أَنّ امرَأَةً سَأَلَت رَسولَ(صلى الله عليه وسلم) شَيئاً؟ فأَمَرَهَا


الصفحة 150

أَن تَرجعَ إلَيه. فَقَالَت: يا رَسولَ! أَرَأَيتَ إن جئت َلَم أَجدكَ؟ قَالَ أبي: كَأَنّهَا تَعني المَوتَ؟ قَالَ: (فإن لَم تَجديني فَأتي أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

٩ــ حدّثنا عبَيد الله بن سَعيد، حَدّثَنَا يزيد بن هَارونَ، أَخبَرَنَا إبرَاهيم بن سَعد، حَدّثَنَا صَالح بن كَيسَانَ، عَن الزّهري، عَن عروَةَ، عَن عَائشَةَ، قَالَت: قَالَ لي رسول(صلى الله عليه وسلم) في مَرَضه: (ادعي لي أَبَا بَكر أباك، وَأَخَاك، حَتّىَ أَكتبَ كتَاباً، فَإنّي أَخَاف أَن يتَمَنّىَ متَمَنٍّ وَيقولَ قَائلٌ: أَنَا أَوْلى، وَيأبَىَ الله وَالمؤمنونَ إلّا أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

١٠ــ حدّثنا محمّد بن أبي عمَرَ المَكّي، حَدّثَنَا مَروَان بن معَاويةَ الَفزَاري، عَن يزيدَ (وَهوَ ابن كَيسَانَ)، عَن أبي حَازم الأَشجَعي، عَن أبي هرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول(صلى الله عليه وسلم) : (مَن أَصبَحَ منكم اليومَ صَائماً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن تَبعَ منكم اليومَ جَنَازَةً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن أَطعَمَ منكم اليومَ مسكيناً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن عَادَ منكم اليومَ مَريضاً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، فَقَالَ رسول(صلى الله عليه وسلم) : (مَا اجتَمَعنَ في امرئ إلّا دَخَلَ الجَنّةَ).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 151
الصفحة السابقةالصفحة التالية