المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180)

أوّلاً: الأحاديث التي ذكرتها,كلّها منقولة من طرق أهل السُنّة، وإيرادها علينا من الطرف المقابل لا يلزمنا بصحّتها، حتّى لو كانت صحيحة عنده، فلا بدّ إن أراد أن يلزمنا بشيء أن يأتي بذلك من كتبنا، أو من المتّفق عليه بيننا.

ثانياً: مناقشة الأحاديث، وقد أعرضنا عن المناقشة السندية؛ لعدم الفائدة منها بعد أن حكموا بصحّة أحاديث مسلم:

الحديث الأوّل: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:

الأوّل: عدم ثبوت فضيلة فيه، وذلك لأنّه:

١ــ إن كانت الفضيلة من جهة ذكر العدد|، فقد بيّن الشيخ المفيد أن لا فضل فيه عندما ردّ احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ(1)، في آية الغار، فقال: ((لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل؟ ونحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلاً تعتمده))(2).

وكذلك الحال في الرواية، فإنّ كون الله ثالثهما، ما هو إلّا إخبار عن العدد، فلو كانا منافقين فالله ثالثهما، وإن كانا مؤمنين فالله ثالثهما، وإن كان أحدهما مؤمناً ونبيّاً والآخر منافقاً شقياً فالله ثالثهما، فأيّة فضيلة في ذلك لأبي بكر؟!

وقد قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلّا هُوَ رَابِعُهُمْ...(3).

وإن كانت من جهة معيّة الله لهما التي هي بمعنى: نصره وحفظه لهما، فإنّ نصر الله كان لرسول الله خاصّة بنص القرآن، قال تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.

2- شرح المنام، للمفيد: ٢٦، الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٣٢٧.

3- المجادلة ٥٨: ٧.


الصفحة 152

نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا...(1)، وأمّا الحفظ فهو لازم، لضرورة حفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان أبو بكر معه في الغار فلا فضل له من هذه الجهة.

٢ــ إنّ راوي الحديث هو أبو بكر، والتزكية إذا جاءت من نفس الشخص لا تقبل إلّا بعد ثبوت عصمته.

٣ــ إنّ أبا بكر كان خائفاً من المشركين، وكان غير مطمئن لنصر الله ورعايته وحمايته لهما، بحيث كان يتصوّر أنّ المشركين سيظفرون بهما، وهذا الخوف والحزن الذي وقع به والذي أشارت له الآية: ﴿لاَ تَحْزَنْ، دليل على وقوعه في اضطراب قلبي، ووقوعه في الخشية من غير الله تعالى، وهذا يعدّ منقصة له؛ فإنّ الله مدح الأنبياء بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إلّا اللَّهَ(2).

الثاني: من جهة المتن:

فقول أبي بكر: ((نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه))، مشكل! لأنّه:

١ــ لا يساعد على هذا الوصف وضع الغار وشكله المعروف، فلا بابه بهذا الصغر، ولا جوفه متّجه إلى جهة السفل والانحدار، حتّى يكون من بالباب على جهة العلو.

____________

1- التوبة ٩: ٤٠.

2- الأحزاب ٣٣: ٣٩.


الصفحة 153

ومن هنا أشكل ابن حجر في (فتح الباري)؛ قال: ((قوله: ((قلت للنبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأنا في الغار))، زاد في رواية حبّان المذكورة: فرأيت آثار المشركين، وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همام في الهجرة: فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم...

إلى أن قال: قوله: ((لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه))، في رواية موسى: لو أنّ بعضهم طأطأ بصره، وفي رواية حبّان: رفع قدميه، ووقع مثله في حديث حبشي بن جنادة، أخرجه ابن عساكر، وهي مشكلة، فإنّ ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك إلّا أن يحمل على أنّ المراد أنّه استتر بثيابهم))(1).

٢ــ جاء في روايات القوم أنّه لم يصل إلى باب الغار إلّا واحد من المشركين، وهو القائف، فلمّا رأى خيوط العنكبوت والحمامتان علم أن لا أحد في الغار، فرجع(2).

٣ــ كيف يكلّم أبو بكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يجيبه والمشركون على باب الغار، إذ لو كان ذلك لسمعوه وافتضح أمرهم.

أمّا الأحاديث: الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، يمكن ردّهنّ من عدّة وجوه:

١ــ إنّ حديث خوخة أبي بكر معارض بحديث رواه ابن الأثير في (النهاية)، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إلّا خوخة عليّ)(3).

____________

1- فتح الباري ٧: ٩، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

2- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٧: ١٨٥، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة، البداية والنهاية، لابن كثير ٣: ٢٢٢، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، دلائل النبوّة، للبيهقي ٢: ٤٨٢، باب خروج النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مع صاحبه أبي بكر إلى الغار، السيرة النبوية، لابن كثير ٢: ٢٤١، باب هجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومعه أبو بكر.

3- النهاية في غريب الحديث والأثر ٢: ٨٦، مسند البزّار ٣: ٣٦٨ الحديث ١١٦٩.


الصفحة 154

٢ــ إنّ الخلّة بين أبي بكر والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير حاصلة؛ لأنّه جعلها في جواب الشرط، وبالنتيجة يستدرك بأنّ الخلّة غير حاصلة، بل الحاصل هو أخوّة الإسلام, ثمّ إنّ هذه الأخوّة ليست خاصّة بأبي بكر، بل بجميع المسلمين، فالمسلم أخو المسلم، فلا فضيلة إذاً لأبي بكر.

٣ــ لم يثبت لأبي بكر بيتاً ملاصقاً للمسجد، بل كان بيته بالسنح في عوالي المدينة(1)، فكيف يصحّ حديث الخوخة؟! وما احتمله البعض من وجود بيتين له، هو احتمال لا غير، ومع التسليم لا يثبت كونه ملاصقاً للمسجد.

٤ــ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر بسدّ الأبواب إلّا باب عليّ(عليه السلام) (2) في أوّل الأمر، وأمر بسدّ كلّ شعب في المسجد، حتّى إنّ عمر طلب أن يفتح كوة فلم يقبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(3)، وهذا يعني أن لا باب باقية بعد ذلك السدّ، وإلّا فإنّ من أبقى باباً، أو حتّى خوخة يدخل منها إلى المسجد كما يصوّرها البعض، كان عاصياً لأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف لم يلتزم أبو بكر ومن معه بسدّ خوختهم إلى ما قبل وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما سمعوا حديث سدّ الأبواب؟! ألا يعد إبقاء تلك الخوخة ودخولهم منها إلى المسجد عصياناً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٦٢٠ السنة الثانية عشر، ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعمّاله على الصدقات، فتح الباري، لابن حجر ٧: ١٠، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، إرشاد الساري، للقسطلاني ٨: ١٦٧، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): سدّوا الأبواب إلا باب أبي بكر.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٧٥ عن سعد بن أبي وقّاص، سنن الترمذي ٥: ٣٠٥ الحديث ٣٨١٥ أبواب المناقب، باب ٩٢، المعجم الأوسط، للطبراني ٤: ١٨٦.

3- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٢٨، إمتاع الأسماع، للمقريزي ١٤: ٤٤٢، السيرة الحلبية ٣: ٤٥٩.


الصفحة 155

٥ــ إنّ علّة سدّ الأبواب دون باب عليّ(عليه السلام) هو طهارة عليّ وأهل بيته(عليهم السلام) وإمكان نجاسة غيرهم، كما صرّحت بذلك رواية أمير المؤمنين(عليه السلام) واحتجاجه يوم الشورى(1)، وروايات أُخر، وفي (مجمع الزوائد): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: (لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)(2)، وعلى هذا فلا معنى لاستثناء باب أو خوخة أبي بكر؛ لأنّه لا أحد يقول بطهارته كما هو الحال مع عليّ وأهل بيته(عليهم السلام).

٦ــ يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: ((فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو: (لو كنت متّخذاً خليلاً)؛ فإنّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو: سدّ الأبواب؛ فإنّه كان لعليّ(عليه السلام) فقلبته البكرية إلى أبي بكر...))(3). فهذه الأحاديث موضوعة بشهادة المعتزلي المدافع عن أبي بكر وبأحقّية خلافته، كما يذكر ذلك في الجزء الأوّل من الشرح.

٧ــ لقد أجاب المأمون عن حديث الخلّة الذي ذكر فيه أخوّة أبي بكر للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بقوله: هذا مستحيل من قبل رواياتكم أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين أصحابه، وأخّر

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٣٢، ٤٣٥، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٥: ٧٢٥ الحديث ١٤٢٤٣، الضعفاء، للعقيلي ١: ٢١٢ ـ٢٥٨ـ، المناقب، للخوارزمي: ٣١٥ الحديث ٣١٤.

2- سنن الترمذي ٥: ٣٠٣ الحديث ٣٨١١، السنن الكبرى، للبيهقي ٧: ٦٦، المعجم الكبير، للطبراني ٢٣: ٣٧٣، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١١٥.

3- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٩ خطبة ٢٠٣، فصل فيما وضعت الشيعة والبكرية من الأحاديث.


الصفحة 156

عليّاً(عليه السلام) ، فقال له في ذلك، فقال: (وما أخّرتك إلّا لنفسي)(1)، فأي الروايتين ثبتت بطلت الأُخرى(2).

٨ــ كان أبو هريرة يقول: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خليله(3)، فإذا صحّ ذلك، فهو أفضل من أبي بكر، لأنّ الخلّة عند أبي هريرة ثابتة، في حين أنّ الخلّة بين أبي بكر والرسول غير ثابتة.

٩ــ إنّ في هذه الرواية يثبت أنّه لم يكن أبو بكر خليلاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، في حين نرى روايات أُخرى تعارض ذلك، فهي تثبت كون أبي بكر خليلاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في (الرياض النضرة)(4)، فهما إذاً متعارضتان.

ثمّ إنّ هناك روايات تذكر أنّ: لكلّ نبيّ خليل وخليلي سعد بن معاذ(5)، أو عثمان بن عفان(6)، وغيرهم كأويس القرني وسعد بن مالك(7). ثمّ إنّ ذلك ثبت

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ الحديث ٣٨٠٤ أبواب المناقب، باب ٨٥، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٤.

2- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، للصدوق ٢: ٢٠١ الحديث ٥ الباب ٤٥.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٢٩ وغيرها، سنن الدارمي ١: ٣٣٩، و٢: ١٨، صحيح البخاري ٢: ٥٤، ٢٤٧، صحيح مسلم ١: ٨٤، ١٥١، و٢: ٨٩.

4- الرياض النضرة، للطبري ١: ١٢٦ مناقب أبي بكر، ذكر أحاديث تدلّ على ثبوت الخلّة له، المعجم الكبير، للطبراني ٨: ٢٠١ ما أسند أبو أُُمامة، عبيد بن زحر عن علي بن يزيد، و١٩: ٤١ باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٢٤ ذكر ما قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه لأبي بكر.

5- انظر: كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١١: ٧٢٠ الحديث ٣٣٥١٦، السيرة الحلبية ٣: ٤٥٨، باب يذكر فيه مدّة مرضه وما وقع فيه ووفاته(صلى الله عليه وسلم).

6- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٩: ١٢٥ ترجمة عثمان بن عفّان، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١١: ٥٨٧ الحديث ٣٢٨٠٨، الجامع الصغير، للسيوطي ٢: ٤١٦ الحديث ٧٣٣١، السيرة الحلبية ٣: ٤٥٨.

7- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٦: ١٦٣، الجامع الصغير، للسيوطي ١: ٦٠٩ الحديث ٣٩٤٢، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٩: ٤٤٢، و٢٠: ٣٧٣.


الصفحة 157

لعليّ(عليه السلام) ، إذ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب)(1).

١٠ــ لو كانت الخلّة أعلى مرتبة من الأخوّة كما هو مراد الرواية الثالثة، فإنّ عدم مؤاخاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر في يوم المؤاخاة ومؤاخاته لعليّ(عليه السلام) فقط دون غيره، يدلّ على أنّ أبا بكر لا يصل للخلّة أيضاً؛ لأنّها أعلى مرتبة من الأخوّة.

أمّا لو كانت الأخوّة أعلى مرتبة من الخلّة وأقرب للمماثلة بين الاثنين، فعدم حصول الخلّة لأبي بكر، تعني عدم حصول الأخوّة أيضاً.

إذاً لو صحّ ذلك الحديث، فإنّ هذا يدلّ على تناقض فيه، وهذا ما لا يمكن أن يكون في حديث لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

الحديث السادس: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:

١ــ قال المأمون عن هذا الحديث: أنّه باطل؛ لأنّكم رويتم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وضع بين يديه طائر مشوي، فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك)(2)، فكان عليّاً(عليه السلام) ، فأيّ روايتكم تقبل؟

____________

1- انظر: شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٤٨٩ الحديث ٥١٦، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٥٧، مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، للكوفي ١: ٣٨٧ الحديث ٣٠٦.

2- انظر: سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ الحديث ٣٨٠٥ أبواب المناقب، باب مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٣٠، ١٣٢، السنن الكبرى، للنسائي ٥: ١٠٧ الحديث ٨٣٩٨، خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) ، للنسائي: ٥١، مسند أبي يعلى ٧: ١٠٥ الحديث ٤٠٥٢، المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣٥٣ الحديث ٧٣٠، وغيرها.


الصفحة 158

٢ــ كيف يكون هذا الحديث صحيحاً وعائشة نفسها تروي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سُئل: من أحبّ الناس إليك؟ قال: (فاطمة)، قالوا: فمن الرجال؟ فقال: (زوجها)(1). وكان عمر يقول لفاطمة: ((والله، ما رأيت أحداً أحبّ إليَّ من رسول الله منك))(2).

٣ــ وفي (الصوارم المهرقة): ((وممّا ينادي على وضع الخبر بأعلى صوت، أنّه لا يعقل أن يسأل أحد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ الناس أحبّ إليك، فيتبادر ذهنه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس إلى النساء منهم دون الرجال، فيجيب بما نسب إليه من الجواب))(3).

الحديث السابع: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:

١ــ لا يمكن أن يكون هذا الحديث دالّا ًعلى استخلاف أبي بكر وعمر؛ لأنّكم رويتم عن ابن عمر أنّ أباه عمر قال: ((إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي، رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ))(4)، وفي حديث آخر: ((وإنّي لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف، وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف))(5).

____________

1- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٥ ــ ١٥٧، سنن الترمذي ٥: ٣٦٠ ــ ٣٦٢ الحديث (٣٩٦٠، ٤٩٦٥) أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة(عليها السلام).

2- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٥.

3- الصوارم المهرقة، للتستري: ٣٢٢ ـ١١٠ـ في الجواب عن ادّعاء ابن حجر ورود أحاديث في مدح أبي بكر.

4- صحيح البخاري ٨: ١٢٦، صحيح مسلم ٦: ٤، مسند أحمد بن حنبل ١: ٤٣، ٤٦ عن عمر، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٩٥.

5- صحيح مسلم ٦: ٥.


الصفحة 159

فهذا عمر يصرّح بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخلف أحداً.. ولمّا سأل أبو قحافة: لمَ جُعل ابنه خليفة؟ قيل له: لسنّه. ولم يقال له: أنّهم ولّوه لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) استخلفه.

والذي يدلّ على عدم النص: أنّ أبا بكر قال: ((أقيلوني أقيلوني، لست بخيركم))(1). وقول عمر: ((ألا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))(2).

وحيث سقطت دلالة الحديث على وقوع الاستخلاف، لا يبقى فيه إلّا الادّعاء من قبل عائشة، ولا حجّة فيه.

٢ــ إنّ الذي عليه مذهب أهل السُنّة، أنّ الأفضلية بعد أبي بكر وعمر هي إمّا لعثمان وإمّا لعليّ(عليه السلام) ، في حين أنّ الحديث يفضل شخصاً ثالثاً، وهو: أبو عبيدة بن الجرّاح، فلا بدّ إذاً من رفض هذا الحديث لعدم انسجامه مع ما أطبق عليه أهل السُنّة.

٣ــ إنّ ادّعاء الفضيلة إذا جاء من شخص له منفعة بهذه الفضيلة، كعائشة، فإنّه سيكون موضع اتّهام، بخلاف ما لو كان ذلك من قبل الأباعد، أو الأعداء.

____________

1- انظر: الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٣٢٠ بلفظ: (لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي)، المعجم الأوسط، للطبراني ٨: ٢٦٧ بلفظ: (لست بخيركم فبايعوا خيركم)، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٦٩ بلفظ: (أقيلوني فلست بخيركم)، وغيرها.

2- الملل والنحل، للشهرستاني ١: ٢٤ المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، شرح المقاصد، للتفتازاني ٢: ٢٩٣، الصواعق المحرقة، للهيتمي: ٣٦ الباب الأوّل، الفصل الخامس، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٦، المواقف، للإيجي ٣: ٦٠٠.


الصفحة 160

٤ــ إنّ خبر عائشة خبر آحاد، ولا يقبل مثل هذا الخبر في أمر خطير، وهو الاستخلاف.

الحديث الثامن:

١ــ لا يمكن أن يكون هذا الحديث دالّا ًعلى خلافة أبي بكر؛ لما ذكر سابقاً من قول عمر وأبي بكر الدالّ على عدم استخلاف أبي بكر.

٢ــ يحتمل أن يكون المراد بالرجوع من بعده في أمر شخصي متعلّق بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر والمرأة، ولا علاقة له بالخلافة، فكيف تعمم هذه الواقعة الجزئية إلى الرجوع في كلّ أمر دنيوي وأُخروي، الذي هو حال الخلافة؟

٣ــ إنّ قول الراوي: ((كأنّها تعني الموت))، هو من فهمه الخاص، وليس بحجّة، فيكون الرجوع إلى أبي بكر في قضية شخصية في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا علاقة لها بوفاته.

٤ــ لم يرو هذا الحديث من الصحابة إلّا جبير بن مطعم، ولم يروه عن جبير إلّا ولده محمّد، ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم، ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد.

وإذا لاحظنا هؤلاء وجدنا: أنّ جبير من الطلقاء(1)، وهو صاحب أبي بكر، تعلّم منه الأنساب وأخبار قريش(2)، وكانت عائشة تسمّى له وتذكر له قبل أن

____________

1- انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٣: ٩٥ ـ١٨ـ، أُسد الغابة، لابن الأثير ١: ٢٧١، تهذيب الكمال، للمزّي ٤: ٥٠٦ ـ٤٩٠٤ـ.

2- انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٣: ٩٧ ـ١٨ـ، الإصابة، لابن حجر ١: ٥٧١ ـ١٠٩٣ـ، أُسد الغابة، لابن الأثير ١: ٢٧١.


الصفحة 161

يتزوّجها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم(2)، وكان من بني نوفل الذين هم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والإسلام(3)، وهو أحد الخمسة الذين اقترحهم عمرو ابن العاص على أبي موسى الأشعري للمشورة في التحكيم(4), وكان مائلاً عن عليّ(عليه السلام) .

وأمّا ابنه محمّد بن جبير بن مطعم، فهو حليف بني أُميّة(5)، ولم يقاتل في جنب الإمام عليّ والحسن(عليهما السلام)، وهو ممثلاً عن وفد المدينة إلى معاوية(6).

وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُميّة على المدينة(7).

أمّا ولده إبراهيم بن سعد، فهو صاحب العود والغناء(8)، كان يعزف ويغنّي، وجاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه فوجده يغنّي فتركه وانصرف، فأقسم إبراهيم ألّا يحدّث بحديث إلّا غنّى قبله، وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد.

____________

1- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٨: ٥٨، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٤: ٢٢.

2- انظر: الاستيعاب، لابن عبد البرّ ١: ٢٣٣، سير أعلام النبلاء، للذهبي ٣: ٩٧، المعارف، لابن قتيبة: ٢٨٥.

3- انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري ٢: ٣٥٩.

4- انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٣: ٩٨.

5- انظر: أنساب الأشراف، للبلاذري ٥: ١٢٤ الحديث ٣٥٤، و٧: ٢٤٤، الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني ١٧: ١٨٨، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٢: ١٨٦.

6- انظر: فتح الباري، لابن حجر ١٣: ١٠٢ كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش.

7- انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٥: ٤١٨ ـ١٨٤ـ.

8- انظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ٦: ٨١ ــ ٨٢ ــ٣١١٩ــ.


الصفحة 162

هذا هو حال رجال ذلك السند، فهل يطمأن لذلك الحديث الذي رجاله مثل هؤلاء؟!

الحديث التاسع: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:

١ــ لا يمكن أن يدلّ هذا الحديث على خلافة أبي بكر؛ لما عرفت سابقاً من قول عمر وأبي بكر الدال على عدم الاستخلاف.

٢ــ إنّ راوية الحديث هي عائشة، وهي متّهمة في ذلك، من حيث جرّها نفعاً وشرفاً لها ولأبيها، ومن حيث عداوتها لعليّ(عليه السلام) .

٣ــ لا يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً، وإلّا تمسّك به أبو بكر في السقيفة عند منازعته الأنصار.

٤ــ إنّهم ناقشوا في حديث الغدير، وقالوا: لا يمكن أن يكون الأُولى بمعنى الولي، فكيف يصير هنا الأُولى بمعنى الولي؟!

٥ــ يجوز أن يكون قوله: (يأبى) من جملة مقول قول القائل، أي: يقول قائل: يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر، وبهذا القول تقع فتنة بين المسلمين، وحينئذ لا دلالة للحديث على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن إباء الله تعالى لخلافة غير أبي بكر، كما فهموه؛ فلا حجّة فيه أصلاً(1).

٦ــ إنّ في سند الحديث: الزهري، الذي هو من مشاهير المنحرفين عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ومن كبار المروجين للأكاذيب، ومقاصد السلاطين(2)، وفيه أيضاً: عروة بن الزبير، من أعلام أعداء آل الرسول، والمشيّدين لحكومة الغاصبين(3).

____________

1- انظر: الصوارم المهرقة، للتستري: ١٠٥ ــ ١٠٧.

2- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١٠٢ ذيل كلامه ٥٦، فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام) ، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ١٩٧ ترجمة الأعمش.

3- انظر: شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٢.


الصفحة 163

ومن ضمن رواة الحديث: إبراهيم، الذي مرّ ذكره سابقاً من كونه صاحب العود والغناء وصاحب هارون الرشيد.

٧ــ إنّ أبا بكر كان في جيش أُسامة في ذلك الوقت(1)، فكيف يدعو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر وهو يعلم بخروجه؟!

٨ــ لقد شهدت المعتزلة بأنّ هذا الحديث وضعته البكرية في مقابل الحديث المروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً)، فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله(2).

٩ــ إنّ هذا الحديث لا يصحّ صدوره عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه مروي عن عائشة، وأمر الخلافة لا يصحّ إيكاله للنساء، لارتباطها بالرجال، فأخبارهم بذلك هو المتعيّن، دون عائشة أو غيرها من النساء(3).

١٠ــ لم تعلمنا الرواية أنّه هل حصل أمر الكتابة، أم لم يحصل؟ فإذا حصل، فأين هذا الكتاب، ومن احتجّ به على خلافة أبي بكر؟! وإن لم يحصل فما الذي منع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابته بعد أن طلب استدعاء أبا بكر وابنه؟!

١١ــ ليس هناك أيَّة دلالة على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يستخلف أبا بكر؛ فما يدرينا؟! لعلّه أراد أن يكتب شيئاً لأبي بكر غير الخلافة، كأن يجعله أميراً على سرية أُسامة إن أصاب أُسامة شيء، أو لعلّه كان يريد أن يعطيه شيئاً، أو أي شيء آخر هو أولى به من غيره.

____________

1- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ١٩٠، فتح الباري، لابن حجر ٨: ١١٥، ١١٦، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٤٧٤.

2- انظر: شرح نهج البلاغة ١١: ٤٩ ذيل كلامه ٢٠٣.

3- انظر: مسائل خلافية... لعلي آل محسن: ٦٦.


الصفحة 164

١٢ــ لقد قال أبو بكر فيما هو المشهور عنه عند موته عن ثلاثة ودّ لو سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهنّ: ((وأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهنّ، فوددت أنّي كنت سألته فيمن هذا الأمر، فلا ينازعه أهله))(1). فأبو بكر يصرّح بعدم استخلافه، فكيف يدلّ هذا الحديث على استخلافه؟

الحديث العاشر: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:

١ــ إنّ راوي هذا الحديث هو أبو هريرة، الذي هو أكذب الناس على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

٢ــ إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل: أنّ أبا بكر سيدخل الجنّة، بل قال: إنّ من عمل هذا العمل يدخل الجنّة..

وبعبارة أُخرى: إنّه لم يشخص دخول أبي بكر للجنّة، وإنّما جعلها عبارة كلّية مشروطة، ومثلها الكثير من الأعمال، وبهذا لا تكون واقعة حتماً دون قيد أو شرط، وإنّما هي معلّقة على حسن الخاتمة والموت على الإيمان والصلاح.

تعليق:

« محمّد ــ مصر ــ سُنّي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أيتّخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) منه صاحباً طول عمره، ورفيقاً في هجرته، وهو بهذا السوء؟!

____________

1- انظر: المعجم الكبير، للطبراني ١: ٦٣ الحديث ٤٣ عن أبي بكر، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٧.

2- انظر: شرح نهج البلاغة ٤: ٦٧، ٦٨.


الصفحة 165

أين الوحي؟ لماذا لم يوحي الله لنبيّه بأنّه بهذه الصورة الذي تدّعونها؟! لماذا لم ينزل الله فيه قرآناً يظهر حقيقته ويحفظ الولاية منه ليتم الله أمر دينه؟

من سمّاه أبو بكر؟ ومن لقبه بالصدّيق؟ ومن تزوّج ابنته؟

أأنتم أعلم من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ؟

الله عالم الغيب ومنزل الوحي يترك رسوله هكذا دون تنبيه أو تحذير؟!

الله بقدرته يترك عترة نبيّه الطاهرة بدون حفظ؟!

والله إنّ هذا لتناقض في عقيدتكم!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: يجب أن تعلم أيّها الأخ إنّ عقيدتنا بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم كلّ شيء إلّا ما خرج بدليل، كما استثنى الله تعالى معرفته ببعض المنافقين من أهل المدينة لاقتضاء المصلحة في إخفاء أمرهم عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولحكمة إلهية ما، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم(1), فقد يكون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم جيّداً حال أبي بكر، ولم يتصرّف معه بمثل ما ذكرت عنه إلّا لأجل حاله ليتألّفه، أو يقيم عليه الحجّة، أو يأمنه.

ثانياً: وكذلك يجب أن تعلم أيّها الأخ بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث رحمة للعالمين ومبشّراً، وعلى خلق عظيم، فلا يطرد أحداً، ولا يغضب بوجه أحد إلّا

____________

1- التوبة ٩: ١٠١.


الصفحة 166

لله تعالى, ولذلك روي بأنّ أحد الصحابة زار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخبروا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، فقال عنه: (بئس أخو العشيرة)، فلمّا خرج له انبسط له في الكلام وضحك في وجهه، فغضبت عائشة من ذلك وأنكرته على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لها: (يا عائشة! متى عهدتني فحاشاً، إنّ شرّ الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شرّه)(1).

ثالثاً: من قال لك بأنّ أبا بكر صاحب رسول الله منذ صغره، وطوال عمره؟

ومن قال بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اتّخذه رفيقاً في هجرته؟ لو نظرت جيّداً لروايات هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لرأيت أنّ أبا بكر لم يكن يعلم بخروج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى ذهب إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال لعليّ(عليه السلام) وهو نائم في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): يا نبيّ الله! فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. رواه الحاكم وصحّحه(2)، ووافقه الذهبي(3)، وأخرجه الهيثمي، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج، وهو ثقة، وفيه لين(4)، وحسّنه الألباني(5).

ثمّ حينما أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الهجرة عرض عليه أبو بكر إحدى راحلتيه (الناقة) ليهاجر عليها، فأبى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذها إلّا بالثمن.. وقد روى ذلك البخاري في عدّة

____________

1- صحيح البخاري ٧: ٨١، و٨٦، و١٠٢، صحيح مسلم ٨: ٢١، و٢٢.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٣ فضائل عليّ بن أبي طالب.

3- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٤ الحديث ٤٧١٠ كتاب معرفة الصحابة، ذكر إسلام عليّ.

4- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٢٠ كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) ، باب النظر إليه.

5- الأحاديث الضعيفة ١: ١٩٩ الحديث ٨٦، إرواء الغليل ٧: ٥١ الحديث ١٩٩٤.


الصفحة 167

مواضع من صحيحه، فراجع قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلفظ: قد أخذتها بالثمن(1)، وبلفظ: بالثمن(2).

وقال ابن حجر في (فتح الباري): ((زاد ابن إسحاق: قال ــ (صلى الله عليه وآله وسلم) ــ : (لا أركب بعيراً ليس هو لي)، قال: فهو لك، قال: (لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به)، قال: أخذتها بكذا وكذا، قال: (أخذتها بذلك)، قال: هي لك))، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: ((فقال: (بثمنها يا أبا بكر)، فقال: بثمنها إن شئت))(3).

فلا ندري لماذا لم يتقبّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنفاق أبي بكر عليه، كما يزعمون بأنّه أَمَنَّ الناس على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في ماله!! وفي هذا الموقف المحرج لم يأخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) راحلة من أبي بكر ليهاجر بها إلا بالثمن؟!

فمن ينظر بعين الإنصاف إلى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر دون أن يُعلِم أبا بكر، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل منه الراحلة التي يهاجر عليها إلّا بالشراء والثمن، مع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له ونهيه له عن الخوف: ﴿لاَ تَحْزَنْ، دون مدحه على ذلك الموقف، ونزول آية الغار بإثبات السكينة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دونه ــ مع أنّ الآيات الأُخرى في مواقف غيره من الصحابة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد مدحها الله تعالى وأشركهم بإنزال السكينة على المؤمنين منهم مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ فيتّضح له عدم أهمّية مواقف أبي بكر في الهجرة، وعدم مدحه، وعدم اختياره من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما يستشف من أكثر الروايات أنّ أبا بكر هو من أراد وطلب المصاحبة والهجرة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينه أحداً يوماً من

____________

1- صحيح البخاري ٣: ٢٤.

2- صحيح البخاري ٤: ٢٥٥، و٧: ٣٩.

3- فتح الباري ٧: ١٨٣، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم).


الصفحة 168

شيء، ولم يردّ سائلاً، ولم يكسر قلب أحد، ولم يخيب رغبة وأمل أحد كائناً من كان، ما دام ذلك في غير معصية الله تعالى.

هذا كلّه عن كلامك وزعمك بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) اتّخذ منه صاحباً طول عمره ورفيقاً في هجرته!!

رابعاً: أمّا طلبك بأن ينزل الله تعالى آية فيه ليظهر حقيقته، ويحفظ الولاية منه، ليتم الله أمر دينه!

فنقول: هذا لا يلزم قطعاً؛ فكم من عدوّ لله ورسوله ودينه لم يذكره القرآن الكريم، سواءً لوضوحه، أو مع عدم وضوحه، وإنّما ذكر القرآن الكريم مواصفاتٍ لأعداء الله تعالى وللعصاة، وما إلى ذلك.. فذكر صفات المنافقين ومرضى القلوب، وأعمالهم ومخطّطاتهم، وذكر الفارّين من ساحات القتال، وذكر المرجفين، وذكر المغرورين، وذكر المرائين والمتكبّرين، وأهل الدنيا، والفاسقين، وغير المؤمنين، وغير المخلصين, كصفاتهم وكيفية تفكيرهم، وحذّرهم وحذّر منهم، وما ذكر غير أبي لهب مثلاً بالاسم مع وجود المئات، بل أكثر، من رؤوس الكفر والنفاق والكثير من المشركين وأعداء الدين.

ولم يذكر من أراد اغتيال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كالمنافقين الاثني عشر(1)، وغيرهم، مع أهمّية ذكر هؤلاء الأعداء، أو تحذير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين منهم.. وكذلك لم يخبر الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجود سمٍّ في الفخذ الذي أهدته إليه اليهودية(2).. ولم يخبره الله

____________

1- انظر: صحيح مسلم ٨: ١٢٢، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٣٩٠ عن حذيفة بن اليمان، السنن الكبرى، للبيهقي ٨: ١٩٨.

2- انظر: سنن الدارمي ١: ٣٢، ٣٣، سنن أبي داود ٢: ٣٦٩ الحديث ٤٥٠٨، ٤٥١٢ كتاب الديّات، باب ٦ المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٣١٩، و٤: ١٠٩.


الصفحة 169

تعالى بكيفية النصر على الأعداء من الخطط، أو على الأقلّ ما يفكّر به الأعداء وما يخطّطون له، وما يريدون فعله معه، كما فعل خالد في أحد، وما لحق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأذى بسببه(1)، أو بسبب عبد الله بن أُبيّ بن سلول(2)، أو اليهودية...

وبالتالي فإنّ الله تعالى يحافظ على دينه ونبيّه بالأسباب والمسبّبات الطبيعية عادة, هذا هو الأصل.. إلّا ما خرج بدليل يدلّ على الإعجاز والتدخّل الإلهي وما إلى ذلك.

والإمامة، كالتوحيد والنبوة، آمن بها بعض وكفر بعض، حيث لا إكراه في الدين؛ فقد أقام سبحانه وتعالى الحجج، وأمر الناس بالاتّباع والطاعة لأوامره، والناس مخيّرون، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.

فالله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلّغا وأمرا بالإمامة، وبيّنا ذلك حقّ البيان، وأحسن البلاغ، ويبقى الإيمان والتطبيق للمكلّفين وعليهم وليس على الله تعالى.

خامساً: أمّا اعتراضك علينا بقولك: من سمّاه أبا بكر؟ ومن لقّبه بالصدّيق؟

فنقول لك:

١ــ لم يصحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سمّاه الصدّيق.

٢ــ وجود الاختلاف في سبب تسميته بذلك، وتسمية الناس له الصدّيق.

٣ــ عدم الاستدلال بذلك وذكره في السقيفة، أو في خلاف أبي بكر مع الزهراء(سلام الله عليها)، وعمر مع أمير المؤمنين(عليه السلام) ، مع حاجتهم الماسّة لذلك.

٤ــ مخالفته للأحاديث التي تذكر أنّ عليّاً هو الصدّيق، وليس غيره، كقول عليّ(عليه السلام) : (إنّي عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا

____________

1- انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ٤٧.

2- انظر: أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٢٧٤، صحيح البخاري ٢: ٧٦، و٥: ٢٠٦، و٧: ٣٦.


الصفحة 170

كذّاب، صليت قبل الناس بسبع سنين)، أخرجه الحاكم(1)، وابن ماجة(2)، وقال البوصيري: ((هذا إسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقات))(3).

وكذلك بيان عليّ(عليه السلام) للناس وإصراره مراراً وتكراراً بأنّه (عليه السلام) سبق أبا بكر بالإيمان، والصلاة لسنين، وموقفه الواضح والمعروف منه وتصدّيه له وللقَبَه المغصوب, وإلّا لما افتخر بذلك (عليه السلام) على رؤوس الأشهاد.

سادساً: وأمّا قولك: من تزوّج ابنته؟!

فنقول: ما هذه الأقيسة والموازين العجيبة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

فحينما تزوّج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّ حبيبة، ابنة أبي سفيان(4)، وكان كافراً، هل تستطيع تنزيهه ومدحه لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تزوّج بابنته؟!

وملك اليمين مثل مارية القبطية النصرانية(5)، وصفية بنت حيي اليهودية(6)، هل لأهلها وسادتها فخر وفضل علينا لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اقترن بإمائهم وبناتهم؟!

سابعاً: وأمّا قولك: أأنتم أعلم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

فنقول: لا والله! أين الثرى من الثريا؟! فنحن نتعلّم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحاول أخذ الدين عنه، وكذلك نعرف به حقائق من حوله من المؤمنين والمنافقين

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٢.

2- سنن ابن ماجة ١: ٤٤ الحديث ١٢٠، باب ١١ فضل عليّ بن أبي طالب.

3- مصباح الزجاجة ١: ٢٠ الحديث ٤٩ كتاب اتّباع السُنّة، باب فضل عليّ بن أبي طالب.

4- انظر: أُسد الغابة، لابن الأثير ١: ٣٣.

5- انظر: أُسد الغابة ٥: ٥٤٣.

6- انظر: أُسد الغابة ٥: ٤٩٠.


الصفحة 171

والفاسقين، ونحاول أن نقلّده، فنرضى ونترضّى عمّن هو راضٍ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحاول البراءة ممّن تبرّأ منه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتأذّى منه، أو خاف على الأُمّة منه! ولا ندّعي غير ذلك.

ثامناً: وأمّا قولك: الله عالم الغيب ومنزل الوحي يترك رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا دون تنبيه، أو تحذير؟!

فنقول: قد قدّمنا الكلام حول هذه المفردة.

ونقول أيضاً: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد يكون عالماً بحال هؤلاء، وهو الراجح، وقد يكون الله تعالى أخفى عنه أمرهم وأفعالهم وعقيدتهم لحكمة وغرض إلهي، لكي يتم الاختبار والابتلاء والفتن، وهذا الاحتمال ضعيف جدّاً، خصوصاً فيمن هم مورد كلامنا, فكثير من النصوص والقرائن تثبت الاحتمال الأوّل، وأنّ الله تعالى كشفهم وكشف أمرهم لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعمل على التصدّي لهم بكلّ ما أُوتي من قوّة، ولكن بما هو مشروع ولائق به(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في حديث الصحابي الذي استاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منه، وقال عنه: (بئس أخو العشيرة)(1)، ولكنّه حينما خرج له ضحك في وجهه وتبسّم له وانشرح في الكلام معه.

وما يثبت أنّ أمر هؤلاء كان معلوماً للنبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، إصرار عمر على حذيفة وسؤاله(2) ليخبره: هل أنّه من المنافقين، الذين استأمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حذيفة على

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٨ عن عائشة، صحيح البخاري ٧: ٨١، ٨٦، ١٠٢.

2- انظر: المحلّى، لابن حزم ١١: ٢٢٢، فتح الملك العلي، لأحمد بن الصديق المغربي :١٢٤، الإكمال في أسماء الرجال، للتبريزي: ٤٢، ١٢١، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١: ٣٦٩ الحديث ١٦٢٢، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٢: ٢٧٦، و٤٤: ٣٠٧، جامع البيان، للطبري ١١: ١٦، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢: ٣٩٩.


الصفحة 172

أسمائهم، وهم الاثنا عشر الذين حاولوا اغتياله(1)، وأخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حذيفة بهم، وكان حذيفة يسمّى لذلك: حافظ سرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المنافقين(2).

وإلّا فقل لنا بربّك: لماذا هذا الإصرار من عمر والإلحاح على حذيفة بأن يكشف ويفشي سرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) له؟!! إلّا الشكّ الواضح والكبير في انكشاف أمره لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإخبار الله تعالى لنبيّه عمّن فعلوا ذلك.

تاسعاً: وأمّا ختمك بقولك: الله بقدرته يترك عترة نبيّه الطاهرة بدون حفظ؟!

فنقول: إنّ سُنّة الله تعالى في أنبيائه وشرائعه إيكال أمرهم وما وقع عليهم في الدنيا إلى الأسباب الطبيعية، إلّا بما يقتضي المعجزة في الإنجاء من الكافرين، أو الحفظ بسبب معجز، وهذا لا يخرج إلّا بالدليل، كما فعل تعالى مع إبراهيم(عليه السلام) بالنسبة للنار، وكذلك مع موسى(عليه السلام) في شقّ البحر له، وكذلك مع عيسى(عليه السلام) حين رفعه إلى السماء، وشبّه لهم يهوذا الإسخربوطي(3) الذي دلّهم عليه بصورته فقتلوه بدلاً عنه، وما تعهد تعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر حياته لتبليغ ولاية عليّ(عليه السلام) ، بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(4)، وأمّا سوى

____________

1- انظر: المغازي، للواقدي ٢: ١٠٤٢، إمتاع الأسماع، للمقريزي ٢: ٧٤، و٥: ٣٢٤، دلائل النبوّة، للبيهقي ٥: ٢٥٧.

2- انظر: صحيح البخاري ٤: ٢١٥، سنن الترمذي ٥: ٣٣٩ الحديث ٣٨٩٩ أبواب المناقب، باب مناقب عبد الله بن مسعود، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٣٩٢، و٤: ٤٢٦.

3- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم ٢: ٢٢.

4- المائدة ٥: ٦٧.


الصفحة 173

ذلك حتّى لهؤلاء الأنبياء والرسل(عليهم السلام)، وأوصيائهم وأوليائهم وحواريّيهم فهو موكول للأسباب الطبيعية، مع لطف الله تعالى وعنايته بالمؤمنين عموماً، ومعيّته ونصره لهم، ودفاعه عنهم.

ولا ندري ما دخل حفظ العترة الطاهرة بأبي بكر؟! إلّا أن يكون قصدكم أمر الخلافة، أو إرث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كليهما.

فالأمر هنا كالأمر الإلهي بعدم جواز اتّخاذ غير الإسلام ديناً، ولكن آمن من آمن واتّبع الإسلام، وكفر من كفر وخالف واتّبع غير الإسلام.

وكذلك الأمر الإلهي لكلّ عباده بعبادته، فيعبده البعض ولا يعبده البعض الآخر، وكذلك أمره تعالى للناس بالصلاة والزكاة والصوم والحجّ والصدق والأمانة، وعدم الاعتداء وعدم القتل وعدم الغيبة والنميمة ووو.. ولكن ائتمر من ائتمر، وعصى من عصى؛ لأنّ الله تعالى قرّر أنّه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(1).

(ردّ حديث سؤال الله لأبي بكر: أراض عنّي في فقرك...!!)

« عماد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ذكر ابن الجوزي: أنّ جبرائيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان بجانبه أبو بكر يرتدي عباءة قديمة, فقال جبرائيل(عليه السلام) للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله عزّ وجلّ

____________

1- البقرة ٢: ٢٥٦.


الصفحة 174

يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل لأبي بكر أراض عنّي في فقرك هذا أم ساخط, فقال أبو بكر: أأسخط عن ربّي! إنّي عن ربّي راضي.

أرجو أن تذكروا الكتب التي ذكرت هذا الحديث الذي يفترى به على الله والوحي والرسول.

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ذكر هذا الحديث بمضامين تختلف بعضها عن بعض في بعض الفقرات.

فقد ذكره ابن شاهين (ت٣٨٥هـ) في (شرح مذاهب أهل السُنّة)(1)، وابن سمعون الواعظ (ت٣٨٧هـ)(2) في أماليه، وابن حزم في (المحلّى)(3)، والواحدي في (أسباب النزول)(4)، والثعلبي في تفسيره(5)، والسمعاني في تفسيره(6)، والبغوي في تفسيره(7).. وغيرهم، وأخرجه ابن كثير في تفسيره عن طريق البغوي، وقال: ((هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه))(8).

____________

1- شرح مذاهب أهل السُنّة: ١٧٣ الحديث ١٢٤.

2- أمالي بن سمعون الواعظ: ١٦٦ الحديث ١٣٢.

3- المحلّى ٩: ١٣٩ الحديث ١٦٣١.

4- أسباب النزول: ٢٧٢ سورة الحديد.

5- تفسير الثعلبي ٩: ٢٣٦ سورة الحديد.

6- تفسير السمعاني ٥: ٣٦٧ سورة الحديد.

7- تفسير البغوي ٤: ٢٩٥ سورة الحديد.

8- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٤: ٣٢٩ سورة الحديد.


الصفحة 175

وفي سنده العلاء بن عمرو، قال عنه ابن حبّان: ((شيخ يروى عن أبي إسحاق الفزاري العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال))، ثمّ أورد الرواية المعنية عنه(1).

وكذّب الذهبي الحديث في (ميزان الاعتدال)(2)، وقال عنه الهيتمي: ((وسنده غريب ضعيف جدّاً))(3).

وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق محمّد بن بابشاذ(4)، صاحب الطامّات(5).

وأخرجه قوام السُنّة في (الحجّة في بيان المحجّة)(6)، عن ابن مردويه بطريقين، في الأوّل: العلاء بن عمرو، وقد عرفت حاله، وفي الثاني: سهل بن صقير، اتّهمه الخطيب بالوضع(7).

وأخرج ابن المقري (ت٣٨١هـ) في معجمه(8) عن طريق الحسن بن حسين الأسواري، وهو مهمل لم يترجمه أحمد.

وأخـــــــرجه أبو نعيم (ت٤٣٠هـ) في (فضائل الصحابة)(9)، و(حليــــة الأوليــــــاء)(10)،

____________

1- المجروحين ٢: ١٨٥ العلاء بن عمرو.

2- ميزان الاعتدال ٣: ١٠٣ ـ٥٧٣٧ـ، لسان الميزان، لابن حجر ٤: ١٨٥ ـ٤٨٦ـ.

3- الصواعق المحرقة: ٧٥ الباب الثالث: الفصل الثاني في ذكر خصائص أبي بكر.

4- تاريخ بغداد ٢: ١٠٥ ترجمة محمّد بن بابشاذ.

5- انظر: الغدير، للأميني ٥: ٣٢١ الحديث ٦٥ سلسلة الموضوعات في الفضائل وهي مائة حديث.

6- الحجّة في بيان المحجّة ٢: ٣٤٨ الحديث ٣٠٧.

7- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٢٢٣ ـ٤٤٧ـ.

8- معجم ابن المقري: ٨٢ الحديث ١٦٦.

9- فضائل الخلفاء: ٧٤ الحديث ٦٣.

10- حلية الأولياء ٧: ١١٥ الحديث ٩٨٤٥ ترجمة سفيان الثوري.


الصفحة 176

بطريقين، في الأوّل حسن بن حسين الأسواري، وفي الثاني العلاء بن عمرو.

وأخرجه المتّقي الهندي في (كنز العمّال)، نقلاً عن أبي نعيم في (فضائل الصحابة)(1).

وقال السيوطي بعد أن أورد الحديث عن ابن شاهين في (السُنّة)، والبغوي في تفسيره، وابن عساكر عن ابن عمر: ((غريب وسنده ضعيف جدّاً. وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، وابن مسعود مثله، وسندهما ضعيف أيضاً. وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عبّاس. وأخرج الخطيب بسند واه أيضاً عن ابن عبّاس(رضي الله عنها)، عن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، قال: (هبط علَيَّ جبريل(عليه السلام) وعليه طنفسة وهو متخلّل بها، فقلت له: يا جبريل! ما هذا؟ قال: إنّ الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلّل في السماء كتخلّل أبي بكر في الأرض)، قال ابن كثير: وهذا منكر جدّاً، وقال: ولولا أنّ هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى))(2).

وقد ردّ العلّامة التستري في (الصوارم المهرقة) هذا الحديث، بالقول: ((هذا من غرائب موضوعاتهم! وذلك من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّه أوّل راويه ابن عمر الذي سمعت منّا القدح فيه سابقاً، وأنّ أبا حنيفة لم يعمل بحديثه أبداً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ بعد هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وقبل فتح مكّة، قد فتح الله تعالى عليه وعلى أصحابه من غنائم الكفّار وبلدانهم ما أزال فقرهم، فكان

____________

1- كنز العمّال ١٢: ٥٠٥.

2- تاريخ الخلفاء: ٤٤ الخلفية الأوّل: أبو بكر الصدّيق، إنفاقه وبيان أنّه أجود الصحابة.


الصفحة 177

لبس أبي بكر للعباء المبتذل المذكور للرزق والتلبيس لا للفقر، فلا وجه لسؤال الحكيم الخبير وجه فقره إلى لبس تلك العباءة عنه.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ ما نسبه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: أنفق ماله علَيَّ قبل الفتح، مردود بما ذكرنا سابقاً من اتّفاق أهل الأثر على أنّ أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج إلى مواساة الأنصار في المال والدار، فمن أين حصل له المال الذي أنفقه على سيّد الأبرار؟! وممّا نقلنا عن البكري المصري: من أنّ أبا بكر لم يكن في زمان سافر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي طالب(رضي الله عنه) إلى الشام بحال من يملك، ولا ملك بلالاً إلّا بعد ثلاثين سنة؛ فافهم!

وأمّا رابعاً: فلأنّه لا يعقل ما تضمّنه الحديث من سؤال الله تعالى عن رضى عبده عنه، ولو فرضنا أنّ العبد قال لربّه: إنّي لست براض عنك، هل كان جوابه غير أن يقول له: فاخرج عن أرضي وسمائي بالسرعة والبدار؟ وهل كان علاجه غير أن يدقّ رأسه على الجدار؟))(1).

(رواية تكلّم الله سبحانه بصوت أبي بكر)

« أسد حيدر ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

____________

1- الصوارم المهرقة: ٣٣٢ ــ ٣٣٣ في الجواب عن الأحداث التي ادّعى ابن حجر ورودها في مدح أبي بكر.


الصفحة 178

في بعض مصادر أبناء العامّة، رواية عن ابن عبّاس: بأنّ الله كلّم النبيّ الأكرم أبا القاسم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بلغة كلغة أبي بكر.

أرجو منكم بيان مدى مصداقية هذه الرواية، ومواضع الضعف فيها؟

لكم فائق الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ أن نبيّن أوّلاً: إنّ ما سألت عنه هو جزء من قصّة منمّقة مسبوكة طويلة لمعراج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عبّاس، فيها من الأوهام والخيال ما لا يصدّقه مسلم عاقل، ولا يمكن أن يتما إلّا في ذهن من عاش الحضر وأبعد ما يكون عن حياة العرب والمسلمين الأوائل.

وثانياً: إنّا لم نجد لهذا الخبر والقصّة أثر في كتب |أهل الحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، مع التدقيق في البحث والتفحّص.

وأوّل من ذكره على ما وجدنا أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي (توفّي في حدود ٥٢٠ هـ) في كتابه (شفاء الصدور/مخطوط)، ذكر ذلك القسطلاني (ت٩٢٣هـ) في (المواهب اللدنّية)، نقلاً عن أبي الحسن بن غالب.

قال القسطلاني: ((وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلّم فيه على أحاديث الحجب السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب، وعزاها لأبي الربيع بن سبع في شفاء الصدور من حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد في الأُمّهات: أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ربّي، إلى أن انتهى إلى مقام ثمّ وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل! في مثل هذا المقام يترك الخليل


الصفحة 179

خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبيّ(صلى الله عليه وسلم) : يا جبريل! هل لك من حاجة؟ قال: يا محمّد! سل الله أن أبسط جناحي على الصراط لأُمّتك حتّى يجوزوا عليه، قال النبيّ(صلى الله عليه وسلم) : ثمّ زجّ بي في النور زجّاً، فخرق بي إلى السبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه حجاباً، وانقطع عنّي حسّ كلّ إنسي وملك، فلحقني عند ذلك استيحاش، فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إنّ ربّك يصلّي، فبينا أنا أتفكّر في ذلك فأقول: هل سبقني أبو بكر؟ فإذا النداء من العلي الأعلى، أدن يا خير البرية، أدن يا محمّد، أدن يا محمّد، ليدن الحبيب، فأدنانى ربّي حتّى كنت كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى _ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى(1).

قال: وسألني ربّي؟ فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين كتفي ــ بلا تكييف ولا تحديد ــ فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأوّلين والآخرين، وعلّمني علوماً شتّى، فعلم أخذ عليَّ كتمانه إذ علم أنّه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيّرني فيه، وعلّمني القرآن فكان جبريل(عليه السلام) يذكّرني به، وعلم أمرني بتبليغه إلى العامّ والخاصّ من أُمّتي. ولقد عاجلت جبريل(عليه السلام) في آية نزل بها عليَّ، فعاتبني ربّي، وأنزل عليَّ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً(2).

ثمّ قلت: اللّهمّ، إنّه لمّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك سمعت منادياً ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر، فقال لي: قف إنّ ربّك يصلّي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى المقام؟ وإنّ ربّي لغنيّ عن أن يصلّي، فقال تعالى: أنا الغنيّ عن أن

____________

1- النجم ٥٣: ٨، ٩.

2- طه ٢٠: ١١٤.


الصفحة 180

أصلّي لأحد، وإنّما أقول: سبحاني سبحاني، سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمّد: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً(1)، فصلاتي رحمة لك ولأُمّتك، وأمّا أمر صاحبك يا محمّد، فإنّ أخاك موسى كان أُنسه بالعصا، فلمّا أردنا كلامه قلنا: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى _ قَالَ هِيَ عَصَايَ(2)، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة. وكذلك أنت يا محمّد، لمّا كان أنسك بصاحبك أبي بكر، وأنّك خلقت أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا والآخرة، خلقنا ملكاً على صورته، يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش، فلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك...)).

ثمّ ذكر حديثاً آخر، وقال في آخره: ((رواه والذي قبله في كتاب (شفاء الصدور)، كما ذكره ابن غالب، والعهدة عليه في ذلك))(3).

والحديث ظاهر في أنّه من مخترعات الصوفية، مرسل لا سند له ولا أصل، مملوءاً من جنس خيالاتهم واصطلاحاتهم، ونُسج على سبك ونوع كلامهم في كتبهم، وتعاقب على نقله صوفي أو من له هوى صوفي عن مثله، ولم يخرج عنهم إلى غيرهم، وأغلب الظنّ أنّه جاءتنا به رياح صوفية المغرب الإسلامي، فأبو الربيع بن سبع السبتي من سبتة، وأبو الحسن بن غالب من المغرب الأقصى(4).

____________

1- الأحزاب ٣٣: ٤٣.

2- طه ٢٠: ١٧، ١٨.

3- المواهب اللدنّية بالمنح المحمّدية ٢: ٤٨٢ المقصد الخامس: الإسراء والمعراج.

4- سير أعلام النبلاء، للذهبي ٢٢: ١٢ ـ٥ـ ترجمة القصري.


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية