المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210)

قال الزرقاني (ت١١٢٢هـ) في (شرح المواهب) في بداية شرحه لحديث ابن عبّاس هذا: ((وظاهره أن ابن عبّاس رواه بلا واسطة وليس كذلك، فالمنقول عن ابن غالب، عن ابن سبع، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ: (سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبريل ولا ميكائيل، أعلمني رسول الله ممّا علمه ليلة الإسراء، قال: علّمني ربّي علوماً شتّى...)).

إلى أن قال: ((فلمّا كانت ليلة الإسراء بعد أن بعثني الله أتاني جبريل وكان السفير...) الحديث)).

ثمّ قال الزرقاني في نهاية شرحه: قال الشامي بعد نقل كلام المصنّف هذا: ((وهو كذب بلا شكّ انتهى، والعجب من النعماني حيث أورد الروايتين بطولهما ساكتاً عليهما، قائلاً: ولا يستبعد وقوع هذا كلّه في بعض ليلة!!!))(1).

وقد عدّه الشامي في كتابه (الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيّد أهل الدنيا والآخرة) من الأحاديث الموضوعة، كما نقل ذلك عنه محمّد بن علوي المالكي(2).

وقد علّق ابن علوي على بطلان هذا الحديث بقوله: ((وهذه القصّة المنسوبة لابن عبّاس لا يشكّ عاقل في بطلان أكثر ما جاء فيها))، ثمّ ذكر أهمّ أدلّته على ذلك من ناحية السند، وأنّه ليس لهذه القصّة أيّ سند صحيح، أو غير صحيح، ومن ناحية الأفكار والمعاني، ومن ناحية الأُسلوب، ووجود عبارات تدلّ على واضع القصّة(3).

____________

1- شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية ٨: ١٩٤، ٢٠٠ المقصد الخامس.

2- انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى)، لمحمّد المالكي: ٢٩٠ الأحاديث الباطلة والموضوعة في هذا الباب.

3- انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى): ٢٥٦ قصص المعراج المتداولة.


الصفحة 182

وذكر الخبر أيضاً علاء الدين محمّد بن عبد الرحمن البخاري (ت٥٤٦هـ) في التفسير العلائي، نقله عنه صاحب (نزهة المجالس ومنتخب النفائس) عبد الرحمن ابن عبد السلام الصفوري (ت٨٩٤هـ) في ضمن سرده لقصّة المعراج المذكورة عن العلاء المذكور(1).

ومحلّ الشاهد: قوله: ((قال النبيّ(صلى الله عليه وسلم) : ثمّ زجّني في النور زجّة خرقت سبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه الآخر، ونادى مناد بلغة أبي بكر: قف فإنّ ربّك يصلّي عليك، فتعجّبت من لغة أبي بكر! وقلت: هل سبقني صاحبي أبو بكر؟ وتعجّبت من صلاة ربّي...))(2).

وظاهر عبارة ما أوردناه من هذه القصّة، أنّ التكلّم بلغة أبي بكر كان على لسان ملك من الملائكة، ولكن لحق العبارة بعض التزويق عند آخرين من الصوفية، فصار ظاهرها يحتمل أنّ المتكلّم هو الله تعالى، كما في (الفتوحات المكّية) لابن عربي (ت٦٣٨هـ) في عدّة مواضع(3)، و(العهود المحمّدية)(4) للشعراني (ت٩٧٣هـ)، وقد نقل صاحب (السيرة الحلبية) علي الحلبي (ت١٠٤٤هـ) أجزاء من هذه القصّة وشرحها على طول الصفحات(5)، ولكنّه لم يشر إلى مصدرها وعبارة ما نقله عبارة القسطلاني في (المواهب اللدنية).

____________

1- نزهة المجالس ومنتخب النفائس ٢: ٩٥ ــ ١٢٦، باب قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا)، فصل في المعراج.

2- نزهة المجالس ومنتخب النفائس ٢: ١١٧، فصل في المعراج.

3- الفتوحات المكّية ١: ٨٤ الباب الثاني، و٣: ٤٥ الباب السابع عشر وثلاثمائة، و٣: ٣٤٢ الباب السابع والستّون والثلاثمائة.

4- العهود المحمّدية: ٦٨٤ النهي عن التهاون بصلاة الجماعة.

5- السيرة الحلبية ٢: ١٢٩، باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس.


الصفحة 183

ونقل الشيخ إبراهيم بن عامر العبيدي المالكي (ت١٠٩١هـ) المقطع الخاص بتكلّم المنادي بلغة أبي بكر من هذه القصّة على نحو البلاغ في كتابه (عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق)، فقال: ((وبلغنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله صوت أبي بكر، فاطمأنّ قلبه واستأنس بصوت صاحبه، وهذه كرامة للصدّيق انفرد بها))(1)، وفي كلامه إيحاء أنّ النداء كان من الله على خلاف ما أوردناه في أصل القصّة. وقد تصفّحنا هذا الكتاب فوجدناه مملوء بالسفاسف والأوهام والموضوعات وخيالات الصوفية.

وقد علّق الشيخ الأميني(رحمه الله) في كتابه (الغدير) بعد أن عدّ ما أورده العبيدي المالكي في الموضوعات بقوله: ((أبو بكر في قاب قوسين: بلغنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى، أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله تعالى بصوت أبي بكر(رضي الله عنه)، فاطمأنّ قلبه استأنس بصوت صاحبه. ذكره العبيدي المالكي في (عمدة التحقيق ص ١٥٤)، فقال: هذه كرامة للصدّيق انفرد بها(رضي الله عنه).

قال الأميني: لماذا تلك الوحشة؟ ولماذا ذلك الأُنس؟ وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في ساحة القدس الربوبي, وكان لا يأنس إلّا بالله, وكانت نفسه القدسية في كلّ آناته منعطفة إليها، فهل هو يستوحش إذا حصل فيها؟! وهي أزلف مباءة إلى المولى سبحانه لا تقل غيره. حتّى إنّ جبرئيل الأمين انكفئ عنها، فقال: إن تجاوزت احترقت بالنار.

لمّا جذبه الله تعالى إليها وحفّته قداسة إلهية، تركته مستعدّاً لتلقّي الفيض الأقدس, وهل هناك وحشة لمثله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسكّنها صوت أبي بكر؟! وهل كانت

____________

1- عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق، بهامش كتاب روضة الرياحين في حكايات الصالحين، لليافعي: ١٥٨ ط الحلبي ١٣٠٧هـ.


الصفحة 184

له(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في مقام الفناء لفتة إلى غيره، جلّت عظمته حتّى يأنس بصوته؟ لا ها الله, وما كان قلب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقل غيره سبحانه، فهو مستأنس به ومطمئنّ بآلائه, فلا مدخل فيه لأيّ أحد يطمئنّ به, ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ(1), ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ(2), ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى _ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى _ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى _ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى _ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى _ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى _ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى _ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى _ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(3), ولم تبرح نفسه الكريمة مطمئنّة ببارئها، حتّى خوطب بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ _ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(4).

هذا مبلغ الرواية من نفس الأمر، لكن الغلوّ في الفضائل آثر أن يعدّوها من فضائل الخليفة، وإن كانت مقطوعة عن الإسناد))(5).

(ادّعاء كونه من مؤسّسي مسجد قباء)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

حدث هناك نقاش غريب بين بعض الموالين وبعض المخالفين:

____________

1- الأحزاب ٣٣: ٤.

2- التكوير ٨١: ٢٣.

3- النجم ٥٣: ١٠ ــ ١٨.

4- الفجر ٨٩: ٢٧ ــ ٢٨.

5- الغدير ٧: ٢٩٣ أبو بكر في قاب قوسين.


الصفحة 185

فقال أحد المخالفين ما معناه: إنّ أبا بكر كان من المؤسّسين لمسجد قباء، أو هكذا فهمت من كلامه, كونه كان على حدّ زعمه يصلّي في موضع من مسجد قباء قبل بنائه مع جماعة من الصحابة بإمامة سالم مولى حذيفة، أو غيره قبل بناء المسجد.. الحقيقة لا أتذكّر تفاصيل الكلام على وجه الدقّة, فقال مستشهداً بهذه الحادثة: بأنّ أبا بكر كان من المؤسّسين والمصلّين في موضع مسجد قباء المبارك قبل بنائه, وهو إذاً من المشمولين بهذه الآية الكريمة: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ(1)، فهو من الرجال الذين يحبّون أن يتطهّروا, والله يُحبّ المطهِّرين, وهذا المسجد بني على أساس التقوى.

أي بهذا يريد أن يثبت فضل أبي بكر الذي لا يثبت له فضلاً!

فما هو الجواب العلمي الدقيق على ما أثاره هذا المخالف؟

أرجو التفصيل أيضاً ببيان تأريخ هذا المسجد المبارك؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: إن صحّ هذا الاستدلال، فنتيجته تكون هدم لأساس ما بني عليه خلافة أبي بكر عند أهل السُنّة!

فبما أنّ هذه الأخبار وردت في صحاح أهل السُنّة، والتي دلّت على أنّ أبا بكر كان يصلّي في المدينة في مسجد قباء خلف سالم مولى أبي حذيفة،

____________

1- التوبة ٩: ١٠٨.


الصفحة 186

هو وعمر وآخرون، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هاجر بعد كما في (صحيح البخاري)(1)، وبالتالي فلا يكون هو المقصود من قوله تبارك وتعالى: ﴿ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ(2)، هذا أوّلاً.

ثانياً: قد ورد أيضاً بعدّة طرق أنّ المقصود بـ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى، هو مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

ثالثاً: إنّ مسجد قباء بناه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين أقام في قباء منتظراً قدوم عليّ(عليه السلام) من مكّة قبل دخوله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة(4)، وروي أنّه كان بإشارة من عمّار بن ياسر(5)، ولم

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٧٠ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، ٨: ١١٥ كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم.

2- التوبة ٩: ١٠٨.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ٨، ٢٣، ٢٤، ٨٩، ٩١ مسند أبي سعيد الخدري، و٥: ١١٦ حديث سهل بن سعد عن أُبيّ بن كعب، و٥: ٣٣١ ــ ٣٣٥ حديث أبي مالك سهل بن سعد الساعدي، صحيح مسلم ٤: ١٢٦، باب بيان أنّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، سنن الترمذي ١: ٢٠٣ الحديث ٣٢٢ ما جاء في المسجد الذي أُسّس على التقوى، سنن النسائي ٢: ٣٦ ذكر المسجد الذي أُسّس على التقوى، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ١: ٤٨٧ فضل مسجد النبي(صلى الله عليه وسلم) ومسجد قباء، جامع البيان، للطبري ١١: ٣٧ قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً لمسجد أُسّس على التقوى...).

4- انظر: صحيح البخاري ٤: ٢٥٨، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة، المغازي، للواقدي ٢: ١٠٧٣ ذكر ما نزل من القرآن في غزوة تبوك، تاريخ الطبري ٢: ١٠٧، السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٤٩٩ لحاق عليّ بن أبي طالب برسول الله رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، دلائل النبوّة، للبيهقي ٢: ٤٩٩، باب من استقبل رسول الله(صلى الله عليه وسلم).

5- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٧: ١٩١، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، السيرة الحلبية ٢: ٢٣٦.


الصفحة 187

يرد في قصّة تأسيسه أنّه كان موضع صلاة المهاجرين(1)، بل روى البخاري أنّ من هاجر قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يصلّون في موضع بقباء اسمه العصبة(2).

وقيل: إنّ بانيه بنو عمرو بن عوف في مكان صلاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما نزل قباء(3).

فلا علاقة لسالم وأصحابه الذين هاجروا قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المسجد أصلاً.

رابعاً: أجمع المفسّرون أنّ قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ، نزل في قوم من الأنصار من أهل قباء من بني عمرو بن عوف، وكانوا يستنجون بالماء(4)، وإدخال غيرهم لا يعدوا كونه تمحّل وتشهّي لا يبتني على دليل أو فهم من القرآن، لأنّ في للظرفية والضمير في (فيه) يعود على المسجد الذي أُسس على التقوى، وهو مسجد قباء، ولا تصدق الظرفية لمن صلّى

____________

1- انظر: المعجم الكبير، للطبراني ٢: ٢٤٦ ناصح أبو عبد الله عن سماك، و٢٤: ٣١٧ شموس بنت النعمان بن عامر بن مجمع الأنصارية، أُسد الغابة، لابن الأثير ٥: ٤٨٨ شموس بن النعمان، الإصابة، لابن حجر ٨: ٢٠٤ ـ١١٣٨٥ـ، مجمع الزوائد، للهيثمي ٤: ١١، باب في مسجد قباء.

2- انظر: صحيح البخاري ٨: ١١٥ كتاب الأحكام.

3- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٧: ١٩١، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة، تخريج الأحاديث، للزيعلي ٢: ٩٩ الحديث ٥٧٢، الكشف والبيان، للثعلبي ٥: ٩٢ سورة التوبة، أسباب نزول الآيات، للواحدي: ١٧٥ سورة البراءة، مدارك التنزيل، للنسفي ٢: ١٠٩ سورة التوبة، الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٢٧٦ سورة التوبة، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٢٨٢ المنافقون من الأوس، تاريخ المدينة، للنميري ١: ٥٢ مسجد ضرار، فتوح البلدان، للبلاذري ١: ٢ هجرة الرسول إلى مكّة.

4- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٦: ٦ حديث محمّد بن عبد الله بن سلام، سنن ابن ماجة ١: ١٢٧ الحديث ٣٥٥، باب الاستنجاء بالماء، سنن أبي داود ١: ١٩ الحديث ٤٤، باب الاستنجاء بالماء، سنن الترمذي ٤: ٣٤٤ الحديث ٥٩٨، مجمع الزوائد، للهيثمي ١: ٢١٢، باب الاستنجاء بالماء، وغيرها.


الصفحة 188

في موضع المسجد من المهاجرين مع سالم ــ لو سلّمنا به ــ(1) قبل بنائه، إذ لا مظروف حينئذٍ، والآيات من سورة التوبة نزلت بعد رجوع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك بعد زمن طويل من بناء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمسجد قباء.

فخرج بذلك سالم ومن صلّى خلفه من المهاجرين الأوّلين كأبي بكر وعمر وغيرهما عن المدح في الآية بسبب النزول المجمع عليه، حتّى لو حملنا روايات صلاة سالم على أنّها كانت في المسجد بعد بناءه.

(عدم ثبوت فضيلة له)

« أحمد جعفر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

ما هو قولكم في هاتين الروايتين في (بحار الأنوار ٣٥/٢٩٧), بخصوص بعث الإمام عليّ(عليه السلام) لإبلاغ سورة براءة, ورد أبي بكر:

((فقال (أبو بكر): بأبي أنت وأُمّي، لموجدة كان نزع هذه الآيات منّي؟

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا ولكن العلّي العظيم أمرني أن لا ينوب عنّي إلّا من هو منّي، وأمّا أنت فقد عوّضك الله بما حمّلك من آياته، وكلّفك من طاعاته الدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، أما إنّك إن دمت على موالاتنا ووافيتنا في عرصات القيامة وفيّاً بما أخذنا به عليك من العهود والمواثيق، فأنت من خيار شيعتنا، وكرام أهل مودّتنا). فسريّ بذلك عن أبي بكر)).

وفي نفس الجزء ٣٠١: يقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر:

____________

1- انظر: صحيح البخاري ٥: ١١٥ كتاب الأحكام.


الصفحة 189

(... أما ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار؟).

فما هو القول المبين في هذا الكلام من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر؟ وهل هي موضوعة، أم من الزيادات؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ مبنى التحقيق عند علماء الشيعة، ­خلافاً لغيرهم، يفرض عليهم أن يعرضوا كافّة أسانيد الروايات للنقد العلمي، فما ثبتت صحّته فهو مقبول، وما لم تثبت فهم في حلّ منه, ولا يلزم من هذه القاعدة الحكم بالوضع لتمام أجزاء الرواية، إذ قد يكون الدسّ والتحريف مسّ جزءاً منها, فكلّ ما في الأمر أنّ الحديث الذي لم يثبت سنده بالطريق الصحيح لا يمكن الاعتماد عليه في الاستدلال.

وفي مورد السؤال، نقول: بأنّ الرواية الأُولى منقولة عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) (1)، ولا يخفى بأنّ هذا التفسير لم يعلم منشؤه ــ كما عليه المحقّقون ــ مضافاً إلى عدم وجود سند وثيق لنفس هذه الرواية بالذات.

وأمّا الرواية الثانية، فهي منقولة عن (تفسير فرات)(2)، وهذا التفسير وإن كان أصله ثابت، ولكن الحديث المذكور بتفصيله لم يرد له سند صحيح ومعتبر، فالحكم عليه كالحكم على الرواية الأُولى.

____________

1- تفسير العسكري: ٥٥٩ الحديث ٣٣٠ سورة التوبة، بحار الأنوار ٣٥: ٢٩٧ الحديث ٢١ تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.

2- تفسير فرات الكوفي: ١٦١ سورة التوبة، بحار الأنوار ٣٥: ٣٠١ الحديث ٢٥ تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.


الصفحة 190

ثمّ إنّه لا يستشهد في المقام لتصحيح الحديثين بنقلهما في (البحار)؛ لأنّ غاية العلّامة المجلسي(رحمه الله) صاحب (البحار)،كانت جمع الأحاديث بلا نظر إلى صحّتها أو سقمها، فوجود رواية في (البحار) لا يدلّ على صحّتها سنداً أو دلالة.

ومع غض النظر عن السند، فلا تدلّ الرواية الأُولى على فضيلة خاصّة، لورود شرط فيها، كما نقلتموه (إن دمت...)، وينتفي المشروط بانتفاء شرطه كما هو واضح، وهذا نظير ما صدر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال تقريضه لشعر حسّان بن ثابت في غديريته قائلاً: (لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك)(1)، علماً منه(صلى الله عليه وآله وسلم) بانحراف حسّان عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في أُخريات أيّامه(2)..

وهذا من أعلام النبوّة؛ إذ هو تنبيه لأبي بكر حتّى لا يزلّ ولا ينسى العهود والمواثيق التي أخذها (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وتناساها فيما بعد.

وأمّا الرواية الثانية فليس فيها أيّة فضيلة! فإنّ مجرّد الصحبة لا يدلّ على ميزة، خصوصاً بعدما نعلم بأنّ هذه الصحبة لم تكن مدروسة ومقصودة من قبل, بل بعدما لحق أبو بكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذه معه حتّى لا يطلع عليه أحداً. ومع ذلك فقد جاء في رواياتنا ما يشبه هذه الرواية ولكن مع اختلاف في المتن يقلب المعنى..

فقد روى ابن طاووس في (الإقبال): عن الحسن بن أشناس في كتابه، قال: ((وحدّثنا أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا مالك

____________

1- انظر: سنن أبي داود ٢: ٤٨٠ الحديث ٥٠١٥ كتاب الأدب، باب ٩٥، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٤٨٧، مسند أبي يعلى ٨: ٦٧ الحديث ٤٥٩١، المعجم الكبير، للطبراني ٤: ٣٧، الإرشاد، للمفيد ١: ١٧٧، مروج الذهب، للمسعودي ٣: ٢٢٩، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٢: ٣٨٨ ــ ٣٩٢.

2- انظر: الغارات، للثقفي ١: ٢٢١.


الصفحة 191

ابن إبراهيم النخعي، قال: حدّثنا حسين بن زيد، قال:حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام)، قال: لمّا سرح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر بأوّل سورة براءة إلى أهل مكّة، أتاه جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد! إنّ الله يأمرك أن لا تبعث هذا، وأن تبعث عليّ بن أبي طالب، وأنّه لا يؤدّيها عنك غيره..

فأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فلحقه فأخذ منه الصحيفة، وقال: ارجع إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبو بكر: هل حدث فيّ شيء؟ فقال عليّ(عليه السلام) : سيخبرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فرجع أبو بكر إلى النبيّ، فقال: يا رسول الله! ما كنت ترى أنّي مؤدّي عنك هذه الرسالة؟

فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (أبى الله أن يؤدّيها إلّا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ).

فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (كيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار؟)...))(1) الخ.

وفي هذا المعنى لا يوجد: (ألا ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار)، وإنّما فيه تعريض له بما فعله في تلك الصحبة، من جزع، وخوف، وعدم قدرة على التماسك، حتّى كاد أن يفضح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، ومن هنا قال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف تؤدّي براءة وأنت ذلك الخائف في الغار.

____________

1- إقبال الأعمال ٢: ٣٨ الباب الثالث، فصل ٦، بحار الأنوار ٣٥: ٢٨٨ الباب التاسع: نزول سورة براءة.


الصفحة 192

(ردّ روايات نقلت من مصادر شيعيّة يتصوّر فيها مدح لأبي بكر)

« أبو علي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

دخلت في نقاش مع أحد السُنّة، وذكر بعض المصادر الشيعية التي ظاهرها مدح أبي بكر، فأتمنّى منكم الردّ عليها:

((أبو جهل يقول: ((من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دلّ عليه فله مائة بعير))(بحار الأنوار ١٩/٤٠)، فجعل مكافأة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه الصدّيق ورفيقه في الغار (رضي الله عنه) سواء.

وعلى ذكر قصّة الهجرة، فقد ذكرت كتبكم: أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصّة ليلة المبيت: (آمرك أن تستصحب أبا بكر فإنّه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، وفي غرفاتها من خلصائك)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر: (أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر، تطلب كما أطلب، وتعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب)؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أُعذّب في جميعها أشدّ عذاب، لا ينزل علَيَّ موت مريح، ولا فرج منج، وكان في ذلك محبّتك، لكان ذلك أحبّ إليَّ من أن أتنعّم فيها، وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلّا فداؤك؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا جرم إن اطّلع الله على قلبك ووجد ما فيه


الصفحة 193

موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، وبمنزلة الروح من البدن، كعليّ الذي هو منّي كذلك)(تفسير العسكري: ٤٦٥، بحار الأنوار ١٩/٨٠).

وعلى ذكر التشبيه بالمنزلة فقد جاء عن الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ(رضي الله عنهم)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع، وإنّ عمر منّي بمنزلة البصر، وإنّ عثمان منّي بمنزلة الفؤاد).(عيون الأخبار ١/٢٨٠، البرهان ٢/٤٢٠، نور الثقلين، ٣/١٦٤، معاني الأخبار: ٣٨٧).

وعن سلمان(رضي الله عنه): أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: (ما سبقكم أبو بكر بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء وقرّ في نفسه).(طرائف المقال للبروجردي ٢/٥٥٩، مجالس المؤمنين للشو شتري: ٨٩).

كيف لا يقولها في صاحب الموقف العظيم يوم حروب الردّة، حيث قال: ((لا أحلّ عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئاً ممّا أخذ منكم نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأُجاهدنّكم ولو منعتموني عقالاً ممّا أخذ منكم نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لجاهدتكم عليه)).(أمالي الطوسي: ٢٦٨، بحار الأنوار، ٢٨/١١).

وعن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، قال: (إنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها ــ أي: الخلافة ــ إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة وهو حيّ).(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦/٨٤، غاية المرام للبحراني ٥/٣٤٠).

وعنه(رضي الله عنه)، قال: (كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على جبل حراء، إذ تحرّك الجبل. فقال له: قرّ فليس عليك إلّا نبيّ وصدّيق شهيد).(الاحتجاج للطبرسي ١/٣٢٦، بحار الأنوار للمجلسي ١٠/٤٠، ١٧/٢٨٨).


الصفحة 194

وعن ابن عبّاس(رضي الله عنها)، قال: ((رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبذنبه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن الشبهات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه)).(مواقف الشيعة للميانجي ١/١٨٧).

وقد تزوّج عليّ من أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، بعد وفاته، وربّى ابنه محمّد، وكان يقول: (هو ابني من ظهر أبي بكر).(مجمع البحرين للطريحي ١/٥٧٠))).

ولكم منّي جزيل الشكر والامتنان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد ذكرت تسع روايات، ونحن نجيب عن كلّ واحدة منها:

١ــ إنّ صاحب (البحار) نقل ذلك القول عن كتاب (المنتقى في مولد ــ سير النبيّ ــ المصطفى)(1) للكازروني (ت٧٥٨هـ)، وهو من أهل السُنّة، فلا يعني ذلك التزامه بصحّة ما فيه! بل الأمر أعمّ من ذلك.

والمقريزي نقل الخبر عن الواقدي(2)، والواقدي ضعيف متروك لا يحتجّ به، اتّهموه بالــوضع(3)، وقــــــد انفــــــرد بـــــــــه عن كــــلّ مـــن عــــــــــــــداه، فــــــإنّ أصحــاب الــسيـــــــــــــر مــــائـــــــــــة

____________

1- لم نوفّق في الحصول على نسخة للكتاب.

2- إمتاع الأسماع ٥: ٢٧٢، فصل جامع في معجزات النبيّ(صلى الله عليه وسلم) على التفصيل، الحادي والثمانون.

3- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٣٢٣ ـ٦٠٦ـ.


الصفحة 195

ناقة لا أكثر جعلتها قريش لمن يرجع بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(1).

ومن المعلوم أنّ كفّار قريش كانوا يطلبون محمّداً لا غير، فهو الذي بيّتوه وأرادوا قتله، ولو أرادوا غيره معه لقتلوا عليّاً(عليه السلام) بعد أن عرفوه صباح ليلة المبيت، أو لبذلوا النوق لمن كان يخرج مهاجراً خفية من أصحابه إلى المدينة قبل هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهل يعقل أنّ أبا بكر كان عندهم لسنين فلم يصيبوه بشيء، ثمّ يبذلون فيه مائة ناقة لمّا خرج عنهم؟ ثمّ من المعلوم أيضاً أنّه لو رجع سراقة بأبي بكر وحده لما كفّوا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو رجع بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده لغفلوا عن أبي بكر.

على إنّا لم نجد من نقل هذه الرواية قبل الكازروني (ت٧٥٨هـ) على ما ذكره المجلسي في بحاره(2)، والظاهر من العبارة المنقولة أنّها من كلام الكازروني نقلها بالمعنى في سياق سرده لقصّة الهجرة، ثمّ جاء بعده المقريزي (ت٨٤٥هـ) ورواها مقطوعة الطرفين عن الواقدي، كما ذكرنا، وأرسلها الدياربكري (ت٩٦٦هـ) في (تاريخ الخميس)، قال: ((ثمّ أمر أبو جهل منادياً ينادي في أعلى مكّة وأسفلها: من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دلّ عليه فله مائة بعير))(3). وهي عبارة (البحار) عن (منتقى الكازروني) نفسها، ويتأكّد الأمر إذا عرفنا أنّ (المنتقى) كان أيضاً من مصادر الدياربكري.

____________

1- الآحاد والمثاني، للضحّاك ٢: ٢٧٤ الحديث ١٠٢٩، المعجم الكبير، للطبراني ٧: ١٣٣، ١٣٥ كعب بن مالك بن جعشم عن أخيه سراقة، و٢٤: ١٠٧ الماجشون عن أسماء، تاريخ الطبري ٢: ١٠٤ هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم)، السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٣٣٦، ٣٣٨ هجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم).

2- بحار الأنوار ١٩: ٤٠ الباب ٦ الهجرة ومبادئها ومبيت عليّ(عليه السلام) في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

3- تاريخ الخميس ٢: ١٧ الركن الثالث، الموطن الأوّل: في وقائع السنة الأُولى من الهجرة، الفصل الأوّل.


الصفحة 196

ونسبها الحلبي (ت١٠٤٤هـ) في سيرته إلى القيل، فقال: ((ولمّا أيست قريش منهما، أرسلوا لأهل السواحل أنّ من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة، أي؛ ويقال: إنّ أبا جهل أمر منادياً ينادي في أعلى مكّة وأسفلها من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير))(1).

وقال بعد ذلك: ((وكانت قريش، كما تقدّم، أرسلت لأهل السواحل أنّ من قتل أو أسر أبا بكر أو محمّداً كان له مائة ناقة، أي؛ فمن قتلهما أو أسرهما كان له مائتان))(2).

ولا توجد أي من هذه العبارات في الروايات، والتوضيح بعد قوله، أي: من عبارته لا غير.

بل إنّ أحمد بن سهل البلخي (ت٥٠٧هـ) قال في كتابه (البدء والتاريخ): ((وروى الواقديّ أنّ الله عزّ وجلّ بعث العنكبوت فضرب على باب الغار، ونهى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن قتل العنكبوت، فلمّا أكدَت قريش وخابت، جعلت مائة ناقة لمن ردّه، فخرج سراقة بن مالك وكان من فرسان القوم وأشدّائهم))(3).

فظهر أنّ الواقدي ينقل رواية المشهور في المائة ناقة، فتكون هذه الرواية المعنية منسوبة له، حيث لم نعثر على طريق يوصلها عنه.

وأوّل من زعم أنّهم جعلوا في أبي بكر مائة بعير هو الجاحظ، قال: ((حتّى كان آخر ما لقى هو وأهله في أمر الغار، وقد طلبته قريش وجعلت فيه مائة بعير كما جعلت في النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ))(4).

____________

1- السيرة الحلبية ٢: ٢١١.

2- السيرة الحلبية ٢: ٢١٦، باب الهجرة إلى المدينة.

3- البدء والتاريخ ٤: ١٧١ ذكر حديث الغار.

4- العثمانية: ٣١.


الصفحة 197

فكذّبه أبو جعفر الإسكافي، وقال: ((هذا الكلام وهجر السكران سواء، في تقارب المخرج، واضطراب المعنى، وذلك أنّ قريشاً لم تقدر على أذى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبو طالب حيّ يمنعه، فلمّا مات طلبته لتقتله، فخرج تارة إلى بني عامر، وتارة إلى ثقيف، وتارة إلى بني شيبان، ولم يكن يتجاسر على المقام بمكّة إلّا مستتراً، حتّى أجاره مطعم بن عدي، ثمّ خرج إلى المدينة، فبذلت فيه مائة بعير لشدّة حنقها عليه حين فاتها، فلم تقدر عليه، فما بالها بذلت في أبي بكر مائة بعير أُخرى، وقد كان ردّ الجوار، وبقى بينهم فرداً لا ناصر له ولا دافع عنده، يصنعون به ما يريدون، إمّا أن يكونوا أجهل البرية كلّها، أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض وأوقحه وجهاً، فهذا ممّا لم يذكر في سيرة، ولا روي في أثر، ولا سمع به بشر، ولا سبق الجاحظ به أحد))(1).

فعلم من جواب الإسكافي أنّه لم ترد رواية بذلك، وإنّما هو قول ادّعاه الجاحظ!

نعم، راج القول بإدخال أبي بكر في الجائزة فيما تتبّعنا من القرن الثامن فما بعد، فهذا ابن كثير يقول في (البداية والنهاية): ((ولهذا قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ(2)، أي: وقد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لأنّ المشركين حين فقدوهما، كما تقدّم، ذهبوا في طلبهما كلّ مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردّهما ــ أو أحدهما ــ مائة من الإبل))(3)، والترديد هنا واضح عنده!

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٦٨ ـ٢٣٨ـ، القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كلّ منهما.

2- التوبة ٩: ٤٠.

3- البداية والنهاية ٣: ٢٢٣، باب هجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكّة إلى المدينة ومعه أبو بكر.


الصفحة 198

ولكنّه أصبح من الثابت عند من جاء بعده كما نقلنا عن الكازروني، والمقريزي، والديار بكري، والحلبي.

ولعلّ ابن كثير أخذه من القيل الذي أورده البلاذري، قال: ((قالوا: ولمّا جعلت قريش لمن أتبع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأبا بكر فقتلهما، أو أتى بهما مائة ناقة ــ ويقال: ديتهما ــ أتبعهما سراقة بن مالك...))(1). وهذا ليس فيه إلّا مائة ناقة، ولكنّهم أدخلوا أبا بكر في الجائزة!

إن قلت: هذا الخبر مؤيّد بما في البخاري من رواية الزهري، عن عبد الرحمن ابن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم: إنّ أباه أخبره أنّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفّار قريش يجعلون في رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره...))(2).

حتّى قال ابن حجر في (فتح الباري) في شرح العبارة: ((قوله: ديّة كلّ واحد، أي: مائة من الإبل، وصرّح بذلك موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما وجعلوا في النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مائة ناقة...))(3).

وكلامه ظاهر في الاختلاف بين رواية أسماء عند الطبراني، ورواية الزهري عند البخاري، لأنّه أوردها بعد نقله لمتن رواية البخاري على جهة المقارنة، ففي الأُولى أنّهم جعلوا مائة ناقة في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الثانية أنّهم جعلوا في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٢٦٣ الحديث ٦٠٩، و١١: ١٣٤ من ولد مرّة بن عبد مناة.

2- صحيح البخاري ٤: ٢٥٦، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة.

3- فتح الباري ٧: ١٨٧، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة.


الصفحة 199

بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره! وظاهره أنّ معناه: أنّهم جعلوا لكلّ واحد منهما ديّة، أي: جعلوا فيهما ديّتان؛ وفسر ابن حجر الديّة بمائة من الإبل، فيكون المجموع مئتان كما نقلنا التصريح به عن الحلبي، ثمّ أيّد ابن حجر قوله برواية موسى بن عقبة وصالح بن كيسان عن الزهري.

بل العيني كان أصرح في تعبيره من ابن حجر، قال: ((قوله: (ديّة في كلّ واحد)، أي: مائة من الإبل، وصرّح بذلك موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري. قوله: (وديّة)، منصوب بقوله: (يجعلون)، ويروى: ديّة كلّ واحد، بإضافة ديّة إلى كلّ...))(1).

وبرجوعنا إلى روايتي موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان عند الطبراني، نجد نصّ روايتهما هكذا: ((أنّه لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش لمن ردّه عليهم مائة ناقة، قال: فبينما أنا جالس...))(2).

فهل ترى فيما نقله ابن حجر والعيني من التصريح عنهما غير التدليس؟!!

نعم، هما صرّحا بالمائة ناقة، ولكن لا يوجد ذكر لأبي بكر عندهما لا تصريحاً ولا إضماراً، ولا يوجد ذكر للديّة لكلّ منهما!!

وأمّا أصل رواية (ديّة كلّ واحد منهما) فقد جاءت عن الزهري بطريقين:

الأوّل: أخرجه عبد الرزّاق في (المصنّف)، قال: ((قال معمر: قال الزهري: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن جعشم أنّ أباه أخبره: أنّه سمع سراقة يقول: جاءتنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول

____________

1- عمدة القاري ١٧: ٤٧ الحديث ٣٩٠٦.

2- المعجم الكبير ٧: ١٣٣، ١٣٥ ما أسند عن سراقة بن مالك.


الصفحة 200

الله(صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما، لمن قتلهما أو أسرهما...))(1)، وعنه كلّ من أحمد بن حنبل(2)، وابن حبّان(3)، والطبراني(4).

والثاني: أخرجه البخاري عن يحيى بن بكير: ((قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أنّ عائشة زوج النبيّ(صلى الله عليه وسلم) قالت...)).

ثمّ أورد خبر عائشة في خروج أبي بكر إلى أرض الحبشة، إلى أن قال: ((ابن شهاب، وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك ابن جعشم أنّ أباه أخبره: أنّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفّار قريش يجعلون في رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره...))(5).

وهي عند البيهقي في (دلائل النبوّة) بطريقين: الأوّل يتّحد مع طريق البخاري بيحيى بن بكير، والثاني بإخبار أبي عبد الله الحافظ: ((قال: أخبرني أبو الحسن محمّد بن عبد الله، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، قال: حدّثنا أبو صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عقيل، قال: قال ابن شهاب، وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي...))(6).

____________

1- المصنّف ٥: ٣٩٢ هجرة الرسول(صلى الله عليه وسلم).

2- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٧٦ حديث سراقة بن مالك بن جعشم.

3- صحيح بن حبّان ١٤: ١٨٥، فصل في هجرته(صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة.

4- المعجم الكبير ٧: ١٣٢ كعب بن مالك بن جعشم عن أخيه سراقة.

5- صحيح البخاري ٤: ٢٥٤ ــ ٢٥٦، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة.

6- دلائل النبوّة ٢: ٤٨٥، باب اّتّباع سراقة بن مالك بن جعشم أثر رسول الله(صلى الله عليه وسلم).


الصفحة 201

وأكثر الطرق عن الزهري على خلافه، فقد رويت بـ(مائة ناقة)!

ففي سيرة ابن هشام (ت٢١٨هـ)، عن ابن إسحاق: ((وحدّثني الزهري: أنّ عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدّثه، عن أبيه، عن عمّه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه عليهم...))(1).

وفي (التاريخ الكبير) لابن أبي خيثمة (ت٢٧٩هـ): ((حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا محمّد بن فليح، قال: قال موسى بن عقبة: ونا ابن شهاب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أنّ أباه مالكاً أخبره: أنّ أخاه سراقة بن جعشم أخبره: أنّه لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش لمن ردّه عليهم مائة ناقة...))(2).

ورواها ابن أبي عاصم (ت٢٨٧هـ) في (الآحاد والمثاني)، قال: ((حدّثنا يعقوب ابن حميد، ثنا محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة...))(3).

ورواها البغوي (ت٣١٧هـ) في (معجم الصحابة)، عن الذهبي بعدّة طرق، قال: ((حدّثني زهير، نا عبد الرزّاق ومحمّد بن كثير، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن مالك بن أخي سراقة: أنّ أباه أخبره أنّه (ح) وحدّثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد

____________

1- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٣٣٨ حديث سراقة بن مالك بن جعشم.

2- التاريخ الكبير المعروف بتاريخ ابن أبي خيثمة السفر الثاني ١: ٢٩١ ـ١٠٥٨ـ حرف السين.

3- الآحاد والمثاني ٢: ٢٧٤ الحديث ١٠٢٩ سراقة بن مالك.


الصفحة 202

الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي، عن أبيه مالك بن جعشم، عن أخيه سراقة (ح) وحدّثني زهير بن محمّد، أنا صدقة بن سابق، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري: أنّ عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، حدّثه عن أبيه، عن عمّه سراقة بن مالك (ح) وحدّثني هارون بن موسى الفروي، نا محمّد بن فليح، نا موسى بن عقبة، نا ابن شهاب، قال: حدّثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي: أنّ أباه أخبره أنّ أخاه سراقة بن جعشم أخبره، قال: لمّا خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش لمن يردّه مائة ناقة...))(1)، وعنه ابن عساكر (ت٥٧١هـ) في (تاريخ مدينة دمشق)(2).

ورواها ابن صاعد (ت٣١٨هـ) عن يحيى بن هارون: ((نا هارون بن موسى في كتابه المغازي، عن موسى بن عقبة، قال: ثنا محمّد بن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين، قال: قال: عن موسى بن عقبة؛ وثنا ابن شهاب...))(3)، وعنه الدارقطني (ت٣٨٥هـ) كما في (الخامس من الفوائد المنتقاة الحسان)(4).

ورواها الطبراني (ت٣٦٠هـ) بسنده إلى محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن الزهري(5)، ورواها أيضاً عن أحمد بن زهير التستري: ((ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمّي، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدّثني عبد الرحمن بن مالك بن

____________

1- معجم الصحابة ٣: ٢٥٧ ـ١٢٥٠ـ سراقة بن مالك.

2- تاريخ مدينة دمشق ٤: ٣٣٤ أمّا كتابه (صلى الله عليه وسلم).

3- مجلسان من أمالي ابن صاعد ١: ٥١ الحديث ٥٠.

4- الخامس من الفوائد المنتقاة الحسان ١: ٢ الحديث ١.

5- المعجم الكبير ٧: ١٣٣ ما أُسند عن سراقة بن مالك.


الصفحة 203

جعشم المدلجي، أنّ أباه أخبره، أنّ سراقة بن مالك أخبره: أنّه خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ...))(1).

ورواها أبو الفرج المعافي ابن زكريّا الجريري (ت٣٩٠هـ) في (الجليس الصالح) بطرقه إلى عبيد الله بن سعيد، عن عمّه، عن صالح، عن ابن شهاب...الخ(2).

ورواها البيهقي (ت٤٥٨هـ) في (دلائل النبوّة)، بطريقه إلى إسماعيل بن إبراهيم ابن عقبة، عن عمّه موسى بن عقبة، قال: حدّثنا الزهري...الخ(3).

ورواها ابن الأثير (ت٦٣٠هـ)، عن أبي جعفر بن السمين، بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم...الخ(4).

فهذه طرق أربع عن ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، ومعمر أيضاً(5)، وصالح بن كيسان، كلّهم عن الزهري بلفظ: (مائة ناقة).

وهناك أيضاً طريق بلفظ: (مائة ناقة) عن غير الزهري، رواه الطبري (ت٣٦٠هـ)، عن أسماء بنت أبي بكر، قال: ((حدّثنا أحمد بن عمرو الخلاّل المكّي، ثنا يعقوب ابن حميد، ثنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كان النبيّ(صلى الله عليه وسلم) يأتينا بمكّة كلّ يوم مرّتين...

____________

1- المعجم الكبير ٧: ١٣٤، ١٣٥ ما أُسند عن سراقة بن مالك.

2- الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي ١: ٦٩٥ المجلس الثالث والتسعون.

3- دلائل النبوّة ٢: ٤٨٧، باب اتّباع سراقة بن مالك أثر رسول الله(صلى الله عليه وسلم).

4- أُسد الغابة ٢: ٢٦٥ سراقة بن مالك.

5- مضت رواية عبد الرزّاق عن معمر بالمتن الآخر.


الصفحة 204

إلى أن قالت: وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما، وجعلوا في النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مائة ناقة...))(1).

فهذه الرواية تتّفق مع الرواية المتقدّمة بالطرق الأربعة عن الزهري عن عبد الرحمن بن جعشم عن سراقة، في كون جعالة قريش كانت (مائة ناقة) لمن يأتي بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو يقتله، فما يروى عن الزهري بطريقين(2) أنّ الجعالة كانت ديّة كلّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر تسقط عن الاعتبار، فلأنّه يكون إمّا من إدخال الرواة على الزهري أو من إدخال الزهري نفسه في الرواية، لغرض يمكن الحدس به بعد الإطلاع على ترجمته!

٢ــ إنّ صحّت الرواية ــ لأنّها مروية في تفسير العسكري(عليه السلام) ، وقد ضُعّف راوياه عن الإمام(عليه السلام) ــ فإنَّ ما مذكور فيها لا يصلح أن يكون فضيلة لأبي بكر كما تصوّرت ذلك! وذلك لأنّه جعل اصطحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر مشروطاً بشروط متعدّدة، إن تحقّقت، فإنّه سيتحقّق ما ذكر، وهي كما قال: (فإن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك).

ولكن أبا بكر لم يثبت على ما عاهده وعاقده، بل بدّل وغيّر، فلا يستحقّ بذلك ما ذكر من الثناء.

وما ذكرته من نصّ هو ادّعاء من أبي بكر، لكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوافقه على ما قاله، كما فعل مع عليّ(عليه السلام) في نفس الرواية، بل جعل استحقاقه للمدح والثناء مشروطاً أيضاً، وهو أن يكون ما قاله أبو بكر كلاماً صادقاً لا ادّعاءاً وكذباً، حيث

____________

1- المعجم الكبير ٢٤: ١٠٦ الحديث ٢٨٤ الماجشون عن أسماء.

2- مضى ذكرهما عن معمر وعقيل.


الصفحة 205

قال: (لا جرم إن اطّلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقاً لما جرى على لسانك...).

وأكّد أيضاً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي بكر، أنّ مجرّد المعاهدة لوحدها لا تكفي، بل يحتاج المعاهد أن لا ينكث ولا يبدّل ولا يغيّر ولا يحسد، حيث قال له: (إنّ من عاهد ثمّ لم ينكث، ولم يغيّر، ولم يبدّل، ولم يحسد من قد أبانه الله بالتفضيل...).

وكلّ هذه الشروط المتعدّدة التي لم يفِ أبو بكر بواحد منها تجعله غير مستحقّ للجزاء الذي ذُكر في الرواية.

٣ــ وأمّا بخصوص الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ أبا بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر.

فالرواية التي تعنيها هي: ((حدّثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق(رضي الله عنه), قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا سهل بن زياد الأدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسيني، قال: حدّثني سيّدي علي بن محمّد بن علي الرضا، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع، وإنّ عمر منّي بمنزلة البصر، وإنّ عثمان منّي بمنزلة الفؤاد)، قال: فلمّا كان من الغد دخلت إليه وعنده أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فقلت له: يا أبت! سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولاً فما هو؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، ثمّ أشار إليهم، فقال: (هم السمع والبصر والفؤاد، وسيسألون عن وصيي هذا، وأشار إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) )، ثمّ قال: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ


الصفحة 206

مَسؤُولاً(1))، ثمّ قال(عليه السلام) : (وعزّة ربّي إنّ جميع أُمّتي لموقوفون يوم القيامة، ومسؤولون عن ولايته، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسؤُولُونَ(2))(3).

فأين محاولته من الاستدلال بالرواية؟!

٤ــ وما نقلت عن سلمان(رضي الله عنه) إنّما ذكره صاحب (طرائف المقال) في حقّ أبي بكر للذمّ لا للمدح! وقد ذكر أنّ أتباع أبي بكر هم الذين يعتبرون هذا الحديث مدحاً له، فلا تقطع ما أورده بعد الحديث! حيث قال: ((ومراده(صلى الله عليه وآله وسلم) هو حبّ الرئاسة التي صار مفتوناً به، ويزعم أتباعه الرعاع أنّ المراد به الخلوص والاعتقاد بالله ورسوله))(4).

ويقول ملاّ علي القاري نقلاً عن ابن القيّم: ((وممّا وضعه جهلة المنتسبين إلى السُنّة في فضل الصّديق... وحديث: (ما سبقكم أبو بكر...)، وهذا من كلام أبي بكر ابن عيّاش))(5).

٥ــ وأمّا ما نقلته من قول أبي بكر، ففيه قدح من جهات عدّة:

____________

1- الإسراء ١٧: ٣٦.

2- الصافّات ٣٧: ٢٤.

3- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، للصدوق ٢: ٢٨٠، باب ٢٨ الحديث ٨٦، معاني الأخبار، للصدوق: ٣٨٧، باب نوادر المعاني الحديث ٢٣، بحار الأنوار ٣٠: ١٨٠ كتاب المحن والفتن، باب ٢٠ الحديث ٤١.

4- طرائف المقال، للبروجردي ٢: ٦٠٠ ترجمة سلمان الفارسي.

5- الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: ٤٥٤ في ذكر جوامع كلّية في هذا الباب فصل ٢٩، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيّم: ١١٥، فصل ٣٣ الحديث ٢٤٦، نقد المنقول، لابن القيّم: ١٠٤ الحديث ١٥١، فصل ما وضع في فضائل الصدّيق.


الصفحة 207

أوّلها: أنّه تقمّص مكان غيره بلا نصّ ولا شورى ولا إجماع وإنّما بانتهاز الفرصة والتغلّب عند انشغال أصحاب الحقّ بتجهيز النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قاتل من لا يستحقّ القتال، ولم يخرج له بنفسه حتّى يكون من أصحاب المواقف العظيمة كما تدّعى له، بل كثيراً ما نكس وطلب الإقالة في الأوقات الحرجة، مع أنّ أمر الملوك والرؤساء بالحرب والقتال بحدّ نفسه لا يدلّ على علوّ الهمّة وشجاعة النفس وحكمة التدبير، لولا أن يباشر الأمر بنفسه، وهو ما لم يفعله أبو بكر.

وثانيها: إنّه أفتى بغير علم برأي انفرد به لم يوافقه عليه حتّى عمر، فمن الذي أجاز له مجاهدة المسلمين حال تأخيرهم دفع الزكاة، فكيف أجاز لنفسه أن يقاتل مانع الزكاة، حتّى لو كان مقداراً يسيراً؟ واليوم الكثير من المسلمين يمتنعون من دفع الزكاة، فهل يجوز للحاكم مقاتلتهم؟!

وثالثها: ما أنجرّ إليه موقفه هذا من قتل من لا يستحقّ القتل كمالك بن النويرة، وأسر من لا يستحقّ الأسر، حتّى خطأه عمر في خلافته وردّ الأسرى وودى القتلى.

ورابعها: أنّه خالف قوله فعله بنفس الرواية، حيث لم يجاهد الأشعث ولا قتله كما قال، بل عفى عنه وأكرمه بزواجه من أُخته، فأين قتاله للمرتدّين وصلابته في ذلك؟

وخامسها: إنّه استعان بالمرتدّين حين قال له الأشعث: تستعين بي على عدوّك في قتاله للأعداء، ولا بدّ أنّ الأشعث لا يقصد بالأعداء إلّا أهل البيت(عليهم السلام)، حيث كانت هذه الأُسرة شديدة العداء لهم، فأبوبكر استعان بالأشعث على أهل البيت(عليهم السلام).

وسادسها: إنّ ما وقر في نفسه يناسب ما فعله من ظلم فاطمة وإحراق دارها وإسقاط جنينها وغصبه لفدكها ونصيبها من خمس خيبر.


الصفحة 208

وسابعها: إنّ صاحب (الأمالي) ذكر هذا الخبر بسندٍ كلّه من رجال العامّة، بل بعضهم من أعلامهم، خاصّة راويه الأوّل إبراهيم النخعي، وهواه في أبي بكر لا يخفى، فجعل ما هو مثلبة منقبة، وهي بهذا السند عند ابن عساكر(1)، فليس فيها ما هو حجّة علينا.

٦ــ وأمّا الخبر الذي نقلته عن عليّ(عليه السلام) ، فهو من طرق أهل السُنّة وليس من طرقنا، فابن أبي الحديد معتزلي وليس بشيعي، وقد نقله عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب (السقيفة)(2).

وكان غرض صاحب (غاية المرام) النقل من كتب أهل السُنّة، إذ قال: في قول أبي بكر وعمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وقول عليّ(عليه السلام) : (بيعتي لم تكن فلتة) من طريق العامّة، وفيه ثمانية أحاديث..

ثمّ ذكر في أوّلها هذا الحديث، قال: الأوّل: ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وهو من فضلاء المعتزلة، قال: روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، قال: ...الخ(3).

وهذا الخبر روي بطريقين في كليهما من هو ضعيف أو يتّهم:

فقد رواه ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، قال: ((قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٩: ١٣٣ ـ٧٧٢ـ ترجمة الأشعث.

2- شرح نهج البلاغة ٢: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث السقيفة، و٦: ٤٧ ـ٦٦ـ ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.

3- غاية المرام ٥: ٣٤٠ الباب السابع والخمسون.


الصفحة 209

وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام) ، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم: أُسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام) ، وناشدتهم الله. فأخذوا سيفي عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، وخشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوماً قطّ، ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدان، ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني. وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره.

وقال عليّ والزبير: ما غضبنا إلّا في المشورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة بالناس وهو حيّ))(1).

وفيه من الكذب ما لا يخفى! فإنّ عليّاً(عليه السلام) لم يبايع عند المخالفين إلّا بعد ستّة أشهر، كما في الصحيح عندهم، وعندنا لم يبايع أصلاً، أو بايع مكرهاً على الخلاف، فما نقله من قولهما ليس صحيحاً قطعاً.

والخبر مقطوع، فإنّ أبا الأسود لم يروي عن أحد من الصحابة! وهو متّهم في عليّ(عليه السلام) ، له هوى في أبي بكر، أخذه من عروة بن الزبير، لأنّه ربيبه(2). وابن لهيعة ضعيف(3).

____________

1- شرح نهج البلاغة ٢: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث السقيفة.

2- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٢٦٨ ـ٥٠٨ـ.

3- تهذيب التهذيب ٥: ٣٢٧ ـ٦٤٨ـ.


الصفحة 210

ورواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عوف(1).

ورواه الحاكم بطريقه إلى موسى بن عقبة، قال: ((حدّثنا محمّد بن صالح بن هاني، ثنا الفضل بن محمّد البيهقي، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطّاب، وأنّ محمّد ابن مسلمة كسر سيف الزبير، ثمّ قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: والله، ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قطّ، ولا كنت فيها راغباً، ولا سألتها الله عزّ وجلّ في سرّ وعلانية، ولكنّي أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قلّدت أمراً عظيماً مالي به من طاقة ولا يد إلّا بتقوية الله عزّ وجلّ، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به، قال عليّ(رضي الله عنه) والزبير: ما غضبنا إلّا لأنّا قد أُخّرنا عن المشاورة، وإنّا نرى أبا بكر أحقّ الناس بها بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة بالناس وهو حيّ.

قال الحاكم ـ ـ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))(2)، وعنه البيهقي في (السنن الكبرى)(3).

____________

1- أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة: ٩٤ الحديث ـ١٩ـ.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ٦٦ خطبة أبي بكر واعتذاره في أمر الإمارة.

3- السنن الكبرى ٨: ١٥٣ كتاب قتال أهل البغي، باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلاً للخلافة بعده.


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية