المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240)

ولكن المحبّ الطبري أخرجه عن ابن شهاب الزهري، قال: ((قال ابن شهاب: ولمّا بويع لأبي بكر قام فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: والله، ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً...)) الخ. ثمّ قال: ((خرّجه موسى بن عقبة صاحب المغازي))(1).

فعرفنا مخرجه! فإنّ الزهري لا يبعد عن عروة بن الزبير في روايته للسيرة، وهو في هواه لأبي بكر معروف، فضلاً عمّا فيه من الكذب الذي أشرنا إليه سابقاً، والتقوّل على عليّ(عليه السلام) ما لا يمكن أن يتفوّه به، لأنّه كذب من قصّة صلاة أبي بكر بالناس في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه لم يأمره بذلك، بل أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج ونحّاه عن المحراب لمّا عرف أنّه تقدّم الناس للصلاة في المسجد، وقد بيّناه مفصّلاً فيما مضى من الأجوبة على الأسئلة تحت نفس هذا العنوان، وبيّنا أيضاً عدم الفضيلة في كونه في الغار؛ فراجع!

وهذا الخبر منقطع أيضاً! فإبراهيم بن عبد الرحمن لم يدرك الواقعة، لأنّه إمّا لم يكن ولد بعد، أو كان صغيراً جدّاً، إذا أُخذ بقول من قال أنّه توفّي سنة ستّة أو خمس وتسعين وعمره ٧٥ سنة(2). وهو لم يروه عن أبيه أو غيره، ومع ذلك فهو متّهم، لأنّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان معاضداً لأبي بكر وعمر في تثبيت سلطتهما هنا، إذا لم يكن قد أخذ الخبر عن عروة بن الزبير أيضاً.

وممّا مضى نعرف أنّ الخبر لا يخرج عن هذه الحلقة المتّفقة الهوى والاتّجاه والمذهب، من أبي الأسود ربيب عروة بن الزبير المشيّد لأركان فضائل جدّه أبي

____________

1- الرياض النضرة في مناقب العشرة ١: ٢٤٢ ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها.

2- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١: ١٢١ ـ٢٤٨ـ.


الصفحة 212

بكر، والزهري البكري حتّى النخاع وعمدة رواة أخبار عروة، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الذي لا يخرج عن خطّ أبيه المعروف الاتّجاه والمنحى.

ولكي يأتيك اليقين بما سردنا، ننقل رواية رواها البلاذري، بسنده عن الزهري، قال: ((بينا المهاجرون في حجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وقد قبضه الله إليه، وعليّ بن أبي طالب والعبّاس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبداً، هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح حتّى جاؤوا السقيفة...

ــ إلى أن قال ــ : وأتى بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العبّاس وعليّ التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال عليّ: ما هذا؟ فقال العبّاس: ما ردّه مثل هذا قطّ. لهذا ما قلت لك الذي قلت. قال: فخرج عليّ، فقال: يا أبا بكر! ألم تر لنا حقّاً في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكنّي خشيت الفتنة، وقد قلّدت أمراً عظيماً. فقال عليّ: وقد علمت أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أمرك بالصلاة، وأنّك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حقّ ولم نُستشر، والله يغفر لك. وبايعه))(1).

وهذا الذيل هو ذاك الذيل بألفاظ أُخر رواه الزهري أيضاً؛ فتأمّل!

والقصّة محبوكة! فإنّ واضعها لا يستطيع إنكار تخلّف عليّ(عليه السلام) عن بيعة أبي بكر لشهرته، ولا يستطيع أن يذكر عذر عليّ(عليه السلام) من أنّه صاحب الحقّ فيزري بالأوّل والثاني، فاختلق سبباً من عنده: بأنّ عليّاً(عليه السلام) والزبير غضبا لتأخيرهم عن المشورة، لا لأنّ الخلافة غصبت من صاحبها وذهبت إلى غير أهلها!

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٨٢ الحديث ـ١١٧٧ـ.


الصفحة 213

وللوصول إلى الحقّ اليقين في هذه القضية، نورد رواية أُخرى رواها البلاذري عن الزهري أيضاً، قال: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن محمّد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري، قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كلّه، علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً قدّام الساعة، فمن أطاعه رشد، ومن عصاه هلك، ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم، ألا وقد كانت بيعتي فلتة، وذلك أنّي خشيت فتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوماً قطّ ولا ليلة، ولا طلبتها، ولا سألت الله إيّاها سرّاً ولا علانية، وما لي فيها راحة، ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدان. ولودّدت أنّ أقوى الناس عليها مكاني، فعليكم بتقوى الله، وإنّ أكيس الكيس التقيّ، وإنّ أحمق الحمق الفجور، وإنّي متّبع ولست بمبتدع، وإنّ أضعف الناس عندي الشديد حتّى آخذ منه الحقّ، وإنّ أشدّ الناس عندي الضعيف حتّى آخذ له الحقّ، وإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني. واعلموا أيّها الناس! أنّه لم يدع قوم الجهاد قطّ إلّا ضربهم الله بذل ّ، ولم تشع الفاحشة في قوم قطّ إلّا عمّهم البلاء. أيّها الناس! ابتغوا كتاب الله واقبلوا نصيحته، فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويعلم ما تفعلون، واحذروا يوماً ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع، فليعمل اليوم عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله عزّ وجلّ قبل ألا يقدر على ذلك. أيّها الناس! أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم))(1).

____________

1- أنساب الأشراف ١: ٥٩٠ الحديث ١١٩٦.


الصفحة 214

وليس فيه ذكر لعليّ(عليه السلام) والزبير، ولا بيعتهما، أو اعتذارهما!!

٧ــ أمّا حديث تحرّك الجبل، فليس له علاقة بأبي بكر! بل في الحديث فضيلة من فضائل عليّ(عليه السلام) ، فهو الصدّيق الشهيد المذكور في الحديث، استشهد به عليّ(عليه السلام) في محاججته مع اليهود(1)، فلا يختلط عليك الأمر!

وهو الصحيح، لا ما ادّعاه المخالفون من نسبة هذه الفضيلة إلى أصاحبهم، وقد أوضحنا ذلك مفصّلاً آنفاً في جوابنا على مزعمة ثبوت لقب الصدّيق لأبي بكر؛ فراجع!

٨ــ وأمّا خبر ابن عبّاس، ففيه:

أوّلاً: إنّه قول لابن عبّاس لا للإمام المعصوم، فلا يلزمنا قوله، وهو يحتمل الخطأ والصواب، لا كما هو الحال في كلام المعصوم.

ثانياً: لو سلّمنا بصحّة الرواية ــ ولا نسلّم لما سيأتي ــ فإنّ الكلام يحتمل التقية، كونه مع معاوية وعنده بطون قريش.

ثالثاً: في كلّ كلام ابن عبّاس تعريضٌ بمعاوية، كونه لم يلتزم بكلّ ما ذكر من المواصفات للخلفاء الأربعة الذين ذكرهم، وكذلك في مدحه لبعض الصحابة، حتّى أساء ذلك الكلام معاوية وجعله يحوّل الكلام إلى شيءٍ آخر، كما مذكور في آخر الرواية.

رابعاً: الرواية عامّية بكلّ طرقها، رواها إسحاق بن إبراهيم الختلي (ت٢٨٣هـ) في كتاب (الديباج) بسند سقط أوّله، عن أبي ريحان العامري: أنّ معاوية سأل ابن

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ١: ٣١٤ احتجاجه (عليه السلام) على اليهود من أحبارهم ممّن قرأ الصحف والكتب في معجزات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 215

عبّاس عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير والعبّاس، فوصفهم واحداً واحداً(1). وما أورده المستشكل هو ما ادّعي من وصف أبي بكر على لسان ابن عبّاس في الرواية، والختلي ضعيف، قال فيه الذهبي: ((الإمام، المحدّث، مصنّف كتاب (الديباج)... قال الدارقطني: ليس بالقويّ. قلت: مات في شوال سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وقد بلغ الثمانين. وفي كتابه (الديباج) أشياء منكرة. قال الحاكم: ضعيف. وقال مرّة: ليس بالقويّ))(2). وعند النظر في كتابه تراه مملوءاً بالمناكير، ولا نراه يسلم من أحاديث أقلّ من عدد الأصابع.

وورد في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية) مرسلاً(3)، وأورده المسعودي (ت٣٤٦هـ) في مروجه مرسلاً أيضاً(4)، وليس فيه ذكر لطلحة والزبير.

وأورده الطبراني (ت٣٦٠هـ) بسنده عن محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا هاشم ابن محمّد بن سعيد بن خثيم الهلالي، ثنا أبو عامر الأسدي، ثنا موسى بن عبد الملك ابن عمير، عن أبيه، عن ربعي بن حراش، قال: استأذن عبد الله بن عبّاس على معاوية، وقد تحلّقت عنده بطون قريش وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلمّا نظر إليه معاوية، قال: يا سعيد! والله لألقين على ابن عبّاس مسائل يعي بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عبّاس يعي بمسائلك، فلمّا جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟

____________

1- الديباج، للختلي: ٦٩ الحديث ١٤٢.

2- سير أعلام النبلاء ١٣: ٣٤٢ ـ١٥٨ـ.

3- أخبار الدولة العبّاسية: ٧٠ أخبار عبد الله مع معاوية.

4- مروج الذهب ومعادن الجواهر ٣: ٥٠ ذكر الصحابة ومدحهم وعلي والعبّاس وفضلهما.


الصفحة 216

قال: رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً...))، إلى آخر ما في الرواية من وصفه لعمر وعثمان وعليّ(عليه السلام) وطلحة والزبير والعبّاس(1).

ولكن الهيثمي، قال: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم(2)، وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير، ضعيف منكر الحديث(3).

وأورد الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، أوّله بسنده عن أبي زهير عبد الرحمن بن معمر التونسي، قال: حدّثنا ماعز بن عبد الملك بن عمير، عن جدّه، قال: استأذن ابن عبّاس على معاوية...الخ(4). والظاهر أنّ (ماعز) تصحيف (موسى)، إذ لم يذكروا لعبد الملك ولد يروي عنه اسمه ماعز.

ومن يراجع ما روي عن ابن عبّاس عند العامّة والخاصّة لا يجد هذا الخبر ينسجم مع منطقه ومتبنّياته، فما فيه من مرتبة عالية من المدح للثلاثة وطلحة والزبير لا تجد له مثيلاً في تراثه!

أليس هو الذي أجاب عمر حين قال له: ((يا بن عبّاس! ما أرى صاحبك إلّا مظلوماً))، بقوله: ((والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين! فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثم وقف، فلحقته، فقال: يابن عبّاس! ما أظنّهم منعهم عنه إلّا أنّه استصغره قومه! فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأُولى! فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك. فأعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه))(5).

____________

1- المعجم الكبير ١٠: ٢٣٨ الحديث ١٠٥٨٩.

2- مجمع الزوائد ٩: ١٥٨، باب مناقب سعد بن أبي وقّاص.

3- ميزان الاعتدال ٤: ٢١٣ ـ٨٨٩٤ـ.

4- تاريخ بغداد ٣: ١٨٩ ـ١٢١٨ـ.

5- شرح نهج البلاغة ١٢: ٤٦ نكت من كلام عمر وسيرته، و٦: ٤٥ ـ٦٦ـ أخبار من السقيفة.


الصفحة 217

وهو الذي أجابه حين قال له: ((أما والله يا بني عبد المطّلب! لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر))، بقوله: ((فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته، فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين! وأنت وصاحبك وثبتما وأفرغتما الأمر منّا دون الناس، فقال: إليكم يا بني عبد المطّلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب، فتأخّرت وتقدّم هنيهة، فقال: سر، لا سرت، وقال: أعد علَيَّ كلامك. فقلت: إنّما ذكرت شيئاً فرددت عليه جوابه ولو سكت سكتنا))(1).

أليس هو الذي أجاب معاوية حين قال له: ((ترى يا بن عبّاس أن تصرف غرب لسانك وحدّة نبالك إلى من دفعكم عن سلطان النبوّة، وألبسكم ثوب المذلّة، وابتزّكم سربال الكرامة، وصيركم تبعاً للأذناب بعد ما كنتم عزّ هامات السادات، وتدع أُميّة، فإنّ خيرها لك حاضر، وشرّها عنك غائب))، بقوله: ((أمّا تيم وعديّ، فقد سلبونا سلطان نبيّنا(صلى الله عليه وسلم) ، وعدواً علينا فظلمونا، وشفوا صدور أعداء النبوّة منّا، وأمّا بنو أُميّة فإنّهم شتموا أحياءنا، ولعنوا موتانا، وجاوزوا حقوقنا، واجتمعوا على إخماد ذكرنا، وإطفاء نورنا... الخ))(2).

وهو الذي أجاب معاوية عندما وصف عثمان بـ((الإمام العادل، والراعي الفاضل...))، بقوله: ((إنّه اكتسب بجهده الآثام، وكايد بشكّه الإسلام، وخالف السُنّة والأحكام، وجار على الأنام، وسلّط عليهم أولاد الطغام، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام))(3).

____________

1- محاضرات الأُدباء ومحاورات البلغاء، للراغب ٢: ٤٩٦ الحدّ العشرون، ١٣٠ وممّا جاء في فضائل أعيان الصحابة، عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

2- أخبار الدولة العبّاسية: ٤٩ أخبار عبد الله مع معاوية.

3- المصدر نفسه.


الصفحة 218

فهذا الذي يقول فيهم مثل هذا الكلام، كيف به يمدحهم بذاك المدح في الرواية المذكورة الضعيفة؟! ومن يذمّهم ويتّهمهم أمام معاوية، كيف يرفعهم ويبجّلهم أمامه أيضاً؟! ما هذا إلّا تناقض وتخالف!

ولكن إذا احتملنا الوضع والدسّ بمن وضع هذا السند لهذه الرواية بما فيه من ضعاف ومجاهيل، ونسبنا إليه إدخال أسماء الثلاثة وطلحة والزبير فيها، وتوزيع الفضائل عليهم، وجمعناه بما هو ظاهر من عقيدة ابن عبّاس في عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) ، استقرّ الاطمئنان في قلوبنا بأنّ مدائح ابن عبّاس هذه لم تكن إلّا لعليّ(عليه السلام) وحده.

كما روى ذلك ابن جرير الطبري الإمامي (ق٤هـ) في (المسترشد)، قال: ((وقد وصفه ربانيّ هذه الأُمّة عبد الله بن عبّاس حيث سأله معاوية عنه؟ فقال: كان والله للقرآن تالياً، وللشرّ قالياً، وعن المين نائياً، وعن المنكرات ناهياً، وعن الفحشاء ساهياً، وبدينه عارفاً...))(1)، إلى آخر ما في رواية الطبراني من دون ذكر لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير والعبّاس، بل كلّها منسوبة لعليّ(عليه السلام) مع اختلاف في بعض الألفاظ يسير.

٩ــ وأمّا زواج عليّ(عليه السلام) من أسماء بنت عميس، فإنّها كانت زوجة جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) قبل أبي بكر، ومجرّد اشتراكه (عليه السلام) وأبي بكر بالزواج من نفس المرأة، لا يعني أيّة فضيلة لأبي بكر، فكم حصل من زواج بين مؤمن ومنافق لامرأة واحدة، بل قد تزوّج المسلمون بزوجات الكفّار بعد مفارقتهن لهم، وتربيته

____________

1- المسترشد: ٣٠٦ الحديث ١١٣.


الصفحة 219

لمحمّد بن أبي بكر لا يعطي أيّة فضيلة لأبي بكر، بل يظهر عدم أحقيّة أبي بكر، حيث كان محمّداً معادياً لخطّه ومنهجه، وسائراً على خط عليّ(عليه السلام) .

(عليّ(عليه السلام) لم يمدح أبا بكر)

« تلميذة المطهرين ــ لبنان ــ إمامية »

السؤال:

أُرسل لكم نص الخطبة التي جاءتني من أحد الكتّاب، ولكن وللأسف لا يوجد مصدر لهذه الخطبة في الكتاب، وهذا نص الموضوع:

((رأي الإمام عليّ في الخلفاء الراشدين:

كان الإمام عليّ شديد الحبّ للخلفاء الراشدين، كثير التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين، وتحمّل مسؤولية الحكم أبان أسفارهم، وكانوا يندبونه إلى ذلك، ولعلّ أبلغ ما يمكن أن يصوّر مكانة أبي بكر في قلب الإمام عليّ في خطبة الإمام حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلاً: (رحمك الله يا أبا بكر! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صدّيقاً، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(1)، يريد محمّداً ويريدك. وكنت والله للإسلام حصناً،

____________

1- الزمر ٣٩: ٣٣.


الصفحة 220

وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجّتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك. وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت كما قال رسول الله: ضعيفاً في بدنك قويّاً في أمر الله، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله، جليلاً في الأرض، كبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقويّ عندك ضعيف حتّى تأخذ الحقّ منه، والضعيف عندك قويّ حتّى تأخذ الحقّ له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلّنا بعدك...).

هذا هو رثاء أمير المؤمنين عليّ لأمير المؤمنين أبي بكر، أو بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة ساكبة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيّدنا عليّ بهذه المعاني يمكن لأتباع سيّدنا عليّ أن يرموه بالردّة؟!

والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين عليّ في عمر وعثمان، وهو كلام جميل كلّه صدق وأدب، وهو كلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق)).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد الفحص عن مصادر هذه الخطبة، تبيّن أنّه رواها كلّ من البزّار في مسنده(1), والضياء المقدسي في كتابه (الأحاديث المختارة)(2)، وابن الأثير في كتابه (أُسد الغابة)(3)، جميعهم رووا هذه الخطبة عن عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن

____________

1- مسند البزّار ٣: ١٣٨ الحديث ٩٢٨.

2- الأحاديث المختارة ٢: ١١ ــ ١٩ الحديث ٣٩٧ ــ ٣٩٩.

3- أُسد الغابة ١: ٩١ ترجمة أسيد بن صفوان.


الصفحة 221

عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان: إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) وقف على باب أبي بكر يندبه قائلاً: (رحمك الله يا أبا بكر! كنت أوّل...) إلى آخر الخطبة.

والتحقيق: أنّها خطبة مكذوبة مختلقة من قبل الراوي عمر بن إبراهيم الهاشمي، فقد قال فيه الدارقطني: كذّاب خبيث, وضعّفه ابن عقدة، وقال الخطيب: غير ثقة، يروي المناكير عن الأثبات. فراجعي أيّتها المحترمة ترجمة هذا الراوي في كتاب (لسان الميزان) للحافظ ابن حجر العسقلاني(1)، لكي تتبيني حقيقة الأمر.

تعليق:

« متين ــ تركيا ــ علوي »

سلام عليكم..

هو وصف الخضر للإمام عليّ(عليه السلام) ! (انظروا: الكليني في الكافي ج١ ص٤٥٤ ــ ٤٥٦).

((عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن البرقي، عن أحمد بن زيد النيسابوري، قال: حدّثني عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمر عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين(عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجاء رجل باكياً وهو مسرع مسترجع، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوّة، حتّى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقال:

____________

1- لسان الميزان ٤: ٢٨٠ ـ٨٠٢ـ.


الصفحة 222

رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً.

قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصغر الفاسقين.

فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالأُمور.

كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالاً، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمّرت إذ اجتمعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ أسرعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.

كنت على الكافرين عذاباً صبّاً ونهباً، وللمؤمنين عمداً وحصناً، فطرت والله بنعمائها، وفزت بحبائها، وأحرزت سوابقها، وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجّتك، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخر.


الصفحة 223

كنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال: آمن الناس في صحبتك، وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفاً في بدنك، قويّاً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، كبيراً في الأرض، جليلاً عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتّى تأخذ له بحقّه، والقويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحقّ والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت، وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الإسلام، فظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وثبت بك الإسلام والمؤمنون، وسبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاه، وسلّمنا لله أمره، فو الله لم يصاب المسلمون بمثلك أبداً.

كنت للمؤمنين كهفاً وصحناً، وقنة راسياً، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً، فألحقك الله بنبيّه، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلّنا بعدك.

وسكت القوم حتّى انقضى كلامه، وبكى وبكى أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه)).

شرح أُصول الكافي، للمولي محمّد صالح المازندراني (ج٧، ص٢٠١): ((قوله: (وجاء رجل) يفهم من كلام الصدوق في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) أنّ ذلك الرجل هو: الخضر(عليه السلام) )).


الصفحة 224

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ النص الذي مدحوا فيه أبا بكر مأخوذ من هذه الرواية التي ذكرتها، وكذلك بعض السند، ونحن إنّما قلنا أنّها مختلقة من قبل عمر بناءً على مبناهم في تضعيف الرجل، والقول فيه أنّه كذّاب خبيث وضّاع، وبذلك لا يصحّ ما ذكروه من مدح عليّ(عليه السلام) لأبي بكر.

(رواية موضوعة في مدح أبي بكر)

« أحمد العامري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

سئل الإمام عليّ(عليه السلام) : لم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإماماً لهم؟

فأجاب (عليه السلام) بقوله: (إنّا نرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حيّ).(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١/٣٣٢)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت ص:٥١).

فهل هذا صحيح؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نستغرب منك أيّها الأخ الكريم نسبتك هذا الكلام إلى الشيعة وأهل البيت(عليهم السلام) كما تقول! فلا ندري هل تعمّدت هذا، أم أنّك لم تراجع من ذكر ذلك؟!


الصفحة 225

واللطيف أنّ نفس ابن أبي الحديد لم ينسب هذا إلى مصادر الشيعة!

ولكي نحملك محمل حسن، نذكر لك من أورده ليتّضح لك الحال:

ــ ابن أبي الحديد، كما ذكرت أنت ــ وهو معتزلي وليس من الشيعة ــ قد أورده عن أبي بكر بن عبد العزيز الجوهري (ت٣٢٣هـ)، الذي ذكره في كتابه (السقيفة)، وهو من أعلام العامّة في القرن الرابع نقلاً عن ابن شبّة صاحب كتاب (تاريخ المدينة)(1).

ــ الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ) في (المستدرك على الصحيحين)(2).

ــ البيهقي (ت٤٥٨هـ) في سننه(3).

ــ المحبّ الطبري (ت٦٩٤هـ) في (الرياض النضرة)(4).

ــ الذهبي (ت٧٤٨هـ) في (تاريخ الإسلام)(5).

ــ ابن كثير (ت٧٧٤هـ)في (البداية والنهاية)(6).

ــ المتّقي الهندي (ت٩٧٥هـ) في (كنز العمّال)(7).

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٥٠ ـ٢٦ـ حديث سقيفة، و٦: ٤٨ ـ٦٦ـ ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ٦٦ خطبة أبي بكر واعتذاره في أمر الإمارة.

3- السنن الكبرى ٨: ١٥٣، باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلاً للخلافة بعده.

4- الرياض النضرة في مناقب العشرة ١: ٢٤٢ الفصل الثالث، ذكر بيعة العامّة.

5- تاريخ الإسلام ٣: ١٣.

6- البداية والنهاية ٥: ٣٧٠، و٦: ٣٣٤.

7- كنز العمّال ٥: ٥٩٧ الحديث ١٤٠٦.


الصفحة 226

وكما ترى أنّ كلّ هذه المصادر لأهل السُنّة، وليس في مصادر شيعة أهل البيت شيء من ذلك، فليس من الصحيح الاحتجاج والاستشهاد على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) بما لا يعتقدون بحجّيته عندهم.

وقد فصّلنا القول في طرق هذه الرواية وأرجعناها إلى أصلها في جواب سؤال بعنوان (ردّ روايات نُقلت من مصادر شيعية في مدح أبي بكر) آنفاً؛ فراجع!

(صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) وراء أبي بكر تقيّة)

« أبو رضا ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

يقول أهل السُنّة: لو كانت في صلاة نبيّ الله عيسى وراء الإمام المهدي فضيلة، لكانت صلاة الإمام عليّ وراء أبي بكر فضيلة أيضاً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هناك فرقاً بين صلاة نبيّ الله عيسى(عليه السلام) باختياره وراء الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) بعد أن يقدّمه المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) فيمتنع، وهو يرى أفضليّته وأحقّيته بالتقديم، وبين صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) خلف أبي بكر المتغلّب على منصب الإمارة، والمتقدّم لإمامة المسلمين من دون حقّ، والمانع لعليّ(عليه السلام) من الصلاة بالمسلمين؛ لأنّه وصيّ خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والقائم مقامه بعده.. فلا تكون صلاته خلفه إلّا تقيّة واضطراراً، فهو (عليه السلام) مضطر إليها حفاظاً على وحدة المسلمين، وأنّ عمله ذاك لا يخرج عن كونه أحد مصاديق التقية..


الصفحة 227

وبثبوت كون عمله تقية، فإنّ صلاته تلك تكون مورداً للقدح في أبي بكر؛ لأنّه ستكون ممّن يحتاج للعمل معه بالتقية.

تعليق ١:

« أحمد حبيب ــ الكويت ــ إمامي »

بثبوت كون عمله تقية فإنّ صلاته تلك تكون مورداً للقدح في أبي بكر؛ لأنّه ستكون ممّن يحتاج للعمل معه بالتقية...

أرجو منكم إثبات ذلك؛ إذ كيف لكم أن تحكموا بتقية عمله(عليه السلام) ؟

ودمتم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ثبت عندنا بالدليل: أنّ الصلاة خلف أيّ إمام تحتاج إلى توفّر شروط محدّدة في كتب الفقه؛ وأبو بكر فاقد لبعضها! فلا تصحّ الصلاة خلفه.

وإذا ثبت أنّ الإمام صلّى خلفه مع عصمته، لا بدّ أن نحمل عمله ذلك على التقية.

ثمّ إنّه لا يجوز عندنا التقدّم على الإمام المنصوص المعصوم في الصلاة، وهو هنا عليّ(عليه السلام) ؛ فصلاته خلف أبي بكر، لو ثبتت، لا بدّ أن تُحمل على التقية.

تعليق ٢:

« حيدر ــ البحرين ــ إمامي »

هل لكم أن توردوا هذه الشروط الواجب توفّرها في الإمام، الغير متوفّرة في ابن أبي قحافة، ولِمَ لم يتظاهر الإمام عليّ(عليه السلام) بالمرض مثلاً لكي لا تكون حجّة على أتباعه من بعده؟


الصفحة 228

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أحد الشروط المهمّة لإمام الجماعة هو: عدالة الإمام، وهي غير متوفّرة في أبي بكر بالأدلّة المتوافرة عندنا، وأوّلها: غصبه لمنصب الإمامة.

ثمّ إنّ طول مقدار زمان حكومة أبي بكر ــ وهو سنتان ــ لا يسمح للإمام(عليه السلام) بالاعتذار في كلّ صلاة، التي هي خمس مرّات في اليوم، فلا يبعد أن يحصل مثل ذلك المورد الذي يحتاج به إلى التقية، وظرف التقية لا حجّة فيه على شيعته، بل حجّة لهم!

(رواية: ولدني أبو بكر مرّتين)

« ناصر نور الدين ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل صحيح عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: (ولدني أبو بكر مرّتين)؟ وما معنى الرواية؟ وهل هي صحيحة؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ مقولة الإمام الصادق(عليه السلام) : (ولدني أبو بكر مرّتين) يتناقلها العامّة عند ذكر فضائل أبي بكر.


الصفحة 229

والرواية ينقلها الإربلي صاحب كتاب (كشف الغمّة)، وهو من الإمامية، إلّا أنّه صرّح في خطبة كتابه، فقال: ((واعتمدت في الغالب النقل من كتب الجمهور؛ ليكون أدعى إلى تلقّيه بالقبول))(1).

فنقل في كتابه (كشف الغمّة): ((وقال الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي ــ وهو من العامّة ــ أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام)، وأمّه أُمّ فروة... ولذلك قال جعفر: ولقد ولدني أبو بكر مرّتين))(2).

ولكن عندما نقل الفضل بن روزبهان الحديث عن (كشف الغمّة) أضاف إليه الصدّيق، فصار الحديث: (ولدني أبو بكر الصدّيق مرّتين)(3)، وأوّل من أضاف (الصدّيق) للحديث حسب ما رأينا هو الذهبي في كتبه(4)!! وهذا شأنهم لرفع فضائل أصحابهم.

على أنّ سند هذا الحديث ضعيف، لأنّ فيه عبد العزيز بن محمّد الأزدي، مجهول، قال فيه ابن قطّان: عبد العزيز لا يعرف(5)، وقد تفرّد به عن حفص بن غياث قاضي بغداد والكوفة للرشيد(6)، وهذا أدعى لعدم قبوله إذا كان قد قاله الصادق(عليه السلام) ! لأنّ الداعي لخروجه مخرج التقيّة سيكون قويّ فيه.

____________

1- كشف الغمّة ١: ٤ ذكر الإمام السادس جعفر الصادق.

2- كشف الغمّة ٢: ٣٧٤.

3- إحقاق الحقّ ١: ٢٩ خطبة ابن روزبهان.

4- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة ١: ٢٩٥ ـ٧٩٨ـ، تذكرة الحفّاظ، للذهبي ١: ٢٩٥ ـ١٦٢ـ، سير أعلام النبلاء ٦: ٢٥٥ ـ١١٧ـ، تاريخ الإسلام ٩: ٨٨ الطبقة الخامسة عشرة، حرف الجيم.

5- لسان الميزان، لابن حجر ٤: ٣٢ ـ٨٦ـ.

6- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ٣٥٧ ـ٧٢٥ـ.


الصفحة 230

وقد جاءت روايته بالسند المذكور في (فضائل الصحابة) للدارقطني، قال: ((حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسماعيل الآدمي، نا محمّد بن الحسين الحنيني، قال: نا عبد العزيز بن محمّد الأزدي، قال: نا حفص بن غياث، قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول: (ما أرجو من شفاعة عليّ شيئاً إلّا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله، ولقد ولدني مرّتين)))(1)، ومثله ما عن (شرح أُصول اعتقاد أهل السُنّة والجماعة) للألكائي(2)، و(تهذيب الكمال) للمزّي من طريق الدارقطني(3).

وإن سلّمنا أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (ولدني أبو بكر مرّتين)، فلا دلالة في كلامه هذا على الثناء والتعظيم! بل الظاهر أنّه ذكر ذلك عند تفصيل حال الآباء والأُمّهات، لأنّ أُمّ الإمام(عليه السلام) هي أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فيكون أبو بكر جَدّاً لأُمّ فروة من جهة الأب ومن جهة الأُمّ، فعبّر الإمام بهذا التعبير، ولا يكون فضلاً، لأنّ الحديث عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): (تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تنكح المرأة على جمالها، وتنكح المرأة على دينها وخلقها، فعليك بذات الدين تربت يمينك)(4)، ولم يشر للأب بشيء أو للأُمّ، والآية قاضية بذلك: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(5)، و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(6).

____________

1- فضائل الصحابة: ٥٧ الحديث ٣٠.

2- شرح أُصول اعتقاد أهل السُنّة والجماعة ٧: ١٣٨٠ الحديث ٢٤٦٧.

3- تهذيب الكمال ٥: ٨١ ـ٩٥٠ـ.

4- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ١٦١ كتاب النكاح.

5- الأنعام ٦: ١٦٤، الإسراء ١٧: ١٥، فاطر ٣٥: ١٨، الزمر ٣٩: ٧، النجم ٥٣: ٣٨.

6- المدّثر ٧٤: ٣٨.


الصفحة 231

فإنّ أبا بكر وإن كان ما كان، فإنّه يخرج الخبيث من الطيّب، ويخرج الطيّب من الخبيث، فهذا ابن نبيّ الله نوح(عليه السلام) ما ضرّ أبوه عمله ولا نفعه قربه من أبيه، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1)، وهذا محمّد بن أبي بكر على طرف نقيض مع أبيه، فهو من خُلّص أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) (2)، وقتل في سبيل الدفاع عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ولعلّه يكون السبب في التناسب بين الإمام(عليه السلام) وبين أبناء محمّد بن أبي بكر.

وخلوّ الحديث ــ لو سلّمنا به ــ عن لفظة الصدّيق، أو أيّ لفظة أُخرى، سوى (أبو بكر)، يشعر بعدم إرادة المدح.

تعليق ١:

« زهير حسن ــ الدنمارك ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تفضّلتم في جوابكم على السؤال: إنّ أُمّ فروة هي أُمّ الإمام الصادق(عليه السلام) ، وجدّها يكون أبو بكر من جهة الأب، ومن جهة الأُمّ يكون عبد الرحمن الناصبي ابن أبي بكر جدّها.

وعليه أتساءل: كيف يمكن أن نوفّق بين الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، ونجد من ضمن تلك الأصلاب صلب أبي بكر وابنه عبد الرحمن؟

وجزيتم خيراً، وتقبّل الله عملكم.

____________

1- الحجرات ٤٩: ١٣.

2- انظر: الإصابة، لابن حجر ٦: ١٩٣ ـ٨٣١٣ـ، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٧٠، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٩٤.


الصفحة 232

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عندما نقول: (الأرحام المطهّرة)، فالمقصود: أنّ الأُمّ التي تحمل الإمام تكون كذلك، ولا يتعدّى ذلك إلى آباء الأُمّهات، أو أجدادهنّ.

نعم، في سلسلة الآباء ثبت الدليل على كون آباء الأئمّةF كلّهم كانوا على التوحيد، لكن هذا لا يعمّ آباء الأُمّهات، ولا الأجداد من جهة الأُمّهات.

تعليق ٢:

« حسين النقيب ــ العراق ــ إمامي »

كيف ميّزت الأرحام المطهّرة عن الأصلاب! وقلت: إنّ أصلاب الأئمّة من جهة الأب هي المقصودة، والحديث كان ظاهره شاملاً للاثنين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت عندنا روايات تشير إلى انتقال نور النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من صلب إلى آخر، إلى أن انقسم النور قسمين: صار أحدهم في عبد الله، والآخر في أبي طالب، فهذا النور انتقل من صلب آدم(عليه السلام) إلى أن وصل إلى صلب أب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعمّه، ولم ينتقل في أصلاب آباء الأُمّهات(1).

____________

1- انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢٧٧ الحديث ٤٤، علل الشرائع، للصدوق ١: ٢٠٩ الحديث ١١ الباب ٩٥٦، مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، لابن المغازلي: ٩٣ ــ ٩٥ الحديث ١١٤ ــ ١١٦، نظم درر السمطين، للزرندي: ٧٩، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٦٧ ترجمة الإمام عليّ، المناقب، للخوارزمي: ٤٥ الحديث ١٦٩، ١٧٠، نهج الإيمان، لابن جبر: ٣٩٢، وغيرها.


الصفحة 233

فلذا يكون المقصود بـ(الأصلاب الشامخة): الأصلاب التي انتقل بها ذلك النور، والمقصود بـ(الأرحام المطهّرة): الأرحام التي حملت تلك الأصلاب الشامخة، فالأرحام أيضاً متعدّدات، لكن الحديث لا يظهر منه أكثر من تلك الأرحام التي حملت ذلك النور.

(لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)

« يونس مطر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(1)، ويقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) : (ولدني أبو بكر مرّتين).. وهذا حديث صحيح..

والكلّ يعرف أنّ هذه الآية نزلت في حقّ أهل البيت والأئمّة من ذرّيتهم، ولمّا رجعنا للإمام جعفر الصادق نرى أنّ أُمّه تنتسب إلى أبي بكر.. معنى ذلك أنّ أبا بكر ذرّية بعضهما من بعض.

ما هو تفسيركم لهذا؟

ودمتم موفّقين في رعاية الله.

____________

1- آل عمران ٣: ٣٤.


الصفحة 234

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ _ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ...(1).

إنّ الكلام في هذه الآية عن من اصطفاه الله من الرسل والأنبياء والأوصياء على بقية الخلق (العالمين)، وأنّ من اصطفاهم ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فلا يزال في الناس من آل إبراهيم مصطفى ما دام هناك من يحتاج إلى إمام وحجّة على الأرض، وقلنا: إنّ هذا المصطفى من آل إبراهيم لقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وقد ثبت في موضعه بما لا يقبل الشكّ أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّاً وأولاده المعصومين هم المصطفون من آل إبراهيم.

فبعد إبراهيم اصطفى إسماعيل.. وهكذا، حتّى وصلت إلى هاشم وعبد المطّلب، ثمّ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليّ(عليه السلام) ، ثمّ الحسن والحسين، إلى بقية الأئمّة(عليهم السلام)، فكلّهم ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.

ثمّ ليس كلّ ذرّية الأنبياء مصطفون، وإنّما يصطفي الله من اختاره منهم خاصّة.

ولا يمكن أن يكون أبو بكر من المصطفين، فإنّه وأباه كانا مشركين! وأنّه استولد من بطن دون بطنهم جميعاً بعد أن انفصل بشرك بعض آباءه عن سلسلة الذرّية المصطفاة المتّصلة، فلا تصدق فيه: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، بينما يصدق في عليّ والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، لاتّحادهم في

____________

1- آل عمران ٣: ٣٣ ــ ٣٤.


الصفحة 235

الجدّ, فهما (عليهما السلام) من ذرّية الأنبياء، وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، أي: بعض الذرّية، وهي المصطفاة من بعض الآباء، وهم ممّن اصطفي من الأنبياء والرسل والأوصياء السابقين.

فإنّ الوصاية والعلم وميراث النبوة كان ينتقل في بيوت الأنبياء من بيت إلى بيت في ذرّيتهم، ليس كلّ ذرّيتهم! وإنّما البيوت المصطفاة، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ...(1)، وهي بيوت الأنبياء والرسل والأوصياء.

فإبراهيم هو أصل الشجرة الواردة في القرآن، وقد ذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّها هو وأهل بيته: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ(2).

وإلّا إذا ادّعى مدّع أنّ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ تشمل كلّ ذرّية الأنبياء، فالبشر كلّهم ولد آدم(عليه السلام) ، وهو من المصطفين، فهل البشر كلّهم مصطفون؟! وأيّ اختصاص إذاً لآل إبراهيم وآل عمران؟!

ثمّ هل تقول: إنّ أُمّهات الإمام الصادق(عليه السلام) كنّ من الرسل، أو الأنبياء، أو الأوصياء؟!

وأمّا ما قلت من صحّة ما نسب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) من قوله: (ولدني أبو بكر مرّتين)، فهو غير دقيق! فإنّ سند الرواية ضعيف، وإن كان معناه صحيحاً، كما بيّنا سابقاً.

____________

1- النور ٢٤: ٣٦.

2- النور ٢٤: ٣٥.


الصفحة 236

تعليق ١:

« أكبر ــ الكويت ــ إمامي »

السلام عليكم..

((ثمّ هل تقول: إنّ أُمّهات الإمام الصادق(عليه السلام) كُنّ من الرسل، أو الأنبياء، أو الأوصياء؟!)).

تعليقاً على هذه الجملة التي وردت في ردّكم السابق على الأخ البحريني، فهل يعني ذلك بأنّ أُمّهات الأنبياء والأوصياء ممكن أن لا يكنّ مطهّرات؟ أليس في ذلك طعناً بالأنبياء والأوصياء؟!

حسب فهمي المتواضع أنّ الأنبياء والأوصياء هم أبناء ذرّية موحّدة (من طرفي الأب والأُمّ)، فهل فهمي هذا خاطئ؟

ودمتم سالمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ العبارة المذكورة وردت في سياق ردّ دعوى الاصطفاء لجميع ولد آدم(عليه السلام) ، حتّى أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام)، فهنَّ ــ كما هو معلوم ومقطوع به ــ لسن من الأنبياء، أو الرسل، أو الأوصياء.. فالاصطفاء كان خاصّاً بالرسل والأنبياء والأوصياء من ذرّية آدم(عليه السلام) ، وبخصوص نوح، وآل إبراهيم، وآل عمران(عليهم السلام)، فقط بنصّ الآية الكريمة..

وليس الكلام عن الطهارة المعنوية، أو التنزيه عن الشرك، أو الزنا، كما يفهم عند ذكر أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام) في هذا الخصوص..


الصفحة 237

فالجواب كان بخصوص مسألة الاصطفاء دون مسألة التنزيه من الشرك أو الزنا, وهي ــ أي مسألة الاصطفاء ــ خاصّة بالمذكورين من جهة الأب دون الأُمّ.. فلا يدخل أبو بكر في المعنى المراد من الآية.

تعليق ٢:

« أكبر ــ الكويت ــ إمامي »

السلام عليكم..

إذاً من جوابكم نستنتج أنّ الآية: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(1)، تعني من طرف الآباء فقط؟

ومن جوابكم أيضاً: فإنّ أُمّ الإمام الصادق(عليه السلام) طاهرة ومنزّهة، ولكن ماذا عن أجدادها؟ هل من الممكن أن لا يكونوا منزّهين عن تلك الأُمور؟ ألا يعدّ هذا طعناً بنسبه (عليه السلام) ؟

ودمتم برعاية الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من خلال تعليقاتكم السابقة رأينا من المناسب أن نعلّق بشيء من التفصيل على شكل نقاط:

١ــ قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(2), ظاهر في أنّ الاصطفاء كان للبعض من البعض، لا للكلّ من البعض، ولا للكلّ من الكلّ، ولا للبعض من الكلّ.

____________

1- الشعراء ٢٦: ٢١٩.

2- آل عمران ٣: ٣٤.


الصفحة 238

أي مثلاً: إنّ بعضاً من ولد نوح(عليه السلام) اصطفاهم الله لإقامة دينه وليس كلّ ولده، وهذا البعض كان ذرّية من نوح(عليه السلام) المصطفى الذي هو أيضاً بعض من ذرّية آبائه، فليس كلّ إخوان وأعمام وإخوة أجداد نوح(عليه السلام) مصطفون, إذ لاحظ دقّة الآية فإنّها لم تقل: (ذرّية كلّها من بعض), ولا: (ذرّية بعضها من كلّ)، وإلّا لكان كلّ أولاد آدم(عليه السلام) مصطفون، أو كلّ ذرّية من هو مصطفى مصطفون، وهذا واضح البطلان.

٢ــ إنّ هناك فرقاً بين معاني الاصطفاء، والساجدين، والشرك، والطهارة، المقصودة في (الأرحام المطهّرة). فإنّ الاصطفاء، هو: اختيار من الله, ويدلّ كون آباء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الساجدين على أنّهم موحّدين غير مشركين, وأمّا دلالة الأرحام المطهّرة، فهو: التنزيه عن الزنا ــ والعياذ بالله ــ.

٣ــ ونحن نثبت التوحيد لكن آباء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي الأئمّة(عليهم السلام) من خلال ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(1)، و﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(2), ونثبت طهارة أُمّهات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) حتّى من جهة الأُمّ من خلال (الأرحام المطهّرة)، وأنّ نطفتهم كانت تنتقل في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهّرة، ولم يلتقي آباؤهم على السفاح.

أمّا إنّ آباء وأجداد وأُمّهات وجدّات أُمّهاتهم، فليس عندنا دليل على أنّهم كانوا كلّهم من الموحّدين, والتوحيد غير الطهارة من الزنا.

نعم، الدليل الواصل إلينا يثبت الإيمان للأُمّهات المباشرات؛ فلاحظ!

____________

1- الشعراء ٢٦: ٢١٩.

2- آل عمران ٣: ٣٤.


الصفحة 239

(دعوى حجّ أبي بكر بالناس عام تسعة للهجرة وصلاته في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم))

« م/سعيد ــ العراق »

السؤال:

أرجو دراسة الروايتين القائلتين بأنّ أبا بكر حجّ بالناس في العام التاسع للهجرة، وكذلك أنّه صلّى بالناس في مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، من كتب السُنّة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة لمسألة حجّ أبي بكر بالناس:

اختلفت الروايات عند أهل السُنّة أنفسهم في إثباته؛ فالمتّفق عليه بحسب رواياتهم هو: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل أبا بكر لتبليغ آيات البراءة لمشركي مكّة في موسم الحجّ، وبعد ذهابه بأيّام أمر جبريل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث عليّاً(عليه السلام) لتبليغها، فأخذها عليّ(عليه السلام) من أبي بكر، فذهب فبلّغها، ثمّ يبدأ الاختلاف في الروايات، فأصحّها تثبت رجوع أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كئيباً، أو خائفاً، أو مستفسراً مستغرباً، وهو يقول: ((أنزل فيّ شيء؟)).

فعلى هذه الروايات يكون أبو بكر قد رجع ولم يحجّ؛ لعدم سهولة الذهاب والإياب، للحوق عليّ(عليه السلام) بهم بعد مسير ثلاثة أيام، ثمّ الذهاب إلى المدينة والرجوع إليهم مع سيرهم وعدم توقّفهم.


الصفحة 240

وهناك رواية تذكر: بأنّ أبا بكر لمّا رأى عليّاً(عليه السلام) قد التحق بهم على ناقة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، سأله: أمير أم مأمور؟ قال عليّ(عليه السلام) : بل مأمور، وهذه الرواية ــ إن صحّت ــ فإنّهم يستدلّون بها على مواصلة أبي بكر لأمر الحجّ وتركه لأمر تبليغ البراءة لعليّ(عليه السلام) ..

ولكن حتّى لو صحّت، فإنّه يرد على الاحتجاج بمجرّد هذه الرواية على مواصلة أبي بكر الحجّ وجعله تحت إمرة أبي بكر، بأنّنا لو دقّقنا في المعنى من ذلك القول، وقارنّاه بقوله في رواية أُخرى ــ ضعيفة بل مردودة وستأتي ــ : ((أمير أم رسول؟))(1)، فإنّه يحتمل أنّ أبا بكر قد سأله: هل أنت بأمرك تريد أخذ آيات براءة وتبليغها، أم أنّك رسول ومأمور من قبل النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فعضد قوله(عليه السلام) بأنّه: رسول ومأمور، لا آمر بنفسي ومجتهد برأيي، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أرسله على ناقته المعروفة والتي لا يستغني عنها بحال، لكي لا يكذّب أمير المؤمنين(عليه السلام) ، أو يشكّك بدعوته الإرسال والأمر بذلك منه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وبالنظر في مجموع الروايات والمواقف الأُخرى، فإنّنا نستطيع قول ما يلي:

أوّلاً: ما يرجّح كفّة الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر فور وصول الإمام عليّ(عليه السلام) هو: كونها أصحّ طرقاً، دون التي تذكر بقاء أبي بكر واستمراره، ولا نستطيع الجمع بينها؛ لأنّ الحادثة واحدة، والفعل واحد، ومتون الروايات متعارضة،

____________

1- انظر: سنن الدارمي ٢: ٦٧ كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، سنن النسائي ٥: ٢٤٧ كتاب مناسك الحجّ، الخطبة قبل يوم التروية ١٨٧، السنن الكبرى، للبيهقي ٥: ١١١ جماع أبواب دخول مكّة، باب الخطب التي يستحب للإمام أن يأتي بها في الحجّ.


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية