المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270)

بل متناقضة، فينبغي ترجيح قسم من الروايات على القسم الآخر، خصوصاً بما ذكرناه من صحّة أسانيد القسم الأوّل، والتي تصرّح: بأن يأخذ عليّ(عليه السلام) سورة براءة منه أينما لحق به، ويذهب بها إلى مكّة ليبلغها، ولم تذكر هذه الروايات الحجّ، أو الطاعة لأبي بكر، أو المسير معه وتحت إمرته.

ثانياً: كذلك عدم وجود أيّ حادثة سابقة، أو بعثة، أو غزوة، أو مهمّة، يكون فيها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) مأموراً وليس أميراً وقائداً، إلّا تحت إمارة وقيادة وإمامة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، بخلاف أبي بكر وغيره؛ فإنّه قد تأمّر عليهم غيرهم، ممّا يجعلنا نجزم بعدم إمارة أبي بكر في تلك الحجّة وعليّ(عليه السلام) موجود فيهم، وإلّا لأرسله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معهم منذ البداية، أو لبيّنت جميع أو أغلب الروايات ذلك الأمر المهم من إمارة أبي بكر للحجّ ولعليّ(عليه السلام) .

ثالثاً: لم يذكر أحد من المفضّلين لأبي بكر على عليّ(عليه السلام) أنّه كان أميراً عليه في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو في الحجّ، ممّا يدلّ على عدم وجود هذا الأمر، بل إنّهم كانوا بأمسّ الحاجة لذلك يوم السقيفة، ولم يستدلّوا على فضل أبي بكر لا بالحجّ بالناس، ولا بالإمرة على عليّ(عليه السلام) ، بل ينقض عليهم سقيفتهم عزله حينئذ وعدم كفاءته وعدم خلافته لمقام النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

والأحاديث تنصّ بوجوب كون التبليغ من قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ممّن هو منه، كي يؤدّي عنه، ومعنى (منّي) يستعملها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيراً بمعنى مشابهته، واتّباع طريقته وسُنّته، والتزامه بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دائماً ومطلقاً، وقد أكّد ذلك سابقاً بقوله لعليّ(عليه السلام) ، كما رواه البخاري: (أنت منّي وأنا منك)(1).. وفي حديث آخر: (عليّ منّي وأنا منه، ولا

____________

1- صحيح البخاري ٣: ١٦٨ كتاب الصلح، و٤: ٢٠٧ كتاب بدء الخلق، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، و٥: ٨٥ كتاب المغازي، باب عمرة القضاء.


الصفحة 242

يؤدّي عنّي إلّا عليّ)، وهو حديث صحيح أيضاً، قد رواه الترمذي وصحّحه(1)، وأحمد(2)، والنسائي في (الخصائص)(3)، وغيرهم كثير(4).

رابعاً: إنّ الروايات الأصحّ سنداً تنص على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر بتبليغ آيات براءة، ولم تركّز على بعثه كأمير للحجّ، وخصوصاً كون الحجّ في ذلك العام مختلطاً فيه المسلم والمشرك، والمتسترون والعراة، وكذلك أحكام الحجّ كانت غير متكاملة، بل مشابهة لحجّ الجاهلية، بل لم يكن الغرض منها إلّا التبليغ والتهيئة لحجّة الوداع. ولذلك أردفها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بحجّة الوداع، دعا لها جميع المسلمين، وقال عندها: (خذوا عنّي مناسككم)(5)..

فأيّ حجّ؟ وأيّ مناسك قام بها أبو بكر، وتشرّف بأدائها، أو نشرها، أو تعليمها للمسلمين؟ فقد نقل ابن كثير عن ابن إسحاق رواية فيها: ((ثمّ مضيا (أبو بكر وعليّ)، فأقام أبو بكر للناس الحجّ والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية))(6).

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ مناقب عليّ بن أبي طالب، باب ٨٥ الحديث ٣٨٠٣.

2- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٦٤ ــ ١٦٥ عن أبي سعيد بن زيد.

3- خصائص أمير المؤمنين: ٨٧، ٨٨ قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): عليّ مني وأنا منه، و٩٠ حديث: لا يؤدي عنّي إلّا أنا وعليّ.

4- انظر: سنن ابن ماجة ١: ٤٤ الحديث ١١٩، باب في فضائل رسول الله، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٥ كتاب الفضائل، باب ١٨ الحديث ٨، الآحاد والمثاني، للضحاك ٣: ١٨٣ الحديث ١٥١٤ حبشي بن جنادة السلولي، مسند أبي يعلى ١: ٢٩٣ الحديث ٣٥٥، المعجم الكبير، للطبراني ٤: ١٦.

5- السنن الكبرى ٥: ١٢٥ جماع أبواب دخول مكّة، باب الإيضاع في وادي محسر.

6- السيرة النبوية، لابن كثير ٤: ٦٩ بعث رسول الله أبا بكر أميراً على الحجّ سنة تسع ونزول سورة براءة، السيرة النبوية، لابن هشام ٤: ٩٧٢، حجّ أبي بكر بالناس سنة تسع، جامع البيان، للطبري ١٠: ٨٤ الحديث ١٢٧٢٩ سورة التوبة.


الصفحة 243

فالحجّ لم يكن مقصوداً، بل لأنّه يجتمع فيه المشركون، فأوقعه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الموسم ليسمعوا البراءة والأحكام الجديدة، في عدم جواز الطواف بعد العام بالبيت عراةً وغير ذلك، تمهيداً وتوطئة لحجّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القادم، وقد أُقيلَ أبو بكر عن تبليغ البراءة، فماذا بقي له ليستمر به؟!

خامساً: ما روي من ذكر إمرة أبي بكر في الحجّ فمداره، والعمدة في إثباته، على ثلاثة روايات:

أوّلها انفرد بها الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين يوم النحر، نؤذّن بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

قال حميد بن عبد الرحمن بن عوف: ثمّ أردف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عليّاً، فأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. رواه البخاري(1)، ومسلم(2)، وغيرهما، جميعاً عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة(3).

____________

1- صحيح البخاري ١: ٩٧ كتاب الصلاة، باب ما يستر من العورة، و٥: ٢٠٢ كتاب المغازي، كتاب تفسير القرآن.

2- صحيح مسلم ٤: ١٠٧ كتاب الحجّ، باب لا يحجّ البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحجّ الأكبر.

3- سنن أبي داود ١: ٤٣٥ الحديث ١٩٤٦، باب يوم الحجّ الأكبر، سنن النسائي ٥: ٢٣٤ كتاب مناسك الحجّ في قوله عزّ وجلّ: (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد)، السنن الكبرى ٥: ٨٧، باب لا يطوف بالبيت عريان، صحيح ابن خزيمة ٤: ٢٠٩، باب الأمر بالتزيّن عند إرادة الطواف بالبيت، مسند الشاميين، للطبراني ٤: ١٨٤ الحديث ٣٠٦٧، معرفة السنن والآثار، للبيهقي ٧: ١٣٥ الحديث ٥٥٤٤، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٦٩ حجّة أبي بكر الصدّيق بالناس.


الصفحة 244

وهي تتعارض مع رواية غير حميد لحديث أبي هريرة، مثل: رواية محرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، عند أحمد والنسائي وغيرهما؛ قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكّة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنّا ننادي أنّه لا يدخل الجنّة إلّا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان... فكنت أُنادي حتّى صحل صوتي(1).

وقد ذكر ابن حجر في (فتح الباري) إشكال الطحاوي على رواية حميد عن أبي هريرة(2). قال الطحاوي في (مشكل الآثار) بعد أن أورد عدّة روايات تدلّ على أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) بأخذ براءة من أبي بكر: ((فقال قائل: فقد روي عن أبي هريرة ما قد دلّ على أنّ النداء كان بهذه الأشياء التي فيما رويتم مضافة إلى عليّ كانت بأمر أبي بكر...)).

ثمّ قال بعد ذلك: ((قال هذا القائل: فقد دلّ حديث أبي هريرة هذا على أنّ التبليغ بهذه الأشياء إنّما كان من أبي بكر لا من عليّ، وهذا اضطراب في هذه الآثار شديد)).

ثمّ أجاب بما لم يثبت بأنّ الإمرة في ذلك الحجّ كانت لأبي بكر(3).

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٩٩ مسند أبي هريرة، سنن النسائي ٥: ٢٣٤ كتاب مناسك الحجّ في قوله عزّ وجلّ: (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد)، سنن الدارمي ١: ٣٣٣، باب النهي عن دخول المشرك المسجد الحرام، و٢: ٢٣٧، باب في الوفاء للمشركين بالعهد، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣٣١ كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة، السنن الكبرى، للبيهقي ٩: ٤٩ جماع أبواب السيرة، باب السيرة في المشركين عبدة الأوثان، السنن الكبرى، للنسائي ٢: ٤٠٧ كتاب الحجّ الحديث ٣٩٤٩، ٣٩٥٠، صحيح ابن حبّان ٩: ١٢٨ كتاب الحجّ، باب ٨.

2- فتح الباري ٨: ٢٣٨ سورة براءة.

3- شرح مشكل الآثار ٩: ٢٢٢ ــ ٢٢٤ الحديث ٣٥٩٠، ٣٥٩٢، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الحجّة التي كانت قبل حجّته من التأمير فيها ومن قراءة براءة.


الصفحة 245

ومع ذلك فإنّ جوابه لا يستقيم! لأنّ أمر أبي بكر بالتبليغ كان خلافاً لأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) بأن يكون هو المبلغ، كما هو المقطوع به من كلّ الروايات الأُخر.

ومن هنا يتبيّن كذب رواية أبي هريرة بطريق الزهري عن حميد، والتهمة فيها لا تعدو أحد هؤلاء الثلاثة.

بل يشكل على روايتي أبي هريرة ــ أي: ما جاء عن طريق حميد، وعن طريق ابنه محرر ــ بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد بعث أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين بعد منصرفه من الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان للهجرة(1)، ولا دليل على رجوعه سنة تسع، أو قبل وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

ويؤيّد ذلك ــ أي: أنّ أبا هريرة لم يكن حاضراً في تلك الحجّة ــ أنّه قال في رواية أوردها ابن خزيمة في صحيحه: عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة: في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ(3)، قال: لمّا قفل النبيّ(صلى الله عليه وسلم) من حُنين اعتمر من الجعرانة، ثمّ أمّر أبا بكر على تلك الحجّة(4).

وهو خلاف المقطوع به من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر سنة تسع لا سنة ثمان بعد عمرة الجعرانة.. فأبو هريرة لا يعلم أيّ سنة بعث فيها أبا بكر، لأنّه لم يكن موجوداً حينها، إذ بعثه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع العلاء الحضرمي إلى البحرين من الجعرانة سنة ثمان.

____________

1- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٤: ٣٦٠ العلاء الحضرمي.

2- انظر: شيخ المضيرة أبو هريرة، لمحمود أبي رية: ١٠٩ وقائع لم يحضرها.

3- التوبة ٩: ١.

4- صحيح ابن خزيمة ٤: ٣٦٢ كتاب المناسك، باب إباحة العمرة من الجعرانة، وانظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢: ٣٤٥ تفسير سورة التوبة.


الصفحة 246

وأمّا الرواية الثانية، وهي رواية النسائي، التي تصرّح ببقاء أبي بكر في الحجّ، فقد رواها ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيها: ((أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحجّ... إلى أن قال: فإذا عليّ عليها، فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحجّ. فقدمنا مكّة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم...))(1)، الرواية.

وقد ردّ النسائي هذا الحديث ولم يخرّجه إلّا لبيان وجود الواسطة بين ابن جريج وأبي الزبير؛ قال: ((ابن خثيم ليس بالقويّ في الحديث، وإنّما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، وما كتبناه إلّا عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى ابن سعيد القطّان لم يترك حديث ابن خثيم ولا عبد الرحمن، إلّا أنّ علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأنّ علي بن المديني خلق للحديث))(2). لكن العلّة فيه من جهة أبي الزبير المعروف بالتدليس المعيب المسقط للرواية إذا لم يصرّح بالتحديث عن جابر بالذات، ولم يصرّح هنا أبداً(3).

____________

1- سنن الدارمي ٢: ٦٦ كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، السنن الكبرى، للنسائي ٢: ٤١٦ الحديث ٣٩٨٤، خصائص أمير المؤمنين، للنسائي: ٩٢ توجيه النبيّ براءة مع علي، صحيح ابن خزيمة ٤: ٣١٩، دلائل النبوّة، للبيهقي ٥: ٢٩٧، باب حجّة أبي بكر الصدّيق سنة تسع، صحيح ابن حبّان ١٥: ١٩ ذكر وصف قراءة عليّ(عليه السلام) براءة على الناس، السنن الكبرى، للبيهقي ٥: ١١١ جماع أبواب دخول مكّة، باب الخطب التي يستحبّ للإمام أن يأتي بها في الحجّ.

2- سنن النسائي ٥: ٢٤٨ كتاب مناسك الحجّ، الخطبة قبل يوم التروية.

3- وهو: (محمّد بن مسلم بن تدرس)، انظر: الضعفاء، للعقيلي ٤: ١٣٠ ـ١٦٩ـ، تهذيب الكمال، للمزّي ٢٦: ٤٠٢ ـ٥٦٠٢ـ، تذكرة الحفّاظ، للذهبي ١: ١٢٦ ـ١١٣ـ، المغني في الضعفاء، للذهبي ٢: ٣٧٣ ـ٥٩٨٠ـ، ميزان الاعتدال، للذهبي ٤: ٣٧ ـ٨١٦٩ـ، طبقات المدلّسين، لابن حجر: ٤٥ ـ١٠١ـ، تقريب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٣٢ ـ٦٣١٠ـ، سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني ١: ١٦٠ ذيل الحديث ٦٥.


الصفحة 247

والرواية مردودة أيضاً من جهة مخالفة متنها لما هو مقطوع به؛ إذ فيها أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر بعد رجوعه من الجعرانة، أي سنة ثمان، وهذا مخالف للمقطوع من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه سنة تسع، بل فيها ما يدلّ على وضعها، وهو قوله: ((إذا كان بالعرج ثوّب بالصبح))، والتثويب ــ وهو قوله: ((الصلاة خير من النوم)) ــ ابتدعه عمر أيام خلافته ولم يكن زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

وأمّا الرواية الثالثة، فقد رواها الحاكم في (المستدرك) وصحّحها، بسنده: عن عبّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس، وفيه: ((فإذا عليّ فدفع إليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أَمّره على الموسم وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات...))، إلى أن قال: ((فكان عليّ ينادى بها، فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى))(1).

ولكن الترمذي رواها بسنده عن عبّاد بن العوام أيضاً، وليس فيه: ((قد أَمّره على الموسم))، قال: ((فإذا عليّ، فدفع إليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات، فانطلقا، فحجا...))، إلى أن قال: ((وكان عليّ ينادى، فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عبّاس(2).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٥٢ كتاب المغازي والسرايا، نداء عليّ(رضي الله عنه) في موسم الحجّ ببراءة.

2- سنن الترمذي ٤: ٣٣٩ الحديث ٥٠٨٦ سورة التوبة.


الصفحة 248

ورواه البيهقي في (السنن) بسنده إلى عبّاد بن العوام أيضاً، ولكن فيه: ((فأتى عليّ الموسم وأَمر عليّاً أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا...))، إلى أن قال: ((فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها))(1).

وخالف الكلّ الطبري في تفسيره؛ فقد رواها بسنده: عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس، وفيه: ((ثمّ أتبعه عليّاً، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! حدث فيّ شيء؟ قال: لا، أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض...))(2)، الحديث. ومثله في (الكامل) لابن عدي(3).

وهذا اضطراب واضح في المتن تردّ بمثله دلالة الخبر، فضلاً عمّا في بعضها من حضور أبو هريرة الموسم، وليس بذاك! فقد كان في البحرين كما أشرنا سابقاً.

ومع هذا فإنّ العلّة فيه من جهة أنّ الحكم لم يسمع من مقسم إلّا أربع روايات ذكرها أحمد بن حنبل، قال عبد الله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: الذي يصحّح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث))، ثمّ أورد الأحاديث، وقال: ((قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم، يقولون هي كتاب))(4). وهذا الحديث ليس من هذه الأربعة، فهو منقطع! مع أنّ مقسم ضعّفه غير واحد، كابن سعد والبخاري(5)، ومتنه لا يدلّ على إمارة أبو بكر على الحجّ، ففي ما صحّحه الحاكم: ((فإذا عليّ فدفع إليه كتاب رسول

____________

1- السنن الكبرى ٩: ٢٢٤، باب مهادنة من يقوى على قتاله.

2- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٠: ٨٤ الحديث ١٢٧٢٧ سورة التوبة.

3- الكامل ٣: ٢٥٦ سليمان بن قرم الضبّي.

4- العلل، لأحمد بن حنبل ١: ٥٣٦ ـ١٢٦٩ـ.

5- تهذيب التهذيب، لابن حجر ١٠: ٢٥٧ ـ٥٠٩ـ.


الصفحة 249

الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أَمّره على الموسم وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات))، وظاهره أنّ الضمير في (أًمّره) يعود إلى عليّ(عليه السلام) ؛ لأنّه مسبوق بالذكر، وأرجعه من رجّعه إلى أبي بكر لسبق الوهم عندهم بإمرة أبي بكر.

وفي ما رواه الترمذي: ((فدفع إليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات، فانطلقا، فحجا...))، وليس فيه ذكر للإمرة، وإنّما وقوع الحجّ من أبي بكر فقط.

وهناك روايات لا يعوّل عليها أصلاً:

منها: ما جاء في رواية أحمد: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أثيع، عن عليّ، وفيها: ((سألنا عليّاً(رضي الله عنه): بأي شيء بعثت، يعني: يوم بعثه النبيّ(صلى الله عليه وسلم) مع أبي بكر في الحجّة...))(1)، الحديث..

وهذا إدراج من أحمد أو ابنه؛ لخلوّ جميع طرق الرواية عن سفيان منه(2).

بل روى أحمد بسنده: عن زيد بن يثيغ [اثيغ]، عن أبي بكر حديثاً فيه: ((ثمّ قال ــ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ــ لعليّ(رضي الله عنه): الحقه، فردّ علَيَّ أبا بكر وبلّغها أنت...))(3)، الحديث.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٧٩ مسند عليّ بن أبي طالب.

2- انظر: سنن الدارمي ٢: ٦٨، باب لا يطوف بالبيت عريان، سنن الترمذي ٢: ١٧٩ الحديث ٨٧٢، باب ما جاء في كراهية الطواف عرياناً، و٤: ٣٤٠ الحديث ٥٠٨٧ سورة التوبة، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٥٢ كتاب المغازي والسرايا، نداء عليّ(رضي الله عنه) في موسم الحجّ ببراءة، و٤: ١٧٨ كتاب اللباس، لا يطوف بالبيت عريان، السنن الكبرى، للبيهقي ٩: ٢٠٦، باب لا يقرب المسجد الحرام وهو الحرم كلّه مشرك، وغيرها.

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ مسند أبي بكر.


الصفحة 250

ومنها: ما رواه البيهقي في (دلائل النبوّة): عن عروة، مرسلة، قال: ((فلمّا أنشأ الناس الحجّ تمام سنة تسع، بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا بكر أميراً على الناس، وكتب له سنن الحجّ، وبعث معه عليّ بن أبي طالب بآيات من براءة...))(1)..

وهو ــ مع إرساله، ومع أنّ عروة لا يؤتمن على فضيلة من فضائل عليّ(عليه السلام) ــ مخالف لما هو مقطوع به من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل أبا بكر أوّلاً ببراءة، ثمّ أردفه بعليّ(عليه السلام) ليأخذها منه.. ومخالف أيضاً لما رواه ابن أبي شيبة عن عروة نفسه: ((أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) اعتمر عام الفتح من الجعرانة، فلمّا فرغ من عمرته استخلف أبا بكر على مكّة وأمره أن يعلّم الناس المناسك...))(2).

فإذا كان عروة لا يعرف تاريخ إرسال جدّه إلى مكّة هل هو في سنة ثمان بعد عمرة الجعرانة، أو في سنة تسع بعد تبوك! فكيف نأخذ بما رواه وقد أرسله إرسالاً؟!

ومنها: ما أرسله ابن إسحاق، أو ما أسنده إلى أبي جعفر محمّد الباقر(عليه السلام) أنّه قال: ((لمّا نزلت براءة على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد كان بعث أبا بكر الصدّيق ليقيم للناس الحجّ، قيل له: يا رسول الله! لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ فقال: (لا يؤدّي عنّي إلّا رجل من أهل بيتي)، ثم دعا عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)...))، إلى أن قال: ((فلمّا رآه أبو بكر بالطريق، قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور. ثمّ مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحجّ...))(3).

____________

1- دلائل النبوّة ٥: ٢٩٨، باب حجّة أبي بكر.

2- المصنّف، لابن أبي شيبة ٤: ٤١٩ من كان يأمر بتعليم المناسك.

3- انظر: السيرة النبوية، لابن هشام ٤: ٩٧٠ ــ ٩٧٢ حجّ أبي بكر بالناس سنة تسع، تفسير الطبري ١٠: ٧٧ الحديث ١٢٧١٣ سورة التوبة، و٨٤ الحديث ١٢٧٢٩.


الصفحة 251

وهو مخالف للمعروف المقطوع من أنّ براءة نزلت قبل خروج أبي بكر وأن رسول الله بعث بعض آياتها معه، ثمّ أردفه بعليّ(عليه السلام) ليأخذها منه ويبلّغها هو.

فما ها هنا هو من تخرّص ابن إسحاق؛ حفظاً لماء وجه أبي بكر، وتعمية لما هو مشهور من عزله من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

ولذلك أعرض عنه السهيلي في (الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام)، فقال: ((ثمّ أردف بعليّ(رضي الله عنه)، فرجع أبو بكر إلى النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ...))(1).

ومنها: ما أورده الثعلبي في تفسيره مرسلاً، لفّقه من عدّة روايات بيّنا ضعفها، منها رواية جابر(2).

ومنها: ما ذكره الواقدي ملفقاً عن مجموعة من الضعفاء، برواية مقطوعة لا يعرف ما روى أيّ منهم من أي(3). والأمر سهل في الواقدي، مع مخالفة ما روي لما هو مقطوع به.

ومنها: ما أورده الحسكاني في (شواهد التنزيل): بسنده عن ابن عوانة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب محمّد، أمّا أبو هريرة، أو أبو سعيد، وفيه: ((إنّ رسول الله بعثني ببراءة، وجعلك على الموسم، فأقاما حتّى فرغا))(4). وفي الرواية التي بعدها بالسند نفسه، فيها: ((إنّ النبيّ بعثني ببراءة على الموسم، فلمّا رجع انطلق أبو بكر))(5)، وليس فيها: (وجعلك على الموسم)!

____________

1- الروض الأنف ٤: ٢٠٠ سورة التوبة.

2- الكشف والبيان ٥: ٨ سورة التوبة.

3- المغازي، للواقدي ٢: ١٠٧٧ حجّة أبي بكر.

4- شواهد التنزيل ١: ٣١٥ الحديث ٣٢٤.

5- شواهد التنزيل ١: ٣١٦ الحديث ٣٢٥.


الصفحة 252

وأصل الرواية عن أبي سعيد الخدري، أوردها السيوطي في (الدرّ المنثور) في تفسير قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، عن ابن حبّان، وابن مردويه، وفيها: ((فسار حتّى لحق بأبي بكر(رضي الله عنه)، فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وقد دخله من ذلك مخافة...))(1).

ومنها: ما رواه الطبري في تفسيره: بسنده عن محمّد بن كعب القرظي، وفيه: ((بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بثلاثين أو أربعين آية من براءة...))(2)، وهو مرسل، مسلسل بالضعفاء وأعوان بني أُميّة، مع أنّ متنه لا دلالة فيه على بقاء إمرته على الحجّ.

ومثله في الدلالة والإرسال: ما رواه عن قتادة(3).

وأمّا ما رواه عن السدّي(4)، فهو مع إرساله، قد نصّ على رجوع أبي بكر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه ذكر بعده ما لم ترد به رواية من رجوع أبي بكر أميراً على الحاج.. والأشبه أنّ هذه الرواية من أقوال السدّي التفسيرية!

ومثلها في الإرسال: ما رواه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، وفيه: ((بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عليّاً بأربع كلمات حين حجّ أبو بكر بالناس))(5)، وفي سنده: أبو خالد الأحمسي، لم يرو عنه إلّا ابنه.

____________

1- الدرّ المنثور ٣: ٢٠٩، ٢١٠ سورة التوبة.

2- جامع البيان ١٠: ٧٩ الحديث ١٢٧١٩.

3- جامع البيان ١٠: ٧٩ الحديث ١٢٧١٧.

4- جامع البيان ١٠: ٨٥ الحديث ١٢٧٣٠.

5- جامع البيان ١٠: ٩٦ الحديث ١٢٧٧٠.


الصفحة 253

ومنها: ما رواه الطبري أيضاً: عن أبي الصهباء البكري، عن عليّ(عليه السلام) ، وفيه: ((إنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعث أبا بكر بن أبي قحافة(رضي الله عنه) يقيم للناس الحجّ وبعثني معه بأربعين آية من براءة))، إلى أن قال: ((فمن ثمّ أخال حسبتم أنّه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة))(1)، وفيه رجال ضعّفوا، والظاهر أنّ علّته من قبل أبو زرعة وهب الله بن راشد، ضعّفه الذهبي، وتركه البعض، تلميذ يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية وبني أُميّة، مع أنّ متنه مخالف لما هو المقطوع من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرسل عليّاً(عليه السلام) مع أبي بكر بسورة براءة، وإنّما أرسله بعده ليأخذها منه ويبلّغها هو.

ومنها: ما رواه الطبراني في (الكبير): عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس: ((أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) بعث أبا بكر على الحجّ، ولم يقرب الكعبة، ولكنّه شمر إلى ذي المجاز يخبر الناس بمناسكهم ويبلّغهم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، حتّى أتوا عرفة قبل ذي المجاز، وذلك أنّهم لم يكونوا استمتعوا بالعمرة إلى الحجّ))(2).

وهذا من الأحاديث التي اعتبرها ابن الجوزي من المشكل من حديث الصحيحين، وقال: ((هذا الحديث كأنّه يشير إلى أنّ أبا بكر ابتدأ بموسم عرفة لينادي ببراءة ويقول: لا يحجّ بعد العام مشرك))(3)، وهو يخالف ما رواه أبو الزبير، عن جابر، الذي تكلّمنا فيه سابقاً؛ إذ فيه: ((فقدمنا مكّة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم...))(4).

____________

1- جامع البيان ١٠: ٨٨ الحديث ١٢٧٣٣.

2- المعجم الكبير ١١: ٣٢٨ كريب عن ابن عبّاس.

3- كشف المشكل من حديث الصحيحين ٢: ٤٠٠ الحديث ٩١٩.

4- سنن الدارمي ٢: ٦٦ كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم.. وقد تقدّم.


الصفحة 254

والظاهر أنّ هذا الحديث وضع لمعارضة ما هو مشهور عن ابن عبّاس من دخول العمرة في الحجّ؛ لما كانوا يكرهون التمتع قبل الحجّ، كما هو مشهور عن عمر بن الخطّاب، والمتّهم فيه: موسى بن عقبة مولى آل الزبير، أو كريب.

ومنها: ما رواه عبد الله بن أحمد في (فضائل الصحابة): بسنده عن سوار ابن مصعب، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فكان عليّ يبلّغ وأبو بكر على الموسم))(1)، وفيه: سوار بن مصعب، منكر الحديث، متروكه. وهو مخالف لما روي عن أبي سعيد من رجوع أبي بكر.

سادساً: وأمّا الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيظهر منها: المباشرة وعدم تأخّره إلى ما بعد إتمام مراسم الحجّ؛ فإنّ أدوات العطف المستعملة فيها لا تدلّ على التراخي، وإنّما المباشرة والاتّصال في الأحداث، كقولهم: ((فرجع أبو بكر))(2)، و((فأخذت الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ...))(3)..

وهذا ما أثبته ابن حجر في (فتح الباري) بقوله: ((قال العماد بن كثير: ليس المراد أنّ أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجّته. قلت: ولا مانع من حمله على ظاهره؛ لقرب المسافة...))(4).

____________

1- فضائل الصحابة: ٢٤٤ الحديث ١٠٩٠.

2- السُنّة، لابن أبي عاصم: ٥٩٥ الحديث ١٣٨٤، جامع البيان، للطبري ١٠: ٨٥ سورة براءة، الكشف والبيان، للثعلبي ٥: ٨ سورة التوبة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ١١٧، ٣٤٩ ترجمة عليّ بن أبي طالب.

3- السُنّن الكبرى، للنسائي ٥: ١٢٩، باب ٢٦ الحديث ٨٣٦١.

4- فتح الباري ٨: ٢٤١ سورة براءة، باب إلّا الذين عاهدتم من المشركين.


الصفحة 255

ونقول له: إنّ المسافة ليست قريبة أبداً! فإحدى الروايات تذكر أنّ البعث كان بعد ثلاثة أيام(1). وأخرى أنّ عليّاً(عليه السلام) لحق بهم عند الجحفة(2)، والجحفة أقرب إلى مكّة منها إلى المدينة(3). وثالثة في ضجنان(4)، وهو جبل بناحية مكّة(5). ورابعة في العرج(6)، والعرج قرية بينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلاً(7). وفي بعض الطرق عن أنس ــ ويخلو أكثرها عنه ــ أنّه لحقهم في ذي الحليفة(8).

فالعجب من ابن حجر يأخذ هذا الطريق دون غيره لهذه الرواية دون غيرها من الروايات، وما ذلك إلّا ليحقّق رأيه ومذهبه!

بل هناك رواية صحيحة وصريحة رواها أحمد في مسنده، تؤكّد إرجاع أبي بكر بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فوراً، عن أبي بكر نفسه: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشرك... ((قال فسار بها ثلاثاً، ثمّ قال لعليّ(عليه السلام) : الحقّه، فَردّ عليّ أبا

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ مسند أبي بكر.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٥١ مسند عليّ(عليه السلام) .

3- معجم البلدان، للحموي ٢: ١١١.

4- صحيح ابن حبّان ١٥: ١٧، باب إخباره(صلى الله عليه وسلم) بما يكون في أُمّته من الفتن والحوادث.

5- معجم البلدان، للحموي ٣: ٤٥٣، باب الضاد والجيم وما يليهما.

6- سنن الدارمي ٢: ٦٦ كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، سنن النسائي ٥: ٢٤٧ الخطبة قبل يوم التروية.

7- معجم البلدان، للحموي ٤: ٩٨، باب العين والراء وما يليهما.

8- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢١٢، ٢٨٤ مسند أنس بن مالك، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٣٠٥ ــ ٣١٠ الحديث ٣٠٩ ــ ٣١٨، المناقب، للخوارزمي: ١٦٥ الحديث ١٩٧ الفصل الخامس عشر، مسند أبي يعلى ٥: ٤١٢ الحديث ٣٠٩٥، سنن الترمذي ٤: ٣٣٩ الحديث ٥٠٨٥ سورة التوبة.


الصفحة 256

بكر وبلّغها. قال: ففعل، فلمّا قدم على النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أبو بكر، قال: يا رسول الله! حَدَث فيَّ شيء؟ قال: (ما حدث فيك إلّا خير، ولكنّ أُمرت ألّا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي)(1).

قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): ((في الصحيح بعضه، رواه أحمد، ورجاله ثقات))(2).

سابعاً: أمّا ما ذكروه من علّة إرسال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً بدلاً عن أبي بكر: بأنّ من عادة العرب عند نقض العهود أن يأتي نفس من تعاهد معهم، أو قريبه، لنقض العهد المبرم! فباطل ومردود من وجوه، منها:

أ ــ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أعلم بهذه العادات وغيرها، فكم من مشكلة تدخّل بحلّها(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكم من مشكلة رآها وصادفها، بل كم من حديث يذكر فيه للصحابة عادات الجاهلية وأعرافهم، لا سيّما الحسنة منها؛ لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّما بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق)(3)، فلولا علمه بأخلاق وعادات وتقاليد العرب في زمنه وغير زمنه، لَما قال: (لأُتمّم)، فإتمامها يدلّ على إقرارها والاعتراف بها، وهو فرع معرفتها والعلم بها، فلماذا لم ينتبه في هذه القضية لذلك منذ البداية؟

وكذلك أبو بكر؛ فهو عربي وكبير السنّ، فكيف غابت عنه تلك الأعراف والتقاليد حين بعثه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ مسند أبي بكر.

2- مجمع الزوائد ٣: ٢٣٨ كتاب الحجّ، باب لا يطوف بالبيت عريان.

3- السنن الكبرى، للبيهقي ١٠: ١٩٢ جماع أبواب من تجوز شهادته ومن لا تجوز من الأحرار، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٨١ عن أبي هريرة، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٦١٣ كتاب تواريخ المتقدّمين من الأنبياء والمرسلين.


الصفحة 257

بل لو سلّمنا عدم معرفتهما لذلك، أو نسيانهما، فكيف استغرب واستهجن عزله عن تلك المهمّة معترضاً سائلاً: ((أُنزل فيَّ شيء))؟!!

وكذلك لم يخبره عليّ(عليه السلام) ولا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه العادة ليطيب خاطره، بل أخبره بأنّ العزل إلهي لا عرفي ولا جاهلي!

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(1).

ب ــ إنّ الروايات جميعاً ذكرت تبليغ آيات براءة، وليس في شيء من القرآن أو الروايات نقض لعهد سابق، بل كلّ الروايات تشير إلى أنّ المهلة المحدّدة في القرآن بأربعة أشهر كانت لمن كان عهده لأقل من تلك المدّة(2)، أو لمن لا عهد له مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا من كان عهده يطول عن تلك المدّة فعهده إليها، فالبعث كان لتأكيد العهود واحترامها لا نقضها! فأين نقض العهد الذي يستدعي أن يحضر من عقده أو قريبه؟! ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(3).

ج ــ هنالك من هو أقرب من عليّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نسباً ووجاهة عند قريش، كعمّه العبّاس، وعقيل، وغيره، فلماذا أرسل عليّاً؟ الذي اعتذر من النبيّ ــ كما في بعض الروايات ــ بأنّه ليس لسناً ولا خطيباً، فدعا له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال له:

____________

1- المائدة ٥: ٥٠.

2- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٩٩ عن أبي هريرة، سنن الدارمي ١: ٣٣٣ كتاب الصلاة، باب أيّ ساعة يكره فيها الصلاة، و٢: ٦٨ كتاب المناسك، باب لا يطوف بالبيت عريان.

3- الصافّات ٣٧: ١٥٤، القلم ٦٨: ٣٦.


الصفحة 258

(لابد أن أذهب بها أنا، أو تذهب بها أنت)، فوافق على الذهاب لخوفه على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفدائه بنفسه، وقال: (فإن كان ولا بدّ فسأذهب أنا)(1)..

وهذا الإصرار من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على عليّ يؤكّد عدم صحّة ادّعائهم، وخصوصاً أنّ الروايات تؤكّد قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إلّا أنا أو رجل منّي)(2) يعني عليّاً(عليه السلام) .. وقد أكّد مراراً وتكراراً، كما روى البخاري وغيره قوله لعليّ(عليه السلام) : (أنت منّي وأنا منك)(3)، وكذلك: (لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ)(4).

فهذه المنزلة وهذا الاختصاص لعليّ(عليه السلام) مع وجود غيره أقرب نسباً، أو أكبر سنّاً، أو أكثر قبولاً عند قريش والمشركين، والإصرار عليه (عليه السلام) لا بدّ أنّ وراءه سرّاً ومغزى!

د ــ بل هناك روايات، كما في البخاري(5)، تنقل: أنّ أبا بكر أرسل أبا هريرة وآخرين يؤذّنون في الناس، وكان عليّ يؤذّن معهم، كما يدّعي أبو هريرة،

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٥٠ مسند عليّ بن أبي طالب.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣ مسند أبي بكر.

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٠٨ عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، صحيح البخاري ٣: ١٦٨ كتاب الصلح، و٤: ٢٠٧ كتاب بدء الخلق، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، و٥: ٨٥ كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٢٠.

4- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٦٤، ١٦٥ عن أبي سعيد بن زيد، سنن الترمذي ٥: ٢٩٩ أبواب المناقب، باب ٨٥ الحديث ٣٨٠٣، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، السُنّة، لابن أبي عاصم: ٥٥٢، السنن الكبرى، للنسائي ٥: ٤٥ كتاب المناقب، باب ٤ الحديث ٧ ــ ٨١٤٩، المعجم الكبير، للطبراني ١١: ٣١٦.

5- انظر: صحيح البخاري ١: ٩٧ كتاب الصلاة، و٢: ١٦٤ كتاب الحجّ، و٤: ٦٩، و٥: ١١٥ كتاب المغازي، حجّ أبي بكر بالناس.


الصفحة 259

فيناوبون معه، فهل هؤلاء المؤذّنون كأبي هريرة والآخرين الذين أرسلهم أبو بكر أقرب للنبيّ من أبي بكر؟ وهل يصلحون لذلك أكثر منه؟ فلماذا عُزل إذاً؟! أو أنّ أبا بكر وأبا هريرة نسيا عادة العرب؟!

ثامناً: وعلى كلّ حال، حتّى لو صحّ أنّه ذهب للحجّ وأكمل المناسك، فإنّه لو تنزّلنا وأثبتنا له ذلك، فهي ليست فضيلة؛ لأنّ ذلك قد ثبت لمن لا فضيلة له ولا سابقة في الموسم الذي سبقه، فقد أمّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عتاباً بن أسيد، الذي أسلم في الفتح وكان من الطلقاء، على الحجّ عام ثمانية بعد عمرته (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجعرانة(1)، فهل هذا يعني أنّ عتاباً بن أسيد أفضل الصحابة؟ أو أنّه صاحب سابقة وفضيلة وأفضل أهل مكّة؟! ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!

ولو طلبنا منكم الإنصاف والتعامل مع الفضائل على حدّ سواء، فإنّكم لا تستطيعون أن تجعلوا هذا البعث فضيلة؛ لأنّكم حكمتم سابقاً على فضيلة واضحة لأمير المؤمنين بأنّها ليست كذلك، وذلك حينما خلّفه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على المدينة عندما ذهب إلى تبوك، وقال له: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي)(2)، وقلتم: بأنّ تخليفه على المدينة ليس فضيلة؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد خلّف

____________

1- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ١٤٥ غزوة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، و٥: ٤٤٦ عتاب ابن أسيد، تاريخ خليفة بن خيّاط: ٥٦ غزوة الطائف، أُسد الغابة، لابن الأثير ٣: ٣٥٨، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٣: ١٠٢٣ ـ١٧٥٦ـ، الإصابة، لابن حجر ٤: ٣٥٦ ـ٥٤٠٧ـ، المغازي، للواقدي ١: ٦ المقدّمة، و٢: ٩٥٩ ذكر وفد هوازن، تاريخ اليعقوبي ٢: ٧٦ الأمراء على السرايا والجيوش، تاريخ الطبري ٢: ٣٦٢ ذكر خبر غزوة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هوازن، وغيرها.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٧٠ ــ ١٨٥ عن أبي سعد بن أبي وقّاص، و٣٣١ عن عبد الله بن عبّاس، و٣: ٣٢ عن أبي سعيد الخدري، و٣٣٨ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، و٦: ٣٦٩ عن فاطمة، صحيح مسلم ٧: ١٢٠، ١٢١ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .


الصفحة 260

عليها سابقاً أُناساً عاديين، كابن أُمّ مكتوم(1)، وجعلتم النصّ المادح له ليس إلّا تطييباً للخاطر، وأوّلتموه شرّ تأويل، مع ما ينصّ من عدم الفرق إلّا في النبوّة!

أمّا حادثة أبي بكر، ففيها: العزل، وأخذ براءة، وفيها: عدم ثبوت حجّه من أصله، وفيها: أنّ حجّه كان كحجّ أهل الجاهلية، وفيها: أنّه لم يُمدح من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها: أنّه قد حجّ بالناس في السنة الماضية لحجّه أحد الطلقاء.

وكلّ ذلك وأنتم تثبتون الفضيلة!! بل الأفضلية لأبي بكر بمثل هذه الأوهام، وترفضون أيّ فضل لعليّ(عليه السلام) ولو نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!

﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(2).

أمّا في مسألة الصلاة، والتي اضطربت رواياتها، كما اضطربت واختلفت روايات الحجّ، إن لم نقل أكثر.

فنقول: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر أبا بكر بالصلاة في تلك الأيّام الثلاثة قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى، ونستدلّ على مدّعانا بأُمور، منها:

١ــ الاضطراب والاختلاف الشديدين، بل التناقض في الروايات.. فمرّة: تطلب عائشة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يأمر أبا بكر بالصلاة بالناس(3).. وأخرى: أنّ القائل

____________

1- أُسد الغابة، لابن الأثير ٣: ١٨٣، الإصابة، لابن حجر ٤: ٤٩٤ ـ٥٧٨١ـ.

2- المائدة ٥: ٨.

3- صحيح البخاري ١: ١٦٥، ١٦٦ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و١٧٤، باب من أسمع الناس تكبير اًلإمام، صحيح مسلم ٢: ٢٢، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره.


الصفحة 261

غيرها(1).. ومرّة: تطلب أن يأمر عمر بالصلاة وليس أبا بكر وتطلب من حفصة أن تقول ذلك أيضاً(2).. وأُخرى: أنّ أبا بكر طلب من عائشة أن تطلب ذلك وتقوله للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).. ومرّة: يأمر عمر بالصلاة بعد أن أمر أبا بكر وعمر يرفض أن يتقدّم على أبي بكر(4).. وأُخرى: يؤمّر عمر بالصلاة، فيسمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صوته، فيغضب ويقول: لا لا، أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون(5).. وأُخرى: يُقدّم أبو بكر عمر، فيجيبه عمر بأنّك أحقّ بها، ولا يذكر رفض النبيّ لصلاته(6).. ومرّة: يخرج النبيّ فينظر

____________

1- صحيح البخاري ١: ٦٢، باب وجوب صلاة الجماعة.

2- صحيح البخاري ١: ١٦٥ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و١٧٦، باب إذا بكى اًلإمام في الصلاة، صحيح مسلم ٢: ٢٣، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، سنن ابن ماجة ١: ٣٨٩، باب ما جاء في صلاة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه، سنن الترمذي ٥: ٢٧٥ الحديث ٣٧٥٤، مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٠٢، و٢٢٤ حديث عائشة.

3- أنساب الأشراف ١: ٥٥٤ الحديث ١١٢٥ قول رسول الله في أبي بكر، فتح الباري، لابن حجر ٢: ١٢٩، باب حدّ المريض يشهد الجماعة، عن مسند الدورقي، تنوير الحوالك: ١٨٨ الحديث ٤١٢ عن مسند الدورقي.

4- تاريخ الطبري ٢: ٤٣٩ السنة الحادية عشرة من الهجرة.

5- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٢٢ مسند عبد الله بن زمعة، و٦: ٣٤ حديث عائشة، سنن أبي داود ٢: ٤٠٥ الحديث ٤٦٦٠ كتاب السُّنّة، باب ١٢ الحديث ٤٦٦٠، ٤٦٦٤، المصنّف لعبد الرزّاق ٥: ٤٣٢ بدء مرض رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، المعجم الأوسط ٢: ١٢ من اسمه أحمد، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٣: ٩٧٠ ـ١٦٣٣ـ ترجمة أبي بكر، الرياض النضرة، للطبري ١: ١٧٠ مناقب أبي بكر، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٢٥ ذكر ما قاله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه لأبي بكر، سيرة ابن هشام ٤: ١٠٦٧ رسول الله يستخلف في الصلاة بالناس أبا بكر.

6- صحيح البخاري ١: ١٦٨ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم ٢: ٢١، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، سنن الدارمي ١: ٢٨٧، باب فيمن يصلّي خلف الإمام والإمام جالس، السنن الكبرى، للبيهقي ٣: ٨٠، باب ما روي في صلاة المأموم قائماً وإن صلّى الإمام جالساً.


الصفحة 262

لهم ويبتسم ويرجع(1).. وأُخرى: يذهب فيصلّي إماماً(2).. وأُخرى: مأموماً خلف أبي بكر(3)، وهكذا.. فأيّها نصدّق وهو أمر واحد وحادثة واحدة؟!

وهذه الأحاديث لا يمكن الجمع بينها، وكلّها صحيحة عندهم!! وإجاباتهم عنها بتعدّد الأمر والحادثة، وهذا لا يتلائم ولا يصحّ مهما فعلوا وأوّلوا مع أكثر الروايات..

فمثلاً: الرواية التي تذكر إمامة عمر للناس بالصلاة، لم يكن أبو بكر موجوداً حينها(4)، والروايات التي تذكر طلب عائشة وحفصة إمامة عمر بدلاً من أبي بكر لا تذكر أنّ أبا بكر غير موجود، بل تذكر وجوده وإمامته، وطلبهنّ لإمامة عمر إن كان بعد إمامة عمر ورفض النبيّ لها، فذلك لا يعقل؛

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٦٦ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و٥: ١٤١ كتاب المغازي، باب مرض النبيّ ووفاته(صلى الله عليه وسلم)، صحيح مسلم ٢: ٢٤، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، السنن الكبرى، للبيهقي ٣: ٧٥، باب ترك الجماعة بعذر المرض والخوف.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٥٦ مسند عبد الله بن العبّاس، و٦: ٢١٠ حديث عائشة، صحيح البخاري ١: ١٦٢، باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة، و١: ١٧٤، ١٧٥، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم ٢: ٢٣، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.

3- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٥٩، ٢٣٣، ٢٤٣ مسند أنس بن مالك ٦: ١٥٩ حديث عائشة، سنن الترمذي ١: ٢٢٥ الحديث ـ٣٦٠، ٣٦١ـ، سنن النسائي ٢: ٧٩ صلاة الإمام خلف رجل من رعيّته، السنن الكبرى، للبيهقي ٣: ٨١ ــ ٨٣، باب ما روي في صلاة المأموم قائماً وإن صلّى الإمام جالساً.

4- أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٥٥٤ الحديث ١١٢٥ قول رسول الله في أبي بكر.


الصفحة 263

لأنّ النبيّ أوضح رفضه، ويكون طلبهن معصية واضحة.. وإن كان طلبهنّ لها؟ قبل إمامة عمر، فقد بيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في جوابه لهنّ: بأنّ الله يأبى ذلك والمؤمنون، فكيف اجتهد عمر في مقابل النص وقام بإمامة الناس بعد نصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم قبوله إمامته للصلاة بالناس؟!

٢ــ إنكاره (صلى الله عليه وآله وسلم) على بعض نسائه وهو في تلك الحالة الشديدة إنكاراً لاذعاً، وهذا يعني فداحة الفعل وخطورته! وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهنّ: (مه، إنّكنّ لأنتنَّ صواحب يوسف(عليه السلام) )..

وهذا التشبيه قال عنه الباجي، كما في (تنوير الحوالك) للسيوطي: ((أراد: أنّهنّ قد دعون إلى غير صواب، كما دعين، فهنّ من جنسهنّ))(1). وقال النووي: ((قوله(صلى الله عليه وسلم) : (لأنتنّ صواحب يوسف)، أي: في تظاهرهنّ على ما يردن، وإلحاحهنّ فيه، كتظاهر امرأة العزيز ونسوتها على صرف يوسف(عليه السلام) عن رأيه في الاعتصام...))(2).

وأمام قول من قال بأنّ وجه المشابهة في إظهارهن خلاف ما في الباطن(3)، أو لكثرة الإلحاح فقط(4)، فذلك الفعل لا يستحقّ هذا التشبيه وهذا التوبيخ، وأخلاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع من أن ينكر على نسائه ويشبههنّ بنساء عاصيات وهو على تلك الحال من عدم استطاعته الخروج للصلاة.. وخصوصاً فإنّ نواياهنّ، وما في الباطن

____________

1- تنوير الحوالك ٢: ١٨٨ كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ٢٤ الحديث ٤١٢.

2- المجموع شرح المهذّب ٤: ٢٤٢، باب صلاة الجماعة، إذا أحدث الإمام واستخلف.

3- فتح الباري، لابن حجر ٢: ١٢٨ كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة.

4- عمدة القاري، للعيني ٥: ١٨٩، باب حدّ المريض يشهد الجماعة، الديباج على مسلم، للسيوطي ٢: ١٢٦.


الصفحة 264

الذي كشفه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تبح به إحداهنّ أبداً، إنّما كان نية حسنة، وليس منكراً أو معصية، وإنّما هو أمر مشروع، بل مستحبّ.

والمعروف لدى الجميع بأنّ صويحبات يوسف لم يكن منهنّ خلاف على يوسف، ولا مراجعة له، أو إلحاح في شيء، وإنّما افتتنّ بأسرهنّ بحبّه، وأرادت كلّ واحدة منهنّ مثل ما أرادت صاحبتها، فأشبهن حالهنّ.

ولهذا التفسير شاهد يدلّ عليه، وهو: ما رواه أحمد في (مسنده): عن ابن عبّاس، قال: ((لمّا مرض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: (ادعوا لي عليّاً)، قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر؟ قال: (ادعوه)، قالت حفصة: يا رسول الله! ندعو لك عمر؟ قال: (ادعوه)، قالت أُمّ الفضل: يا رسول الله! ندعو لك العبّاس؟ قال: (ادعوه)، فلمّا اجتمعوا رفع رأسه، فلم ير عليّاً، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: (مروا أبا بكر يصلّي بالناس)، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل حصر، ومتّى لا يراك الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلّي بالناس، فخرج أبو بكر فصلّى بالناس، ووجد النبيّ(صلى الله عليه وسلم) من نفسه خفّة، فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض... ومات في مرضه ذاك(عليه السلام) ))(1).

فهذا النصّ للحديث الشريف ــ على ما عليه من ملاحظات ــ يدلّ قطعاً على حال قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لهنّ: (إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف)، فطلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) وعدم طاعته في ذلك، وأنّ كلّ واحدة منهنّ أرادت ما تحبّ وتريد، لا ما يريده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي: كلّ واحدة أرادت لنفسها ما أرادت الأُخرى، وهذا ما صدر من صواحب يوسف.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٥٦ مسند عبد الله بن العبّاس.


الصفحة 265

أمّا ما أوّله أكثرهم من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد: صاحبة يوسف، لا الصواحب، وكذلك قال: (إنّكنّ لأنتنّ)، وأراد: عائشة(1)، فهو تحريف واضح، وخلاف للظاهر!

بل يشهد على بطلانه شاهد واضح، وهو: قول حفصة لعائشة، بعد هذا القول من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ((والله ما كنت لأصيبَ منكِ خيراً))(2)..

وقال نفس هؤلاء المؤوّلين: لعلّها تذكّرت من عائشة أيضاً مسألة المغافير(3)..

فهذا القول ألا يعني شمولها بقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وهل فهمت حفصة منه الإلحاح البريء في الطلب، أم التظاهر وطلب الفضل والاختصاص بخلاف إرادة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وصرفه عنها إلى ما يردن؟

٣ــ إنكاره (صلى الله عليه وآله وسلم) لتلك الصلاة، والاهتمام ببيان ذلك بوسائل متعدّدة، على ما كان يعانيه(صلى الله عليه وآله وسلم) من ثقل ومرض.. فمرّة يسمع عمر يصلّي، فيقول: (لا لا، يأبى الله ذلك والمسلمون)..

ومرّة يسمع أبا بكر يصلّي، فيخرج يهادى بين رجلين(عليّ والفضل) ورجلاه تخطّان في الأرض(4)، ويقولون: وجد في نفسه خفّة، فأيّ خفّة هذه

____________

1- فتح الباري، لابن حجر ٢: ١٢٨ كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة، تحفة الأحوذي ١٠: ١٠٨ مناقب أبي بكر.

2- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٠٢ عن عائشة، صحيح البخاري ١: ١٦٥، ١٧٦ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و٨: ١٤٦ كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة، سنن الترمذي ٥: ٢٧٦ أبواب المناقب، باب مناقب أبي بكر الباب ٥٨ الحديث ٣٧٥٤.

3- فتح الباري، لابن حجر ٢: ١٢٩ كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة.

4- مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٠٩ عن العبّاس بن عبد المطّلب، و٣٥٦، ٣٥٧ عن عبد الله بن العبّاس، و٦: ٢١٠، ٢٢٤ عن عائشة، صحيح البخاري ١: ١٦٢، ١٧٥ كتاب الأذان، باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة، صحيح مسلم ٢: ٢٣، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، سنن ابن ماجة ١: ٣٨٩ الحديث ١٢٣٢، ١٢٣٥، باب ما جاء في صلاة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مرضه، سنن النسائي ٢: ١٠٠، ١٠١، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٣٢.


الصفحة 266

التي لا يستطيع معها لا المشي ولا الوقوف؟ بل جلس وعزل أبا بكر عن إمامته للصلاة، وبيّن رفضه بخروجه مع شدة حالته وجلوسه في صلاته، مع قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قائماً، فصلّوا قياماً، وإذا صلّى جالساً، فصلّوا جلوساً أجمعون)، رواه البخاري ومسلم(1).

وتأوّلوا ذلك أيضاً وقالوا: إنّه منسوخ بفعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الأخير في مرضه!

فهلاّ بيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك النسخ، أو فهمه أحد الصحابة؟

بل ثبت أنّ أُسيد بن حضير وجابر بن عبد الله الأنصاري صلّيا بجماعة وهم قعود مرضى، وأمروا جماعتيهما بالجلوس(2)، وأثبتوا الحديث الذي سردناه في وجوب صلاة المأمومين جلوساً إن صلّى الإمام جالساً.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٠ عن أنس بن مالك، و٦: ٦٨ عن عائشة، سنن الدارمي ١: ٢٨٧ كتاب الصلاة، باب فيمن يصلّي خلف الإمام والإمام جالس، صحيح البخاري ١: ١٠٠ كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ، و١: ١٦٩ كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم ٢: ١٨، باب ائتمام المأموم بالإمام، سنن ابن ماجة ١: ٣٩٣ الحديث ١٢٤٠، باب ما جاء في إنّما جعل الإمام ليؤتم به، سنن النسائي ٢: ٩٩ الحديث ٨٣٢ كتاب القبلة، ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ٩٧ جماع أبواب صفة الصلاة، باب كيف القيام من الركوع.

2- سنن أبي داود ١: ١٤٥ الحديث ٦٠٧ كتاب الصلاة، باب ٦٩، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٢٨٩، المصنّف، لعبد الرزّاق ٢: ٤٤٢ الحديث ٤٠٨٥، المحلّى، لابن حزم ٣: ٧٠ المسألة ٢٩٩، المصنّف، لابن أبي شيبة ٢: ٢٢٤ الحديث ٥ في الإمام يصلّي جالساً، فتح الباري، لابن حجر ٢: ١٤٧، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.


الصفحة 267

فأيّ بيان بعد هذا يبيّنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) برفضه لإمامة أبي بكر وإبطال صلاته، كما فعل مع عمر؛ فقد نقل أنّهم تفرّقوا عن عمر لمّا سمعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ينكر إمامته، ونقلوا أنّ أبا بكر قد أعاد صلاتهم لمّا رجع عن السفح(1)... الخ.

ويشهد لكلامنا: قول السندي في حاشيته على سنن النسائي؛ إذ قال عند شرحه حديث مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وصلاته: ((واستدلّ الجمهور بهذا الحديث على نسخ حديث إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً... حتّى قال: وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعلّ سبب ذلك عظم المصيبة. فعلى هذا، فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء. والله تعالى أعلم))(2).

٤ــ بعض الروايات تصرّح، وبعضها تشير إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصدر عنه أمر لأحد معيّن بالصلاة بالناس، فصلاة عمر بالناس بأمر عبد الله بن زمعة لا بأمر النبيّ، وإنّما قال له(صلى الله عليه وآله وسلم): (مر الناس فليصلّوا). رواه أحمد(3).

وكذلك الرواية الأُخرى التي يرويها أحمد في مسنده: عن أنس، قال: لمّا مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مرضه الذي توفّي فيه، أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال بعد مرّتين: (يا بلال! قد بلغت، فمن شاء فليصلّ، ومن شاء فليدع)(4).

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٢٦٤ ترجمة أبي بكر، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٢٢٢ ذكر أمر رسول الله أبا بكر أن يصلّي بالناس في مرضه، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٥٥٤ الحديث ١١٢٥ قول رسول الله في أبي بكر.

2- حاشية السندي على النسائي ٢: ١٠٠ كتاب الإمامة، الائتمام بالإمام يصلّي قاعداً.

3- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٤ عن عائشة، و٤: ٣٢٢ حديث عبد الله بن زمعة.

4- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٢ مسند أنس بن مالك.


الصفحة 268

وأمّا الزيادة في الأُولى: (يأبى الله ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، وفي الثانية: قال لبلال بعد مراجعته: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس...)، فهي وضعت لتصحيح صلاة أبي بكر! وإلا فإنّ الزيادة في الروايتين مناقضة لصدرهما، فإنّه في الأُولى لم يعيّن أحداً، وإنّما قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (مروا الناس فليصلّوا)، فما معنى إنكاره بعد ذلك صلاة عمر بعد أن عقدت، وأمره بصلاة أبي بكر؟! فلو كان ولا بدّ من صلاة أبي بكر لكان يجب التعيين أوّلاً، إلّا أن تقولوا أنّ في عمر شيئاً تبطل معه الصلاة! ومعه فلا فرق في غيره بين أبي بكر وبقيّة المسلمين. فلماذا عيّن أبا بكر؟

وفي الثانية خيّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بين الصلاة جماعة وعدمها، فما معنى تعيينه أبا بكر بعد مراجعة بلال وهو قد خيّرهم قبلاً؟!

إضافة إلى ما رواه البخاري من تقديم أبي بكر عمراً للصلاة، وقول عمر: إنّك أحقّ بها(1)، إذ كيف يستقيم تقديم أبي بكر لعمر إذا كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الآمر بالصلاة، بل إنّ هذا مشعر بأنّهم كانوا يعلمون بأنّ الأمر لم يصدر من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هو تواطؤ فيما بينهم وبين عائشة!!

٥ــ وممّا يكذب التعيين ويصطدم معه: مسألة اهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يصلّي هو بنفسه، وعدم استسلامه للمرض الشديد الذي كان يعانيه..

فقد أُغمي عليه ثلاث مرّات، وفي كلّ مرّة يصرّ على الخروج والصلاة بالناس ويتوضّأ، حتّى يغمى عليه من شدّة المرض(2)، ولم يترك ذلك، حتّى سمع أصواتهم يصلّون، فخرج مع ما به، فأنكر بخروجه وهو يهادى بين رجلين ورجلاه

____________

1- صحيح البخاري ١: ١٦٨، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.

2- صحيح البخاري ١: ١٦٨، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.


الصفحة 269

تخطّان في الأرض، فعلهم.. وعزل أبا بكر.. وصلّى قاعداً وبقي المسلمون قائمين، مع قوله لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) مراراً وتكراراً وتطبيقاً: (إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون).

وبرّروا هذه المخالفة بقولهم: بأنّ أبا بكر كان مأموماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس يأتمّون بأبي بكر.. وهذه المخالفة وهذا التبرير أسوأ من الذنب؛ إذ لا توجد لدينا في الإسلام صلاة ذات إمامين!

وإنّما هذا من تصوير عائشة حفظاً لماء وجه أبيها!

٦ــ وأخيراً، فمّما يبطل ذلك الأمر المزعوم، هو: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شدّد وأكّد في إنفاذ جيش أُسامة(1)، وفيه كلّ شيوخ قريش، حتّى أنّهم اعترضوا: كيف يولّي فتى لم يبلغ مبلغ الرجال على شيوخ قريش؟ وأبوا أن يخرجوا..

وقرّعهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مريض يشتكي رأسه، فخرج معصوب الرأس مرتقياً المنبر رادّاً عليهم، كما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، قال: ((أمّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أُسامة على قوم، فطعنوا في إمارته، فقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة)(2)...))..

وهذا الحديث يبيّن أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يخرج الجميع سوى أهل بيته نفيراً عاماً، وأمّر عليهم فتى صغيراً، وكلّ ذلك قبل أن يمرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّهم

____________

1- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ١٩٠ سرية أُسامة بن زيد.

2- صحيح البخاري ٥: ٨٤ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، صحيح مسلم ٧: ١٣١، باب فضائل زيد بن الحارثة وأُسامة بن زيد، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٠ عن عبد الله بن عمر.


الصفحة 270

اعترضوا وأبوا الخروج والانقياد لعبد أسود صغير السنّ، فمرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يخرجوا، فأخّروا أنفسهم كثيراً، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يزداد مرضه، وهو يستصرخهم: أنفذوا جيش أُسامة، حتّى خرجوا ورجعوا، ثمّ عسكروا قريباً من المدينة، ثمّ أصرّوا على المعصية، وحدث ما حدث من رجوعهم، وتركهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسجّى، وذهبوا ليتآمروا في السقيفة.

فهذه أحوالهم، وهذه طاعتهم، فانظر بإنصاف لقضية الصلاة، وبعث أُسامة، فسترى ما فيهما من تشابه، وقارن بين إرادة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإرادة البعض من المسلمين!

ولنا أن نسأل هنا: كيف يأمر النبيّ أبا بكر بالصلاة وهو يعلم أنّه بعثه في جيش أُسامة؟!!

ثمّ كيف يكون أبو بكر في المدينة ليؤمّ المسلمين في المسجد وهو خارجها معسكراً في بعث أُسامة؟!!

(صلاة جماعته المزعومة ـ١ـ)

« أبو حلوفة العربي ــ الجزائر »

السؤال:

هل يعتبر أبو بكر أوْلى بالخلافة، ونحن نعلم أنّ الرسول(صلى الله عليه وسلم) أمره بالصلاة جماعة؟ هل معنى ذلك أنّ الرسول(صلى الله عليه وسلم) أعطى الشرعية لأبي بكر، بأن يكون الخليفة على المسلمين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية