المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 1 - ص 30)




الصفحة 1

موسوعة الأسئلة العقائدية

المجلّد الرابع

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية


الصفحة 2


الصفحة 3

بسم الله الرحمن الرحيم


الصفحة 4


الصفحة 5

أبو طالب*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (آباء وأمّهات الأنبياء عليهم السلام)(الإمام عليّ عليه السلام)


الصفحة 6


الصفحة 7

(الأدلّة على إيمانه من كتب الفريقين)

« بدر ــ عمان »

السؤال:

ما الأدلّة على إسلام أبي طالب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أجمع علماء الشيعة على إسلام أبي طالب عليه السلام تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام.

والأحاديث الدالّة على إيمانه الواردة عن أهل بيت العصمة كثيرة، قد جمعها العلماء في كتب مفردة، وكان من الكتب الأخيرة: (منية الراغب في إيمان أبي طالب) للشيخ محمّدرضا الطبسي.

وقد أُلّف في إثبات إيمانه كثير من الكتب، من السُنّة والشيعة على حدّ سواء، وأنهاها بعضهم إلى ثلاثين كتاباً، ومنها: كتاب (أبو طالب مؤمن قريش) للأُستاذ عبد الله الخنيزي.

هذا عدا البحوث المستفيضة المبثوثة في ثنايا الكتب والموسوعات، ونخصّ بالذكر هنا ما جاء في كتاب (الغدير) للعلاّمة الأميني في الجزء السابع والثامن منه.

وقد نقل عن مفتي الشافعية أحمد زيني دحلان في (أسنى المطالب) عن


الصفحة 8
جماعة من علماء أهل السُنّة: أنّهم ذهبوا إلى ذلك أيضاً، وكتبوا الكتب والبحوث في إثبات ذلك، كـالبرزنجي، والأجهوري، وابن وحشي في شرحه لكتاب (شهاب الأخبار)، والتلمساني في (حاشية الشفاء)، والشعراني، وسبط ابن الجوزي، والقرطبي، والسبكي، وأبي طاهر، وغيرهم.

بل لقد حكم عدد منهم ــ كابن وحشي، والأجهوري، والتلمساني ــ بأنّ من أبغض أبا طالب فقد كفر، أو من يذكره بمكروه فهو كافر(1).

ونقل ابن أبي الحديد في شرحه للنهج عن بعض شيوخ المعتزلة، كابن قائم، والبلخي، وأبي جعفر الإسكافي، قولهم بذلك(2).

وهذه بعض الأدلّة على إيمان أبي طالب:

١ــ ما روي عن الأئمّة عليهم السلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّا يدلّ على إيمانه، وهم أعرف بأمر كهذا من كلّ أحد.

٢ــ نصرته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتحمّله تلك المشاق والصعاب العظيمة، وتضحيته بمكانته في قومه، وحتّى بولده، أكبر دليل على إيمانه.

٣ــ إنّه لو كان كافراً، لشنّع على عليّ عليه السلام بذلك معاوية وحزبه، والزبيريون وأعوانهم، وسائر أعداء الإمام عليّ عليه السلام.

٤ــ تصريحاته وأقواله الكثيرة جدّاً؛ فإنّها كلّها ناطقة بإيمانه وإسلامه، ومنها أشعاره التي عبّر عنها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: ((قالوا: فكلّ هذه الأشعار

____________

1- أسنى المطالب في نجاة أبي طالب: ٩٠، الباب الخامس.

2- شرح نهج البلاغة ١٤: ٦٥ اختلاف الرأي في إيمان أبي طالب، وانظر: الغدير، للأميني ٧: ٢٨١ قصارى القول في سيّد الأبطح عند القوم.


الصفحة 9
قد جاءت مجيء التواتر؛ لأنّه إن لم تكن آحادها متواترة، فمجموعها يدلّ على أمر واحد مشترك، وهو تصديق محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومجموعها متواتر))(1).

٥ــ قد صرّح أبو طالب في وصيّته بأنّه كان قد اتّخذ سبيل التقية في شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد قَبِلَه الجَنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن.

وأوصى قريشاً بقبول دعوة الرسول، ومتابعته على أمره، ففي ذلك الرشاد والسعادة(2).

٦ــ ترحّم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه، واستغفاره له باستمرار، وحزنه عليه عند موته، وواضح أنّه لا يصحّ الترحم إلّا على المسلم(3).

٧ــ وبعد كلّ ما تقدّم نقول: إنّ إسلام أيّ شخص أو عدمه، إنّما يستفاد من أُمور أربعة:

أ ــ من مواقفه العملية، ومواقف أبي طالب قد بلغت الغاية التي ما بعدها غاية في الوضوح والدلالة على إخلاصه وتفانيه في الدفاع عن هذا الدين.

ب ــ من إقراراته اللسانية بالشهادتين، ويكفي أن نشير إلى ذلك القدر الكثير منها في شعره في المناسبات المختلفة.

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٤: ٧٨ اختلاف الناس في إيمان أبي طالب.

2- السيرة الحلبية ٢: ٤٩، تاريخ الخميس، للديار بكري ١: ٥٥٢ وصية أبي طالب، روضة الواعظين، للفتال: ١٤٠ مجلس في إيمان أبي طالب وفاطمة بنت أسد.

3- تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي ١: ١٤٥، فصل في ذكر والده أبي طالب، السيرة الحلبية ٢: ٤٧.


الصفحة 10

ج ــ من موقف النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم منه، فالموقف المرضي ثابت منه صلى الله عليه وآله وسلم اتّجاه أبي طالب على أكمل وجه.

د ــ من إخبار المطّلعين على أحواله عن قرب وعن حسّ، كأهل بيته، ومن يعيشون معه، وقد قلنا: إنّهم مجمعون على ذلك.

بل إنّ القائلين بكفره نفسهم لمّا لم يستطيعوا إنكار مواقفه العملية، ولا الطعن بتصريحاته اللسانية حاولوا: أن يشبّهوا على العامّة بكلام مبهم لا معنى له؛ فقالوا: إنّه لم يكن منقاداً!!

ومن أجل أن نوفّي أبا طالب بعض حقّه، نذكر بعض ما يدلّ على إيمانه، ونترك سائره، وهو يعدّ بالعشرات؛ لأنّ المقام لا يتّسع لأكثر من أمثلة قليلة معدودة، وهي:

١ــ قال العبّاس: يا رسول الله! ما ترجو لأبي طالب؟ قال: (كلّ الخير أرجوه من ربّي)(1).

٢ــ قال ابن أبي الحديد: ((روي بأسانيد كثيرة، بعضها عن العبّاس بن عبد المطّلب، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أنّ أبا طالب ما مات حتّى قال: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله))(2).

٣ــ كتب أمير المؤمنين عليه السلام رسالة مطوّلة لمعاوية جاء فيها: (ليس أُميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطّلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر

____________

1- الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ١٢٥، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر
٦٦: ٣٣٦ حرف الطاء، أبو طالب، الجامع الصغير، للسيوطي ٢: ٢٧٥ الحديث (٦٢٧٣)، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٣: ١٤٠ الحديث (٥٨٧١).

2- شرح نهج البلاغة ١٤: ٧١ اختلاف الناس في إيمان أبي طالب.


الصفحة 11
كالطليق، ولا الصريح كاللصيق)(1).

فإذا كان أبو طالب كافراً، وأبو سفيان مسلماً، فكيف يفضّل الكافر على المسلم، ثمّ لا يردّ عليه ذلك معاوية بن أبي سفيان؟!

٤ــ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأُمّي، وعمّي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية)(2).

٥ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (إنّ الله عزّ وجلّ قال له على لسان جبرائيل: حرّمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك).

أمّا الصلب فعبد الله، وأمّا البطن فآمنة، وأمّا الحجر فعمّه ــ يعني أبا طالب، وفاطمة بنت أسد ــ وبمعناه غيره مع اختلاف يسير(3).

(أحاديث صحيحة عند الشيعة في إيمان أبي طالب عليه السلام)

« هيثم محمّد ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

السلام عليكم..

نحن نعلم أنّ كتب الشيعة ليست كلّها صحيحة، ففيها أحاديث قوية وفيها

____________

1- شرح نهج البلاغة، لمحمّد عبده ٣: ١٧، الأخبار الطوال، للدينوري: ١٨٧، وقعة صفّين، للمنقري: ٤٧١، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة (تح زيني) ١: ١٠٤ كتاب معاوية إلى عليّ عليه السلام، مناقب الخوارزمي: ٢٥٦ الفصل الثالث.

2- ذخائر العقبى، للطبري: ٧، باب (فضل قرابة الرسول)، السيرة الحلبية ٢: ٤٧، تاريخ اليعقوبي ٢: ٣٥ وفاة خديجة وأبي طالب.

3- الكافي، للكليني ١: ٤٤٦ أبواب التاريخ، أمالي الصدوق: ٧٠٣ الحديث (٩٦٤)، روضة الواعظين، للفتال: ٦٧.


الصفحة 12
السقيم، فهل الأحاديث التي ذكرت في إيمان أبي طالب في كتب الشيعة صحيحة؟

وإن كانت صحيحة نريد أسماء العلماء الذين صحّحوها، وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك أدلّة كثيرة على إيمان أبي طالب عليه السلام حتّى إنّها احتاجت في ذكرها لتأليف المؤلّفات، ولا يسعنا في هذه الأسطر ذكر كلّ الروايات التي تشير لذلك، بل نحن نرشدك لقراءة ما كتبه علماء الشيعة عن أبي طالب عليه السلام ونذكر لك من الكتب ما يلي:

١ــ إيمان أبي طالب، للشيخ المفيد.

٢ــ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، لشمس الدين أبي علي فخار ابن معد الموسوي.

٣ــ أبو طالب حامي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وناصره، للشيخ نجم الدين العسكري.

٤ــ إيمان أبي طالب، للشيخ الأميني.

٥ــ أبو طالب مؤمن قريش، للشيخ عبد الله الخنيزي.

ومع ذلك فنحن نذكر لك بعض من تلك الروايات:

الأُولى: في أمالي الصدوق: ((عن ابن الوليد، عن الحسن بن متيل الدقّاق، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن مروان بن مسلم، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس: أنّه سأله رجل، فقال له: يا ابن عمّ رسول الله، أخبرني عن أبي طالب، هل كان مسلماً؟


الصفحة 13
فقال: وكيف لم يكن مسلماً، وهو القائل:


وقد علموا أنّ ابننا لا مكذّبلدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل

إنّ أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف حين أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين))(1).

وسند هذه الرواية معتبر؛ فمحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال عنه النجاشي: ((شيخ القمّيين وفقيههم ومتقدّمهم، ووجههم... ثقة ثقة, عين, مسكون إليه))(2).

أمّا الحسن بن متيل، فقد وصفه النجاشي والطوسي والعلاّمة بـ : ((وجه من وجوه أصحابنا، كثير الحديث))(3)، وصحّح العلاّمة رحمه الله طريق الصدوق قدس سره إلى جعفر بن الناجية والحسن بن السري وفيها الحسن بن متيل(4).

وقال الشيخ الطوسي عن الحسن بن علي بن فضّال: ((ثقة في الحديث ورواياته))(5).

وأمّا مروان بن مسلم، فقد قال النجاشي عنه: ((كوفي ثقة، له كتاب يرويه

____________

1- أمالي الصدوق: ٧١٢ الحديث (٩٨٠).

2- رجال النجاشي: ٣٨٣، باب الميم (١٠٤٢).

3- رجال النجاشي: ٤٩، باب الحسن والحسين (١٠٣)، الفهرست: ١٠٦، باب الحسن (١٩٩)، خلاصة الأقوال: ١٠٥ (٢٧).

4- خلاصة الأقوال: ٤٣٩، ٤٤٢ الفائدة الثامنة.

5- الفهرست: ٩٧، باب الحسن (١٦٤).


الصفحة 14
جماعة))(1).

وأمّا ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي، فقد قال عنه النجاشي: ((كوفي ثقة))(2).

أمّا سعيد بن جبير، فقد روى الكشي عن الصادق عليه السلام: (أنّ سعيد بن جبير كان يأتم بعليّ بن الحسين عليهما السلام، وكان عليّ عليه السلام يثني عليه، وما كان سبب قتل الحجّاج له إلّا على هذا الأمر وكان مستقيما)(3).

أمّا عبد الله بن العبّاس، فهو حبر الأمّة، وقد قال عنه العلاّمة الحلّي في (الخلاصة) أنّه: ((كان محبّاً لعليّ عليه السلام، وتلميذه, حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى))(4).

الثانية: في (الكافي): ((عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّ|وا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين)))(5).

أمّا عليّ وأبوه، فهم من أجلاّء علماء الطائفة، اللذان لا يستطيع أحد القدح فيهما(6).

____________

1- رجال النجاشي: ٤١٩، باب منذر (١١٢٠).

2- رجال النجاشي: ١١٥، باب الثاء (٢٩٦).

3- اختيار معرفة الرجال، للطوسي ١: ٣٣٥ (١٩٠).

4- خلاصة الأقوال: ١٩٠، باب (عبد الله (١).

5- الكافي، للكليني ١: ٤٤٨ أبواب التاريخ، باب بلد النبيّ (٢٨).

6- انظر: رجال النجاشي: ١٦، باب الألف (١٨) و٢٦٠، باب العين (٦٨٠)، الفهرست، الطوسي: ٣٥، باب الهمزة (٦) و١٥٢، باب العين (٣٨٠)، خلاصة الأقوال، للحلّي: ٤٩ و١٨٢، معجم رجال الحديث، للخوئي ١: ٢٨٩ (٣٣٢) و١٢: ٢٠٨ (٧٨٢٠).


الصفحة 15
وابن أبي عمير، قال عنه النجاشي: ((جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين))(1).

وهشام، قال عنه النجاشي: ((ثقة ثقة))(2).

أمّا قولك: إنّ كتب الشيعة ليست كلّها صحيحة..

فإن کنت تريد القول: إنّكم لم تراعوا عند كتابة الأحاديث صحّتها أو اعتبارها أو قبولها.

فنحن نقول: إنّ هذا الكلام غير دقيق؛ فإنّ الذي دفعنا إلى عدم قبول أي كتاب واعتباره صحيحاً بالكامل هو المبنى الذي انتهجنا عليه، وهو فتح باب الاجتهاد وعدم إغلاقه حتّى في ما يتعلّق بسند الحديث.

وبمعنى آخر: فإنّ الكتاب الحديثي لو كان صحيحاً ومعتبراً عند مؤلّفه، ويعدّه حجّة فيما بينه وبين الله، فإنّنا لا نعدّ ذلك الكتاب صحيحاً، ومن حقّنا أن نجتهد وننظر في سند الحديث، فنضعّف ما صحّح هو، وكذلك لنا الحقّ أن نقوّي الحديث الضعيف، وكلّ ذلك تبعاً لعلم الرجال الذي يتيح لنا الاجتهاد للوصول إلى الحديث الصحيح سنداً.

تعليق:

« أحمد إبراهيم ــ الأُردن ــ سُنّي »

إنّما هرب أهل الكهف إلى الكهف لينجوا من بطش ملكهم كي لا يفتنهم

____________

1- رجال النجاشي: ٣٢٦، باب الميم (٨٨٧).

2- رجال النجاشي: ٤٣٤، باب الهاء (١١٦٥).


الصفحة 16
قومهم عن دينهم، فهل هرب أبو طالب بدينه من المشركين، أم أنّه كان رئيسهم وكبيرهم؟ فما هو وجه المقارنة بينه وبين أهل الكهف؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وجه المقارنة كما مذكور في الرواية هو: إظهار الكفر وإبطان الإيمان، لكي يمكن له أن يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أمكن لأصحاب الكهف من أن يحقّقوا غرضهم في بطانة الملك، وهم عند انكشاف حالهم زال تأثيرهم، فهربوا والتجؤوا إلى الكهف، بينما بقي أبو طالب مدافعاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى في حصار الشعب، وإلى آخر يوم من حياته.

(آية عدم الاستغفار للمشركين لم تنزل في حقّه)

« إبراهيم عبد الله ــ السعودية »

السؤال:

هل صحيح أنّ آية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ(1) نزلت في أبي طالب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى عليكم: أنّ معاوية بن أبي سفيان أنفق الكثير من بيت مال المسلمين

____________

1- التوبة (٩): ١١٣.


الصفحة 17
في سبيل تزوير الأحاديث، وتحريف الآيات النازلة في حقّ أهل البيت عليهم السلام، فوضع في حقّ الإمام عليّ عليه السلام وأبيه أبي طالب عليه السلام الأراجيف والتهم انتقاماً منهما.

ومن تلك التهم التي وضعها هي: أنّ أبا طالب عليه السلام مات مشركاً، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يستغفر لعمّه، فنزلت الآية الشريفة لتنهاه عن الاستغفار له، وذلك من خلال وضع الأحاديث المحرّفة في شأن نزول هذه الآية، والتي ترويها بعض كتب أهل السُنّة..

منها: ما جاء في (صحيح البخاري): ((عن ابن المسيّب، عن أبيه: إنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو جهل، فقال: (أي عمّ، قل: لا إله إلّا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله).

فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملّة عبد المطّلب. فلم يزالا يكلّمانه، حتّى قال آخر شيء كلّمهم به: على ملّة عبد المطّلب.

فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنه)، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ...))(1).

وبهذا المضمون وردت روايات أُخرى بأسانيد مختلفة.

والجواب عن هذه الشبهة، تارة يقع عن الحديث، وأُخرى عن الآية.

أمّا الحديث، ففيه: إنّ رواته ورواة الأحاديث الأُخرى بين ضعيف ومجهول ومطعون به، فالروايات ــ إذن ــ ضعيفة السند، خصوصاً وأنّ راويها سعيد بن المسيّب، الذي اختلف فيه اختلافاً كبيراً، بين التعديل والتجريح، ومن القادحين فيه ابن أبي الحديد في (نهج البلاغة)، إذ سلكه في عداد المنحرفين عن عليّ عليه السلام، وأنّ في قلبه شيئاً منه(2).

____________

1- صحيح البخاري ٤: ٢٤٧.

2- شرح نهج البلاغة ٤: ١٠١، فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ.


الصفحة 18
إذن كيف نستطيع أن نأخذ حديثاً في قدح عليّ عليه السلام من شخص متّهم فيه؟

وإذا عرفنا أنّ سعيداً هو القائل: ((من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وشهد للعشرة بالجنّة، وترحّم على معاوية، كان حقيقاً على الله أن لا يناقشه الحساب))(1)، فحينئذ نعرف ــ بعدما أوضح موقفه من معاوية ــ قيمة هذا الحديث الذي وضعه في حقّ أبي طالب عليه السلام.

وأمّا الآية، ففيها:

١ــ تدلّنا رواية البخاري على أنّ الآية نزلت عند احتضار أبي طالب، ولكنّا إذا رجعنا إلى وقت نزولها وجدناها مدنية، فبين وفاة أبي طالب وبين نزول هذه الآية، ما يزيد على ثمانية أعوام.

فمجرى الحديث يدلّ على استمرار استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمّه ــ وهو كذلك ــ ولم ينقطع إلّا عند نزول هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ....

وهنا نتساءل: كيف جاز للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر لعمّه في الفترة التي بعد موته حتّى نزول هذه الآية؟ وكانت قد نزلت على الرسول آيات زاجرة تنهاه وتنهى المؤمنين أن يستغفروا للمشركين، قبل نزول هذه الآية بأمد طويل، من تلك الآيات قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ(2) فهل يجوز للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر لعمّه، ولديه آيات ناهية

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٩: ٢٠٧ معاوية بن صخر أبي سفيان، البداية والنهاية، لابن كثير ٨: ١٤٨ ترجمة معاوية.

2- المجادلة (٥٨): ٢٢، وقوله تعالى في سورة النساء (٤): ١٣٩ و ١٤٤، وآل عمران (٣): ٢٨، والمنافقون (٦٣): ٦، وغيرها.


الصفحة 19
وزاجرة عن الاستغفار للمشركين؟

٢ــ هناك روايات وأقوال تنقض حديث البخاري وغيره في وجه نزول الآية، على سبيل المثال:

روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: (سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان.

فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟

فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ــ إلى قوله ــ: تَبَرَّأَ مِنْهُ(1)))(2).

وفي رواية أُخرى: (وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم؟ فنزلت)(3).

٣ــ اختلف في تفسير الآية، فبعضهم قال: تحمل معنى النفي لا معنى النهي، أي: أنّ الآية تنفي عن الرسول أنّه كان يستغفر للمشركين، لا أنّها تنهاه عن الاستغفار.

إذن كلّ من استغفر له الرسول فهو مؤمن ما دمنا نقرّ له بالنبوّة والعصمة والعمل الحقّ.

____________

1- التوبة (٩): ١١٣ ــ ١١٤.

2- الغدير، للأميني ٨: ١٢، مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٩ و ١٣٠ مسند عليّ بن أبي طالب، سنن الترمذي ٤: ٣٤٤ الحديث (٥٠٩٩) سورة التوبة، سنن النسائي ٤: ٩١ النهي عن الاستغفار للمشركين، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣٣٥ سورة براءة و٢: ٥٥٢، فتح الباري، لابن حجر ٨: ٣٩١، باب إنّك لا تهدي من أحببت، مسند أبي يعلى ١: ٤٥٧ الحديث (٦١٩)، وغيرها.

3- فتح الباري، لابن حجر ٨: ٣٩١، باب إنّك لا تهدي من أحببت، المحرّر الوجيز، لابن عطية ٣: ٩٠ سورة التوبة، تفسير البحر المحيط، لابن حيّان ٥: ١٠٨.


الصفحة 20

٤ــ لو سلّمنا بحديث البخاري، فإنّ قول أبي طالب: على ملّة عبد المطّلب، ليس سوى دليل على إيمانه، أليست ملّة عبد المطّلب هي الحنيفية، ففي الحقيقة آمن أبو طالب طبقاً لهذه الرواية، وأنّه أعلن عن إيمانه بطريق التورية، حتّى لا يشعر به الكفّار من قريش آنذاك.

والخلاصة: إنّ الآية لم تنزل بحقّ أبي طالب عليه السلام، وإنّه مات مؤمناً لا مشركاً.

(سبب نزول ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ)

« حسني ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

فيمن نزلت آية: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحببتَ وَلَكِنّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ(1)؟

أُريد الإجابة بالبرهان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد أجاب عن هذه الآية السيّد ابن طاووس في كتابه (الطرائف)، فقال:

((ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام، أنّهم زعموا أنّ المراد بقوله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ، أنّها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه.

____________

1- القصص (٢٨): ٥٦.


الصفحة 21
وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنّفه كتاب (أسباب نزول القرآن) ما هذا لفظه:

قال: قال الحسن بن مفضل في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ كيف يقال: إنّها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه، وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة؟

وإنّما هذه الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف وكان النبيّ يحبّ إسلامه، فقال يوماً للنبيّ: إنّا نعلم أنّك على الحقّ وأنّ الذي جئت به حقّ، ولكن يمنعنا من اتّباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا لكثرتهم وقلّتنا، ولا طاقة لنا بهم، فنزلت الآية، وكان النبيّ يؤثر إسلامه لميله إليه))(1).

(روايات ذكرت في تفسير القمّي)

« عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل هناك أحد من مفسّري الشيعة قال بأنّ الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ نزلت في أبي طالب؟

وماذا عن تفسير القمّي (٢/١٤٢)؛ حيث إنّ النص هو: ((وأمّا قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ، قال: نزلت في أبي طالب عليه السلام؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول:

____________

1- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: ٣٠٦ في إيمان أبي طالب رضي الله عنه.


الصفحة 22
يا عمّ قل لا إله إلّا الله بالجهر نفعك بها يوم القيامة، فيقول: يا بن أخي أنا أعلم بنفسي, (وأقول بنفسى ط). فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تكلّم بها عند الموت بأعلى صوته, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمّا أنا فلم أسمعها منه، وأرجو أن تنفعه يوم القيامة.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأُمّي وعمّي وأخ كان لي مؤاخياً في الجاهلية))، ويوجد في الهامش ما يثبت إيمان أبي طالب..

ولكن السؤال: هل أنّ القمّي يقول بأنّ الآية نزلت في أبي طالب عليه السلام؟

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ تفسير علي بن إبراهيم القمّي المطبوع مؤلّف من تفسيرين، وهما تفسير القمّي، والآخر روايات عن أبي الجارود، وإنّ الجامع لهذا التفسير هو الراوي لهما، وهو: أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم، أو الراوي عنه. إذن لا يمكن أن ينسب كلّ ما في تفسير القمّي لعلي بن إبراهيم, والنصّ ورد فيه: (قال: نزلت...) ولا يعلم من المراد بالقائل.

ثانياً: لو قلنا: إنّ هذه الفقرة من قول القمّي باعتبار أنّ الفقرة السابقة أشارت إلى علي بن إبراهيم.

فنقول: إنّ إيراد رواية متداولة في عصره ومضمونها قريب ممّا موجود في كتب المخالفين لا يعني الجزم بصحّتها, بل أوردها من باب إيراد الأخبار المذكورة في تفسير الآية القرآنية, ثمّ إنّه لم يذكر لها سنداً، بل أوردها مرسلة.

ثالثاً: لو أردنا قبول الرواية وغض الطرف عن سندها، فيمكن قبول الرواية


الصفحة 23
من جهة أنّ أبا طالب كان يكتم إيمانه، إذ قالت الرواية: قل: لا إله إلّا الله بالجهر، بمعنى أنّه يقول بها بالسرّ.

فيكون مضمون الرواية مناقضاً لمضمون الآية, فلا يصحّ التطبيق إلّا على نحو القول أنّ الآية لم تكن نازلة في أبي طالب, ولعلّ هذا ما أراده القمّي، إذ أنّ قوله: ((نزلت في أبي طالب)) من قول القمّي، وليس من ضمن الرواية، فالرواية مستقلّة عن الآية؛ فتأمّل!

رابعاً: إنّ ما ذكره القمّي هو جمع لثلاث روايات ذكرها المخالفون وليست هي رواية واحدة، ومضامينها تختلف, فلا يمكن القول بصحّتها جميعاً, ولا يمكن النسبة إلى القمّي بقبول كلّ مضامينها مع اختلافها فيما بينها.

(دعوى نزول آية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ بحقّ أبي طالب)

« محمّد »

السؤال:

ما تقولون في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(1).

فقد زعم بعض العامّة أنّها نزلت في أبي طالب؛ إذ كان هو يمنع الأذى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن في نفس الوقت لم يؤمن به، وهذا الادّعاء جاء في كتبهم اعتماداً على بعض الروايات؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الأنعام (٦): ٢٦.


الصفحة 24
هذا الكلام من المزاعم المكذوبة في سبيل دعم الباطل، ولا يبتني على أيّ أساس علمي متين؛ فإنّ الرواية المزعومة مرسلة بين حبيب بن أبي ثابت وابن عبّاس(1)، فإنّ حبيباً يروي عمّن سمع ابن عبّاس يقول:... الخ.

وما رواه الحاكم قبل هذه الرواية بسند عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس(2) كذب من الرواة، أو من حبيب المدلّس نفسه، يفضحه الرواية المرسلة، فلا يفيد تصحيح الحاكم لها.

كما يفضحه ما رواه الطبراني عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عبّاس، بلا واسطة(3)، وما حاوله الهيثمي في (مجمع الزوائد)(4) من توثيقه لا طائل منه بعد أن رواها ابن عساكر في (تاريخه)(5) عن قيس بن الربيع مرسلة أيضاً.

بل في تفسير الثوري وهو الراوي عن حبيب في (المستدرك) جاء السند هكذا: ((سفيان عن حبيب بن أبي حبيب، أخبرني من سمع ابن عبّاس يقول: ... الخ))(6)، فلا تكون الرواية حجّة.. هذا أوّلاً.

ثانياً: إنّ الرواة المذكورين في الرواية لا يمتلكون المواصفات اللازمة للوثاقة؛ فحبيب بن أبي ثابت كان مدلّساً كثير الإرسال، ومغموزاً، ولا يتابع على أحاديثه عن عطاء(7).

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣١٥ تفسير سورة الأنعام.

2- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣١٥ تفسير سورة الأنعام.

3- المعجم الكبير ١٢: ١٠٤ حبيب بن أبي ثابت.

4- مجمع الزوائد ٧: ٢٠ سورة الأنعام.

5- تاريخ مدينة دمشق ٦٦: ٣٢٣.

6- تفسير الثوري: ١٠٦ سورة الأنعام، ومثله تفسير عبد الرزّاق الصنعاني ٢: ٢٠٥.

7- الثقات، لابن حبّان ٤: ١٣٧ حبيب بن أبي ثابت، التبيين لأسماء المدلّسين، لسبط ابن العجمي: ١٩ (١٠)، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٥٦ (٣٢٣)، طبقات المدلّسين، لابن حجر: ٣٧ (٦٩)، تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ١٨٣ (١٠٨٧).


الصفحة 25
وسفيان الثوري أيضاً كان مدلّساً، ويكتب عن الكذّابين(1).

ثمّ مع هذا هل يبقى أدنى شكّ في كذب الحديث؟!!

ثالثاً: ورد عن ابن عبّاس بعدّة طرق، ما يدلّ على أنّ الآية نزلت في حقّ مطلق المشركين بنحو عامّ، وأيضاً جاء هذا التفسير الصحيح للآية عن الآخرين(2).

وبهذا يظهر القول الفصل في الآية، ويفنّد مزاعم الكذّابين.

رابعاً: الظهور الأوّلي المتبادر من الآية ــ بغضّ النظر عن الروايات والتفاسير ــ هو: أنّ الفعلين المذكورين في الآية ينهون وينأون ــ على نمط واحد من جهة الإيجاب أو السلب، فلا يتبادر من الآية أنّ الفعل الأوّل ــ ينهون ــ هو أمر إيجابي ومطلوب، وفي الوقت نفسه الفعل الثاني ــ ينأون ــ مذموم ومردود، بل الاثنان هما من طبيعة عمل الكفّار في قبال الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما يؤيّده أيضاً سياق الآيات السابقة عليها؛ إذ تصرّح بأنّ موضوع الآية هم الكفّار.

خامساً: إنّ الرواية المزعومة متعارضة مع الأدلّة الصريحة على إيمان أبي

____________

1- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٩٩ (١٩٩)، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم
٤: ٢٢٢ (٩٧٢)، طبقات المدلّسين، لابن حجر:٣٢ (٥١)، تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ٣٧١ (٢٤٥٢).

2- تفسير مجاهد ١: ٢١٤ سورة الأنعام، تفسير القرآن العظيم، لعبد الرزّاق الصنعاني ٢: ٢٠٥،جامع البيان، للطبري ٧: ٢٢٧ الحديث (١٠٢٤٧ ــ ١٠٢٥٥)، تفسير ابن كثير ٢: ١٣٢، تفسير الثعالبي ٢: ٤٥٤، البداية والنهاية، لابن كثير ٣: ١٥٥، فصل وفاة أبي طالب، السيرة النبوية، لابن كثير ٢: ١٣١، فصل وفاة أبي طالب وخديجة، تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١٢٧٦، معاني القرآن، للنحاس ٢: ٤١٠.


الصفحة 26
طالب عليه السلام.

فيسقط الحديث المذكور عن الحجّية.

(كذب حديث الضحضاح)

« حاتم ــ السعودية ــ سُنّي »

السؤال:

اتّقوا الله، لا تعليق بعد كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عنده عمّه أبو طالب فقال: (لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال المعتزلي شارح نهج البلاغة نقلاً عن الشيعة: ((قالوا: وأمّا حديث الضحضاح من النار فإنّما يرويه الناس كلّهم عن رجل واحد وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص عليّ عليه السلام مشهور معلوم، وقصّته وفسقه أمر غير خاف))(1).

وإن تعجب، فإنّك لا تجد المغيرة بن شعبة في طريق حديث الضحضاح الواصلة إلينا، فكيف سكت ابن أبي الحديد عن هذا ولم يردّ على الشيعة؟ مع أنّه ردّ عليهم بما لا يصل إلى هذا من الردود الموهونة.

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٤: ٧٠ اختلاف الرأي في إيمان أبي طالب.


الصفحة 27
فيظهر من ذلك أنّ أصل وضع الخبر من قبل المغيرة كان معروفاً عندهم، ثمّ حدثت بعد ذلك من الزمان هذه الطرق لتمرير الحديث؛ فإنّ فضيحة المغيرة غير مستورة!

وهذا النقل وإن لم نجد له مستنداً من طرق الحديث، ولكنّه يجعلنا نشكّك في هذه الطرق ورواتها.

فرواة طرقه لا يخرجون عن مطعون فيه، أو مجهول، أو مجسّم.

فعبد الملك بن عمير في طريق مسلم والبخاري وأحمد، كان قاضي الكوفة في زمن الأمويين، وهو الذي أجهز على عبد الله بن يقطر رسول الحسين عليه السلام وبه رمق(1)، وهو الذي قيل فيه الشعر المعروف لمّا حكم لكلثم بن سريع(2)، فهو لا يبعد عن المغيرة بن شعبة بشيء كثير.

وفي طريقهم الثاني، عبد الله بن خبّاب، مولى بني عدّي من بني النجار، وهو مجهول، مسكوت عنه عند الأكثر، غير معروف، قال ابن عدي في (الكامل): ((سمعت بن حمّاد يقول: قال السعدي: عبد الله بن الخبّاب الذي يروي عنه ابن الهاد، سألت عنه فلم أرهم يقفون على جده ومعرفته، قاله السعدي))(3)، وفي (تهذيب الكمال) للمزّي: ((قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سألتهم عنه، فلم أرهم يقفون على حده ومعرفته))(4).

وهناك طريق ثالث عند أحمد ومسلم فيه حمّاد بن سلمة المجسّم، انفرد

____________

1- تلخيص الشافي، للطوسي ٣: ٣٣، فصل في أقوال من خالف إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

2- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٧: ٦٢، فصل في القضاة وما يلزمهم.

3- الكامل ٤: ٢٣٦ عبد الله بن خبّاب المديني (١٠٦٤).

4- تهذيب الكمال ١٤: ٤٤٦ (٣٢٤٢).


الصفحة 28
بذكر أبي طالب عن ابن عبّاس، فهو علّته، وقد ورد الحديث بطرق عن النعمان

ابن بشير، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، من دون ذكر أبي طالب، فكيف دخل هنا أبو طالب عند حمّاد؟! وقد نصّ الذهبي على أنّ له أوهاماً(1)، وهذا أحدها.

ثمّ إنّ هذه الرواية جاءت من طريق المخالفين، فلا حجّة فيها علينا!

والذي يرويه الفريقان، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال عند جنازة عمّه أبي طالب عليه السلام: (وصلت رحم، وجزيت خيراً)(2).

ونروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: (يا يونس! ما يقول الناس في إيمان أبي طالب)؟!

قلت: جعلت فداك، يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها أُمّ رأسه.

فقال: (كذب أعداء الله، إنّ أبا طالب من رفقاء النبيّين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً)(3).

ونروي أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّه كان جالساً في الرحبة والناس حوله، فقام إليه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّك بالمكان الذي أنزلك الله فيه، وأبوك معذّب في النار؟

فقال له: (فضَّ الله فاك، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لو شفّع أبي في كلّ

____________

1- ميزان الاعتدال ١: ٥٩٠ (٢٢٥١).

2- الإصابة، لابن حجر ٧: ١٩٨، المصنّف، للصنعاني ٦: ٣٨ (٩٩٣٠)، تفسير ابن كثير ٢: ٤٠٩، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٩: ٢٥٠، تاريخ اليعقوبي
٢: ٣٥، إيمان أبي طالب، للمفيد: ٢٦.

3- كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠، الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، للسيّد فخار: ٨٢.


الصفحة 29
مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله تعالى فيهم، أبي معذّب في النار ]وأنا[ وابنه قسيم الجنّة والنار؟!

والذي بعث محمّداً بالحقّ، إنّ نور أبي أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار، نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ونور فاطمة، ونور الحسن والحسين، ونور أولاده من الأئمّة عليهم السلام، ألا إنّ نوره من نورنا، خلقه الله من قبل ]أن[ يخلق آدم عليه السلام بألفي عام)(1).

ونروي أيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: قيل له: إنّ الناس يزعمون أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار؟

فقال: (كذبوا، ما بهذا نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم).

قلت: وبما نزل؟

قال: (أتى جبرئيل في بعض ما كان عليه فقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتّى أتته البشارة من الله تعالى بالجنّة).

ثمّ قال عليه السلام: (كيف يصفونه بهذا الملاعين وقد نزل جبرئيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمّد! اخرج من مكّة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب)(2).

فهل تريدنا أيّها السائل أن نصدّق المغيرة الفاسق، أو نتمسّك بما رواه

____________

1- مائة منقبة، لابن شاذان: ١٧٤ المنقبة الثامنة والتسعون، كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠، الاحتجاج، للطبرسي ١: ٣٤٠ احتجاجه على اليهود وغيره.

2- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، للسيّد فخار: ٨٣.


الصفحة 30
الضعاف الملعونون، ونكذّب أهل البيت عليهم السلام الذين طهّرهم الله تطهيراً؟!!

(شبهات بشأن إيمان أبي طالب)

« أيمن ــ الأُردن ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لو سمحتم، أنا عندي استفسار ضروري بمسألة مهمّة جدّاً، أرجو الجواب عليها بأسرع وقت ممكن.

أنا تشيّعت بعد طول بحث وتنقيب، ولكنّي تعرّضت قبل أيام لكثير من النقاشات على الانترنت وقد لقيت من موقعكم القيّم الكثير من العون، ولكن هنا بعد عدّة نقاشات مع أحد الإخوان من السُنّة في مسألة إيمان أبي طالب واجهت صعوبة في الردّ عليه بعدما فنّد بعض استدلالتكم عن طرق تضعيف الأحاديث بسندها.

وبما أنّني لا أملك العلم والمراجع في مجال السند، أرجو أن تساعدوني بالردّ عليه، ولكم جزيل الشكر.

وهذا نصّ كلامه:

كما قال الكاشاني (تخبّطات وتعارضات لا يمكن الجمع بينها).

فيقول السيّد دلدار علي اللكهنوي الشيعي الاثنا عشري في (أساس الأُصول


الصفحة 31
الصفحة السابقةالصفحة التالية