المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300) عليّ عليهما السلام؛ فإنّه فيه مأجور)(1).

ومنها خبر صالح بن عقبة: (ويُقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه)(2).

ومنها خبر خالد بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (وقد شققن الجيوبَ، ولطمن الخدودَ ــ الفاطمياتُ ــ على الحسين بن عليّ عليهما السلام، وعلى مثله تُلطم الخدود، وتُشقّ الجيوب)(3).

ومنها خبر مسمع بن عبد الملك كردين البصري: ((قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أما تذكر ما صُنع به ــ الحسين ــ؟ قلت: نعم.

قال: فتجزع؟

قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع عن الطعام، حتـّى يستبينَ ذلك في وجهي.

قال عليه السلام: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا))(4).

ومنها خبر معاوية بن وهب: ((استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام، فقيل لي: ادخل. فدخلت، فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه، وهو يقول: (يا من خصّنا بالكرامة ــ إلى أن قال: ــ اغفر لي ولإخواني ولزوّار قبر أبي ]عبد الله[ الحسين عليه السلام ــ إلى أن قال: ــ وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا، وارحم تلك

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠١ الحديث (٢) الباب (٣٢).

2- مصباح المتهجّد، للطوسي: ٧٧٢ شرح زيارة أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشوراء.

3- تهذيب الأحكام، للطوسي ٨: ٣٢٥ الحديث (١٢٠٧) كتاب الأيمان والنذور والكفّارات.

4- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٣ ــ ٢٠٦ الحديث (٧) الباب (٣٢).


الصفحة 272
القلوب التي جَزَعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا)...)) الخبر(1).

وما قاله دعبل في محضر الإمام الرضا عليه السلام، مع سكوت المعصوم وإقراره:


أفاطم لو خلت الحسين مُجدّلاًوقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

اذاً للطمتِ الخَدّ فاطمُ عندهوأجريت دمع العين في الوجناتِ(2)

(كلّ الجزع مكروه إلّا على مقتل الحسين عليه السلام)

« أبو محمّد ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

ورد: (كلّ الجزع مكروه سوى الجزع على الحسين عليه السلام).

السؤال: إنّ الاستثناء جاء بالجزع على الحسين عليه السلام، فهل يدخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو بقيّة الأئمّة، أو العلماء في هذا الاستثناء؟وما هو الدليل؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لعلّ لمصيبة سيّد الشهداء خصوصية تختلف عن بقيّة مصائب أهل البيت عليه السلام، كونها فاقت جميع مصائبهم عليهم السلام، فلذلك صار الجزع عليها يختلف

____________

1- الكافي، للكليني ٤: ٥٨٢، باب فضل زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

2- مقتل الخوارزمي ٢: ١٤٨، كشف الغمّة، للإربلي ٣: ١١٢ ذكر الإمام الثامن أبي الحسن عليه السلام.


الصفحة 273
عن كلّ جزع، ولكن هذا الرأي يمكن أن يُدفع بأنّه ورد عندنا: أنّ الجزع على غير الحسين عليه السلام غير قبيح.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال عند وقوفه على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الصبر لجميل إلّا عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلّا عليك..)(1).

ومن أجل الجمع بين الروايتين لا بدّ أن نقول: إنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام بمثابة نور واحد، ومقام ومرتبة واحدة، فما يثبت لأحدهم يثبت للآخر، وقد ورد عندنا عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: (وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب)(2)؛ إذ أجاز الجزع على كلّ من يكون بمرتبة الحسين عليه السلام، كباقي المعصومين عليهم السلام.

(لا جزع في إقامة مجالس العزاء على الحسين عليه السلام)

« م/ محمّد ــ سُنّي »

السؤال:

إلى مركز الأبحاث العقائدية: أرجو أن يكون الاستدلال عن طريق كتب أهل السُنّة، لماذا الشيعة يحيون ذكرى شهادة الحسين؟ أليس هذا من الجزع؟

____________

1- نهج البلاغة ٤: ٧١ الحكمة ٢٩٢.

2- تهذيب الأحكام، للطوسي ٨: ٣٢٥ الحديث (١٢٠٧) كتاب الأيمان، باب الكفّارات.


الصفحة 274
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كأنّك تريد أن تقول: إنّ العزاء جزع، والجزع منهي عنه، فالعزاء منهي عنه.

وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه!

وذلك: لأنّ العزاء ومأتم الحسين عليه السلام هو عبارة عن: ذكر الإمام الحسين عليه السلام، وذكر فضائله ومقامه، ثمّ العروج على واقعة الطفّ، وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه.

فإذا كان العزاء هو ذلك، فنأتي إلى مفرداته:

المفردة الأُولى: هي ذكر فضائل الحسين عليه السلام، والصفات المعنوية التي تحلّى بها..

وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين، وليس فيه نهي، بل هو أمر مشروع، وطبق الموازين الشرعية، فافتح ترجمة أي شخص دون الحسين عليه السلام من كتب التراجم لدى السُنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له، إن كانت له فضائل، فهذا الذهبي في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام يقول: ((الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته في الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين...))(1)، ثمّ أخذ بذكر مناقبه.

المفردة الثانية: ذكر واقعة الطفّ.

فقد ذكرها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وتألّما وبكيا لذكرها، وهاك

____________

1- سير أعلام النبلاء ٣: ٢٨٠.


الصفحة 275
بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفية:

عن أبي أُمامة، قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: (لا تُبكوا هذا الصبيّ) ــ يعني حسيناً ــ قال: وكان يوم أُمّ سلمة، فنزل جبريل عليه السلام فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الداخل وقال لأُمّ سلمة: (لا تدعي أحداً يدخل بيتي). فجاء الحسين رضي الله عنه فلمّا نظر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في البيت، أراد أن يدخل، فأخذته أُمّ سلمة فاحتضنته، وجعلت تناغيه وتسكّنه، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال جبريل عليه السلام: (إنّ أُمّتك ستقتل ابنك هذا). فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يقتلونه وهم مؤمنون بي)؟ قال: نعم يقتلونه، فتناول جبريل تربة، فقال: بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً...))(1). وقال الذهبي: ((وإسناده حسن))(2).

وأخرج الطبراني بسنده ــ ورجاله ثقات ــ في (المعجم الكبير) في ترجمة الحسين عليه السلام: عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمّد إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وديعة عندكِ هذه التربة). فشمّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: (ويح كرب وبلاء).

قالت: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أُمّ سلمة! إذا تحوّلت هذه التربة دماً، فاعلمي

____________

1- المعجم الكبير، للطبراني ٨: ٢٨٥ من روى عن أبي أمامة من أهل البصرة، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٩، باب مناقب الحسين بن عليّ عليهما السلام.

2- سير أعلام النبلاء ٣: ٢٨٩.


الصفحة 276
أنّ ابني قد قتل). قال: فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم، وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم))(1). وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً(2).

وأخرج عبد بن حميد: ((أنا عبد الرزّاق، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، قال: قالت أُمّ سلمة: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نائماً في بيتي، فجاء حسين يدرج، قالت: فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه، قالت: ثمّ غفلت في شيء، فدبّ فدخل فقعد على بطنه، قالت: فسمعت نحيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجئت فقلت: يا رسول الله! والله ما علمت به.

فقال: إنّما جاءني جبريل عليه السلام، وهو على بطني قاعد، فقال لي: أتحبّه؟

فقلت: نعم.

قال: إنّ أُمّتك ستقتله، ألا أُريك التربة التي يقتل بها؟!.

قال: فقلت: بلى.

قال: فضرب بجناحه فأتاني بهذه التربة.

قالت: فإذا في يده تربة حمراء، وهو يبكي، ويقول: يا ليت شعري من يقتلك بعدي؟!))(3).

وأخرج الطبراني بسنده ــ ورجاله ثقات ــ عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: (لا يدخل عليّ أحد). فانتظرت، فدخل

____________

1- المعجم الكبير ٣: ١٠٨ الحديث (٢٨١٧) مسند الحسين بن علي.

2- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ١٩٢، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٩، تهذيب الكمال، للمزّي ٦: ٤٠٨، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ٣٠٠.

3- المنتخب من مسند عبد بن حميد: ٤٤٣ حديث أُمّ سلمة.


الصفحة 277
الحسين رضي الله عنه، فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي، فاطّلعت فإذا حسين في حجره، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: (إنّ جبريل عليه السلام كان معنا في البيت، فقال: تحبّه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم.

قال: إنّ أُمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها: كربلاء)، فتناول جبريل عليه السلام من تربتها، فأراها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

فلمّا أُحيط بحسين حين قُتل، قال: (ما اسم هذه الأرض؟) قالوا: كربلاء، قال: (صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء)))(1).

وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات))(2).

المفردة الثالثة: إظهار الحزن والبكاء على الحسين عليه السلام وتجديد ذكراه..

فهناك كثير من الروايات التي تشير إلى:

١ــ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى وحزن على الحسين عليه السلام في بيوت نسائه، بل وأمام جمع من الصحابة.

٢ــ الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل عليه السلام أخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ أُمّته ستقتل الحسين عليه السلام، وجاءه بتربة من أرض كربلاء، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد(3).

٣ــ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أعطى لبعض زوجاته تربة الحسين عليه السلام، وأنّها عرفت مقتله من

____________

1- المعجم الكبير ٣: ١٠٨ الحديث (٢٨١٩) مسند الحسين بن علي.

2- مجمع الزوائد ٩: ١٨٩، باب مناقب الحسين بن عليّ عليهما السلام.

3- مقتل الخوارزمي ١: ٢٤٦ الفصل (٨).


الصفحة 278
تحوّل لون تلك التربة إلى ]دم عبيط[ في يوم العاشر من المحرّم(1).

وعن الزهري، قال: ((قال لي عبد الملك: أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين؟ فقال: قلت: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلّا وجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله ثقات)).

وعن الزهري، قال: ((ما رُفع بالشام حجر يوم قُتل الحسين بن علي إلّا عن دم))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح))(2).

وعن أبي قبيل، قال: ((لمّا قُتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، وإسناده حسن))(3).

بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كربلاء عند قتل الإمام الحسين عليه السلام، فهذا ابن عبّاس يقول: ((رأيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئاً، فقلت: ما هذا؟

قال: (دم الحسين وأصحابه، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم))). قال الهيثمي: ((رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح))(4).

فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني، بل في إقامته تأسّياً

____________

1- مجمع الزوائد ٩: ١٨٩، باب مناقب الحسين بن عليّ عليهما السلام.

2- مجمع الزوائد ٩: ١٩٦.

3- مجمع الزوائد ٩: ١٩٧.

4- مجمع الزوائد ٩: ١٩٣.


الصفحة 279
واقتداء بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ هو المقيم له والقائم عليه، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السُنّة.

وعليه: فتسقط المقدّمة الأُولى، وهي: كون البكاء والمأتم نوع من الجزع، ولا يبقى لها مكان في الاستدلال فضلاً عن المناقشة في الكبرى من أنّ الجزع منهيّ عنه، وذلك لِما ورد عندنا من أنّ الجزع على الحسين عليه السلام جائز، كما بيّنا آنفاً في الأسئلة السابقة.

(تأثير البكاء واللطم على النفوس)

« رؤوف ــ السعودية »

السؤال:

ما فائدة البكاء في محرّم؟ وما فائدة اللطم على الصدور؟ السؤال ليس عن الأحاديث الشريفة، بل كيف يمكن للبكاء واللطم أن يؤثّرا في حياتنا وسلوكنا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ البكاء بمعناه النفسي حالة تبرز تأثّر النفس وتفاعلها مع الحدث، وإحساسها بالألم، فتستجيب للحدث بتعبير معيّن، وهو: البكاء، وبكاؤنا على الإمام الحسين عليه السلام هو ردّة فعل للحدث المؤلم الذي حلّ به، فتفاعلنا مع قضيّته عليه السلام أوجب أن تتفاعل نفوسنا وأحاسيسنا لما أصابه عليه السلام، وبذلك فإنّنا قد عبّرنا باستجابتنا لمصيبته عليه السلام بالبكاء، الذي هو حالة تفاعل، كما ذكرنا.

ومثل ذلك اللطم على الصدور؛ فهو تعبير عن الألم والحزن، الذي يعتلج


الصفحة 280
قلوبنا، وتعبير عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس ــ والحزن يسيطر عليها ــ يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة.

(أدلّة جواز البكاء وتعظيم الشعائر في مناسبات أهل البيت عليهم السلام)

« أحمد عبد الرحمن ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

قال الله تعالى: ﴿الَّذينَ إذَا أَصَابَتهم مّصيبَةٌ قَالوا إنَّا للّه وَإنَّا إلَيه رَاجعون(1)، هل هذه الآية توصينا باللطم أو ضرب البدن على المصائب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. البكاء واللطم وضرب البدن في عزاء أهل البيت عليهم السلام يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظّم شَعَائرَ اللَّه فإنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوب(2)؛ فأئمّة أهل البيت عليهم السلام من شعائر الله بلا ريب، والاحتفاء بذكرى وفياتهم ومواليدهم بما يناسب تلك المناسبات، بشرط أن لا يكون الفعل محرّماً، هو أمر جائز، بل راجح بحسب هذه الآية الكريمة، فالتعظيم معنىً عرفيّاً خاضع لفهم الناس في كيفية التعظيم، وهو مشروع بكلّ الوسائل التي يراد بها التعظيم، بشرط أن لا يكون حراماً قد نصّت على حرمته الشريعة المقدّسة.

____________

1- البقرة (٢): ١٥٦.

2- الحجّ (٢٢): ٣٢.


الصفحة 281
وكذلك يستفاد رجحان هذه الأفعال باعتبارها مظهراً من مظاهر المودّة التي صدحت بها الآية الكريمة وندبت المسلمين إليها، ونعني بها: قوله تعالى: ﴿قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى(1).

وأيضاً يستفاد رجحان هذا الفعل من التأسي بفعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في البكاء على الشهداء وسادات الدين حين سمع نساء الأنصار يبكين على من قُتل من أزواجهنّ في أُحد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ولكن حمزة لا بواكي له)؛ قال ابن عمر ــ كما يروي أحمد في مسنده ــ : ثمّ نام رسول الله فاستنبه وهنّ يبكين، (قال): فهنّ اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة(2).

ولا يخفى ما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولكن حمزة لا بواكي له)، من الحثّ على البكاء على سيّد الشهداء حمزة عليه السلام، والملامة لنساء الأنصار لتركهنَّ البكاء على حمزة.

وفي ترجمة حمزة من (الاستيعاب)، نقلاً عن الواقدي (ت ٢٠٧هـ)، قال: لم تبكِ امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولكن حمزة لا بواكي له) إلى اليوم، إلّا وبدأت بالبكاء على حمزة.. انتهى(3).

فهذه سيرة الأنصار والصحابة في رجحان البكاء على الميّت عموماً، وعلى من هو كحمزة خصوصاً، وإن بَعُد العهد بموته.

وأخرج البخاري في (صحيحه) في أبواب الجنائز(4)، وأيضاً ذكره ابن عبد البرّ في (الاستيعاب): أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى على جعفر وزيد ــ شهداء واقعة مؤتة ــ وقال:

(أخواي ومؤنساي ومحدّثي)(5).

____________

1- الشورى (٤٢): ٢٣.

2- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤٠ مسند عبد الله بن عمر.

3- الاستيعاب ١: ٣٧٤.

4- صحيح البخاري ٢: ٧٢، باب في الجنائز.

5- الاستيعاب ٢: ٥٤٦.


الصفحة 282
وذكر ابن عبد البرّ أيضاً في ترجمة جعفر من (الاستيعاب): لمّا جاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها، (قال): ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: وا عمّاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي). انتهى(1).

وهذا الأمر منه صلى الله عليه وآله وسلم: (فلتبكِ)، دليل على استحباب البكاء على أمثال جعفر من رجالات الأمّة الذين فدوا مهجهم في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة شريعة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاجعة ولده الحسين عليه السلام قبل استشهاده(2)، كما بكاه أبوه أمير المؤمنين عليه السلام عند مروره بأرض كربلاء..

فقد أخرج ابن سعد ــ كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من (الصواعق المحرقة) لابن حجر ــ عن الشعبي، قال: ((مرّ عليّ رضي الله عنه بكربلاء عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ــ قرية على الفرات ــ فوقف وسأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء، فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، ثمّ قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: كان عندي جبرئيل آنفاً وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات، بموضع يقال له: كربلاء))(3). وروى مثله الهيثمي في (مجمع

الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار والطبراني ورجاله ثقات))(4).

____________

1- الاستيعاب ١: ٢٤٣ ترجمة جعفر.

2- المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١٠٧ الحديث (٢٨١٤).

3- الصواعق المحرقة ٢: ٥٦٦ الباب (١١).

4- مجمع الزوائد ٩: ١٨٧، باب مناقب الحسين بن عليّ عليهما السلام، مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٥ مسند عليّ بن أبي طالب عليه السلام، المعجم الكبير ، للطبراني ٣: ١٠٥ الحديث (٢٨١١)، مسند أبي يعلى ١: ٢٩٨ الحديث (٣٦٣) مسند عليّ بن أبي طالب.


الصفحة 283
وأمّا الآية المذكورة فهي تحثّ على التسليم لأمر الله وعدم الاعتراض على قضائه، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما مات ولده: (إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)(1) يوضّح لك المراد منها، والادّعاء بأنّ ما يفعله المعزّون بمصيبة الحسين عليه السلام اعتراض على أمر الله تجنٍّ واتّهام لا يرضونه، وإنّما هو حزن على مصيبة الحسين عليه السلام، وغضب على الجناة من قاتليه، وإحياء لبعض الشعائر الإسلامية؛ لتبقى جذوة الإسلام متوقّدة إلى يوم القيامة.

(اللطم على الصدور مصداق من مصاديق الجزع)

« محمّد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

لماذا نلطم على الصدور بالتحديد.. وحسب ما فهمت من الرواية السابقة بأنّ اللطم على الخدود؟

ودمتم في رعاية الباري عزّ وجلّ.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد عندنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل

الحسين عليه السلام، ومن مظاهر الجزع: اللطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع، وهو: اللطم على الخدود، ولم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر.

____________

1- صحيح البخاري ٢: ٨٥ كتاب الكسوب، باب الجنائز.


الصفحة 284

(هل اللطم أفضل أم الصلاة والصوم؟)

« محمّد ناصر ــ الأُردن ــ سُنّي »

السؤال:

هل ضرب الصدر أفضل من الصلاة والصوم والذكر وتلاوة القرآن والتسبيح في ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام؟

لماذا البكاء على سيّد شباب أهل الجنّة الحسين عليه السلام الشهيد وفي القرآن: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(1).

لماذا البكاء على من هو في الجنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذه الأعمال التي تقام في ذكرى عاشوراء تدخل تحت الأعمال المستحبّة، وكذلك ما ذكرت يدخل تحت الأعمال المستحبّة.

أمّا مقدار الثواب على كلّ عمل فهو راجع إليه سبحانه، ونحن لا نستطيع القول بأنّ أحدهما أفضل بعد عدم ورود ما يرجّح أحدهما على الآخر.

نعم، نستطيع القول: إنّها أفضل إذا كانت تزيد في ولاء ومحبّة الشخص لأئمّته عليهم السلام، أو أنّها تحقّق الولاء لهم بعد أن كان ضعيفاً أو معدوماً، والولاء لهم عليهم السلام شرط أساسي لقبول باقي الأعمال من الصلاة والصيام..

____________

1- آل عمران (٣): ١٦٩.


الصفحة 285
أو نقول: إنّها أفضل من جهة ما يصاحب تلك الأعمال عادة من الاستماع إلى كلام الخطباء والرواديد الذي قد يتضمّن بعض المعاني السامية التي هي بمثابة مدرسة للتعليم والإرشاد، فتكون أفضليتها من أفضلية طلب العلم على العبادة.

ويمكن أن نقول: إنّ الصلاة والصيام وقراءة القرآن أفضل لبعض الأشخاص إذا لم يكن لهم في تعظيم الشعائر دور ومشاركة، وكان انتفاعهم بالصلاة والصيام وغيرها من الأعمال أكثر بلحاظ مرتبتهم في سلّم التكامل.

أمّا البكاء على الحسين عليه السلام فهو على الرغم من كونه عليه السلام في الجنّة، فهو كبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الحسين عليه السلام، وعلى حمزة، وجعفر الطيار، وغيرهم من الشهداء، فهو بكاء مشروع، بل محبّذ، وإلّا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1).

(اللطم على الصدور)

« علي ــ فرنسا »

السؤال:

ما هو التفسير الديني والعلمي بخصوص لطم الصدور؟

ودمتم لنا بألف خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى عليكم أنّ أوّل من أقام العزاء على سيّد الشهداء أبي عبد الله

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٧٦، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤٠، ٨٤، المصنّف، للصنعاني ٣: ٥٥٠ الحديث (٦٦٦٦).


الصفحة 286
الحسين عليه السلام هو: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعن أُمّ الفضل بنت الحارث: أنّها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله! إنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال: (وما هو؟) قالت: إنّه شديد. قال: (وما هو؟) قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت خيراً، تلد فاطمة غلاماً فيكون في حجرك)..

فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخلت يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله! بأبي أنت وأُمّي، ما لك؟ قال: (أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا)، فقلت: هذا؟ فقال: (نعم)، وأتاني بتربة من تربته حمراء(1).

وعن أُمّ سلمة، قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، فنزل جبريل، فقال: يا محمّد! إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وديعة عندك هذه التربة)، فشمّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ويح وكرب وبلاء). قالت: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أُمّ سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قتل)(2).

وهناك روايات أُخرى كثيرة في هذا المجال.

وهكذا تجد أئمّة أهل البيت عليهم السلام أقاموا العزاء على الحسين عليه السلام وأمرونا

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٧٦.

2- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٩، باب (مناقب الحسين بن عليّ عليه السلام).


الصفحة 287
بذلك، وبإظهار الحزن، كما أشرنا إلى ذلك في الأجوبة السابقة.

ومن هذا المنطلق أخذت الشيعة الإمامية تعمل بهذه الوصية، فتظهر مختلف مظاهر الحزن والعزاء على الإمام الحسين عليه السلام كلّ بحسب منطقته وعاداته وتقاليده.

فبعضهم اتّخذ ــ مثلاً ــ اللطم على الصدور طريقة من طرق إظهار الحزن ليظهر من خلاله حبّه وولاءه الشديد لأبي عبد الله الحسين عليه السلام، وعدّه عملاً راجحاً يتوقّعون فيه الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.

ودليلهم على جوازه: إجماع علماء الطائفة الشيعية عليه، وبعض الروايات، منها: ما رواه الشيخ الطوسي في كتابه (التهذيب): عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود ــ الفاطميات ــ على الحسين بن عليّ عليهما السلام، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(1).

وقد أشار إلى هذه الرواية أيضاً الشهيد في (الذكرى)(2)؛ فراجع!

تعليق:

« موالي ــ الكويت ــ إمامي »

في جوابكم للأخ علي حول قضية اللطم ذكرتم الرواية وعدّة مصادر للرجوع إليها، ولكن هناك روايات في قضية منع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لذلك لدى العامّة، فكيف نردّ على هذه الروايات، والرواية التي ذكرتموها بأنّ اللطم على الإمام

____________

1- تهذيب الأحكام ٨: ٣٢٥ كتاب الأيمان والنذور والكفّارات الحديث (١٢٠٧).

2- ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ٢: ٥٦ البحث الرابع من المطلب الثالث من أحكام الأموات.


الصفحة 288
الحسين عليه السلام فقط هو الجائز.

فكيف نثبت جواز اللطم على بقية المعصومين عليهم السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الروايات المانعة التي أشرت إليها عند العامّة إن صحّت سنداً فإنّها تدلّ على المنع من البكاء على الميّت على نحو الإطلاق، فيمكن الذبّ والدفاع عن الروايات المجوّزة ــ كالتي وردت في جواب بعض الإخوة ــ بأنّ هذه الأحاديث خاصّة في مورد الإمام الحسين عليه السلام فتخصّص تلك الإطلاقات بهذه المخصّصات، وهذا أُسلوب مألوف في علم الفقه ــ كما هو ثابت في محلّه من علم الأُصول ــ لجمع الأدلّة ونفي التعارض بينها.

على أنّ الروايات المانعة المشار إليها هي بنفسها ــ مع غضّ النظر عن الأخبار الواردة في شأن الحسين عليه السلام ــ متعارضة مع روايات أُخرى في مصادر أهل السُنّة؛ فورد في بعضها أنّ عائشة ردّت هذه الروايات ونقلت صور أُخرى لا تدلّ على المنع(1)..

ويؤيّد رواية عائشة: ما ورد في صحيح البخاري من أنّ منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٤١، ٤٢ مسند عمر بن الخطّاب، صحيح البخاري ٢: ٨١، باب في الجنائز، جامع الأُصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير ١١: ٨٢ الحديث (٨٥٧٠)، سنن النسائي ٤: ١٧ كتاب النياحة، إرشاد الساري، للقسطلاني ٣: ٤٠٨ كتاب الجنائز الباب (٣٢) الحديث (١٢٨٨)، اللؤلؤ والمرجان فيما اتّفق عليه الشيخان، لمحمّد فؤاد ١: ٢٥٢ كتاب الجنائز، الباب (٩) الحديث (٥٣٦).


الصفحة 289
كان في مجال بكاء اليهود على أمواتهم(1).

وورد أيضاً أنّ عمر هو بنفسه كان لا يمنع من إقامة العزاء والبكاء على الميّت(2).

وجاء أيضاً في سيرة الصحابة ما يدلّ على المقام(3).

وأمّا تعميم الحكم لباقي المعصومين عليه السلام:

فأوّلاً: بالإطلاقات الواردة لتسرّي الأحكام من بعض المعصومين عليهم السلام على جميعهم، إلّا إذا ورد خطاب يخصّص بعضهم دون بعض.

وثانياً: بالرواية نفسها التي أوردناها في جواب بعض الإخوة؛ إذ جاء فيها (...وعلى مثله (الحسين عليه السلام) تلطم الخدود وتشّق الجيوب)(4)، ولا ريب أنّ المثيل الأوّل والأخير للمعصوم هو المعصوم عليه السلام.

وبالجملة، نستنتج جواز، بل استحباب إقامة كافّة أنواع العزاء ــ ومنها: اللطم ــ على الحسين عليه السلام وباقي المعصومين عليهم السلام.

____________

1- انظر: صحيح البخاري ٢: ٨١، باب في الجنائز، صحيح مسلم ٣: ٤٢ كتاب الجنائز، باب (الميت يعذّب ببكاء أهله)، جامع الأُصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير ١١: ٨٣ الحديث (٨٥٧٠)، إرشاد الساري، للقسطلاني ٣: ٤٠٩ كتاب الجنائز، الباب (٣٢) الحديث (١٢٨٩).

2- انظر: الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم ٢: ٣١٦ الحديث (١٠٨٠) ترجمة النعمان ابن مقرن، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٥: ٧٢٧ الحديث (٤٢٨٩٦)، ٧٣١ الحديث (٤٢٩٠٨)، أُسد الغابة، لابن الأثير ٥: ٣١، الاستيعاب، لابن عبد البرّ
٤: ١٥٠٦ الحديث (٢٦٢٦) ترجمة النعمان.

3- انظر: الاستيعاب ترجمة حجر بن عدي، الإصابة في تمييز الصحابة ترجمة عثمان ابن مظعون، وترجمة قيس بن سفيان، وترجمة قيس بن عاصم، وترجمة شماس ابن عثمان.

4- تهذيب الأحكام، للطوسي ٨: ٣٢٥ كتاب الأيمان والنذور والكفّارات الحديث (١٢٠٧).


الصفحة 290

(لطم الهاشميات دليل على جوازه)

« أبو محمّد ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

سؤالي هو: كيف أُقنع أُناساً من مذاهب أُخرى بقضية اللطم على الصدر في شهر محرّم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ لكلّ قوم عُرف خاصّ بالنسبة إلى إقامة العزاء، وما دام أنّ أصل الحزن وإقامة العزاء ثابت على الحسين عليه السلام، فإنّ اللطم هو أحد مصاديق إظهار الحزن عند الشيعة، فلا نحتاج في المسألة إلى دليل خاصّ، ما دام هو داخل تحت عمومات الحزن.

أضف إلى ذلك، فإنّ الهاشميات لطمن على الإمام الحسين عليه السلام، وبحضور الإمام السجّاد عليه السلام، وحيث لم ينهاهنّ الإمام عليه السلام، فيكون تقريراً لجوازه واستحبابه على الإمام الحسين عليه السلام(1).

(من مظاهر الحزن.. اللطم)

« عبد الله ــ عمان »

السؤال:

هل هناك أحاديث تدلّ على استحباب اللطم؟ أحاديث فيها كلمة اللطم

____________

1- انظر: تهذيب الأحكام ٨: ٣٢٥ كتاب الأيمان والنذور والكّفارات الحديث (١٢٠٧).


الصفحة 291
صراحة، والاستحباب كذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لا نحتاج إلى حديث يدلّ على استحباب اللطم ما دامت المسألة راجعة إلى العرف، فكلّ ما يصدق عليه أنّه من مظاهر الحزن على الإمام الحسين عليه السلام عند العرف سيكون مستحبّاً، وكما تعلمون فإنّ لكلّ أُناس عادات وتقاليد في إظهار الحزن، ومن عاداتنا وتقاليدنا في إظهار الحزن: اللطم، فيكون داخلاً تحت العمومات التي تحثّ على إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، وإظهار الحزن عليهم.

وبعد هذا، نذكّركم بورود روايات وردت عن فعل اللطم من قبل السيّدة زينب عليها السلام، وسائر الهاشميات، وغيرهنّ.

تعليق:

« محمّد ــ الولايات المتحدة ــ إمامي »

في جوابكم لم تذكروا مصدر الرواية أو نصّ الرواية..

ونحن نعتمد في إجاباتنا في الإنترنت والمناظرات كثيراً على أجوبتكم، فلو افتقدت المصادر ستسقط حجّيتها على الخصم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى عليكم أنّ الأصل في الأفعال: الإباحة، ما لم يرد دليل على المنع(1).

____________

1- انظر: حاشية ردّ المحتار، لابن عابدين ١: ١١٣ مطلب: المختار: أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، فقه السُنّة، لسيّد سابق ٣: ٢٨٨، المغني، لابن قدامة ١: ١٣١، ٧٦٠، ٣: ٣٦، ٢٩٦، ٣١١، ٣٧١، ٤: ١٢٤، ٣٠٣.


الصفحة 292
فاللطم فعل من الأفعال، ومظهر من مظاهر الحزن والتألّم، يقيمه المؤمنون تذكّراً لمصاب سيّد الشهداء الحسين عليه السلام، وإحياءً لتلك الفاجعة التي ألمّت بأهل بيت النبوّة عليهم السلام، والتي كانت من أفجع المصائب، وأعظم الرزايا التي فدح بها المسلمون في تأريخهم، فهي مصيبة ليست ككلّ المصائب، وفاجعة ليست ككلّ الفجائع..

وقد تألّم لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ عليه السلام، والزهراء عليها السلام، قبل حدوثها، لِما وصلهم من علم الله سبحانه وتعالى بها..

وقد ورد في ذلك أحاديث صريحة وصحيحة رواها أحمد في (مسنده) وغيره؛ فانظر: ما نقله الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن أحمد بن حنبل في مسنده، وعن أبي يعلى والبزّار والطبراني(1)، وصرّح بأنَّ رجال الحديث ثقات، في بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وألمه لِما سيجري على الحسين عليه السلام، وإخبار عليّ عليه السلام بذلك(2).

فالحزن على الإمام الحسين وعلى مصائب أهل البيت عليهم السلام جائز، بل راجح؛ لِما نفهم من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالحثّ على البكاء والحزن على رجالات الدين الذين بذلوا مهجهم في سبيله، وضحّوا في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، وهذا المعنى من الحثّ يتلمّسه الفقيه بوضوح؛ لما يقرأه من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي)(3).

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٥ مسند عليّ بن أبي طالب، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٦٣٢ الحديث (٢٥٩)، مسند أبي يعلى ١: ٢٩٨ الحديث (٣٦٣)، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٧.

2- مجمع الزوائد ٩: ١٨٧.

3- رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب ١: ٢٤٣ ترجمة جعفر.


الصفحة 293
فمظاهر الحزن من البكاء واللطم ولبس السواد وغيرها جائزة شرعاً، لأصالة الإباحة في الأفعال، ومن قال بخلاف ذلك ومنعه فعليه تقديم الدليل، وأيضاً لِما ورد من الحثّ على الحزن على رجالات الدين خاصّة في فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله، كما أشرنا إليه.

ولا نحتاج في هذا المورد إلى دليل خاص لجواز اللطم بعينه بعد أصالة الإباحة. وإلّا على المنكر أن يظهر الدليل بجواز ركوب الطائرة، واستعمال الهاتف، ومشاهدة التلفاز، بل ولبس القميص والبنطلون وغيرها من الأفعال التي لم يرد لها ذكر أو اسم في الروايات ولم تكن على عهد التشريع.. فكيف تحلّ المشكلة؟ والجواب هو الجواب.

(الأدلّة على جواز اللطم ونشوئه)

« يعرب البحراني ــ الإمارات »

السؤال:

اللطم أثناء المأتم الحسيني، ما هو الدليل الشرعي عليه؟ وبداية نشوئه في أيّ فترة من التاريخ الإسلامي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الأدلّة على جواز اللطم في المجالس الحسينية هو الحديث الوارد عن


الصفحة 294
الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ عليهما السلام؛ فإنّه فيه مأجور)(1)، واللطم نوع من الجزع.

ولا يخفى عليكم، أنّ النهي عن الجزع نهي تشريعي، وليس نهياً تكوينياً، وبالتالي فهو قابل للتخصيص، وقد ورد تخصيص من الشارع المقدّس لعموم النهي عن الجزع، هذا أوّلاً.

وثانياً: لأصالة الإباحة؛ فطالما لم يكن في اللطم ضرر، فمقتضى أصل الإباحة هو عدم الإشكال في اللطم ما لم يرد نهي.

وثالثاً: اللطم على مصائب أهل البيت عليهم السلام يدخل في باب تعظيم الشعائر، وشدّ الناس إلى قضية الإمام الحسين عليه السلام التي هي قضية الإسلام.

وأمّا بداية نشوئه، فالظاهر أنّه عريق، كما يبدو من بعض الحوادث التي يذكرها ابن الأثير في (تاريخه)، فقد ذكر في الحوادث الواقعة في القرن الرابع والخامس الهجري، أنّه وقع خلاف وصدام بين الشيعة والسُنّة، بسبب بعض أعمال يوم عاشوراء من اللطم وغيره(2).

تعليق:

« علاء ــ فلسطين ــ سُنّي »

عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا ينبغي الصياح على الميّت، ولا تشقّ الثياب)

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠١ الباب (٣٢) الحديث (٢٨٦).

2- انظر: الكامل في التاريخ ٨: ٥٤٩ حوادث سنة ٣٥٢هـ، ٨: ٥٥٨ حوادث سنة ٣٥٣هـ، ٩: ١٥٥ حوادث سنة ٣٨٩هـ.


الصفحة 295
(الكافي ٣/٢٢٥، وسائل الشيعة ٢/٩١٦).

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يصلح الصياح على الميّت، ولا ينبغي، ولكن الناس لا يعرفون)(الكافي ٣/٢٢٦، الوافي ١٢/٨٨، وسائل الشيعة ٢/٩١٦).

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (صوتان ملعونان يبغضهما الله: إعوال عند مصيبة، وصوت عند نغمة، يعني: النوح والغناء)(مستدرك الوسائل للنوري ١/١٤٤، بحار الأنوار ٨٢/١٠١).

عن أبي سعيد: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن النائحة والمستمعة) مستدرك..

أخي العزيز! ما أوردته نهياً عامّاً عن اللطم، وإذا كان اللطم سيّئاً فسيكون سيّئاً حتّى على الحسين، وإلّا لماذا نهى الله عنه؟ وقولك: لا يضرّ، غير صحيح؛ فله عدّة أضرار، منها: إيذاء الجسد، والإساءة لآل البيت والمسلمين؛ حيث إنّ المشهد غير حضاري، وأيضا أنّه: بدعة، وهذا أهم، وأنا أعتبر كلّ شيء لم يأتِ به رسول الله بدعة؛ لأنّه أكمل الدين، ولم يبق لمن جاء بعده إلّا الطاعة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ينبغي الالتفات إلى أنّ اللطم على الإمام الحسين عليه السلام ليس هو لطماً لأجل مقتل شخص مسلم عادي؛ فالحسين عليه السلام هو إمام المسلمين وقدوتهم، وخليفة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يمثّل الإسلام... وحينئذٍ فإنّ ورود الاستثناء بشأن اللطم عليه له ما يبرّره.

مع أنّ المسألة ليست استحسانية حتّى يسوغ لك المقارنة بين الإمام الحسين عليه السلام وسائر الناس! وإنّما ورد النهي عن اللطم على الميّت؛ لأنّه غالباً ما


الصفحة 296
يكون مصاحباً للجزع وعدم التسليم والرضى بالقضاء.. وهذا العنصر مفقود في حال اللطم على أبي عبد الله الحسين عليه السلام؛ لأنّ الجزع عليه ليس اعتراضاً على القضاء، بل إشفاقاً على الدين وإمام المسلمين والقرآن الناطق، ومن هو بمنزلة لحم ودم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل نفسه؛ كما يدلّ عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين منّي وأنا من حسين)(1).. فيرجع الأمر في النهاية إلى التعلّق بالدين والمودّة لآل البيت الطاهرين عليهم السلام والتعبير عن الولاء لهم؛ فتأمّل!

(مشروعية اللطم)

« الستري ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

بحثت عن إجابة لأسئلة تقدّم بها صديق لي من إخواننا السُنّة، وهو زميل لي بالعمل.. وكان السؤال عن مشروعية اللطم على الحسين خاصّة وأهل البيت عامّة.. بعدما أجبته عن كثير من الأسئلة المتعلّقة بمذهب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين..

وأتيت إلى صفحتكم المباركة في (إقامة المجالس لأحياء أمر أهل البيت عليهم السلام/اللطم على الصدور)، ولكنّي لم أستشف ما أرجوه لكي أنقله إلى صديقي وأخي السُنّي..

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٧٢، سنن الترمذي ٥: ٣٢٤ الحديث (٣٨٦٤)، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٧٧، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨١.


الصفحة 297
لذلك أرجو إذا تكرّمتم علَيَّ بالإجابة الوافية حول مشروعية اللطم والاستدلالات المستند عليها في فقه الشيعة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الاستدلال على مشروعية اللطم يتم من خلال نقاط:

١ــ إنّ الأصل في الأشياء: الإباحة، أيّ: أنّ كلّ شيء مباح حتّى يرد فيه حرمة ونهي، لا كما يظهر من كلام من يعترض على اللطم من أنّ الأصل في الأشياء الحرمة. فإنّ أصالة الإباحة أصل أُصّل في علم أُصول الفقه، فيه بحوث علمية لا يعرفها أبناء المذهب المخالف ــ ويمكنك اطّلاعهم عليها ــ .. وعليه فإنّ مدّعي الحرمة والمنع يحتاج إلى دليل، وليس العكس.

٢ــ بل إنّ اللطم على الإمام الحسين عليه السلام مستحبّ؛ لأنّه بعد الأصل يدخل في إحياء شعائر الله ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(1)، ومن المعلوم لدينا دخول الشعائر الحسينية في شعائر الله، فإنّ يوم الحسين يوم من أيام الله بلا جدال.

٣ــ ولكن مع كلّ هذا فإنّ للشيعة أدلّتهم من الروايات، التي فيها إقرار اللطم على الحسين عليه السلام والمعصومين عليهم السلام، كما ورد في زيارة الناحية المقدّسة من فعل الفواطم: (برزن من الخدور، ناشرات الشعور، على الوجوه لاطمات)(2)؛ إذ جاءت هذه الزيارة على لسان معصوم، فضلاً عن سكوت الإمام زين

____________

1- الحجّ (٢٢): ٣٢.

2- المزار الكبير، لابن المشهدي: ٥٠٤ زيارة أُخرى يوم عاشوراء.


الصفحة 298
العابدين عليه السلام زمن الحادثة الدالّ على تقريره.

وأيضاً ما رواه الصدوق من أنّ دعبل الخزاعي لمّا أنشد الإمام الرضا عليه السلام:


إذاً للطمت الخدّ فاطم عنـدهوأجريت دمع العين في الوجنات

لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستار، وبكى الإمام الرضا عليه السلام حتّى أُغمي عليه مرّتين(1)، وفيه من التقرير والرضى ما لا يخفى؛ إذ لو كان فيه خلاف الشرع لأنكره عليه السلام.

وفي (التهذيب) عن الإمام الصادق عليه السلام: (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود ــ الفاطميات ــ على الحسين بن عليّ عليهما السلام، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(2).

وقال في (الجواهر): ((إنّ ما يحكى من فعل الفاطميات... ربّما قيل: إنّه متواتر))(3).

وفي (اللهوف) لابن طاووس: إنّه لمّا رجع السبايا إلى كربلاء: ((فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام: فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، اجتمع إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا على ذلك أيّاماً))(4).

ومن المعلوم أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان معهم.

____________

1- انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ١٥٤ الحديث (٨)، ٢٩٤ الحديث (٣٤)، ٢٩٧ الحديث (٣٥).

2- تهذيب الأحكام، للطوسي ٨: ٣٢٥ كتاب الأيمان والنذور والكفّارات الحديث (١٢٠٧).

3- جواهر الكلام، للجواهري ٤: ٣٧١.

4- اللهوف في قتلى الطفوف: ١١٤.


الصفحة 299
وروي في أحاديث كثيرة استحباب الجزع على الإمام الحسين عليه السلام، وفسّر الإمام الباقر عليه السلام الجزع بقوله: (أشدّ الجزع: الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر)(1).

وغيرها من الروايات. أفبعد هذا يقال بالمنع من اللطم؟!!

نعم إنّ ذلك مختصّ بالإمام الحسين عليه السلام، كما ذكر الفقهاء.

ولكن المانعين المدّعين لحرمة اللطم حاولوا إيراد أدلّة تدلّ على حرمة اللطم بالعنوان الثانوي، منها:

١ــ أنّه إلقاء في التهلكة، وقد قال جلّ وعلا: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(2)، مع أنّ الآية ناظرة إلى التهلكة في الآخرة، ولو سلّمنا، فإنّه ليس في ما يفعله اللاطم تهلكة في الدنيا. وإن حدث حادث في بعض الحالات النادرة، أي: إن مات أحدهم مثلاً، فإنّ ذلك لا يوجب التحريم أصلاً؛ فهو كما يتّفق في كلّ شيء مباح، مثل: ركوب السيارة مثلاً.

٢ــ أنّه إضرار بالنفس، والإضرار حرام، مع أنّه لم يثبت حرمة كلّ إضرار بالنفس، بل الثابت حرمة ما يؤدّي إلى هلاك النفس، أو ما يؤدّي إلى ضرر بالغ. والعقلاء يُقدِمون على الضرر القليل من أجل هدف أسمى وأكبر، بل قد يُقدِمون على أمور فيها هلاك النفس من أجل المبادئ والقيم التي يؤمنون بها.

٣ــ أنّ هذه الممارسات ومنها: اللطم، فيها توهين للمذهب.

____________

1- الكافي، للكليني ٣: ٢٢٢ كتاب الجنائز، باب (الصبر والجزع والاسترجاع)، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٣: ٢١٧ الحديث (٣٦٢٥).

2- البقرة (٢): ١٩٥.


الصفحة 300
وجوابه: إنّ ذلك يختلف باختلاف المواقف، وإنّ تشخيص الموضوع يعود للمكلّف من صدق التوهين هنا أو لا، ولو أردنا مجاراة كلّ من خالفنا وشنّع علينا ممارساتنا الدينية بمثل هذه الحجّة لما بقي لدينا شيء، حتّى الحجّ والصلاة.

٤ــ قد يعترض المخالف من أهل العامّة بأنّه بدعة، ولكن تعريف البدعة هو: إدخال في الدين ما ليس من الدين (أو ليس منه)(1)، وهو قد يطلق على ما كان محرّماً، وقد عرفت ممّا سبق الأدلّة على جوازه وأنّه من الدين.

(اللطم جائز للإقرار وللأصل)

« د. عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

من المتعارف عليه بين أبناء الشيعة الإمامية إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ويصاحب ذلك في كثير من الأحيان اللطم، أو ما عرف بالعزاء.

وهو إنشاد القصائد الرثائية في أهل البيت، ويصحب ذلك اللطم على الصدور، وحسب اطّلاعي المتواضع، فإنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يحيون هذه الأيّام، ولكن لم يرد بأنّهم كانوا يلطمون على صدورهم، أو كانوا يحثّون على ذلك، ولو كانت هذه العادة هي شعيرة خاصّة، أو لها أهمّية لجاءت أخبار الأئمّة بالحثّ عليها، بل ربّما هناك ما يتعارض مع مثل ذلك.

فنحن نعرف وصية الإمام الحسين عليه السلام لأخته زينب عليها السلام ليلة العاشر: بأن تتعزّى

____________

1- انظر: المحصول، للفخر الرازي ٢: ٢٩٨، الحدائق الناضرة، للبحراني ٨: ٣١١.


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية