المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360) شيوخنا الكرام أساتذتنا العظام في المركز العقائدي، وأنا لا أعرف اللجنة المجيبة، ولكن خطر في بالي الأُستاذ الكبير الشيخ الجليل محمّد السند أعزّه الله، وأمّا الشيوخ الكرام الذين لم أتشرّف بأسمائهم، فحفظهم الله بحقّ وجه صاحب الزمان أرواحنا وأرواح العالمين لمقدمه الفداء... عندي تعليق أو سؤال إضافة إلى ما طرحته أعلاه:

هل يجوز التطوير في الشعائر، كما تفضلّتم أنّها تناسب كلّ زمان؟

ونحن في العراق الجريح ولا سيّما البصرة، وفي مناطق بائسة، وسخة، بشرها مسحوق، شبابها عاطل، أليس من الأجدر بدل هذه المصاريف أن يحدث تطوير في الشعائر: من خلال تنظيف المناطق، إدخالهم دورات تعليمية متنوعة، إفهام ما هي الثقافة الحسينية، أو أي صورة أُخرى تخدم المواطن العاشق للحسين (صلوات الله عليه)؟!

طرح فكرة: ممنوع طبخ أي طعام حتّى بثواب الإمام(صلوات الله عليه) كسراً لأُنوف محتكري الغاز والرز وغيرها من الأغذية!

نعم، هناك أمور من مسؤولية الدولة، ولكن ماذا نفعل مع تجاهل الدولة، إذاً نستثمر الحبّ الحسيني للتطوّر وإنشاء إنسان عالمي حسيني، خاصّة وأنّنا نرى هناك مصاريف في محرّم والأربعينية مصاريف كبيرة وعجيبة...

حينما ظهر ذلك الرجل في أمريكا في صبيحة العاشر من محرّم، وهو يرتدي بدلة عمل زرقاء وأخذ بتنظيف الشارع بصورة جنونية، الناس تعرفه موظّف محترم، ماذا يفعل هذا؟ لم يصبروا...؟ فسألوه: ماذا يحدث؟! أنت عامل في البلدية أم موظّف رسمي محترم؟


الصفحة 332
كان هذا الإنسان الحسيني الرائع قال: إنّ اليوم يصادف استشهاد إمامنا الحسين عليه السلام، الذي علّمنا كلّ شيء، الشهادة، والتضحية، والعلم، والعدالة، والتطوّر، والنظافة، وأنا احترت ماذا أفعل! فاخترت هذا العمل..

النتيجة تأقلم الجميع وتناوبوا بلبس بدلاتهم لمساندته بالعمل؛ احتراماً لذلك العظيم الذي زرع هذه البذور في محبّيه بعد مئات السنين، فكانت صورة حيّة تواكب التطوّر والحداثة والعولمة...

مجدّداً ليس القصد إلغاء صور الحزن والمرارة والألم، وإنّما تحديثها وتقديمها بصورة عالمية، تعطي الإنسان الكرامة في الحياة وفي الممات...

اعتذر ألف مرّة على الإطالة والإزعاج..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما يقوله الفقهاء تجاه هذه الأعمال هو: القول بإباحة تلك الأعمال، وبعض يقول باستحبابها من جهة دخولها في شعائر الله، والأعمال المباحة والمستحبّة غير ملزم المكلّف بالعمل بها، بل قد يرى بعض المكلّفين أنّ هناك عملاً أكثر ثواباً، فلذا يقدّمونه على تلك الأعمال، وهذا يرجع إلى تشخيص ذلك المكلّف؛ فقد يرى بعض العلماء أنّ الاشتغال بالوعظ والإرشاد والبكاء والإبكاء ذو ثواب عظيم، كما ورد في الأخبار، ولذا يرى الاشتغال به مقدّم على التطبير والضرب بالزنجيل؛ ولكن هذا لا يعني عدم القبول بتلك الأعمال، فعدم العمل بها أعمّ من القبول أو الرفض.

ثمّ إنّه لا بدّ من معرفة أنّ سرّ تعريض المحبّين للإمام الحسين عليه السلام أنفسهم


الصفحة 333
لأصناف الآلام، من الإدماء واللطم والضرب هو: القول بلسان الفعل: أنّهم على استعداد لتحمّل الآلام من أجل الإمام الحسين عليه السلام والسير على نهجه، وما الإدماء والضرب وغيرها إلّا نموذج من تلك النماذج، وإلّا فهم على استعداد لأكثر من ذلك..

وشاهدنا في العراق أيام النظام البائد كيف أنّ محبّي الحسين عليه السلام سطّروا أروع لوحات الصبر من صمودهم تحت وطأة التعذيب بالكهرباء، وصمودهم تحت سياط الجلادين، دون أن يكون ذلك رادعاً لهم عن محبّتهم للإمام الحسين عليه السلام ونهجه، فالظالمون ابتدعوا طرقاً جديدة لإخافة الحسينيين، لكن الحسينيون سطّروا وسيسطّرون لوحات من الصبر ترهب الظالمين، وتظهر لهم عدم خوفهم من أشدّ أنواع العذاب.

وأمّا ما تطرحه من أفكار من أجل تطوير الشعائر الحسينية، فقد ينظر إليها على أنّها حَرفٌ للشعائر الحسينية عن المسار الذي سارت به من إظهار مظلومية الإمام الحسين عليه السلام، والاستعداد للنصرة على يد حفيده الإمام المهدي عجل الله تعالى فرج الشريف، الذي سوف يظهر يوم عاشوراء، فإذا كان هناك تطوير للشعائر الحسينية فلا بدّ أن يكون بإبدال آلات الحرب القديمة بأُخرى حديثة وعرضها يوم عاشوراء؛ استعداداً لظهور صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرج الشريف الذي سيجابه الأعداء بالوسائل الحديثة.

وأمّا وجود أعمال أُخرى، مثل: الخيرات العامّة، كما ذكرت أنت بعض الأمثلة فهي تصبّ في صالح الجماعة المؤمنة، فلا نمنع حصول مَن فعلها على الثواب الجزيل، الذي ربّما يكون أكثر من ثواب بعض أعمال العزاء والتشبيه، ولكن يجب أن تلاحظ أنّ كلّ ذلك مربوط بالنيّة ومدى إخلاصها بعلاقة طردية.


الصفحة 334

تعليق (٤):

« عمّار صبحي ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أيّدكم الله ونصركم، وأشكركم لردّكم.

ولكن هذه الشعائر، من ضرب وإدماء، ليس لها تأصيل، وإنّما جاءت حديثة، التأصيل الوارد هو فقط كان في البكاء، وما جاء بعد ذلك من إباحة، طُرح من العلماء الأبرار وليس من القرآن أو الأئمّة عليهم السلام، إنّني العبد الحقير أتعجّب من إباحة التطبير وغيرها، رغم عدم وروده في القرآن والسُنّة والعقل والإجماع، بينما لا يجوز الإفطار في الطائرة التي توصلني بساعات بقمّة الراحة في بعض الجوانب، أو رؤية الهلال المحرّمة بالمرصاد، وأنا أقول: إنّ الإسلام هو العلم، إنّ الثورة الحسينية أرادت صنع إنسان أراده الله خليفة على الأرض، بالله عليكم! ما الجدوى من إدماء الرأس؟!

لدينا هنا في البصرة، وهم يسيرون في منطقة ملئت بالقذارة، والحسين العظيم الذي هو في الجنّة، وخلوده كما يذكرون سرمدي، ماذا يقول؟ وكيف ينظر لي، وليس لدينا شيء مطلقاً؟

العلماء الأجلاء سيقولون: نعم مأجور، لمواساة الحسين الشهيد. ولكن المعروف أنّ الشهيد ليس ميت بطريقة مذلّة، وإنّما بمفخرة، الحسين العظيم وأصحابه الكرام وأهله النجباء، أكيد لم يستشهدوا لأجل الشيعة أو السُنّة، ولا لأجل الهريس، أو الزيارة، أو الطبخ، أو غيرها من هذه العناوين، الاستشهاد كان بعنوان قضية عالمية تتوافق مع كلّ الأزمنة والأمكنة، فربّما لو أنّ هناك شعوباً في


الصفحة 335
أوربا تغلّبت على الظلم وقدّمت لإنسانها الخدمات التي تذكره بأنّه إنسان، مع وجود العقيدة الصحيحة، لربّما شملته النفحة الحسينية.

نحن نردّد دوماً قول غاندي، الذي لم يضرب زنجيل أو غيره: ((تعلّمت من الحسين أن أكون مظلوماً فانتصر))، وقدّم هذه الثورة بمقاطعة الأقمشة البريطانية، فانظر ماذا حصل؟

لدينا تجّار يصرفون مصاريف هائلة لو أصبحت بشكل مشاريع لدعم الشباب العاطل وجعل الثورة الحسينية ثورة على غياب الصناعة الوطنية، بدل من الصناعة الكويتية والسعودية والأردنية، الله أعلم ماذا سيصنعون وفق العقيدة الحسينية الصحيحة، الله العالم ماذا سيقول الإمام الحسين عليه السلام..

أرجو إجابتكم، وأرجو فهم قصدي.

مع امتناني الكبير وشكري.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: لم نفهم ماذا تقصد بالتأصيل، ولعلك تريد منه وجهين:

أحدهما: أنّه لم يرد فعل هذه الأُمور من الأئمّة عليهم السلام، على طريقة استدلال من يدّعون اتّباع السلف؛ فإنّ هذا الإشكال يطرح منهم لردّ هذه الأُمور، وهو مبني على ما هو سائد عندهم من اتّجاه فكري، فيطرحون مقايسة في أذهانهم ويسألون: لمَ تفعلون هذه الأُمور ولم ترد من قبل الأئمّة عليهم السلام على اعتبار أنّهم سلف لنا؟

والجواب سيتّضح من الوجه الثاني.


الصفحة 336

ثانيهما: أنّك تريد أنّه لم ترد روايات تأمر أو تجوّز هذه الأُمور، ولذا فلا مستند شرعي لها استند إليه العلماء في إباحتها.

والجواب عليه: الأحكام في الشريعة جاءت بطرق مختلفة.. منها: ما يبيّن الحكم الشرعي الجزئي لأغراض ودواعٍ مختلفة؛ كسؤال بعض المعاصرين للإمام عن الحكم، فيأتي الجواب، وتنقل لنا الرواية بهذا الحكم.

ومنها: ما جاء على شكل أحكام كلّية يترك تطبيقها للمكلّفين، وأكثر ما جاء من هذه الروايات من قبل أصحاب الأئمّة الفقهاء، إضافة للقواعد الكلّية الموجودة في القرآن، أو التي صدرت من الأئمّة عليهم السلام لدوافع مختلفة.

ومنها: ما جاءت لبيان بعض القواعد الكلّية في عملية استنباط الحكم الشرعي، وهي أيضاً لتعليم أصحاب الأئمّة من الفقهاء ومن يأتي بعدهم كيفية الاستنباط، وقد جمع بعض علمائنا هذه القواعد في كتب خاصّة، وأكثر ما تبحث في علم أُصول الفقه، ولك أن تراجع ذلك.

ومثل هذه الطرق في كيفية إلقاء الحكم الشرعي موجود حتّى في القوانين الوضعية.

ومن ضمن هذه القواعد الكلّية المستخدمة في الاستنباط، هناك بعض القواعد تبيّن وظيفة المكلّف فيما لو لم يصل إليه حكم شرعي، أي: تُعيّن له ماذا يعمل، وتسمّى هذه القواعد بــ(الأُصول العملية)، فهي لا تعطي حكماً شرعيّاً، وإنّما تعطي وظيفة تعيّن له مساره في العمل والفعل الخارجي.

والفقهاء(رضوان الله عليهم) يعتمدون في استنباطهم للأحكام على كلّ هذه الطرق الواردة في الأحكام الشرعية؛ فحكمهم بالإباحة يستند في جانب من أدلّته


الصفحة 337
إلى الأُصول العملية، وهي قواعد، كما قدّمنا، علّمنا إيّاها الأئمّة، وثبتت حجّيتها في الشريعة..

وإذ لا حكم جزئي في الروايات في مثل هذه الأُمور، كالضرب بالسلاسل والتطبير، حدّد العلماء الموقف العملي منها بأنّها: مباحة، كما هو الأمر في حكمهم بإباحة التدخين مثلاً، ومن ناحية أُخرى استندوا إلى قاعدة كلّية أُخرى واردة في القرآن، وهي: إحياء شعائر الله والحثّ عليها، فما يشخّص من مفردات وسلوك عملي للمكلّفين على أنّه من إحياء الشعائر، سوف يدخل في حكم الاستحباب؛ لهذه القاعدة.

ومن هنا يظهر ما في قولك: ((رغم عدم وروده في القرآن والسُنّة والعقل والإجماع)) من خطأ واستعجال! وعدم اطّلاع على بحوث العلماء! وقد ذكرنا في أجوبتنا ضمن العنوان العام لإحياء الشعائر بعض وجوه الاستدلال؛ فراجع!

ثانياً: إنّنا لم نعرف ماذا تقصد بـ((بينما لا يجوز الإفطار في الطائرة التي توصلني بساعات بقمّة الراحة في بعض الجوانب))!

وأمّا رؤية الهلال وكونها غير المعتبرة بالمرصاد، فهو ناتج عمّا استنبطه العلماء من ظاهر الروايات بحسب القواعد المقرّرة عندهم للاستنباط؛ فراجع تلك البحوث!

ثالثاً: ونحن أيضاً نؤكّد على أنّ الثورة الحسينية أرادت صنع الإنسان، وأنّها من ضمن التخطيط الإلهي، وكذلك نوافق على أنّ الإسلام يحثّ على العلم ولا يستدلّ إلّا بالعلم، ولكن حسب الموازين الثابتة في العلم، لا حسب الذوقيات والاستحسانات؛ فإنّ اختلاف وجهات النظر لا يعدّ علماً.


الصفحة 338
ولم نعرف ما هي الملازمة العلمية بين جواز إدماء الرأس وبين قذارة الأزقة في البصرة! فأي علاقة بين الحكم الشرعي بما هو حكم شرعي وبين تقصير أفراد أو مسؤولين من المجتمع، أو حتّى ضعف الوعي الثقافي للمجتمع ككلّ؟!

ونحن لا نوافق على استمرار الإهمال بحجّة إقامة الشعائر الحسينية، ولكن لا نلغي ذلك بسبب هذه، ولا ندّعي إنّ الحسين عليه السلام يوافق على إبقاء التخلّف والقذارة والتقصير من جانبنا, ولكن أيّ ربط بين هذه وهذهِ؟!!

رابعاً: والعلماء الأجلاء يقولون: إنّ من يواسي الحسين عليه السلام ويحيي الشعائر مأجور عند الله سبحانه، ولا يقولون: أنّ من قصّر أو تخلّف مأجور، ولكن من أين نثبت ما تحاول أن تدّعيه: أنّ هذه الشعائر هي سبب التخلّف؟! إنّ هذا الرأي عليه ألف علامة استفهام واستفهام!! والأمر لا يتأتّى بالذوقيات والاستحسانات.

خامساً: نعم، إنّ الحسين عليه السلام قتل بكرامة وعزّة وشرف، ولكن هل معنى ذلك أن ننصب له مجلس فرح وسرور، أم أنّ الواجب علينا المواساة لهذه المصيبة؟!

وهو عليه السلام لم يستشهد من أجل الهريس والطبخ، وإنّما الهريس والطبخ من أجل الحسين عليه السلام، وهي داخلة في سياق عام وسلوك شرعي واجتماعي لإدامة مسيرة الحسين عليه السلام وإبقاء ذكراه وإعلاء شأنه، كيف وممارسة النذر لله شعيرة شرعية ثابتة في كلّ الديانات، مع أنّ الذهن لا يحتمل احتياج الله إليها؟! أو أنّ الشريعة قرّرت من أجل ذبح النذر وتقديم القرابين، ولكن لكلّ ذلك غايات يدركها المتأمّل.

سادساً: نحن لا نعترض على أنّ الحسين عليه السلام استشهد من أجل الإنسانية، بل


الصفحة 339
نؤكّد عليه، كما نعتقد أنّه ثار ضدّ الجهل والانحراف والظلم، ومن أجل إقامة حكومة عادلة في جميع المجالات، ومنها: رفاه الناس، ولكن أيّ تلازم موجود بين إقامة الشعائر، وبين حصول التخلّف كما تصرّ عليه في سؤالك؟! فهل تقصد أنّ إقامة هذه الشعائر هو الذي أدّى إلى التخلّف وعدم وجود الخدمات؟ إنّ مثل هذا الشعار كان يروّج له أزلام صدام حسين المقبور.

ثمّ من قال من العلماء أو الفضلاء بوجوب الالتزام بالشعائر وترك خدمة الناس وإقامة العدل؟! بل إنّهم يصرّحون بأنّ إقامة العدل أفضل من إقامة الشعائر، وربّما تكون خدمة الناس والتبرّع في مجالات خيرية أفضل من التبرّع للطبخ وأمثاله، وربّما يكون الأمر في بعض الأحيان بالعكس.

إنّ مثل هذه الأُمور لا يمكن أن تنضبط تحت إطار واحد، فلكلّ عمل ميزانه ومقوماته وظروفه الخاصّة.

ومن قال لك أنّنا نرفض قول غاندي لأنّه لم يضرب بزنجيل؟!

بل نقول: إنّ الالتقاء بثورة الحسين عليه السلام لا يحدّه طريق أو وسيلة معيّنة، مع وجود التفاضل بين هذه الوسائل، فليس لأنّه لم يظهر لنا قائدٌ مثل غاندي (مع أنّ هذا الفرق غير صحيح، بل عندنا أفضل من غاندي بعدّة مراتب) فرضاً، فإنّه يجب أن نمنع الناس من العزاء على الحسين عليه السلام!

أو إنّ عدم وجود صناعة وطنية عندنا هو بسبب خروج مواكب العزاء والزنجيل!

فهل تعتقد حقّاً أنّه إذا منعنا مواكب العزاء سوف ينهض العراق إلى مصاف الدول الأُخرى؟!!


الصفحة 340
وما المانع من أن نقاطع البضائع الأجنبية ونخرج للعزاء في نفس الوقت؟!

ألم يعلّمنا الحسين عليه السلام، الذي نخرج لأجله، الإباء والحرّية والكرامة؟!

ونحن لا نقول: إنّ كلّ ما يصرف في المواكب الحسينية من قبل التجّار هو أفضل مورد لها، ولكن الناس تقبل على السهل اليسير، والمقطوع بالقبول في نظرها، وهم أحرار في أموالهم، ولو طرحنا المشكلة بصورة موضوعية وارتفع الوعي، لربّما كان الأمر بالاتجاه الأفضل والأحسن لخدمة الحسين عليه السلام وأهله، وتقدّم المجتمع بالمشاريع الخيرية.

ولكن هذا لا يعني أنّ ما يتبرّعون به للمواكب لا يوافق العقيدة الحسينية الصحيحة، فعليك أن لا تنسى أنّ هذه المواكب وهذه الشعائر هي التي أدّت إلى بقاء واستمرار جذوة الثورة الحسينية في قلوب أبناء شعبنا، وبقيت متواصلة مستمرة عبر الأجيال من الأجداد إلى الأبناء؛ فتأمّل!

(الضرر في التطبير)

« أحمد ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

البعض يقولون: كيف نتطبّر مع أنّ التطبير مضرّ؟

وإن لم يكن مضرّاً، فهو ممّا لا يعقل دخوله ضمن الدين وشعائره؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ موضوع التطبير له بحث خاصّ من الناحية الشرعية، ولا نريد أن ندخل فعلاً في هذا الباب، ولكن الذي نودّ أن نذكّر به في مورد السؤال هو: أنّه لا دليل


الصفحة 341
على حرمة مطلق الضرر، وإلّا لكان أكثر المباح حراماً، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به.

وأمّا دخوله ضمن الشعائر فهو يتبع مشروعية العمل أوّلاً، وتأثيره الإيجابي عند الناس ثانياً.

ولا نقول حينئذ: إنّه من صميم الدين، بل هو من مصاديق الشعائر الحسينية، التي تشدّ المؤمنين بواقعة كربلاء، وتحثّهم على التضحية والفداء في سبيل عقيدتهم.

تعقيب (١):

« ط . ن ــ السويد »

السلام عليكم..

السؤال هو: عن التطبير والقول الصحيح فيه؟ والجواب عن هذه الشبهة: من يقول بجواز التطبير فإنّه يقول: إنّ التطبير من الحجامة؛ فلا إشكال فيه، كذلك إنّ الأصل في الأشياء الحلّ، ولم يأتِ دليل بالتحريم، والتطبير كذلك..

وكذلك العقيلة زينب(سلام الله عليها) حين ضربت برأسها مقدّم المحمل أمام الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) ولم ينكر عليها.. وكذلك إنّ الفاطميات خمشن وجوههنّ..

وإنّ التطبير لا يوهن المذهب، مثله مثل رمي الجمرات في الحجّ مثلاً..

وإنّ قضية الضرر وما يترتّب عليها يجاب عليها: بما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة من بعده عليهم السلام؛ فقد ورد عن بعضهم القيام في الليل حتّى تتشقّق أقدامهم، وما ورد من أنّ بعض الأئمّة عليهم السلام حجّ ماشياً، كالإمام الحسن والسجّاد عليهما السلام حتّى تورمت قدماه.. ألا يكون هذا فعلاً جائزاً مع وقوع الضرر في فعله، فيكون كذلك


الصفحة 342
التطبير فيه ضرر، ولكن جائز الفعل، مثله مثل القيام في الليل حتّى تتفطر القدم ويحصل الضرر؟!!

وورد في زيارة الناحية المقدّسة: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً).

كما ورد في الروايات أنّ كلّ جزع منهي عنه إلّا الجزع على الإمام الحسين عليه السلام، فيكون هنا خصوصية لجواز فعل التطبير، مثل:

ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (فأحيوا أمرنا يا فضيل، رحم الله من أحيا أمرنا).

ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام: (إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا).

ما ورد عن الإمام السجّاد عليه السلام أنّه كان يبكي حتّى يمتزج في الإناء دموعه مع دم خارج من عينه.

ما ورد عن الإمام السجّاد عليه السلام من أنّه يقوم الليل حتّى تتفطر قدماه، وهذا فيه ضرر، ومع ذلك لم يترك هذا الأمر؛ إذ ليس كلّ أمر فيه ضرر يكون محرّماً.

تعقيب (٢):

« عصام الحسيني ــ العراق ــ إمامي »

عظّم الله لكم الأجر بمصاب الإمام الحسين عليه السلام، وجعلكم الله من الطالبين بثأره مع إمام منصور من أهل بيت النبوّة عليهم السلام.

أمّا بالنسبة إلى مسألة التطبير، فإنّها من الأُمور التي جعلها العلماء من المستحبّات، هذا من الناحية الفقهية، فإنّنا نجد البعض ــ ومنهم بعض الشيعة ــ ينتقدوننا على هذا العمل، وذلك لجهلهم الفائدة المتوخّاة من ذلك، من جهة، ولِما يؤثّره الإعلام الوهّابي ومن كان على شاكلتهم من جهة أُخرى.


الصفحة 343
فأقول إلى إخوتي الشيعة: لا تتسرّعوا بالحكم على شيء لا تعرفون أبعاده.

وأمّا بالنسبة إلى صحّته، فنقول:

١ــ ضرب السيّدة زينب عليها السلام رأسها بمحمل الرحل، وسيل الدماء من تحت القناع أمام الإمام زين العابدين عليه السلام، عندما رأت أهل الكوفة خرجوا ينظرون إليهم، ولم يمنعها الإمام عليه السلام من ذلك.

٢ــ ذكر الأئمّة عليهم السلام: (إنّ يوم الحسين عليه السلام أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا...)(1)، وأنّ في القرح ألم للناس، فلو كان الحرمة في ذلك لنهوا الناس.

٣ــ قول الإمام الحجّة المنتظر عليه السلام في زيارة الناحية: (لأبكينّ عليك بدل الدموع دماً)(2)، فلو كان الإدماء حراماً فلماذا يفعل ذلك الإمام عليه السلام؟

٤ــ إنّه ليس كلّ ما يؤلم الإنسان حرام، وإلّا لحرم الختان للصبيان، وثقب الأذن والأنف.

٥ــ إنّ في التطبير تأسّياً بالإمام الحسين عليه السلام الذي ضحّى بالغالي والنفيس من أجلنا، والذي لم يبقَ مكان في جسده إلّا وقد أُدمي، وهو ينادي: (وا قلّة ناصراه)، فلو خرج من قبره لوجد هذه الحشود التي تلبس الأكفان، ومخضّبة بالدماء جنوداً مجنّدة تحت رايته، فهذه الدماء أسوة بدماء الحسين عليه السلام، وما أجمل هذه الأسوة من أجل رجل قدّم كلّ ما يملك من أجل رضى الله.

واعلموا أنّ في التطبير رضىً لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وللإمام عليه السلام، كما قال أحد المراجع.

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٠ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩).

2- المزار الكبير، لابن المشهدي: ٥٠١ الباب (١٨).


الصفحة 344
وهناك أسباب عديدة أخرى للتطبير، يطول المقام بذكرها.

وعظّم الله لكم الأجر.

تعليق:

« محمّد ــ العراق ــ إمامي »

أخي عصام الحسيني من العراق:

قرأت تعليقكم: ضرب السيّدة زينب عليها السلام رأسها بمحمل الرحل, وسيل الدماء من تحت القناع, أمام الإمام زين العابدين عليه السلام، عندما رأت أهل الكوفة خرجوا ينظرون إليهم...الخ.

ولكنّي أتساءل: أين مصادرك عن كلامك؟ حيث لم تذكر المصدر, رغم إنّني أُؤيد المجالس الحسينية، ولكنّني لا أُؤيد التطبير وضرب الزنجيل.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ لقــد ذكـر ضرب زينب لرأسها بمقدّم المحـمل، كما ذكر صــاحب (بحار الأنوار)(1).

٢ــ لقد ورد في (الأمالي) عن الإمام الرضا عليه السلام: (إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام)(2).

____________

1- بحار الأنوار ٤٥: ١١٥.

2- أمالي الصدوق: ١٩٠ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩).


الصفحة 345

٣ــ ورد في كتاب (المزار) للمشهدي زيارة خرجت من الناحية المقدّسة عليه السلام، قال في فقراتها: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً...)(1).

هذه هي مصادر ما ذكره عصام الحسيني في تعليقه على سؤال: الضرر من التطبير.

(حكم التطبير)

« كوثر ــ النرويج ــ إمامية »

السؤال:

عرفت أنّ بعض العلماء يحرّمون التطبير، فكيف يمكن أن يتردّد الأمر بين الحرمة وبين الاستحباب، فهناك تفاوت كبير؟!

أرجو التوضيح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كلّ عمل لم يرد فيه نهي أو حرمة من الشريعة يكون الأصل فيه الإباحة، فالتطبير بالعنوان الأوّلي مباح عند جمهور الفقهاء، فإنّه وإن كان فيه ضرر, فإنّ هذا الضرر لا يوصله إلى مرحلة الحرمة, نعم لو كان في التطبير إزهاق نفس أو تلف عضو وما شابه ذلك فإنّه يدخل تحت عنوان الحرمة.

وأمّا الذين يقولون بحرمة التطبير، فإنّهم يقولون بحرمته بالعنوان الثانوي من جهة

____________

1- المزار الكبير: ٥٠١ الباب (١٨).


الصفحة 346
أنّ هذا العمل يولّد في هذا العصر نفوراً من المذهب أو الدين الإسلامي. والذي يقول باستحبابه يقول باستحبابه لدخوله تحت عنوان الشعائر.

فلا تناقض إذاً في الأحكام؛ فالفقهاء جميعاً متّفقون على أنّه إذا ولـّد هذا العمل نفوراً، أو ضرراً يُعتدّ به، أو إذا كان العمل يخالف مصلحة المذهب أوجب القول بحرمته، أو كراهته حسب الحكم الثانوي، وإذا دخل تحت عنوان الشعائر يقال باستحبابه. ويجب على كلّ مكلّف اتّباع المرجع الذي يقلّده في هذه المسألة، مثل جميع المسائل الفقهية.

(أدلّة جواز تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله)

« جابر حسين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

هل يوجد دليل على جواز تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك نصوص كثيرة تدلّ على مشروعية تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله وأصفيائه، نذكر منها ما يلي:

١ــ إنّ النبيّ يعقوب عليه السلام بكى على ولده النبيّ يوسف عليه السلام ــ على الرغم من علمه أنّه على قيد الحياة ــ حتـّى ابيضّت عيناه من الحزن، وقد قال له أبناؤه أيضاً: ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ(1).

____________

1- يوسف (١٢): ٨٥.


الصفحة 347

٢ــ لقد بكى الإمام السجّاد عليه السلام على أبيه، حتـّى خيف على عينيه(1), بل خيف عليه أن يكون من الهالكين أيضاً(2).

٣ــ كما أنّ الإمام السجّاد عليه السلام حين رأى الشهداء صرعى، كادت نفسه الشريفة تخرج، فقالت له عمّته السيّدة زينب عليها السلام: (ما لي أراك تجود بنفسك...)(3).

٤ــ وفي زيارة الناحية المقدّسة: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً، حسرة عليك، وتأسّفاً على ما دهاك وتلهّفاً، حتـّى أموت بلوعة المصاب، وغصّة الاكتئاب)(4).

٥ــ وعن الإمام الرضا عليه السلام: (إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا)(5).

٦ــ روي أنّ الإمام السجّاد عليه السلام، كان يبكي عند شرب الماء، حتـّى يجري الدمع في الإناء(6).

٧ــ يذكرون أنّ السيّدة زينب عليها السلام قد ضربت جبينها بمقدّم المحمل، حتـّى سال الدم من تحت قناعها(7).

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٣٠٣، بحار الأنوار ٤٦: ١٠٨ حياة الإمام السجّاد عليه السلام.

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢١٣ الباب (٣٥) الحديث (٣٠٦)، أمالي الصدوق: ٢٠٤ المجلس (٢٩) الحديث (٢٢١)، الخصال، للصدوق: ٢٧٣، باب الخمسة، بحار الأنوار ١٢: ٢٦٤.

3- كامل الزيارات: ٤٤٤ الهامش (ملحق كامل الزيارات قسم الزيادات)، بحار الأنوار ٢٨: ٥٨ كتاب الفتن.

4- المزار الكبير، لابن المشهدي: ٥٠١، الباب (١٨) زيارة الناحية المقدّسة، بحار الأنوار ٩٨: ٢٣٨ و٢٤١ و٣١٧ و٣٢٠.

5- أمالي الصدوق: ١٩٠ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩)، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٤.

6- تاريخ النياحة ٦: ١٤٦، عن جلاء العيون، للسيّد عبد الله شبّر، وعن أعيان الشيعة.

7- بحار الأنوار ٤٥: ١١٥، الفردوس الأعلى: ١٩ ــ ٢٢، المجالس الفاخرة، لشرف الدين: ٢٩٨.


الصفحة 348

٨ــ حين عاد السبايا إلى المدينة، ((فما بقيت في المدينة مخّدرة ولا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ مكشوفة شعورهنّ، مخمشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ))(1).

وهكذا جرى في الكوفة أيضاً، حين وصل السبايا إليها؛ إذ خطب حينئذ الإمام السجّاد عليه السلام، وأُمّ كلثوم، وفاطمة بنت الحسين عليه السلام(2).

٩ــ روي عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يعترض على نساء الأنصار في ما فعلن في أنفسهنّ بعد قضية أُحد؛ حيث إنّهنّ قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجززن النواصي، وخرقن الجيوب، وحرمن البطون على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, فلمّا رأينه قال لهنّ خيراً، وأمرهنّ أن يستترن، ويدخلن منازلهنّ(3).

(الشعائر الحسينية بدعة أم لا؟)

« علي ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

هل يصحّ إطلاق عنوان البدعة على الشعائر الحسينية الجديدة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يصحّ إطلاق البدعة على الشعائر الحسينية أبداً؛ لأنّ الشعائر الحسينية مصاديق ورموز تعبيرية عن مفهوم الحزن على استشهاد الإمام الحسين عليه السلام الذي أكّد عليه أئمّة

____________

1- اللهوف، لابن طاووس: ١١٤، بحار الأنوار ٤٥: ١٤٧.

2- انظر: اللهوف: ٨٨، بحار الأنوار ٤٥: ١١٢.

3- الكافي، للكليني ٨: ٣١٨، بحار الأنوار ٢٠: ١٠٧ ــ ١٠٩، تفسير الصافي
١: ٣٨٧، تفسير نور الثقلين، للحويزي ١: ٣٩٨.


الصفحة 349
أهل البيت عليهم السلام؛ فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: (رحم الله من أحيا أمرنا)(1).

وقال الإمام الرضا عليه السلام: (من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)(2), وقد وردت كثير من الروايات في هذا المجال.

وأمّا بالنسبة إلى مصاديق الشعائر فإنّ للحزن على سيّد الشهداء طرق مختلفة، وكلّ فئة تعبّر عن حزنها بأُسلوبها وطريقتها المألوفة عندها, والتعدّد في هذه الأساليب لا صلة له بالبدعة أبداً, وإنّما هذه المصاديق يصحّ التمسّك بها في ما لو كانت مؤيّدة من قبل العُرف, وحتّى لو كانت غير مؤيّدة من الناحية العرفية, فإنّها لا تكون بدعة، بل تصبح أمراً شاذّاً، وأُسلوباً تعبيرياً غير معروف وغير متعارف بين الناس، ويتوجّه إليها النقد من هذه الجهة لا من ناحية أُخرى.

(هل ينحصر الدليل بإقامة الشعائر من قبل الأئمّة عليهم السلام؟)

« أبو عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة على محمّد وآل محمّد، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى كلّ الإخوة السادة أرجو الردّ سريعاً على هذه التساؤلات.

____________

1- قرب الإسناد، للحميري: ٣٢ الحديث (١٠٥)، بحار الأنوار ٢: ١٥١ الباب (١٩) الحديث (٣٠).

2- أمالي الصدوق: ١٣١ المجلس (١٧) رقم ١١٩ (٤).


الصفحة 350
دخلت إحدى المنتديات ووجدت إحدى الأخوات عندها بعض التساؤلات وعليها بعض الردود ممّن يحاول التشكيك في مذهب أهل البيت لهذه المسكينة وأنقلها لكم، أرجو الردّ سريعاً:

(خمسة أسئلة حول اللطم والتطبير والنواح وزيارة كربلاء وزواج المتعة)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا شيعية أبّاً عن جدّ، ولكن عندما أصبحت أتصفّح النت صرت مقتنعة بكلام السُنّة, وممّا أثر فيّ تساؤلات بدأت أطرحها على نفسي, وأتمنّى أن تساعدوني في الإجابة عليها، فصعب عليَّ أن أترك المذهب الذي تربّيت عليه، ولا أُريد أن أخسر أهلي:

١ــ مَن مِن أهل البيت لطم أو طبّر؟

٢ــ مَن مِن أهل البيت زار كربلاء بعد استشهاد الحسين عليه السلام وتبرّك أو مشى حافياً؟

٣ــ مَن مِن الأئمّة كان يجمع الصلوات أكثر من إفرادها؟

٤ــ مَن مِن الأئمّة تزوّج متعة، ومن هي زوجاتهم التي تمتعوا بهم، وهل لهم أولاد من المتعة؟

٥ــ مَن مِن الأئمّة أقام النوائح أو دعا إليها؟

فإذا كانت هذه الأُمور من المستحبّات فالأولى بالإمام فعلها!!

أجيبوني رحمكم الله، فعندي الكثير من الأسئلة غيرها، لا زلت أعتقد بحبّ أهل البيت، ولزوم التمسّك بهم، ولكنّي أرى أنّ ما نحن عليه لا يمثّلهم، ولا تقولوا: إنّي سُنيّة، وأكذب، فأنا مستعدّة لمواجهة من يدّعي أنّي غير شيعية


الصفحة 351
بالإجابة عن أيّ سؤال يتعلّق بالشيعة، ووصف منطقتي التي لا يسكنها إلّا الشيعة.

وهذا الردّ من المشكّك:

الموالية الشيعية/إنسانة

هي دعوى لاستخدام العقل ولو قليلاً، تدركين مباشرة أنّك بالفعل تدينين بدين لم يدن به آل البيت الأطهار، وعلى رأسهم النبيّ صلي الله عليه وسلم، ثمّ أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه. ومن المعلوم أنّ في دينكم الاثني عشري قواعد لاستخراج الحديث الصحيح عندكم, فأريد أن تسألي أكبر مرجع في هذا العصر أو من ينوب عنه: هل توجد رواية صحيحة ويكون هذا التصحيح على مبانيكم أنتم يا شيعة، تذكر أنّ أحد أئمّة آل البيت الأطهار لطم أو طبّر؟

أُعيد وأُكرّر: هي دعوى لاستخدام العقل.

ــ طبعاً الأُخت بعد عرض الموضوع أثار الحسّاسية لبعض الموالين في المنتدى، بعضهم اتّهمها بالكذب أنّها شيعية, فردّت قائلة:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

السلام عليكم

أوّلاً أنا شيعية غصباً عنك

ولماذا الادّعاء

وهل عيب أن أستفسر عن مذهبي، أيّ شيعية أو شيعي يستفسر عن مذهبه يصبح وهّابي؟!

ما هذا التفكير، الله يهديك، وبعدين أنّي ما كفرت بالإمامة، أو بأيّ أصل من


الصفحة 352
أُصول الدين.

أسئلتي عن أشياء مستحبّة، ولم أقل أنّها واجبة، وقلت: إن كانت مستحبّة، فالأولى أن نسمع أنّ أحداً من الأئمّة قام بها، وأسئلتي واضحة، فقط أُريد اسم إمام لكلّ سؤال (من؟) سؤال عن شخص، وما أعرف كيف تفهمون الأسئلة، أنا أتكلّم عربي.

اذهب إلى الموضوع واقرأه جيّداً، والله يهديك ويهدينا جميعاً.

وعلى العموم أهمّ شيء أنّي واثقة أنّي شيعية، وما يهمّني رضيت أو ما رضيت!

كلّ يرى الناس بعين طبعه؛ لأنّك كذّاب ترى أنّ الكلّ كذّابين..

ومن قال إنّي أعترض على البكاء على الحسين (الحسين أسير الدمعة ما ذكره مؤمن إلّا بكى)؟!

البكاء بحدّ ذاته لم أذكره في أسئلتي، قلت: اللطم والتطبير.

جمع الصلوات، قلت: هل هو واجب أم جائز؟ إذا كان واجباً فهل هناك من الأئمّة من كان يجمع أكثر ممّا يفرد؟ وإذا كان جائزاً فلماذا لا نسمع في مساجدنا الأذان إلّا ثلاث مرّات فقط.

وزيارة كربلاء ذكرت فيها: التبرّك والمشي حافياً، ولم أنكر الزيارة بحدّ ذاتها.

أتمنّى أن تقرأ الأسئلة جيّداً ثمّ تحكم.

بعدها ردّ هذا المشكّك:

نعم، أيّتها الموالية العاقلة، من العيب والجرم أن تسألي مثل هذه الأسئلة,


الصفحة 353
وسوف تلصق بك أيّ تهمة إن حاولتي استخدام نعمة العقل, فيجب على العقل الشيعي أن يعطّل العقل, فإن كنت تريدين الالتزام الحقيقي بالدين الاثني عشري، فيجب أن تأجّري عقلك على أحد المعمّمين، وإيّاكي، ثمّ إيّاكي أن تطلبي دليلاً من هذا المعمّم، عليك أن تصدّقي هذا المعمم، وأن تتعاملي مع قوله وكأنّه وحي منزل من السماء، نزل به الروح الأمين، وإن خالفتي قوله قيد شعره، فسوف تصبحين وهّابية مباشرة.

وهذه من ردوده:

أنا أعلم أنّ الموالية الشيعية (إنسانة) قد سبّبت لكم إحراجاً كبيراً جدّاً عندما طرحت هذه الأسئلة، التي هي من حقّ كلّ إنسان أن يقولها, إلّا الشيعي, فمثل هذه الأسئلة التي مناطها على الدليل الصحيح تكشف أنّ الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ليسوا على شيء.

وإلّا لماذا تم التشكيك بهذه الشيعية المحترمة، وأخذ الأعضاء الشيعة، وحتّى بعض المشرفين على هذه الشبكة أخذ يشكّك بعقيدة الموالية الشيعية (إنسانة) ويصفونها بأنّها وهّابية.

أقول: لو أنّ الدين الشيعي مبني على أساس قويّ، فسوف يتمّ الإجابة على هذه الموالية من أوّل ردّ، ولكن إلى متى هذا التعتيم على عوام الشيعة.

فالجريمة والذنب، بل ومن الموبقات التي ارتكبتها الموالية الشيعية (إنسانة) هي أنّها تتجرّأ وتسأل مثل هذه الأسئلة، التي لا يحقّ لأيّ شخص شيعي أن يسألها.


الصفحة 354

سبحان الله! بمجرّد إنسان يريد أن يستخدم عقله مباشرة تلصق به كلّ التهم..

وشكراً على جهودكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ معرفة صحّة المذهب من عدمه يتمّ عبر تحقيق الأُصول لا الفروع، ومن يحاول أن يوجد ملازمة بين الفروع الفقهية وبين حقّانية المذهب وصحّته يسلك مسلك المغالطة؛ إذ لا ملازمة بين الفروع المستنبطة عند الفقهاء وبين صحّة الأُصول والعقيدة؛ لأنّ الفروع تأتي في مقام العمل وبالمرتبة الثانية. هذا أوّلاً..

وثانياً: هي أحكام ظاهرية يستنبطها الفقهاء من الأدلّة، فحتّى لو كانت هذه الفروع غير صحيحة، فهي لا تدلّ على أكثر من الخطأ في الاستنباط، لا أكثر.

فما تقوله هذه الأخت من صعوبة ترك المذهب الذي تربّت عليه، والتحوّل إلى المذهب السنّي بسبب هذه الأسئلة كلام لا محصّل له، وهو إمّا صادر عن عدم معرفة أو عن عمد؛ إذ أيّة علاقة بين الأحكام الفقهية وبين أُصول المذهب؟

وهذه الأحكام والفروع يوجد فيها الاختلاف بين الفقهاء اليوم، فضلاً عن الأمس، بل سيستمر إلى ما لا يعلمه إلّا الله، حتّى ظهور القائم المهدي عجل الله تعالى فرج الشريف.

ومن يحوّل مذهبه بسبب هكذا مسائل، يكشف لنا عن عدم معرفة واطّلاع بالأُصول، وما هو الواجب في الاعتقاد والإيمان والتصديق بها!

بل ما هي هذه الأُصول والمسائل وفرقها عن الفروع، وأنّ الأُصول يجب على كلّ مكلّف معرفتها، دون الفروع الجائز فيها التقليد.


الصفحة 355
والظاهر أنّ هكذا كلام عن التحوّل لهذا السبب صادر عن تشوّش فكري، وشكّ، وعدم تبويب وتأصّل للأفكار، ناتج عن جهل وعدم اطّلاع، ولو تحوّل هكذا شخص من مذهبه لمثل هذا، فإنّه لا يمتلك حجّة منجية يجيب بها ربّ العباد يوم القيامة؛ إذ من الواضح التقصير في هذا الجانب.

فإنّ أكثر ما نستطيع أن نفرضه في مثل هذه المسائل، هو: عدم صحّة الاستنباط الذي أدّى إليها، أو عدم تمامية الأدلّة فيها، وأنّها أحكام ظاهرية لا تطابق الأحكام الواقعية، وأين هذه من صحّة الأُصول وعدمها؟!

بل أيّة علاقة بين هذا وبين الأُصول أصلاً حتّى يتمّ التصديق بصحّة المذهب أو عدمه منها؟ فتأمّل جيّداً!

فإنّ أكثر ما تستطيعه هذه الأُخت، وهو أنّها تقول: إنّها أصبحت مقتنعة بكلام السُنّة في هذه الفروع، وأنّ إشكالاتهم على الاستنباط فيها لم يُجب عليها أحد، أو أنّها صحيحة مثلاً، (مع أنّا نؤكّد أنّ هذا غير صحيح، وإشكالاتهم واهية، كما سنجيب عليها)، ومثل هذا الفرض لا يعدو أن يكون كاختلاف الفقهاء أو المجتهدين بينهم في الفتوى، أو اقتناع مقلّد بفتوى مجتهد معيّن يرجع إليه بالتقليد على أكثر الفروض، فأين هذا من بطلان مذهب الإمامية؟!! فضلاً عن صحّة مذهب أهل السُنّة حتّى تقول هذه الأُخت: ((لكنّي أرى أنّ ما نحن فيه لا يمثّلهم))!!

ثانياً: إنّ ممّا أثار عجبنا! هو ردّ أحدهم الذي بدأه بقوله: ((هي دعوى لاستخدام العقل ولو قليلاً... الخ))، وكأنّه يريد أن يرسّخ الاعتقاد بالملازمة بين الفروع والأُصول، وأنّ الفتوى الخاطئة على الفرض ــ ولا نقول بذلك ــ تدلّ على


الصفحة 356
فساد المذهب، بل إنّه يدعو لاستخدام العقل في الاستنباط الفقهي، مع أنّه يعلم أنّ أوّل الأدلّة هي: القرآن والسُنّة، وهي نقلية، ثمّ الإجماع عندهم، مع أنّه عندنا يدخل في النقل أيضاً، ثمّ العقل عندنا لا عندهم؛ فإنّهم يُزرون بالعقل في الأُصول والفروع! فما باله هنا ينادي بالعقل؟!

أمن أجل خداع القارئ يا ترى؟!! أم هو تحوّل عن مبادئ مذهبهم!!

وأعجب من ذلك دسّ أنفه في علم الفقه وعلم أُصول الفقه وهو لا يعلم؛ إذ يدعو الأُخت محاولاً ترسيخ الشبهة عندها بأنّ تستنبط الأحكام الشرعية من الحديث الشيعي الصحيح، وتناسى أو تغافل من أنّ الاستنباط أوّلاً: له قواعد. وثانياً: لا ينحصر استخراج الحكم الشرعي في الحديث فقط. وثالثاً: لا يقيّد الحكم بحتمية أنّ الإمام كان قد فعله.

ثالثاً: صحيح أنّ من حقّ كلّ شيعي، بل كلّ إنسان، حتّى السُنّي، أن يسأل عن دينه، أو أيّ شيء آخر؛ فإنّ السؤال حقّ مكفول لكلّ إنسان بحقّ الإنسانية، فضلاً عن روح الإسلام، التي حثّت على السؤال والمعرفة، ولا اعتراض على ذلك.

ولكن الاعتراض هو: على ما يحاوله الجهلة من الربط بين نتيجة هذا السؤال، بل السؤال نفسه من دون جواب، وبين ما يريدون تصوير اللازم عليه، وهي النتائج التي تحمّل تحميلاً بنوع من المغالطة.

إنّ سبب هذا التحميل والمغالطة هو: البناء الفكري لدى المقابل، فهو لم يتبيّن مباني الاستنباط وأُصوله عنده، وهذا السلوك استشرى عندهم حتّى أصبح منهجاً في الدين والعقيدة، بل طغى وطغى على مماحكات الإنترنيت؛ فإنّ كلّ شخص منهم أصبح مجتهداً بحدّ ذاته، فهو ما إن يقع على حديث حتّى يستنبط


الصفحة 357
منه الحكم الذي يعجبه، وما إن يناقش أحداً إلّا وابتدأه أوّلاً بالمطالبة بالحديث الصحيح على تصوّره، وهذا ناتج من قصور فظيع في ماهية الأدلّة وسعتها..

ولو بقي الأمر على هذا لهان, ولكن تعدّى ذلك إلى العقيدة، وهو أيضاً نتاج المنهج المعوج والسقيم؛ فأصبح كلّ منهم لا يتورّع عن الحكم على خطأ عقيدة الآخر بأيّ حديث لقاه في طريقه، بل الحكم بكفره وجواز قتله؛ لأنّه لا يؤمن بما يؤمن به من مسألة أخذها من حديث عابر يعتقد به هو وحده.

وبالتالي انعكس هذا على طريقة التفكير وطريقة مناقشة ومناظرة الآخرين، بل على كلّ سلوك هؤلاء الأفراد، بل على الأفق الفكري على هذا المذهب المعني، ومن يدرك هذا يعرف مدى ما وصلنا إليه كمسلمين من فقر مدقع في التأصيل للفكر الديني، ومدى السطحية الحاكمة على الجوّ العام للمسلمين عامّة، وللداخلين على الإنترنيت خاصّة.

رابعاً: الآن حان الوقت لكي نفصّل ما أشرنا إليه آنفاً:

أ ــ إنّ الدين ينقسم إلى أُصول وفروع؛ أيّ العقيدة والشريعة، والأُصول هي: ما يجب العلم والاعتقاد به، ويجب معرفتها عن يقين وقطع لا عن التقليد والظنّ، وأمّا الفروع فهي: ما يجب العمل بها، ويمكن أخذها عن طريق التقليد والظنّ الذي ثبتت حجّيته بالأدلّة القطعية.

ب ــ إنّ من لا يعرف الأُصول، أو لا يعتقد بها، فهو إمّا خارج عن المذهب، إذا كان الأصل مذهبي، أو خارج عن الإسلام، إذا كان الأصل عند كلّ المسلمين، وإنّ أثر الخطأ بالاعتقاد يكون بدخوله في الإيمان أو عدمه، ودخوله في الإسلام أو عدمه (الكفر).


الصفحة 358
وأمّا من لا يعرف الفروع أو يخطأ بها، فإنّه لا يؤثّر في إيمانه أو إسلامه، وإنّما يؤثّر في تدينه أو عدمه، أي: يحكم عليه بالفسق أو عدمه، ولا علاقة لذلك بتصنيف المذاهب، إلّا من طريق اشتهار مسألة فقهية معيّنة بحيث تصبح من العلامات العامّة والشواخص لهذا المذهب.

ج ــ إنّ الأدلّة التي تُعتمد في استنباط الأحكام الشرعية عند الشيعة الإمامية هي: القرآن، والسُنّة، والإجماع الداخل فيه المعصوم، والعقل، على تفصيل فيها ليس هنا محلّه.

والسُنّة عند الإمامية هي: سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، أو كما يقولون هي: سُنّة المعصوم عليه السلام، أي: قوله وفعله وتقريره.

فقوله عليه السلام يعطينا الأحكام عن طريق وصوله عبر الرواة، وهو الغالب في الدليل النقلي.

وأمّا فعله عليه السلام فهو: ما نقله لنا الرواة من فعل المعصوم لا ما قاله، وتقريره هو: أن يفعل الآخرين أمراً له حكم من أمام المعصوم أو بعلمه وهو عليه السلام يقرّره ويوافقه عليه، أو يسكت، وسكوته دالّ على رضاه.

والمعوّل الغالب في الدليل النقلي هو قول المعصوم عليه السلام؛ لأنّ الفعل والتقرير له وجوه واحتمالات، وأمّا القول فهو يمتلك نوع من التحديد للحكم لا يوجد في الفعل والتقرير. ولذا كان القول هو العمدة في الروايات المنقولة.

د ــ ومن هنا لا ينحصر الدليل بفعل الإمام عليه السلام حتّى تعرف الحكم الشرعي منه؛ فللفعل ظروف خاصّة تحكمه تغيّر موضوع الحكم في كلّ حالة، ومنها: التقيّة، فمن طالب بالدليل وحصره بفعل الإمام عليه السلام لا يكون إلّا مغالطاً موهماً


الصفحة 359
على الآخرين ما يريده، بتوظيف قدسية الأئمّة عليهم السلام.

ثمّ إنّ في الروايات الصادرة من المعصومين عليهم السلام ما يبيّن الحكم الخاص في موضوع معيّن، ومنها ما يبيّن الحكم العام الكلّي كقاعدة فقهية أو أُصولية، بل ما يبيّن حكم فروعي كلّي، وعلى المجتهدين أو المكلّفين تحديد المصداق.

هـ ــ وأيضاً إنّ لكلّ حكم موضوعاً معيّناً، ولا يتمّ الحكم إلّا بتحقّق الموضوع؛ مثلاً: لا يتحقّق وجوب الصلاة والصوم أو الجهاد إلّا بتحقّق شروطها المحدّدة للموضوع، فإنّ موضوع الصوم هو المكلّف المقيم غير المسافر وغير المريض مثلاً، فإذا لم تتحقّق شروط الموضوع سقط الصوم، وكذا الجهاد له شروط ولا يحدّد شروطه إلّا المعصوم عليه السلام.

فإذا كان هناك حكم معيّن مقيّد بشروط معيّنة، إمّا للوجوب أو للواجب، ولم تتحقّق هذه الشروط في ظرف الإمام عليه السلام أو زمنه، فهل يسقط هذا الحكم فيما لو تحقّق شرطه في زمن آخر، أو أنّ الحكم يبقى ولكن لا تتمّ فعليّته إلّا بتحقّق شروطه؟ ولا يقول بسقوط الحكم في كلّ الأوقات إلّا الجاهل.

خامساً: إذا تبيّن هذا، نشير إلى أنّ تحديد الحكم الشرعي في كلّ واقعة لا بدّ أن يسير حسب القواعد الأُصولية المبحوث عنها لدى الفقهاء، وأن ينتقل بين الأدلّة من أعلاها إلى آخرها، فإن قام دليل تامّ من هذه الأدلّة على حكم معيّن يجب الالتزام به، فإنّ الأدلّة الثابتة تكون حجّة على المكلّف بعد أن يبيّنها المجتهد.

فمثلاً: هناك أدلّة من القرآن، فإذا انتفت انتقل إلى السُنّة مع إعمال المعارضة بينهما وبين القرآن، والسُنّة فيها القول والفعل والتقرير، كما قدّمنا، ويلحقها الإجماع والشهرة، وتسمّى: الأمارات والظنون الخاصّة، فإذا انتفت الأمارات


الصفحة 360
وصلت النوبة إلى الأُصول العملية من: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب. بل قد يُستدلّ بقواعد فقهية، كقاعدة: الإباحة، ولا ضرر، وغيرها، وهناك الأدلّة المأخوذة من العقل العملي بما فيه من مباحث في أُصول الفقه.

فإذا قام دليل من هذه الأدلّة على جواز أو إباحة أو استحباب أمر من الأُمور العملية ولا يعارضه معارض، وجب الأخذ به لقيام الحجّة بهذا الدليل على المكلّف، فإذا قام الدليل مثلاً من عموم القرآن، أو عموم السُنّة، أو من خصوص قول المعصوم، أو تقريره، أو من أصل عملي، إذا انتفى الدليل الأماري يجب الأخذ به، ولا يحقّ للمكلّف أن يطالب برواية تحكي فعل المعصوم عليه السلام لهذا الأمر، كما هو المورد هنا مثلاً.

إذ عدم وجود رواية على الفعل لا يصلح أن يكون معارضاً، بل لا تنحصر الأحكام بفعل المعصوم، وللفعل ظرفه الخاص، بل لفعل المعصوم عليه السلام بالخصوص ظروفه الأخص، نعم يحقّ لنا أن نبحث عن الحكمة لعدم فعله من قبل المعصوم، أو نحلّل الظرف الخاص به، أو نبحث عن إمكانية تحقّق الشروط من عدمها، وإذا لم نتوصّل إلى الحكمة فلا يعني ذلك انتفاء الحكم، أو التأثير عليه، أو بناء ملازمة من خلاله، فضلاً عن كونها ملازمة متوهّمة.

بل نحن مأمورون بالتوقّف في بعض الحالات التي لا يظهر لنا الوجه فيها من فعل المعصوم عليه السلام؛ لأنّ مثل ذلك مبنيّ على الإيمان أوّلاً بالعصمة، ولذا قلنا بتقدّم الأُصول على الفروع، وأنّ الفروع مبنيّة على الأُصول، لا العكس، كما هو الموحى من السؤال مورد البحث.

سادساً: نعتقد إلى هنا اتّضح الجواب العام، ولكن لنأتي إلى الأسئلة التي طرحتها الأُخت بخصوصها:


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية