المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 361 - ص 390)

أمّا ما يخصّ اللطم:

من المشهور أنّ هذا السلوك لشعيرة اللطم بهذا الطقس الخاصّ المتنوّع عند طوائف الشيعة، بأشكاله المختلفة، لم يكن موجوداً زمن الأئمّة عليهم السلام، وهو بهذه الأشكال من أساليب السلوك العرفي والتراث الاجتماعي (الفلكلوري) عند الشعوب، وإنّما تطورت بهذا الشكل وبهذا الإيقاع بعدهم عليهم السلام بفترة.

ولكن ليس هذا هو المهم، فإنّ الأسلوب وكيفية الأداء لا نقاش فيها، وإنّما النقاش في أصل اللطم.

فنقول: إنّ تقرير الإمام عليه السلام، بل دعوته لعقد مثل هذه المجالس لأدلّ دليل على شرعيتها، وقد نبّهنا أنّ التقرير أحد وجوه السُنّة، ومن المعلوم أنّ حضور الإمام عليه السلام لمثل هذه المجالس ودعوته لعقدها يغني عن البحث عن رواية لطم فيها الإمام عليه السلام، أو البحث عن حكمة عدم لطمه لو ثبت، فإنّ عدم النقل لا يدلّ على عدم الوقوع.

نعم، إنّ هيبة الإمام عليه السلام ومكانته بين المسلمين وموقعه كإمام يمنع من ممارسة هكذا سلوك عرفي بأدائه المعيّن وهذا الطقس الخاصّ، وهو كما موجود عند كبار علماء الشيعة الآن، فإنّهم يحضرون هذه المجالس ولكن لا يلطمون، أو يواسون الجمهور بنوع من اللطم المتزن، وذلك رعاية لموقعهم، فإنّ ما يصحّ من حركات عند عوام الناس لا ينبغي أن يصدر مثله في أيّ وقت أو مكان حتّى ولو كان عامّاً من مثل مقامات علمائنا، فربّما يفسّر عنهم ويفهم بغير الفهم الصحيح على العكس ممّا يفهم من العوام. وهذا السلوك عامّ لدى كلّ البشر، فإنّ تفاعل قادة المجتمع وكبرائهم مع ما يهيج المشاعر غير تعامل


الصفحة 362
الآخرين من عامّة الشعب، وعلامات التهيج والانفعال على وجوههم وأبدانهم غيرها بالنسبة لغيرهم، وإليك أقرب مثال على ذلك ما يحدث في كرة القدم عندما يحضرها الرؤساء والملوك مع العامّة، وما ينكر ذلك إلّا مكابر.

وأمّا روايات التقرير للطم:

فمنها: ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة من فعل الفواطم: (برزن من الخدور، ناشرات الشعور على الخدود، لاطمات الوجوه)(1)، ومن المعلوم وجود الإمام السجّاد عليه السلام في ذلك الوقت، ولم ينهاهنّ عن ذلك، فضلاً عن صدور الزيارة عن المعصوم عليه السلام.

ومنها: ما رواه الصدوق من إنشاد دعبل الخزاعي قصيدته عند الرضا عليه السلام، وقوله فيها:


إذن للطمت الخد فاطم عندهوأجريت دمع العين في الوجنات(2)

ولم يردّه الإمام عليه السلام بأنّ هذا لا يجوز على فاطمة عليها السلام، بل لطمت نساء الرضا عليه السلام وراء الستر، وبكى الرضا عليه السلام حتّى أُغمي عليه مرّتين!

ومن المعلوم أنّ الرضا عليه السلام هو الذي دعا دعبل لعقد هذا المجلس والنوح على الحسين عليه السلام، وما أنكر ما فعلته النساء، بل هيأ هو عليه السلام لهنّ ذلك بنصب الستر حتّى يسمعن ندب دعبل.

____________

1- المزار الكبير، لابن المشهدي: ٥٠٤، الباب (١٨) الزيارة التاسعة.

2- كشف الغمّة، للإربلي ٣: ١١٤ ذكر الإمام الرضا عليه السلام الفصل الرابع، ولاحظ: عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ٢٩٤ الباب (٦٦) الحديث (٣٤).


الصفحة 363

ومنها: قول الإمام الصادق عليه السلام، كما في (التهذيب): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود ــ الفاطميات ــ على الحسين بن عليّ عليهما السلام، وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب)(1).

ونصّ في (الجواهر): إنّ ما يحكى من فعل الفاطميات ربّما قيل: إنّه متواتر(2). نقول: فضلاً عن صحّة سند بعضها.

ومن هنا فلا يتنطّع البعض بالمناقشة في السند!

وأمّا التطبير:

فلم يكن في زمن الأئمّة عليهم السلام موجوداً على الظاهر حتّى نجد نصّاً بخصوصه، ومن هنا يستنبط الفقهاء حكمه من قواعد الاستنباط الفقهي، ككلّ أمر جديد، أو مسألة مستحدثة، وما أكثرها في هذا الزمن، من الكهرباء وركوب السيارات إلى الصعود إلى الفضاء وشركات التأمين، ومن يقول بأنّ مثل هذه الأشياء حرام لأنّ السلف لم يفعلها، ولا يوجد لها حكم في الإسلام، فما هو إلّا سخيف، فضلاً عن مخالفته هو لذلك بالقطع واليقين، وإنّما يشنّع على الآخرين لغايات أُخرى، غير العلم والحقّ قطعاً.

ولمّا كان التطبير غير موجود في زمن الأئمّة عليهم السلام، فلا يصحّ السؤال بـ : هل فعله الأئمّة عليهم السلام؟! ولا يصحّ القول: بعدم وجود حكم شرعي له بالجواز أو المنع! وإنّما يخضعه الفقهاء لقواعد الاستنباط، من أصالة الإباحة، وكونه من مصاديق إحياء

____________

1- تهذيب الأحكام، للطوسي ٨: ٣٢٥ كتاب الأيمان والنذور والكفّارات، باب الكفّارات الحديث (١٢٠٧).

2- جواهر الكلام، للجواهري ٤: ٣٧١ مسألة جواز شقّ الثوب على الأب والأخ.


الصفحة 364
الشعائر والجزع الجائز على خصوص الحسين عليه السلام، وعدم كون كلّ مضرٍّ حرام.

وإذا أخذت الأدلّة بأعناق العلماء لا يحقّ لأحد أن يقول: لم هو جائز ومستحبّ بعدما لم يفعله الأئمّة عليهم السلام؟!

ولا يقوله إلّا ذو عقل سلفي جامد ينظر إلى الشرع بمنظار محدود ومقولب.

ومع ذلك فهناك من أفتى بحرمة التطبير وعدم جوازه بمقتضى ما ظهر له من الأدلّة، ولم يخرج من قلّده من الناس عن التشيّع، ولا كان له أيّة علاقة بأُصول المذهب!

فإنّ مقتضى فتح باب الاجتهاد ووجود المجتهدين، وجود الاختلاف في الفتاوى.

وأمّا جواز الزيارة مشياً على الأقدام:

فهل ترى السائل يحتمل الحرمة في ذلك؟

فإنّ مثل هذا الاحتمال عجيب!!

فعلى القطع أنّ المشي هو أحد وسائل الانتقال منذ القديم، ولو كان هذا السائل منصفاً، وملتزماً بالنمط الفكري الذي يسلكه، لكان الواجب عليه السؤال عن جواز الزيارة بركوب السيارة أو الطائرة؛ لأنّ في زمن الأئمّة عليهم السلام لم تكن موجودة، وإنّما كان هناك المشي والدواب.

وأمّا بخصوص استحبابه، فضلاً عن فعله من قبل أصحاب الأئمّة عليهم السلام والتابعين وعدم منع الأئمّة لهم عن ذلك، فجاءت به الروايات:

فعن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: (من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة،


الصفحة 365
ورفع له ألف درجة)(1).

وعن أبي عبد الله قال: (من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكلّ قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل)(2).

فقول الإمام عليه السلام هنا أقوى من الفعل في الاستحباب؛ لأنّه يمكن حمل الفعل على وجوه: مثل عدم قدرة الإمام على المشي مثلاً، أو للتقية التي كانت غالبة على الأئمّة عليهم السلام قطعاً، هذا إذا لم نعلم بمشيهم للزيارة، مع أنّا نعتقد بوجود روايات فيها دلالة على مشي الإمام عليه السلام للزيارة، خصوصاً زيارة عليّ عليه السلام.

ولا ينفع النقاش في سندها لو فرضنا وجوده، إذ لا تأتي النوبة إليه لما ثبت من قاعدة: التسامح في أدلّة السُنن، ومن الشهرة على الجواز، وعدم وجود المعارض، فضلاً عن الاعتضاد بالأُصول العملية، كما هو واضح من طريقة استنباط الفقهاء.

وأمّا جمع الصلوات:

فهو جائز قطعاً، ولكن لا نقول أنّه أفضل من تفريقها حتّى نطالب بدوام فعل المعصوم عليه، فضلاً عمّا فيه من التقية له، بل لحدّ الآن هناك من الشيعة من يفرّق بينهما طلباً للفضل، ولكن نحن نجمعها لما ثبت لنا من جوازه بدون سفر أو مطر، بل ندّعي صدق العسر على تفريقها، لما في هذا الزمن من مشاغل كثيرة.

وتفصيل البحث فيه تجده في ما سيأتي ضمن عنوان: (الجمع بين الصلاتين).

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٥٤ الباب (٤٩) الحديث (٣٨١).

2- كامل الزيارات: ٢٥٧ الباب (٤٩) الحديث (٣٨٦)، ٢٥٢ الحديث (٣٧٨).


الصفحة 366

وأمّا زواج المتعة:

فإنّه مبنيّ على الستر لا على الإعلان، وإنّما هو ترخيص للأمّة لرفع الحرج عنها، ولكن لا يخفى ما فيه من التشهير والاتّهام بعد أن حرّمها عمر، ودخلت في صميم تعبّد أهل السُنّة، خلافاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!

فكيف نريد من الأئمّة عليهم السلام فعلها؟! أو الإعلان بذلك مع ما في المسألة من حسّاسية لدى حكّام المسلمين؟!

بل هناك روايات بالكراهة لفعلها في أماكن معيّنة ولأشخاص معينين؛ لمكانتهم بين الناس، وصلتهم بالأئمّة عليهم السلام، وهم قطعاً لا يصلون بمقامهم لمقام الأئمّة عليهم السلام بين المسلمين، ولا يصبيهم من الحرج ما ربّما يصيب الأئمّة عليهم السلام.

ولكن مع ذلك ننقض عليهم: بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ أهل السُنّة يقرّون بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجازها للمسلمين وقتاً ما، وتجويزه صلى الله عليه وآله وسلم لفعلها، ولو لوقت محدود، يثبت استحبابها في ذلك الوقت اتّباعاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من سُنّته.

ومع ذلك: فأيّهم نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمتّعه في ذلك الوقت، هل من مجيب؟!!

وأمّا النوح:

فقد ثبت ممّا نقلناه في روايات اللطم، وعشرات الروايات غيرها، ما يخرجها عن حدّ التواتر، فلا داعي لسردها.

وعلى كلّ حال، فالكلام في مثل هذه الأسئلة كثير وواسع جدّاً حسب قواعد الفقهاء، ولكن نعتقد أنّ في ما سردنا كفاية ولا حاجة للإطالة أكثر؛ فإنّه على ما عليه من الاختصار طويل، وأكثر من حاجة موضوع البحث.


الصفحة 367

(شبهات وردود بشأن إقامة المآتم)

« أحمد المحمّد ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

إنّي من المشاركين في أحد المنتديات، وقد أثار الدم في عروقي موضوع عن الشيعة، ولكن لا أعرف الردّ الوافي الكافي المشفي، فأجبت بقدر استطاعتي، فأنتم تعلمون مدى الظلم الذي يقع علينا لأنّنا محبّي أهل البيت، فقلّت لدينا مناهل العلم. وأواجه هذا الردّ من أحد السُنّة علَيَّ، ولا أستطيع إجابته، فأجيبوني.

وكان قوله هو: شهد مقتل عليّ والحسين من شهده من أهل البيت، ومرّت سنون وما أحدثوا مأتماً ولا نياحة، فأين الدليل على هذه المناظر المخزية المخجلة التي نراها من الروافض هذه الأيّام، والتي تصدّ الناس عن الدخول في الإسلام؟!

سؤال مطروح استفدته من كلام نفيس لشيخ الإسلام في نسف بدع الروافض في عاشوراء! حيث قال رحمه الله: ((ومن ذلك: أنّ اليوم الذي هو يوم عاشوراء، الذي أكرم الله فيه سبط نبيّه, وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء, وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام.

وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين، وقد كانت شَهدَت مصرع أبيها, عن أبيها الحسين بن عليّ رضي الله عنه, عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت, فيحدث لها استرجاعاً إلّا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أُصيب بها).

فقد علم الله أنّ مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدّد ذكرها مع تقادم العهد, فكان


الصفحة 368
من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أوّلاً.

ولا ريب أنّ ذلك إنّما فعله الله كرامةً للحسين رضي الله عنه, ورفعاً لدرجته ومنزلته عند الله, ومبلغاً له منازل الشهداء, وإلحاقاً له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء.

ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدّهما ولأُمّهما وعمّهما؛ فإنّهما ولدا في عزّ الإسلام, وتربّيا في حجور المؤمنين, فأتمّ الله نعمته عليهما بالشهادة, أحدهما مسموماً, والآخر مقتولاً, لأنّ الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلّا أهل البلاء.

كما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد سئل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء، ثمّ الصالحون، ثمّ الأمثل فالأمثل, يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه, وإن كان في دينه رقّة خُفّف عنه, وما يزال البلاء بالمؤمن حتّى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).

وشَقي بقتله من أَعَانَ عليه, أو رَضي به! فالذي شَرَعه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصاب وإن عَظمَت أن يقولوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون!

فأمّا اتّخاذ المآتم في المصائب, واتّخاذ أوقاتها مآتم, فليس من دين الإسلام, وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ولا أحد من السابقين الأوّلين, ولا من التابعين لهم بإحسان, ولا من عادة أهل البيت, ولا غيرهم. وقد شهد مقتل عليّ أهل بيته, وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته, وقد مرّت على ذلك سنون كثيرة, وهم متمسّكون بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, لا يحدثون مأتماً ولا نياحة, بل يصبرون ويسترجعون، كما أمر الله ورسوله, أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكـاء عند قـرب المصيبة.


الصفحة 369
قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (ما كان من العين والقلب فمن الله, وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان).

وقال: (ليس منّا من لطم الخدود, وشقّ الجيوب, ودعا بدعوى الجاهلية)، يعني مثل قول المصاب: يا سنداه يا ناصراه, يا عضداه.

وقال: (إنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنّها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب, وسربالاً من قطران).

وقال: (لعن الله النائحة والمستمعة إليها).

وقد قال في تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1). وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ بأنّها: النياحة.

وتبرأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحالقة والصالقة. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.

والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.

وقال جرير بن عبد الله: كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميّت وصنعهم الطعام للناس من النياحة.

وإنّما السُنّة: أن يصنع لأهل الميّت طعام؛ لأنّ مصيبتهم تشغلهم, كما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نعى جعفر بن أبي طالب لمّا استشهد بــمؤتة فقال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد جاءهم ما يشغلهم).

____________

1- الممتحنة (٦٠): ١٢.


الصفحة 370
والآن هل لديكم دليل واحد على قيامهم بذلك أفيدونا...؟!

فأرجوكم ساعدوني ولكم الأجر والمثوبة، فلا تنسوا بأننا نتشرّف بالدفاع عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

شاكراً جهدكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أيّها السائل الكريم، السلام عليك وعلى جميع المؤمنين. وبعد:

فلا تبتئس بما قاله لك المسلم السُنّي، ولا تحزن لِما أورده لك من كلام إمامه وشيخ إسلامه (ابن تيمية)، وقل له:

أوّلاً: إنّ إمامك كان ناصبياً، ويسرّ حسواً في ارتغاء، فلا يلزمنا كلامه، ويكفينا في تعريفه مقالة أهل السُنّة فيه. وإليك بعض ذلك:

١ــ قال ابن حجر الهيتمي المكّي في كتابه (الجوهر المنظّم في زيارة القبور المعظّم ــ المكرّم): ((مَن ابن تيمية حتّى ينظر إليه، أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟!))(1).

٢ــ وقال في (الفتاوى الحديثية): ((ابن تيمية عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذّله، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله...))(2).

فهذا حال ابن تيمية بشهادة ابن حجر، وهو غير متّهم عليه بممالاة الشيعة فيه؛ لأنّه صاحب (الصواعق المحرقة).

____________

1- الجوهر المنظّم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرّم: ٣٠ الفصل الأوّل.

2- الجزء الثاني من خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، ويليه من الفتاوى الحديثية: مطلب اعتراض ابن تيمية على متأخّري الصوفية، وله خوارق.


الصفحة 371

ثانياً: ما دمت نقلت عن ابن تيمية بعض كلامه محتجّاً به علينا، وليس يلزمنا ذلك، فلننقل لك أيضاً بعض الشواهد من كلامه نحتجّ بها عليك ولا يسعك التخلّف عن آثارها، وهي تكفي في الدلالة على نصبه العنيد ودفاعه عن يزيد.

فإليك نماذج من تحريفاته بشأن استشهاد الحسين عليه السلام:

١ــ ((إذ لم يكن في الخروج ــ خروج الحسين ــ مصلحة لا في دين ولا في دنيا... وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده))(1).

٢ــ ((فإنّ ما قصده الحسين من تحصيل الخير ودفع الشرّ لم يحصل منه شيء، بل زاد الشرّ بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك وصار سبباً لشرّ عظيم))(2).

٣ــ ((إنّ القصّة التي يذكرون فيها حمل الرأس إلى يزيد ونكته بالقضيب كذبوا فيها))(3).

٤ــ ((إنّ نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد))(4).

____________

1- انظر: منهاج السُنّة، لابن تيمية ٢: ٢٤١ ــ ٢٤٢ الطبعة القديمة.

2- منهاج السُنّة ٢: ٢٤٢ الطبعة القديمة.

ملاحظة: أصل الكلام في المصدر بعبارتين: (إذ لم يكن في الخروج مصلحة لا في دين ولا في دنيا...)(منهاج السُنّة ٢: ٢٤١)، (وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده؛ فإنّ ما قصده من تحصيل الخير، ودفع الشرّ لم يحصل منه شيء، بل زاد الشرّ بخروجه وقتله، ونقض الخير بذلك، وصار سبباً لشرّ عظيم، وكان قتل الحسين ممّا أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان ممّا أوجب الفتن)(منهاج السُنّة ٢: ٢٤٢).

3- مجموع الفتاوى، لابن تيمية، المجلد الرابع عشر: فقه الزيارة والجهاد ٢٧: ٢٥٢، رأس الحسين، لابن تيمية: ٢٠٦.

4- مجموع الفتاوى المجلد الرابع عشر: فقه الزيارة والجهاد ٢٧: ٢٥٣،
رأس الحسين: ٢٠٧.


الصفحة 372

٥ــ ((ويزيد لم يسبِ للحسين حرماً، بل أكرم أهل بيته))(1).

٦ــ ((أمّا ما يرويه من لا عقل له يميّز به ما يقول، ولا له إلمام بمعرفة المنقول، من أنّ أهل البيت سبوا، وأنّهم حملوا على البخاتي ــ وأنّ البخاتي نبت لها من ذلك الوقت سنامان ــ فهذا من الكذب الواضح الفاضح لمن يقول به))(2).

٧ــ ((فإن وقع شيء من ذلك ــ يعني سمّ معاوية للإمام الحسن عليه السلام ــ فهو من باب قتال بعضهم بعضاً))(3).

٨ــ ((وليس ما وقع من ذلك ــ يعني سمّ الحسن عليه السلام وقتل الحسين عليه السلام ــ بأعظم من قتل الأنبياء فإنّ الله تعالى قد أخبر أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حقّ، وقتل النبيّ أعظم ذنباً ومصيبة...))(4).

٩ــ ((ولكن ظهر من أمره ــ يزيد ــ في أهل الحرّة ما لا نستريب أنّه عدوان محرّم، وكان له موقف في القسطنطينية ــ وهو أوّل جيش غزاها ــ ما يعدّ من الحسنات))(5).

١٠ــ ((ولكنّ ــ أي يزيد ــ لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)(6).

____________

1- منهاج السُنّة ٢: ٢٢٦ الطبعة القديمة.

2- مجموع الفتاوى المجلد الرابع عشر: فقه الزيارة والجهاد ٢٧: ٢٥٣، رأس الحسين: ٢٠٨.

3- منهاج السُنّة ٢: ٢٢٥ الطبعة القديمة.

4- منهاج السُنّة ٢: ٢٤٧ الطبعة القديمة.

5- رأس الحسين: ٢٠٧.

6- منهاج السُنّة ٢: ٢٥٣ الطبعة القديمة.


الصفحة 373

فهذه عشرة شواهد تغنيك في معرفة ابن تيمية الناصب المعاند، ولا تنسَ بأن تسأل المسلم السُنّي عن إمامه ابن تيمية. أين مات؟ فقد مات في السجن. ولماذا سجن؟ لأنّه قد حاكمه أصحاب المذاهب عند السلطان على شذوذه في آرائه. وحسبك أن تدلّه فليقرأ رسالة الذهبي إليه وهي في (تكملة السيف الصقيل) للكوثري(1)، ولينظر ما قاله الكوثري عنه في كتاب مقالاته.

وإلى هنا تبيّن لك أنّ ما قاله ابن تيمية ليس له عندنا ولا عند غيرنا من بقية المسلمين ــ سوى أتباعه ــ ما يسوى شروى نقير.

والآن عودة إلى ما عابه من إقامة المآتم في المصائب، وهو غير صائب، بل هو خائب؛ لأنّا سنذكر له بعض ما لا يسعه إنكاره من مصادره الموثوقة عند أهل السُنّة.

فسله (أوّلاً): ما رأيه في ما جاء في صحيح البخاري في كتاب الجنائز (باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن): وروي في حديث عائشة، قالت: لمّا جاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب ــ شقّ الباب ــ .

قال القسطلاني في (إرشاد الساري)، قوله: ((جلس)) عليه الصلاة والسلام، أي: في المسجد، كما في رواية أبي داود(2). وقال شيخ الإسلام ابن حجر في (فتح الباري): ((وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب...))(3)؟

____________

1- السيف الصقيل ردّ ابن زفيل، للسبكي: ٢١٧ ــ ٢٣٠ نص رسالة الذهبي إلى ابن تيمية.

2- إرشاد الساري ٣: ٤٢١ كتاب الجنائز الباب (٤٠) الحديث (١٢٩٩).

3- فتح الباري ٣: ١٣٥ كتاب الجنائز، باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.


الصفحة 374

وسله (ثانياً): ما رأيه في ما رواه البخاري في صحيحه في الباب السابق أيضاً، عن أنس، قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهراً حين قتل القرّآء، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حزن حزناً قطّ أشدّ منه(1).

قال ابن حجر في (فتح الباري): وشاهد الترجمة منه قوله: ما حزن حزناً قطّ أشدّ منه، فإنّ ذلك يشمل حال جلوسه وغيرها. انتهى(2).

فقل للسُنّي إذا جاز القنوت شهراً لإظهار الحزن جاز الجلوس لذلك أيضاً شهراً ودهراً؟

وسله (ثالثاً): ما رأيه في ما رواه الطبري في (تاريخه)(3)، وابن عبد ربّه الأندلسي في (العقد الفريد)(4)، والحلبي في (السيرة النبوية)، واللفظ للطبري: ((ومرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وبني ظفر، فسمع البواكي والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: (لكن حمزة لا بواكي له).

قال الحلبي في سيرته: فأمر سعد بن معاذ نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكين حمزة بين المغرب والعشاء، وكذلك أسيد بن حضير أمر نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكين حمزة(5)..

ولمّا جاء صلى الله عليه وآله وسلم بيته حمله السعدان وأنزلاه عن فرسه، ثمّ أتكأ عليهما حتّى دخل بيته، ثمّ أذّن بلال لصلاة المغرب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مثل تلك الحال

____________

1- صحيح البخاري ٢: ٨٤، باب الجنائز.

2- فتح الباري ٣: ١٣٥ كتاب الجنائز، باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.

3- تاريخ الطبري ٢: ٢١٠ غزوة أُحد.

4- العقد الفريد ٣: ١٩١ كتاب الدرّة في التعازي والمراثي، البكاء على الميت.

5- السيرة الحلبية ٢: ٥٤٦ غزوة أُحد.


الصفحة 375
يتوكّأ على السعدين، فصلّى صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا رجع من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقيل نساء الأنصار يبكين حمزة، فقال: (رضيّ الله تعالى عنكنّ وعن أولادكنّ)، وأمر أن تردّ النساء إلى منازلهنّ، وفي رواية خرج عليهنّ، أي بعد ثلث الليل لصلاة العشاء، فإنّ بلالاً أذّن بالعشاء حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا ذهب ثلث الليل نادى بلال الصلاة يا رسول الله، فقام من نومه وخرج... وهنّ على باب المسجد يبكين حمزة رضي الله عنه... فقال لهنّ: (ارجعن رحمكن الله، لقد واسيتن معي، رحم الله الأنصار، فإنّ المواساة فيهم كما علمت قديمة)... صارت الواحدة من نساء الأنصار بعد لا تبكي على ميّتها إلّا بدأت بالبكاء على حمزة رضي الله عنه ثمّ بكت على ميّتها؟

وسله (رابعاً): عمّا رواه الطبري في تاريخه عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، قال: لمّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح.

وفي حديث سعيد بن المسيّب: أقامت عليه عائشة النوح، فأقبل عمر بن الخطّاب حتّى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر فأبين أن ينتهينَ، فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة أخت أبي بكر. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إنّي أُحرّج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخل قد أذنت لك. فدخل هشام، فأخرج أُمّ فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة، فضربها ضربات، فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك(1).

فقل له: لا يخلو الأمر إمّا أن يكون فعل عائشة صحيحاً بإقامة النوح، فلا

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٦١٤ حوادث سنة (١٣)، باب في الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت.


الصفحة 376
يجوز لعمر أن يمنعه، وإمّا أن يكون الأمر بالعكس، ولمّا كانت عائشة تروون في حقّها: ((خذوا شطر دينكم عن الحميراء))(1)، فهي أعلم من عمر الذي لم يرد شيء في فقاهته، بل هو كان يعترف على نفسه فيقول: ((كلّ الناس أفقه منك يا عمر))(2).

إذن فعقد مجلس النوح جائز وليس ببدعة، وقد أقامته أُمّ المؤمنين عائشة على أبيها.

وسله (خامساً): لئلا يستزل الشيطان هذا السُنّي فيقول بمنع عمر، فإنّ عمر نفسه قد ناقض نفسه! وذلك حين مات خالد بن الوليد؛ فقد روى البخاري في صحيحه: ((وقال عمر رضي الله عنه: دعهنّ يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس. واللقلقة: الصوت))، انتهى(3).

ونحو هذا رواه ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) أيضاً، بل روى في آخر ترجمة خالد فقال: ((وذكر محمّد بن سلام، قال: لم تبق امرأة من بني المغيرة إلّا وضعت لُمّتها على قبر خالد بن الوليد، يقول: حلقت رأسها))(4)!

فأين كان عنهنّ عمر؟!! فلماذا لم ينهَ عن الحلق وقد بريء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصالقة والحالقة والشاقّة، كما رواه البخاري في صحيحه(5).

____________

1- البداية والنهاية، لابن كثير ٣: ١٥٩، ٨: ١٠٠، السيرة النبوية، لابن كثير
٢: ١٣٧.

2- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني: ٥٠١، باب (الكلام في إمامة عمر)، المحرّر الوجيز، لابن عطية: ٢٩ سورة النساء، تفسير القرطبي ٥: ٩٩ سورة النساء.

3- صحيح البخاري ٢: ٨١ كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميّت ط بولاق.

4- الاستيعاب ٢: ٤٣٠ ــ ٤٣١ (٦٠٣).

5- صحيح البخاري ٢: ٨٣ كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت.


الصفحة 377

وعجيب أمر عمر في تناقضه! فهو ينهى عائشة وآل أبي بكر عن النوح على أبي بكر وهو صاحبه، ولولاه لَما صار خليفة من بعده، ويسمح بالبكاء لنساء بني المغيرة في النوح على خالد على ما كان بينهما من عداوة وهجرة، كما هو معروف(1)، حتّى إنّ ابن حجر ذكر في (الإصابة) في أواخر ترجمة خالد: أنّ عمر سمع راجزاً يذكر خالداً، فقال: رحم الله خالداً، فقال له طليحة بن عبيد الله:


لا أعرفنّك بعد الموت تندبنيوفي حياتي ما زودتني زادي(2)

وسله (سادساً): عمّا ورد في تأبين الأموات، بدءاً من وقوف فاطمة عليها السلام على قبر أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فقالت:


إنا فقدناك فقد الأرض وابلهاوغاب مذ غبت عنّا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنالمّا نعيت وحالت دونك الكثب(3)

ومروراً بمجيء أعرابي وقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قلت فقبلنا، وأمرت فحفظنا، وبلّغت عن ربّك فسمعنا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً(4)، وقد ظلمنا أنفسنا، وجئناك فاستغفر لنا. فما بقيت عين إلّا سالت(5).

____________

1- العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٣: ١٩٢ كتاب الدرّة، البكاء على الميت.

2- الإصابة ٢: ٢١٩ (٢٢٠٦).

3- العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٣: ١٩٤ كتاب الدرّة، الوقوف على القبور وما بين الموتى.

4- النساء (٤): ٦٤.

5- العقد الفريد ٣: ١٩٤ كتاب الدرّة.


الصفحة 378

وكذلك موقف ابن مسعود على قبر عمر يبكي ويطرح رداءه ثمّ أبّنه(1).

وانتهاءً بقول أمير المؤمنين عليه السلام على خبّاب بن الأرت، لمّا رجع من حرب صفّين إلى الكوفة، فوجد خبّاباً قد مات، فوقف على قبره وقال: (رحم الله خبّاباً، لقد أسلم راغباً، وجاهد طائعاً وعاش زاهداً، وابتلي في جسمه فصبر، ولن يضيّع الله أجر من أحسن عملاً)(2).

إلى غير ذلك من جمل الرثاء التي تحمل آيات الثناء، وتعرب عن جليل العزاء فضلاً عن البكاء. سوى ما روي من المراثي ممّا لا يعد ويحصى بدءاً من الصحابة ومن بعدهم إلى يوم المسلمين.

وسله (سابعاً): عن سُنّة الجلوس للعزاء عند المسلمين ألم تكن قائمة دائمة؟! وما رأيه في ما رواه ابن قيّم الجوزية، وهذا تلميذ إمامه ابن تيمية، وهو على شاكلته، في كتابه (بدائع الفوائد) فقال: لمّا توفّي العبّاس أحجم الناس عن تعزية ولده عبد الله إجلالاً له وتعظيماً، حتّى قدم رجل من البادية فأنشده:


اصبر نكن بك صابرين وإنّماصبر الرعية بعد صبر الرأس

خير من العبّاس صبرك بعدهوالله خير منك للعبّاس

قال: فسريّ عنه وأقبل الناس على تعزيته. انتهى(3)..

____________

1- العقد الفريد ٣: ١٩٥ كتاب الدرّة.

2- العقد الفريد ٣: ١٩٥ كتاب الدرّة.

3- بدائع الفوائد ٤: ٢١٧ فوائد متنوّعة، وهذا رواه الغزالي في الإحياء ٤: ١٩٠ كتاب الصبر والشكر، الركن الثالث.


الصفحة 379

وسله (ثامناً): هل صحّ عنده ما رواه ابن سعد في (الطبقات)(1)، وابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام: أنّ ابن عبّاس، حبر الأُمّة وترجمان القرآن، لمّا أتاه نعي الحسين عليه السلام جلس للعزاء، فدخل عليه الناس يعزّونه، وكان عنده محمّد ابن الحنفيّة، فكان ممّن أتاه معزّياً: عبد الله بن الزبير وآخرون(2).

وسله (تاسعاً): عمّا رواه ابن الأثير في (أُسد الغابة)، وابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) في وفاة عبد الرحمن بن أبي بكر ــ وهذا هو شقيق عائشة ــ واللفظ لابن كثير: ولمّا توفّي كانت وفاته بمكان يقال له: (الحبشي) ــ على ستّة أميال من مكّة، وقيل: اثني عشر ميلاً ــ فحمله الرجال على أعناقهم حتّى دفن بأعلى مكّة، فلمّا قدمت عائشة مكّة زارته وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي متّ فيه. ثمّ تمثّلت بشعر متمّم بن نويرة في أخيه مالك:


وكنّا كندمانَي جذيمة حقبةمن الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكلطول اجتماع لم نبت ليلة معا

قال ابن كثير: رواه الترمذي وغيره.

وقال ابن الأثير: ولمّا اتّصل خبر موته بأُخته عائشة ظعنت إلى مكّة حاجّة، فوقفت على قبره، فبكت عليه وتمثّلت:


وكنّا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاًلطول اجتماع لم نبت ليلة معا(3)

____________

1- ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من طبقات ابن سعد: ٨٥ الحديث (٢٩٨).

2- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ٢٣٨ ترجمة الإمام الحسين عليه السلام (١٥٦٦).

3- أُسد الغابة ٣: ٣٠٦ ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر، البداية والنهاية، لابن كثير ٨: ٩٦ أحداث سنة ٥٨.


الصفحة 380
وسله (عاشراً): عمّا رواه البخاري في الجنائز من صحيحه (باب الجريد على القبر):... ورأى ابن عمر رضي الله عنه فسطاطاً على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، إنّما يظلّه عمله(1).

وفي (فتح الباري)، قال: ((مرّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة وعليه فسطاط مضروب. فقال: يا غلام انزعه، فإنّما يظلّه عمله. قال الغلام: تضربني مولاتي. قال: كلا. فنزعه.

ومن طريق ابن عون، عن رجل، قال: قدمت عائشة ذا طوى حين رفعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرت بفسطاط، فضرب على قبره، ووكّلت به إنساناً وارتحلت، فقدم ابن عمر، فذكر نحوه))(2).

وزاد ابن سعد في ترجمة عبد الرحمن في طبقاته على ما ذكره أنّ امرأة قالت لعائشة: وإنّك لتفعلين مثل هذا يا أُمّ المؤمنين؟ قالت: وما رأيتني فعلت؟ أنّه ليست لنا أكباد كأكباد الإبل (3).

وروى ابن عبد البرّ في (التمهيد) عن ابن أبي مليكة قوله: زارت عائشة قبر أخيها في هودج(4).

وعن ابن أبي مليكة أيضاً، قال: رحت من منزلي وأنا أريد منزل عائشة فلقتني على حمار، فسألت بعض من كان معها؟ قال: زارت قبر أخيها عبد الرحمن(5).

____________

1- صحيح البخاري ٢: ٩٨، باب في الجنائز.

2- فتح الباري، لابن حجر ٣: ١٧٧، باب (الجريدة على القبر).

3- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٥: ٤١، تعليق التعليق، لابن حجر ١: ٤٩٣.

4- التمهيد ٣: ٢٣٣.

5- شفاء السقام، للسبكي: ١٩٤ جهة القربة في زيارة القبور.


الصفحة 381

أليس في ما ذكرت من الشواهد ما يكفي لإثبات سنّة الجلوس للعزاء، وعقد مجالس النوح والبكاء، وإنشاد وسماع واستماع الرثاء، وزيارة القبور، والدعاء عندها بالمأثور؟!

وبعد، هل يحقّ للسنّي أن يلوم من يحيي ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام، أو ينتقد مظاهر الحزن التي يمارسها الشيعة معبّرين عن شعورهم بالولاء لصاحب الذكرى؟

وإنّما يصرّ الشيعة على إحياء مراسم العزاء في كلّ عام تذكيراً للآخرين، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(1)، ولئلا يلفّها ضباب النسيان، وينكرها أتباع آل أبي سفيان كما حدث لبيعة الغدير، وإسقاط المحسن و...

ثمّ هي خير وسيلة إعلامية يملكها الشيعة لتبليغ مبادئهم، وبلوغ مآربهم في إفهام الآخرين مظلومية أهل البيت عليهم السلام، وفضح أعمال الأمويين والعبّاسيين وغيرهم من أعداء الدين.

وإنّما خصّوا الحسين عليه السلام بمزيد من الذكرى؛ لأنّه بقية الخمسة من أصحاب الكساء، ولولاه لقضى بنو أُميّة على دين جدّه، وقد استهانوا بكلّ قيمه وأخلاقياته. وحسبك أن تقرأ من خطبة للحسين عليه السلام قوله: (أيّها الناس! إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بعمل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر...)(2).

____________

1- الذاريات (٥١): ٥٥.

2- تاريخ الطبري ٤: ٣٠٣ سنة (٦١).


الصفحة 382
فهو عليه السلام أعلن سرّ نهضته، فمن أحقّ من شيعته بالاستجابة لدعوته؟

كما إنّ مظاهر إحياء الذكرى بما فيها من خروج المواكب في الطرقات، وحتّى ما يجري فيها ممّا يسمّيه السُنّي: (من المناظر المخزية المخجلة) ليست هي أخزى بدعة من ضرب (الدرباش)، وبدعة الرقص وما إليه، ممّا يمارسه أهل الوجد والمجاذيب من أهل السُنّة، حتّى قال شاعرهم الأخرس البغدادي ناقداً لهم:


أقال الله صفّق لي وغنّيوقل هجراً وسمّ الهجر ذكرا

فإن تكن السيادة باخضرارفإنّ السلق أشرف منك قدرا(1)

وما هي إلّا كنحو (العرضة) التي يمارسها أشياخ قومه حتّى اليوم.

وهل ينكر ما تعرضه برامج قناته التلفزيونية من تمثيليات، لا يستسيغها كثير من أبناء بلده، فهل هو ممّن يرى القذاة في عين غيره، ولا يرى الجذع في عينه؟

وأحسبه إنّما قال: (مناظر مخزية مخجلة)؛ لأنّها تكشف عن صحائف يحسبها منسية، وتثير الحس الخامل والغافل للبحث عن ملابسات القضية.

نعم، هي أخزى لأنصار بني أُميّة؛ فإنّ إقامة الشعائر الحسينية تذكيرٌ للناس بتاريخ الأمويين المخزي، فتظهر خزيهم بارتكاب عظيم الجنايات في المسلمين، ولم يكن السُنّي أوّل من يستنكر إقامة تلك الشعائر، ولا يكون آخرهم.

فهم قد دأبوا على استنكار إعادة تلك الذكريات، حتّى قال شاعرهم:


هتكوا الحسين بكلّ عام مرّةفتمثّلوا بعداوة وتصوّروا

ويلاه من تلك الفضيحة إنّهاتطوى وفي أيدي الروافض تنشرُ(2)

____________

1- ديوان عبد الغفّار الأخرس.

2- هو الشاعر عبد الغفّار الأخرس البغدادي؛ انظر: المنحة الإلهية في تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية، للآلوسي: ٤٥٩، الباب التاسع.


الصفحة 383
فردّ عليه غير واحد من شعراء الشيعة، فقال بعضهم مشطّراً للبيتين وراداً الصاع بصاعين:


(هتكوا الحسين بكلّ عام مرّة)اَبناء من قتلوا الحسين فكبّروا

قد ساءهم أن لا يكونوا شاركوا(فتمثّلوا بعداوة وتصوّروا)

(ويلاه من تلك الفضيحة إنّها)تحكي الذي فعلوه لمّا تذكرُ

فبها فضيحتهم تبيّن وجهدهم(تطوى وفي أيدي الروافض تنشرُ)

والآن فلندع هذا كلّه جانباً، ولننظر إلى مسألة إقامة الشعائر الحسينية من الوجهة الشرعية، فماذا تقتضيه الأدلّة والقواعد؟ فنقول:

أوّلاً: إنّ الأصل في الأشياء: الإباحة، ما لم يأتِ تحريم ببرهان. فعلى مدّعي الحرمة إقامة الدليل عليها من كتاب أو سُنّة ثابتة مقبولة؛ فالأصل إذاً مع منكر الحرمة لا مع المستنكر، فلنا مطالبته بالدليل لا بالتضليل.

ثانياً: كلّ عمل من تلك الأعمال على الإجمال يسع الفقيه المتضلّع تخريج وجه له وجيه، من عمومات الأدلّة ومحكمات القواعد المعقولة والمنقولة. كما يستفاد من كلام المغفور له الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله في جوابه على مسائل البصريين عمّا يجري في الساحة من ذكرى عاشوراء(1)، وله كلام في ذلك ننقل بعضه مضموناً في ما يخص مسألة اللطم على الصدور، وخروج المواكب في الطرقات:

____________

1- انظر: رسائل الشعائر الحسينية ١: ٤٥١ الرسالة (٨) الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات، للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.


الصفحة 384

١ــ ففي مسألة اللطم واللدم حسبنا ما يرويه أعلامنا، ويرويه أيضاً غيرنا، من حديث دعبل بن علي الخزاعي، وإنشاده قصيدته التائية عند الإمام الرضا عليه السلام أيّام ولاية العهد بخراسان، وكان منها:


أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاًوقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

إذاً للطمت الخدّ فاطم عندهوأجريت دمع العين في الوجنات

فسمع الإمام الرضا عليه السلام ولم يستنكر عليه قوله، فإذا جاز لمثله أن يسمع ذلك ثمّ هو يبكي، ويثيب الشاعر على قصيدته ثواباً جزيلاً، فجائز لنا أن نلطم الخدّ أو الصدر في المصيبة الحسينية ما دام مشروعاً، ولو كان منكراً فيه خلاف للشرع لأنكره، ولكنّه لم ينكر؛ فهو جائز(1).

٢ــ وأمّا مسألة خروج المواكب في الطرقات فهو أيضاً جائز في نفسه دون ما قد يصادفه من وقوع بعض المحرّمات؛ فإنّ مساوقة المحرّم للخروج لا تعني حرمة الخروج؛ لأنّ حرمة الشيء لا توجب حرمة ما يقع فيه، فمن تغنّى بالقرآن مثلاً، لا يقال له: إنّ قراءة القرآن حرام، بل يقال له إنّ التغنّي بالقرآن حرام.

على أنّ خروج المواكب قد ثبت تاريخاً أنّه كان من عهد البويهيين في بغداد منذ القرن الرابع الهجري، وكان ذلك العصر يعجّ بأفذاذ العلماء وجهابذة العلم، كالشيخين المفيد وابن قولويه والشريفين المرتضى والرضي، والشيخ الطوسي، ولم يسمع من أحدهم إنكار ذلك بل ورد إنّ الشريف الرضي رحمه الله لما ورد لزيارة جدّه الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، ورأى جماعة من الأعراب يعدون ركضاً وهم ينوحون ويلطمون، دخل في زمرتهم، وأنشأ في ذلك الحال على البديهية مرثيته الخالدة، التي لازالت حتّى اليوم تُتلى، وأوّلها:

____________

1- انظر: رسائل الشعائر الحسينية ١: ٤٥٢ الرسالة (٨).


الصفحة 385


كربلا لا زلت كرباً وبلاما لقي عندك آل المصطفى

الى أن يقول فيها:


لو رسول الله يحيى بعدهمقعد اليوم عليهم للعزا(1)

ونحن نقول له: أيّها الشريف! لقد قعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعزاء عليهم من يوم ولادة الحسين عليه السلام حين هبطت عليه ملائكة الرحمن تهنيه بمولد الحسين عليه السلام، وتعزّيه بما يجري عليه، وقد تكرّر منهم ومنه صلى الله عليه وآله وسلم أن بكى وأخبر أزواجه وأصحابه بمقتل الحسين، حتّى ورد في حديث لعائشة، قالت:... فلمّا ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتربة في يده يبكي، فقال: (يا عائشة! إنّ جبريل عليه السلام أخبرني أنّ ابني الحسين مقتول في أرض الطفّ، وأنّ أمّتي ستفتن بعدي)..

ثمّ خرج إلى أصحابه وفيهم: عليّ وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذرّ رضي الله عنهم وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: (أخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه).

وهذا الحديث أورده الطبراني في ترجمة الحسين من معجمه الكبير(2)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)(3)، والماوردي في (أعلام النبوّة)(4)، والمتّقي في

____________

1- انظر: رسائل الشعائر الحسينية ١: ٤٥٣ الرسالة (٨).

2- المعجم الكبير ٣: ١٠٧ (٢٨١٤).

3- مجمع الزوائد ٩: ١٨٨ كتاب المناقب، باب (مناقب الحسين بن عليّ عليهما السلام).

4- أعلام النبوّة: ١٠٨، الباب (١٢) إنذاره صلي الله عليه وسلم بما سيحدث بعده.


الصفحة 386
(كنز العمّال)(1)، وغيرهم.

٣ــ وأمّا مسألة زيارة قبورهم عليهم السلام فهي مستحبّة عندنا مؤكّدة الاستحباب، كما أنّ عند العامّة زيارة القبور مسنونة أيضاً؛ لأنّها تذكّر بالآخرة، وحتّى البكاء عند القبور ليس فيه محذور؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زار أُمّه (آمنة بنت وهب) ومعه ألف مقنّع، فبكى وبكوا معه حتّى لم ير باكياً أكثر من يومئذ.

وهذا ما رواه أهل السُنّة، كمسلم في صحيحه(2)، والغزالي في (الإحياء)(3)، والحلبي في سيرته(4)، وزيني دحلان في سيرته أيضاً(5)، فهل علم السُنّي أنّ أُمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ماتت وكان هو ابن ستّ سنين على أكثر تقدير؟ وهل درى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أُمّه وهو في طريقه إلى عمرة الحديبية، أي: بعد أربع وخمسين سنة؟ وهل درى أنّ قبر آمنة كان بالأبواء بين مكّة والمدينة، وثمّة رواية أنّه بالحجون بمكّة، وقيل ــ جمعاً بين الروايتين ــ: أنّها دفنت أوّلاً بالأبواء، ثمّ نبشت ونقلت إلى مكّة ودفنت بالحجون، كما ذكره زيني دحلان في سيرته؟

وهل درى أنّ الشيعة إنّما يفعلون نحو هذا اقتداءً بسُنّته صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهم يزورون قبور أئمّتهم وإن تطاول العهد ومهما طال الأمد، ويعمّرونها بإصلاحها، وهم يحيون مراسم ذكراهم، ويقيمون العزاء عليهم، ويبكون لمصابهم، كلّ ذلك اقتداء بسُنّته صلى الله عليه وآله وسلم.

____________

1- كنز العمّال: ١٢: ١٢٣ كتاب الفضائل، فضائل أهل البيت عليهم السلام الحديث (٣٤٢٩٩).

2- صحيح مسلم ٣: ٦٥، باب استئذان النبيّ صلي الله عليه وسلم ربّه عزّ وجلّ في زيارة قبر أمّه.

3- الإحياء ٣: ٣٠٢ كتاب آداب الألفة والمحبّة، الباب الثالث.

4- السيرة الحلبية ١: ١٧٣، باب وفاة أمّه صلي الله عليه وسلم.

5- السيرة النبوية، لزيني دحلان ١: ٥٧ بهامش الأُولى.


الصفحة 387

٤ــ وأمّا أعمال الشبيه على ما فيه ممّا ينبغي عليه التنبيه، فإنّه كأيّ عمل آخر يشوبه ما يقتضي التنزيه، ولا يعني ذلك الحكم بالحرمة لمجرّد وقوع بعض المنافيات التي ليست هي منه بسبيل، وإن آثار ذلك التمثيل أسرع تأثيراً في الناس من باقي مظاهر الحزن والعزاء.

حتّى أدرك ذلك الغربيون والشرقيون فجلب انتباههم وصاروا يبحثون عن الحسين عليه السلام: من هو؟ وما هي أهداف ثورته؟ ولماذا يحيي الشيعة ذكراه كلّ عام؟

واقتنع غير واحد منهم بمبدأ الحسين عليه السلام حتّى قال بعضهم: ((لقد شيّعني الحسين)). وقال غاندي: ((تعلّمت من الحسين أن أكون مظلوماً فانتصر)). ولأحد المستشرقين كلمة في المقام يحسن إيرادها، وذلك هو: الدكتور جوزيف الفرنسي، في كتابه (الإسلام والمسلمون)، قال: ((من جملة الأُمور السياسية التي ألبستها رؤساء فرقة الشيعة بصبغة مذهبية منذ قرون، وصارت مؤثرة جدّاً لجلب قلوبهم وقلوب غيرهم هي: أُصول التمثيل باسم التشبيه والتعزية في مأتم الحسين.

التمثيل أدخلته حكماء الهند في عباداتها لعدّة أغراض خارجة عن موضوع بحثنا، الأوربيون بمقتضى السياسة ألبسوا التمثيل لباس التفرّج، وأظهروا في محلاّت التفرّج العمومية لأنظار العامّ والخاص أُموراً سياسية مهمة؛ لاستجلاب القلوب، وقليلاً قليلاً أصابوا هدفين بسهم واحد: تفريح الطبائع، وجلب قلوب العامّة في الأُمور السياسية.

فرقة الشيعة حصلت من هذه النكتة على فائدة تامّة، فألبست ذلك لباس المذهب... وعلى كلّ حال فالتأثير الذي يلزم أن يحصل على قلوب العامّة والخاصّة في إقامة العزاء والشبيه قد حصل..


الصفحة 388

من جهة يذكرون في مجالس قراءة التعزية المتواصلة، وعلى المنابر المصائب التي وردت على رؤساء دينهم، والمظالم التي وردت على الحسين..

ومع تلك الأحاديث المشوّقة إلى البكاء على مصائب آل الرسول، فتمثيل تلك المصائب للأنظار أيضاً له تأثير عظيم، ويجعل العامّ والخاص من هذه الفرقة راسخ العقيدة فوق التصوّر..

هذه الفرقة تعمل الشبيه بأقسام مختلفة، فتارة في مجالس مخصوصة، ومقامات معيّنة، وحيث إنّه في أمثال هذه المجالس المخصوصة والمقامات المعيّنة يكون اشتراك الفرق الأُخرى معهم أقلّ، أوجدوا تمثيلاً بوضع خاصّ، فعملوا الشبيه في الأزقّة والأسواق، وداروا به بين جميع الفرق، وبهذا السبب تتأثر قلوب جميع الفرق، منهم ومن غيرهم، بذلك الأثر الذي يجب أن يحصل من التمثيل، ولم يزل هذا العمل شيئاً فشيئاً يورث توجّه العامّ والخاص إليه، حتّى إنّ بعض الفرق الإسلامية الأُخرى وبعض الهنود قلّدوا الشيعة فيه، واشتركوا معهم في ذلك(1).

وأخيراً حسبُنا ما قاله الأئمّة عليهم السلام في إحياء أمرهم والتذكير بمصابهم، ولا يضيرنا قول عائب خائب؛ فإنّ لكلّ امرئ ما نوى، وإنّما الأعمال بالنيات(2)، بشرط تنزيه تلك الأعمال عمّا يشينها من أقوال وأفعال، ولا نترك فرصة لمن استزلّهم الشيطان فيرمونها بالفرية والبهتان، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(3).

____________

1- المجالس الفاخرة: ٨٧، المقدّمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة، الهامش.

2- صحيح البخاري ١: ٢، باب كيف بدء الوحي على رسول الله صلي الله عليه وسلم، ٣: ١١٩ كتاب في الرهن.

3- آل عمران (٣): ٨.


الصفحة 389

(مع فرض وجود التشابه في الطقوس بين الديانات فلا دلالة فيه على البطلان)

« إبراهيم ــ الأُردن »

السؤال:

السلام عليكم..

كثير من مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام هي مأخوذة من مراسم المسيحية في شرق أوروبا، (مثل النعش الرمزي وتمثيل المعركة ومظاهر إيذاء النفس)، أدخلتها الدولة الصفويّة لتقويض التشيّع.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ أشكال وأنماط الطقوس، سواء كانت عزائية أو غيرها، عند شعوب العالم تدخل في دائرة التراث، أو الفلوكلور الشعبي لهذه القومية أو تلك، والتلاقح والتزاوج بين الأقوام في مثل هذه الطقوس بشكلها الخارجي، مع اختلاف قليل، نابع من طبيعة كلّ شعب أو قومية، وهو أمر ثابت في علمي التاريخ والاجتماع, ولكن هذا ليس له أدنى علاقة بالعقيدة؛ فإنّ كلّ قومية أو شعب يكون الطقس المعيّن عنده يرمز لما في ضميره من رموز أو مفاهيم مقدّسة لا توجد عند القومية الأُخرى، وإن كان هناك تشابه بين الطقسين, نعم لا نمنع حدوث الانتقال بالنسبة للمفاهيم المقدّسة بين الشعوب والقوميات الأُخرى أيضاً، ولكن هذا يحتاج إلى أدلّة أُخرى غير مجرّد التشابه، فضلاً عن التشابه البعيد، أي: في جزئية معيّنة بين طقسين عند ديانتين أو قوميتين مثلاً.


الصفحة 390
وهنا نقول:

أوّلاً: نحن نمنع وجود التشابه التام أو الغالب، ونناقش بما يظهر من بعض تشابهٍ جزئي، بأنّ إرجاعه إلى أصل واحد لا يعدو كونه مدّعى من قبل المستشرقين من دون أدلّة، واتّبعهم بعض الكتّاب المقلّدين مدفوعين بأغراض مذهبية لا تخفى.

وثانياً: إنّ هذا التشابه المدّعى لو سلّم لا يدلّ على وجود ارتباط عقيدي من نوع ما، بل أكثر ما يدلّ على وجود تداخل وتعايش بين قوميتين أو ديانتين حصل بينهما نوع من التلاقح الثقافي في التراث الشعبي ليس إلّا.

وثالثاً: إنّ أوجه التشابه المدّعاة (النعش الرمزي وتمثيل المعركة وإيذاء النفس) لا تنحصر في ديانة أو قومية معيّنة، وإنّما نستطيع أن نجد لها جذوراً مشابهة حتّى عند الأقوام والديانات القديمة، ممّا يدلّ على وحدة الوازع والمبدأ عند البشرية ككلّ لمثل هكذا طقوس.

ويبقى النقاش في أصل ما ترمز له هذه الطقوس والمقدّسات، هل هو حقّ أو باطل؟ فلاحظ!

(الرؤية الغربية للشعائر الحسينية)

« صالح محمّد ــ هولندا ــ إمامي »

السؤال:

في زمن الفضائيات وسهولة انتقال الخبر، هل يصحّ القول بأنّ ما يقوم به الشيعة في مختلف البلدان في مناسبة عاشوراء، وخصوصاً القاسي منه، يؤدّي إلى عكس صورة غير حضارية عن الطائفة في بلاد الغرب؟


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية