المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450) العضدين)، والقوشجي في أواخر مبحث الإمامة في كتاب (شرح التجريد): ((أنّ عمر ابن الخطّاب قال وهو على المنبر: ((ثلاث كنَّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ وأعاقب عليهنّ...))، وذكر منهنّ: (حيّ على خير العمل)))!!(1)

جاء في روايات أُخَر بأنّ تنحية لفظة (حيّ على خير العمل) من الأذان بأمر عمر، جاء لكي لا تثبّط هذه اللفظة المسلمين عن الجهاد إذا ظلّ المنادي ينادي بأنّها: خير الأعمال!

وما ذكر ليس بكافٍ لتنحية لفظة من ألفاظ الأذان, لا سيّما وأنّ المسلمين لم يتثبَّطوا عن الجهاد حينما كان يؤذّن بها أيام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل صحّ عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (خير أعمالكم الصلاة)(2), ومع هذا فقد ظلّ جملة من الصحابة يؤذّنون بها, حتّى إنّه روي عن عبد الله بن عمر الخطّاب أنّه كان يؤذّن بــ(حيّ على خير العمل), فيقال له: إنّ عمر قد أزالها من الأذان! فيقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقّ أن يُتّبع(3).

ولكنّ تنحيتها بأمر عمر وإخلاء الأذان الرسمي للدولة منها جعلها تختفي شيئاً فشيئاً, وبذلك توارثت الأجيال الأذان الخالي منها, وجاء عصر تدوين الحديث فتحيّر كبار المحدّثين في مسألة الأذان, فما يسمعونه من الأذان الموروث المبتور منه (حيّ على خير العمل) شيء، وما يُروى من طريق الثقات المعوّل عليهم في النقل شيء آخر(4).

____________

1- شرح التجريد: ٣٧٤ المقصد الخامس في الإمامة، أعيان الشيعة ١: ١١٨ رأي الشيعة في الفروع.

2- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٧٧، ٢٨٢ حديث ثوبان، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ١: ١٣٠ كتاب الطهارة، السنن الكبرى، للبيهقي ١: ٨٢، باب (فضيلة الوضوء).

3- حيّ على خير العمل (للعزّان): ٤٠.

4- حيّ على خير العمل (للعزّان): ٤٠.


الصفحة 422
لكن الغريب في الأمر أنّ كثيراً من روايات أهل السُنّة في مسألة مشروعية الأذان محلّ نظر وتأمل! فأكثرها قد استند إلى أحلام ورؤى بعض الصحابة لنصوص الأذان في المنام، مع اختلاف شديد في ألفاظ الروايات! منها:

أوّلاً: اهتمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً. فلم يعجبه ذلك، فذكروا له القنع ــ يعني الشبور، وقال زياد: شبور اليهود ــ فلم يعجبه ذلك، وقال: (هو من أمر اليهود), قال: فذكر له الناقوس، فقال: (هو من أمر النصارى).

فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربّه وهو مهتمٌ لهمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأريَ الأذان في منامه؛ قال: فغدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال له: يا رسول الله! إنّي لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان. قال: وكان عمر بن الخطّاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثمّ أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ما منعك أنْ تخبرني؟) قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله)، قال: فأذّن بلال...(1) الحديث.

ثانياً: في رواية أُخرى تقول: إنّ جبرئيل أذّن في السماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال, فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ جاء بلال، فقال له: (سبقك بها عمر)(2).

ثالثاً: رواية تقول: إنّ سبعة من الأنصار رأوه، وقيل: أربعة عشر(3)، ورواية تقول: وكان بلال إذا أذّن قال: أشهد أنّ لا إله إلّا الله، حيّ على الصلاة. فقال له عمر على

____________

1- سنن أبي داود ١: ١٢٠ الحديث (٤٩٧).

2- السيرة الحلبية ٢: ٣٠٢.

3- فتح الباري، لابن حجر ٢: ٦٣، باب (بدء الأذان).


الصفحة 423
إثرها: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بلال! قل كما قال عمر)(1).

ومثل هذه الروايات لا شكّ في أنّها مردودة؛ لأنّ أحلام غير الأنبياء(صلوات الله عليهم) لا يترتّب عليها أثر شرعي.

وإنّ أجاب عن ذلك بعض أهل السُنّة: باحتمال أن تكون رؤيا عبد الله بن زيد مقارنة للوحي(2)، أو تنويهاً بشأن الأذان ورفعاً لذكره(3)! فإنّما هي إجابات لا تسمن ولا تغني من جوع، لو أنصفوا؛ لأنّه لو صحّ مثل هذا التأويل لوجب أنْ يكون تشريع الصلاة والأدعية وإيجاب الشهادتين وغير ذلك على لسان غيره تنويها لهذه الأُمور وتفخيماً لها، على أنّ أهل البيت عليهم السلام قد ذمّوا مثل هذه الروايات وكذّبوها، وقالوا: (إنّ دين الله أعزّ من أنّ يُرى في النوم)(4).

وللفائدة أكثر راجع (الصحيح من السيرة) للسيّد جعفر مرتضى العاملي ج٤، وكتاب (حيّ على خير العمل) لمحمّد سالم عزان، وكتاب (الأذان بين الأصالة والتحريف) للسيّد الشهرستاني.

تعليق:

« إحسان ــ العراق ــ إمامي »

أثابكم الله على هذه المعلومات، أودّ أن أسال: إذا كان عمر قد حذف (حيّ

____________

1- السيرة الحلبية ٢: ٣٠٣.

2- فتح الباري ٢: ٦٧، باب (بدء الأذان).

3- فتح الباري ٢: ٦٤، باب (بدء الأذان)، الروض الأنف، للسهيلي ٢: ٣٥٤ خبر الأذان.

4- الكافي، للكليني ٣: ٤٨٢ الحديث (١)، باب النوادر، علل الشرائع، للصدوق
٢: ٣١٢، الباب (١) علل الوضوء والأذان والصلاة.


الصفحة 424
على خير العمل)، لماذا لم يُعِدها الإمام عليّ عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ومن قال: إنّ عليّاً عليه السلام لم يُعِد (حيّ على خير العمل) في خلافته؟!

والدليل على إعادتها: بقاء الشيعة منذ ذلك الحين وإلى اليوم على ذكر هذا المقطع من الأذان.

نعم، جاءت دولة بني أُميّة ودولة أتباع الذي حذفه من الأذان فصار المسلمون قسمين في هذا الأمر.

ومن الروايات التي تشير إلى حثّ عليّ عليه السلام على هذا المقطع: ما ورد في (من لا يحضره الفقيه): ((وكان ابن النباح يقول في أذانه: حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، فإذا رآه عليّ عليه السلام قال: (مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاً)))(1).

(من حذف (حيّ على خير العمل)؟)

« كمال حمد ــ كندا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أرجو من الإخوة الكرام توضيح الأدلّة التي ذكرتم فيها أنّ عمر بن الخطّاب

____________

1- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ١: ٢٨٧ الحديث (٨٩٠) الأذان والإقامة.


الصفحة 425
هو الذي حذف فصل (حيّ على خير العمل)، وما مدى صحّتها عند أهل السُنّة؟ وما هو رأي علماء السُنّة المشهورين في ما قلتم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك جملة من الروايات التي تشير إلى ما سألتم عنه, ولكن قبل هذا، علينا أن نعرف أنّه قد وردت أحاديث في أنَّ (حيّ على خير العمل) كانت ممّا يؤذّن بها بلال مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1).

وأيضاً كان يؤذّن بها عبد الله بن عمر نفسه (كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بالسند الصحيح)(2).

وأيضاً روى البيهقي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: هو الأذان الأوّل(3).

وروى الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) عن المحبّ الطبري في (أحكامه) عن زيد بن أرقم: أنّه أذّن بذلك, وقال المحبّ الطبري: رواه ابن حزم، ورواه سعيد بن منصور في (سننه) عن أبي أُمامة بن سهل البدري(4).

وأيضاً روى الحافظ العلوي في كتابه (الأذان بحيّ على خير العمل) عن حفص ابن عمر بن سعد, قال: كان بلال يؤذّن في أذان الصبح بحيّ على خير العمل(5).

____________

1- السنن الكبرى، للبيهقي ١: ٤٢٥، باب (ما روي في حيّ على خير العمل)، المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣٥٢، الأذان بحيّ على خير العمل: ٢٨.

2- السنن الكبرى ١: ٤٢٤، باب (ما روي في حيّ على خير العمل).

3- السنن الكبرى ١: ٤٢٥، باب (ما روي في حيّ على خير العمل).

4- نيل الأوطار ٢: ١٩ أبواب الأذان.

5- الأذان بحيّ على خير العمل: ٢٨.


الصفحة 426
ولعلّ الملاحظ في رواية البيهقي يجد فيها هذه الزيادة على رواية الحافظ العلوي: ((فأمره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل مكانها: (الصلاة خير من النوم)، وترك (حيّ على خير العمل)))(1).

إلّا أنّ المتأمّل في رواية معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن سعد التي أوردها الحافظ العلوي يراها أوثق من رواية يعقوب بن حميد التي أوردها البيهقي، باتّفاق الجميع، والتي رواها الطبراني أيضاً في (المعجم الكبير)(2).

وأيضاً قد ورد في (السنن الكبرى) عن البيهقي نفسه بعد الزيادة المتقدّمة: قال الشيخ: وهذه اللفظة لم تثبت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ما علّم بلالاً وأبا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه وبالله التوفيق(3).

فالمتحصّل: أنّ أصل شرعية الأذان بـ(حيّ على خير العمل) ثابت عند أهل السُنّة، إلّا أنّهم يقولون بالنسخ، واختلفوا في الناسخ إلى فريقين:

فمنهم من قال: إنّ الناسخ هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبلال: (اجعل مكانها الصلاة خير من النوم)؛ إلّا أنّ الاستدلال بهذه المقالة لم يثبت؛ لضعف المرويات الواردة في هذا الشأن.

بينما اكتفى الفريق الآخر بالسكوت، واكتفى بدعوى النسخ.. هكذا من غير دليل!!

وعن هذا المعنى يصرّح السيّد المرتضى ــ من علماء الإمامية ــ في كتاب

____________

1- السنن الكبرى ١: ٤٢٥، باب (ما روي في حيّ على خير العمل).

2- المعجم الكبير ١: ٣٥٢.

3- السنن الكبرى ١: ٤٢٥، باب (ما روي في حيّ على خير العمل).


الصفحة 427
(الانتصار): ((وقد روت العامّة (يريد أهل السُنّة) أنّ ذلك (أي: حيّ على خير العمل) ممّا كان يقال في بعض أيام النبيّ, وإنّما ادّعي أنّ ذلك نُسخ ورُفع، وعلى مَن ادّعى النسخ الدلالة له, وما يجدها))(1).

وقد أثبت بعضهم ــ حين لم يجد دليلاً ينهض به على النسخ ــ هذه الحقيقة التاريخية، وصدح بها قائلاً: إنَّ عمر بن الخطّاب خطب الناس وقال: ((أيّها الناس! ثلاث كنّ على عهد رسول الله، أنا أنهى عنهنّ وأحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ, وهي: متعة النساء, ومتعة الحجّ, وحيّ على خير العمل))(2).

وقد أورد الحافظ العلوي في كتابه المتقدّم الذكر جملة من الأخبار بالأسانيد المعتبرة التي تثبت أنّ عمر حذف هذه الفقرة من الأذان، معلّلاً ذلك بخوفه أن يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد(3)؛ فراجع ثمّة!

(عمر حذف (حيّ على خير العمل))

« م/ نبيل ــ الكويت »

السؤال:

من ألغى عبارة (حيّ على خير العمل) من الأذان مطلقاً، وأضاف كلمة (الصلاة خير من النوم) في صلاة الصبح بالخصوص؟

____________

1- الانتصار: ١٣٧ مسألة (٣٥) وجوب قول حيّ على خير العمل في الأذان.

2- شرح التجريد: ٣٧٤ المقصد الخامس في الإمامة.

3- الأذان بحيّ على خير العمل: ٢٤ ــ ٣٠.


الصفحة 428
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد تعارضت روايات أهل السُنّة في ذلك، فبعضها يشير إلى أنّه اقتراح من بلال الحبشي عندما أذّن ذات غداة ووجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نائماً، فقال: (الصلاة خير من النوم)، فلمّا أفاق الرسول أضاف هذه الجملة إلى الأذان واستحسنها(1).

وبعضها يشير إلى أنّ أوّل من حذف كلمة (حيّ على خير العمل) عمر بن الخطّاب، وهو الذي أضاف كلمة (الصلاة خير من النوم) في صلاة الصبح!(2)

أمّا الأحاديث الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه هو الذي أضاف كلمة (الصلاة خير من النوم)، فكلّها ضعيفة، ونكتفي بما ذكره الشيخ الألباني بشأن حديث التثويب عن بلال، إذ قال: ((قول بلال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أُثوّب في الفجر، ونهاني أن أُثوّب في العشاء. رواه ابن ماجه)) (ص٦٦)، ضعيف، رواه ابن ماجه (٧١٥) عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، به.

ومن هذا الوجه أخرجه الترمذي (١/٣٧٨)، والعقيلي في الضعفاء (ص٢٦)، وأحمد (٦/١٤) بلفظ: (لا تثوّبنّ في شيء من الصلوات إلّا في صلاة الفجر. وقال الترمذي: لا نعرفه إلّا من حديث أبي إسرائيل الملائي...) ــ إلى أن قال ــ: ولذلك

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٤٣ حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، سنن الدارمي
١: ٢٧٠، باب (التثويب في أذان الفجر)، السنن الكبرى، للبيهقي ١: ٤٢٢، باب (التثويب في أذان الصبح).

2- الموطّأ ١: ٧٢ كتاب الصلاة، علل الشرائع، للصدوق ٢: ٣٦٧، شرح التجريد: ٣٧٤.


الصفحة 429
قال فيه العقيلي: في حديثه وهم واضطراب.

على أنّه لم يتفرّد به، وإن لم يعرف ذلك الترمذي، فقال: أخرجه البيهقي (١/٤٢٤) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنا سفينة، عن الحكم بن عتيبة، به. ورجاله ثقات، لكنّه منقطع، كما يأتي.

ثمّ أخرج البيهقي وأحمد (٦/١٤/١٥) عن علي بن عاصم، عن أبي زيد عطاء ابن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، به، بلفظ: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا أُثوّب إلّا في الفجر)، وهذا ضعيف من أجل عطاء وابن عاصم، وعلّه البيهقي بالانقطاع؛ فقال: هذا الحديث مرسل؛ فإنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلقَ بلالاً. قلت: فعاد الحديث من جميع الوجوه إلى أنّه منقطع، وهو علّة الحديث.

ثمّ قال البيهقي: ورواه الحجّاج بن أرطاة، عن طلحة بن مصرف، وزبيد، عن سويد بن غفلة: أنّ بلالاً كان لا يثوّب إلّا في الفجر، فكان يقول في أذانه: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم. والحجّاج مدلّس))(1).

فإذاً رواية إضافة (الصلاة خير من النوم) في صلاة الفجر من طريق بلال لم تصحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما لاحظنا كلام الألباني!

ثمّ إنّ الذي أضاف التثويب إلى صلاة الصبح قد حذف لفظ (حيّ على خير العمل) من الأذان مطلقاً ــ في صلاة الصبح وفي غيرها ــ..

أمّا الرواية الواردة من أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي فعل ذلك، فهي: صحيحة السند؛ قال الزرقاني عند شرح قول مالك: ((أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى

____________

1- إرواء الغليل ١: ٢٥٢ (٢٣٥).


الصفحة 430
عمر بن الخطّاب يؤذّنه لصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: ((الصلاة خير من النوم))، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.. قال الزرقاني: هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في (السنن) من طريق وكيع في (مصنّفه): عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.

وأخرجه أيضاً: عن سفيان، عن محمّد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنّه قال لمؤذّنه: إذا بلغت حيّ على الفلاح في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فقصّر ابن عبد البرّ في قوله: لا أعلم هذا روي عن عمر من وجه يحتجّ به وتعلم صحّته، وإنّما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن عروة، عن رجل يقال له: إسماعيل، لا أعرفه، قال: والتثويب محفوظ في أذان بلال وأبي محذورة في صلاة الصبح للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

والمعنى هنا: أنّ نداء الصبح موضع قوله لا هنا، كأنّه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير، كما أحدثته الأمراء، وإلّا فالتثويب أشهر عند العلماء والعامّة من أن يظنّ بعمر أنّه جهل ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر به مؤذّنيه بلالاً بالمدينة، وأبا محذورة بمكّة. انتهى.

ونحو تأويله: قول الباجي: يحتمل أنّ عمر قال ذلك إنكاراً لاستعماله لفظة من ألفاظ الأذان في غيره، وقال له: اجعلها فيه، يعني لا تقلها في غيره. انتهى، وهو حسن متعيّن...))(1).

وأنت تلاحظ تأويل الباجي الذي لا يعرف صدره من عجزه؛ فإنّه لفّ ودوران في الألفاظ؛ لأنّ الرواية صريحة في أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي أدخل

____________

1- شرح الزرقاني على الموطّأ ١: ٢١٧ كتاب الصلاة الباب (٤١) الحديث (١٥١).


الصفحة 431
لفظ ((الصلاة خير من النوم)) في الأذان، فكيف يأتي ويقول: لاستعماله لفظة من ألفاظ الأذان في غيره... الخ، والمفروض أنّه من ألفاظ غير الأذان!!

وأين التأويل الحسن الذي ارتآه الزرقاني في كلام الباجي وهو فارغ من المحتوى وتلاعب بالألفاظ!! ولله مع أهل السُنّة في تقديس عمر شؤون، نسأل الله السلامة منها!

وارجع إلى مصادر الحديث التي روت أنّ عمر بن الخطّاب أضاف هذه الجملة إلى الأذان في المصادر التالية: (السنن الكبرى للبيهقي، وسنن الدارقطني، المصنّف لابن أبي شيبة)(1).

وأمّا الرواية الواردة عن محمّد بن خالد بن عبد الله الواسطي، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: ((أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استشار الناس لما يهمّهم من الصلاة...

قال: قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: (الصلاة خير من النوم)، فأقرّها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم))(2). فهذا الحديث باطل؛ لأنّ فيه: محمّد بن خالد بن عبد الله الواسطي الطحّان؛ قال عنه الذهبي: ((قال يحيى: كان رجل سوء، وقال مرّة: لا شيء، وقال ابن عدي: أشدّ ما أنكر عليه أحمد ويحيى روايته عن أبيه، عن

____________

1- السنن الكبرى ١: ٤٢٤، باب (التثويب في صلاة الصبح)، سنن الدارقطني ١: ٢٥١ (٩٣٥)، المصنّف، لابن أبي شيبة ١: ٢٣٦ من كان يقول في الأذان: (الصلاة خير من النوم).

2- سنن ابن ماجة ١: ٢٣٣، باب بدء الأذان.


الصفحة 432
الأعمش، ثمّ ذكر له مناكير غير ذلك.

وقال أبو زرعة: ضعيف، توفّي سنة أربعين ومائتين، وقال ابن عدي: سمعت محمّد بن سعد، سمعت ابن الجنيد، أو صالح جزرة، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: محمّد بن خالد بن عبد الله كذّاب، إن لقيتموه فاصفعوه))(1).

(التثويب بدعة باطلة)

« محمّد »

السؤال:

هل التثويب، وهو قول: (الصلاة خير من النوم)، جائز في الأذان؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه بدعة باطلة أحدثها عمر، واستمرّ عليها الآخرون، ولا أصل لها في أذان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(2)..

حتّى إنّه ورد في بعض الأخبار: إنكار عبد الله بن عمر لهذا العمل(3).

وأنّ الإمام عليّ عليه السلام حينما سمعه قال: (لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه)(4).

____________

1- ميزان الاعتدال ٣: ٥٣٣.

2- الموطّأ، لمالك ١: ٧٢، المصنّف، للصنعاني ١: ٤٧٤، المصنّف، لابن أبي شيبة
١: ٢٣٦، سنن الدارقطني ١: ٢٥١، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٨: ٣٥٥.

3- سنن الترمذي ١: ١٢٨، باب (ما جاء في التثويب في الفجر)، المصنّف، للصنعاني ١: ٤٧٥، باب (ما جاء في التثويب في الفجر).

4- نيل الأوطار، للشوكاني ٢: ١٨ أبواب الأذان.


الصفحة 433
وأيضاً قد أفتى الشافعي بكراهة التثويب في الأذان مطلقاً(1).

وقال طاووس: أما إنّها لم تُقَل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بلالاً سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولها رجل غير مؤذّن، فأخذها منه، فأذّن، فلم يمكث أبو بكر إلّا قليلاً حتّى إذا كان عمر قال: لو نهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث، وكأنّه نسيه فأذّن به الناس حتّى اليوم(2).

وأنت ترى أنّ طاووس يحاول أن يبرّئ عمر ويتّهم بلالاً، مع أنّ بلالاً لم يؤذّن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد، لا لأبي بكر ولا عمر، ارتحل إلى الشام، وقد سمعت الروايات في أن عمر هو الذي أحدثها في الصلاة.

وعن ابن جريج، قال: سألت عطاء: متى قيل: الصلاة خير من النوم؟ قال: لا أدري.

وعنه أيضاً، قال: أخبرني عمر بن حفص، أنّ سعداً أوّل من قال: الصلاة خير من النوم في خلافة عمر... فقال: بدعة، ثمّ تركه، وأنّ بلالاً لم يؤذّن لعمر(3).

وروى ابن أبي شيبة في (مصنّفه): عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ما ابتدعوا بدعة أحبّ إليَّ من التثويب في الصلاة، يعني: العشاء والفجر(4).

____________

1- الأُم ١: ١٠٤، باب (حكم الأذان).

2- المصنّف، للصنعاني ١: ٤٧٤، باب الصلاة خير من النوم.

3- المصنّف، للصنعاني ١: ٤٧٤، باب الصلاة خير من النوم.

4- المصنّف، لابن أبي شيبة ١: ٢٣٧ في التثويب في أيّ صلاة هو.


الصفحة 434
هذا، وقد ورد عندنا الأذان الصحيح المنقول بلسان أهل البيت عليهم السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد معتبرة، وليس فيه أيّ إشارة أو تلويح بتلك الفقرة الموضوعة.


الصفحة 435

الارتـداد*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الإسلام والمسلمين) (أصول الدين)(الإمامة)(التكفير)(الفتوحات الإسلامية)


الصفحة 436


الصفحة 437

(من هو المرتدّ؟)

« فارس ــ لبنان »

السؤال:

ما هو تعريفكم للمرتدّ بالتفصيل؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال السيّد السيستاني في (منهاج الصالحين): ((المرتدّ: وهو من خرج عن الإسلام واختار الكفر على قسمين: فطري وملّي، والفطري: مَن ولد على إسلام أحد أبويه أو كليهما ثمّ كفر، وفي اعتبار إسلامه بعد التمييز قبل الكفر وجهان، أقربهما: الاعتبار.

وحكم الفطري: أنّه يُقتل في الحال. وتبين منه زوجته بمجرّد ارتداده، وينفسخ نكاحها بغير طلاق، وتعتد عدّة الوفاة ــ على ما تقدّم ــ ثمّ تتزوّج إن شاءت. وتُقسّم أمواله التي كانت له حين ارتداده بين ورثته بعد أداء ديونه، كالميّت. ولا ينتظر موته، ولا تفيد توبته ورجوعه إلى الإسلام في سقوط الأحكام المذكورة مطلقاً؛ على المشهور، ولكنّه لا يخلو عن شوب إشكال.

نعم، لا إشكال في عدم وجوب استتابته.


الصفحة 438
وأمّا بالنسبة إلى ما عدا الأحكام الثلاثة المذكورات فالأقوى: قبول توبته باطناً وظاهراً؛ فيطهر بدنه، وتصحّ عباداته، ويجوز تزويجه من المسلمة، بل له تجديد العقد على زوجته السابقة حتّى قبل خروجها من العدّة على القول ببينونتها عنه بمجرّد الارتداد، والظاهر أنّه يملك الأموال الجديدة بأسبابه الاختيارية، كالتجارة والحيازة، والقهرية، كالإرث، ولو قبل توبته.

وأمّا المرتدّ الملّي ــ وهو من يقابل الفطري ــ فحكمه: أنّه يستتاب، فإن تاب وإلّا قتل. وانفسخ نكاح زوجته إذا كان الارتداد قبل الدخول، أو كانت يائسة، أو صغيرة ولم تكن عليها عدّة.. وأمّا إذا كان الارتداد بعد الدخول وكانت المرأة في سنّ من تحيض وجب عليها أن تعتد عدّة الطلاق من حين الارتداد، فإن رجع عن ارتداده إلى الإسلام قبل انقضاء العدّة بقي الزواج على حاله، على الأقرب، وإلّا انكشف أنّها قد بانت عنه عند الارتداد.

ولا تقسّم أموال المرتدّ الملّي إلّا بعد موته، بالقتل أو غيره، وإذا تاب ثمّ ارتدّ ففي وجوب قتله من دون استتابة في الثالثة أو الرابعة إشكال. هذا إذا كان المرتدّ رجلاً.

وأمّا لو كان امرأة فلا تقتل ولا تُنتقل أموالها عنها إلى الورثة إلّا بالموت، وينفسخ نكاحها بمجرّد الارتداد بدون اعتداد مع عدم الدخول، أو كونها صغيرة، أو يائسة، وإلّا توقّف الانفساخ على انقضاء العدّة، وهي بمقدار عدّة الطلاق.

وتحبس المرتدّة، ويضيّق عليها، وتضرب على الصلاة حتّى تتوب، فإن تابت


الصفحة 439
قبلت توبتها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مرتدّة عن ملّة أو عن فطرة))(1).

(شروطه وأحكامه)

« م/ حسام ــ مصر »

السؤال:

أتمنّى أن تعطوني هنا حكم الارتداد؛ لأنّني مهتمّ جدّاً بهذا الحكم منذ الماضي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الارتداد اصطلاحاً هو: الرجوع عن الدين الإسلامي، وقيل: هو أشدّ أنواع الكفر. ويبحث في عدّة نقاط، منها:

١ــ يثبت الارتداد بالإقرار والبيّنة، أو بصدور قول أو فعل دالّ عليه.

٢ــ يتحقّق الارتداد إمّا بإنكار الله تعالى، أو إنكار توحيده تعالى، أو إنكار الرسالة، أو تكذيب الرسول, أو جحد ما علم ثبوته، أو نفيه من الدين ضرورة، سواء كان عناداً، أو استهزاءً، أو اعتقاداً, من قبيل: الاستهزاء بالمصحف الشريف بأيّ شكل كان.

____________

1- منهاج الصالحين ٣: ٣٢٣ كتاب الميراث، الفصل الثاني، الأمر الأوّل، المسألة (٩٦٧).


الصفحة 440

٣ــ شروط الارتداد هي: العقل، والبلوغ، والقصد، والاختيار؛ فعمّار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه) ارتدّ ظاهراً بلسانه، ولكن قلبه مطمئن بالإيمان؛ لأنّ ارتداده لم يكن عن قصد واختيار.

٤ــ ينقسم الارتداد إلى: فطري، وملّي. وقيل: الفطري هو: من ولد من أبوين مسلمين، أو أحدهما. والملّي هو: من أسلم عن كفر أصليّ ثمّ ارتدّ, وتوبته ظاهراً مقبولة.

نعم، اختلف العلماء في قبول توبة المرتدّ الفطري.

٥ــ هل يطهر المرتدّ بالتوبة؟ لا خلاف في طهارة الملّي والمرتدّة مطلقاً، وفي طهارة الفطري تفصيل يتفرّع على قبول توبته من عدمها.

٦ــ يلزم المرتدّ إذا تاب قضاء ما فاته من العبادات حال الارتداد.

٧ــ حكم أولاد المرتدّ، وهل تبقى ولاية المرتدّ على الصغير أو لا؟

٨ــ ما حكم تصرّفات المرتدّ حال الارتداد، من نكاح وغيره؟

٩ــ ما حكم أمواله وغراماته وميراثه و...؟

هذه أحكام تُطرح في مسألة الارتداد، فيها تفاصيل يمكنكم مراجعتها في محلّها.

١٠ــ ما هي عقوبة المرتدّ؟

يقتل الفطري, والملّي إذا لم يتب, هذا إذا كان المرتدّ رجلاً، وأمّا المرأة المرتدّة ــ سواء كان ارتدادها فطرياً أو ملّياً ــ فعقوبتها السجن حتّى تتوب, ويضيّق عليها في المطعم والمشرب؛ على المشهور بين علمائنا.

١١ــ من يتولّى قتل المرتدّ؟ الإمام عليه السلام خاصّة، أو الحاكم، أو مطلق من سمع أو رأى؟ فيه أقوال.


الصفحة 441

١٢ــ الارتداد الجماعي ــ أهل الردّة ــ كيف يكون قتالهم؟ وهل يُسبون أم لا؟ فهناك أحكام لأهل الردّة؛ فراجعها في محلّها.

١٣ــ أجمع علماء الشيعة على ارتداد وكفر النواصب والغلاة.

(انظر: الموسوعة الفقهية الميسرة ٢: ١٤ ــ ٤١ (الارتداد))

(شروط الارتداد)

« عبد الحيّ ــ مصر »

السؤال:

ما هي الشروط التي يترتّب عليها الأثر في الارتداد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يشترط في ترتيب الأثر على الارتداد: البلوغ، وكمال العقل، والقصد، والاختيار، فلو أُكره على الارتداد فارتدّ كان لغواً، وكذا إذا كان غافلاً، أو ساهياً، أو هازلاً، أو سبق لسانه، أو كان صادراً عن الغضب الذي لا يملك معه نفسه ويخرج به عن الاختيار، أو كان عن جهل بالمعنى.

(هل يقسم الارتداد إلى سلمي ومحارب؟)

« سيّد سلمان ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

نشكر لكم هذا الجهد الكبير الذي يبذل منكم للارتقاء بالفكر الإسلامي،


الصفحة 442
والعمل على نشر أفكار وتعاليم ديننا الحنيف.

لقد أشرتم إلى قضيّة المرتدّ والحكم عليها من دون الإشارة إلى نوعية الارتداد, فهناك ارتداد سلمي، حيث يقوم المرتدّ بالعدول عن الإسلام إلى غيره من الأديان من قناعة نفسية، ولا يقوم بأيّ عمل ضدّ الإسلام والمسلمين, وهناك ارتداد محارب للإسلام والمسلمين بأن يستغلّ ارتداده لضرب الدين الحنيف، وتعاليمه النيّرة.

فسؤالي هنا: ما هو الحكم في المسألتين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ المرتدّ على قسمين:

١ــ مرتدّ عن فطرة.

٢ــ مرتدّ عن ملّة.

والحكم الشرعي أنّ المرتدّ عن فطرة يقتل, بخلاف المرتدّ عن ملّة. ولم يقسّم الشرع في المرتدّ عن فطرة بين الارتداد السلمي وارتداد محارب للإسلام والمسلمين, كما ذكرتم من التقسيم, ولا بين من ارتدّ عن قناعة نفسية ولا غيره.

وأمّا الدليل على قتل المرتدّ عن فطرة فهو: الروايات الكثيرة المروية في مصادر المسلمين, والتي تبلغ حدّ التواتر, منها: عن علي بن جعفر, عن أخيه أبي الحسن عليه السلام, قال: سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: (يقتل ولا يستتاب), قلت: فنصراني أسلم ثمّ ارتدّ عن الإسلام؟ قال: (يستتاب, فإن رجع وإلّا قتل)(1).

____________

1- الكافي، للكليني ٧: ٢٥٧ كتاب الحدود، باب حدّ المرتدّ الحديث (١٠), تهذيب الأحكام، للطوسي ١٠: ١٣٨ كتاب الحدود الباب (٩) الحديث (٥٤٨), الاستبصار، للطوسي ٤: ٢٥٤ الباب (١٤٩) الحديث (٩٦٣). وللتفصيل أكثر راجع: وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٨: ٣٢٣ أبواب حدّ المرتدّ.


الصفحة 443

(لماذا يقتل المرتدّ؟)

« محمّد اللواتي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

الإسلام دين الحرّية، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يخيّر الناس، ولا يجبرهم لقبول الإسلام، كما أنّ القرآن الكريم يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(1).

السؤال: ما الحكمة من قتل المرتدّ؟

وهل يتعارض هذا الحكم مع مبدأ الحرّية الشخصية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، إنّ الإسلام دين الحرّية, ولكن هذا لا يعني أن لا تكون له قوانين خاصّة لحفظ كيان الدين والمجتمع عن الغواية والضلال, فمن حقّ الدين أن يأتي بأُسس وقواعد تحمي معتنقيه عن الوقوع في الانحراف والضياع.

وأمّا بالنسبة لما ذكرتموه, فإنّ حكم القتل يختص بالمرتدّ الفطري, وهذا الحكم تعبّدي, أي: أنّنا وبعدما عرفنا أنّ الحكم بالأصالة هو لله تبارك وتعالى، وهو حكيم على الإطلاق, فيجب علينا أن نعتقد ونلتزم بأنّ كلّ حكم صادر من

____________

1- الكافرون (١٠٩): ٦.


الصفحة 444
قبله ــ جلّ وعلا ــ كان من منطلق المصلحة والحكمة, وهذا أساس قبول الدين واعتناقه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(1).

نعم, وفي الوقت نفسه لا بأس أن نتحرى فلسفة وحكمة الأحكام الشرعية, ولكن من باب الوقوف عليها، لا من جهة قبولها.

وهنا قد يرى الإنسان الملتزم بأنّ هذا القانون قد جاء لحفظ المجتمع الإسلامي من الانهيار العقائدي؛ إذ من الضروري في كلّ مجموعة ــ سياسية أو اجتماعية أو حتّى عسكرية أو غيرها ــ أن تحمي نفسها وتحافظ على أسرارها، وتقف في وجه الذين يريدون أن يعبثوا بأنظمتها وقوانينها السائدة, فإن كان الدخول والخروج من الدين سهلاً غير ممتنع, لكان الذين لا يريدون أن يلتزموا بأيّ مبدأ وعقيدة وعمل, تتاح لهم الفرصة أن يخالفوا كلّ قانون، ثمّ عند المعاقبة سوف تكون دعواهم أنّهم خرجوا من هذا الدين, وهو كما ترى يفتح المجال لكلّ مشاغب وفوضوي.

ولأجل ما ذكرنا يرى الإسلام أنّ الإنسان له الحرّية في اعتناقه للدين: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ(2)، ولكن عندما يسلم يجب عليه الالتزام بالأحكام والأنظمة المعيّنة, وحذراً من المخالفة والتنصّل جاء هذا الحكم لوقاية الدين وقوانينه.

وأمّا ما ذكرته من الآية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، فهي لا ترتبط بما نحن فيه, بل هي خطاب للكفّار, فهم لم يعتنقوا الإسلام حتّى تطبق عليهم الأحكام الشرعية.

____________

1- البقرة (٢): ٣.

2- البقرة (٢): ٢٥٦.


الصفحة 445

(قتل المرتدّ)

« جميل ــ لبنان »

السؤال:

هل يعدّ قتل المرتدّ مخالفة للفطرة والمنطق؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ قتل المرتدّ يعدّ دفاعاً عن حقوق الإنسان، وعملاً منطقيّاً يلائم مفردات الرؤية الإسلامية، وذلك لأنّه:

أوّلاً: دفاع عن الدين، الذي يعدّ الحجر الأساس في إنسانيّة الإنسان وشخصيته، وحقّاً من حقوقه؛ إذ فيه صلاح دنياه وآخرته، وقد تعرّض المرتدّ لهذا الدين وحاربه من الداخل وكوّن خطراً عليه, فإنّ الحكم بقتل المرتدّ سدّ لهذا الباب الذي يهدّد الدين, وهو ما يسمّى في لغة العصر بـ(الطابور الخامس) الذي تعدّه الأنظمة العالميّة أخطر من العدو الخارجي.

ثانياً: دفاع عن الحرّية الإنسانية, باعتبار وجوب إزالة كلّ ما يعيق حركة الإنسان التكاملية, ولا شكّ في أنّ ظاهرة الارتداد تؤخّر هذه المسيرة؛ لِما لها من أثر على أفكار الناس وروحيتهم.. إنّ الإنسان قبل دخوله للإسلام حرّ في الانتماء له وعدمه, لكن إذا انتمى فعليه أن يلتزم بقوانينه وأحكامه, كما هو حال أيّ نظام آخر.

ثالثاً: دفاع عن حرّية العقيدة؛ لأنّ العقيدة هي أساس كلّ عمل, وأنّ العقائد الفاسدة تؤدّي إلى تحلّل المجتمع وتفسّخه, وأنّ مكافحتها تعدّ إجراء في طريق


الصفحة 446
تحرير الفكر.. وهذا ما يوجبه العقل؛ فلا توجد دولة في العالم تسمح ببيع الأغذية المسمومة للناس، أو بنشر الوباء في المجتمع, وإذا منعت دولة ما وعاقبت إنساناً يبيع مثل هذه الأغذية, أو يحاول نشر وباء يسري في المجتمع, فلا يقال: إنّ هذه الدولة وقفت ضدّ حرّية الإنسان, فكيف بالنسبة للعقيدة الفاسدة؟! فإنّها أخطر أثراً من الوباء, لما فيها من فساد الدنيا والآخرة، بخلاف الوباء، فإنّه لا يضرّ إلّا بدنيا الناس.

رابعاً: دفاع عن المجتمع الإسلامي الصالح.. صحيح أنّ قتل المرتدّ بنفسه قد يراه البعض خلاف الرحمة والرأفة, لكن إذا لوحظت المصلحة العامّة، وهي: نظام المجتمع الإسلامي القائم على أساس العقائد السليمة والمفاهيم الأخلاقية القيّمة, فإنّها تُقدّم بلا شكّ على الفرد الذي لم يحفظ كرامته، ولم يحترم نفسه؛ قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(1)، وتقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة ممّا تقرّ به أكثر القوانين والأنظمة أو كلّها.

خامساً: دفاع عن حقّ الكرامة, وهذه الكرامة التي وهبها الله للإنسان، والمبتنية على أساس الفطرة والعقل ليست قابلة للنقل والانتقال, فمن لم يحترم هذا الحقّ واستخفّ بكرامة الآخرين القائمة على أساس الإنسانية والعقيدة الحقّة, وظلّ مصرّاً عليه, لا بدّ أن يعاقب.

سادساً: اعتماداً على أصالة التكليف، الذي تتفرّع منه كلّ الحقوق, وأنّ

____________

1- البقرة (٢): ١٧٩.


الصفحة 447
صاحب الحقّ المطلق هو الله جلّ جلاله, فإنّ الارتداد ــ بما فيه من جحود وعناد ــ تمرّد واستعلاء على صاحب الحقّ، وخروج عن دائرة العبودية، وتجاوز للحقّ الممنوح للإنسان, وإنكار للمنعم الحقيقي الذي وهب له الحياة وكلّ ما فيها, ونقض للعهد الذي التزمه مع الله عند دخوله الإسلام.

سابعاً: وفقاً للنظرية الإسلاميّة وما تؤمن به من أنّ الآخرة هي الحياة الحقيقية, وأنّ الدنيا دار ممرّ, وأنّ الكافر كلّما بقي في هذه الدنيا زاد عذابه في الآخرة, قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(1)، فإنّ قتل المرتدّ يعدّ رحمة به، وتخفيفاً من عذابه.

ثامناً: إنّ النظام الإسلامي الذي أقرّه المجتمع المسلم، وارتضى أُطروحته يعدّ نظاماً ديمقراطياً في كثير من جهاته؛ فقواعد هذا النظام وإن كانت موضوعة أساساً من قبل الشارع المقدّس، إلّا أنّ موافقة الشعب عليها وتبنّيه لها جعل منها شريعة مختارة لا مفروضة، (وهذا المبدأ تقرّه الديمقراطية الليبرالية التي يعتمدها الغرب, ولا تعترض عليه من الناحية النظرية على الأقلّ)، وإذا كان الشعب قد قرّر معاقبة المرتدّ بالإعدام, فما هي طبيعة الاعتراض الذي يمكن أن يوجّه ضدّ مثل هذا القرار؟

إنّ الباحث المنصف إذا رجع إلى العقل والفطرة، واعتقد بالروح الإنسانية,

____________

1- آل عمران (٣): ١٧٨.


الصفحة 448
سيصل إلى النتيجة نفسها التي يحكم بها الإسلام من ضرورة قتل المرتدّ.

تعليق:

« حسن ــ الكويت »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإنسان الذي وصل إلى نتيجة أنّ الإسلام باطل مثلاً، وأنّ المسيحية على

حقّ, أليس من حقّه أن يختار الدين الذي يراه صحيحاً؟

وأمّا قولكم أنّ حدّ الردّة هو منع السموم، أو ما شابه.

أقول: إنّ كبت الإنسان وجعله يبقى على دينه جبراً وهو غير مقتنع به أخطر من إعطائه حرّية في اختيار دينه؛ لأنّه قد ينشر أفكاره سرّاً، ويحرّض على الدين الإسلامي بعدّة وسائل مختلفة! فلا أرى أنّ حدّ الردّة يحلّ المشكلة، بل بالعكس يجعلها تتفاقم وتكبر.

فما هو رأيكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا شكّ في أنّ حكم المرتدّ الفطري هو القتل، والذي يشرّع هذا الحكم هو الله سبحانه وتعالى، وهو العالم بمصالح ذلك الحكم، وما تذكره من مفاسد للحكم لو كانت حقيقية، فإنّ الله مطّلع عليها، ومع ذلك حكم بالقتل على المرتدّ الفطري، بمعنى أنّ هناك مصلحة أعلى من تلك المفاسد لو كانت موجودة.

ثمّ إنّ المرتدّ لا يمكن له أن يستمر بدعوته السرّية إلى فترة غير محدودة؛ لأنّ


الصفحة 449
بمجرّد ثبوت البيّنة عليه بالشهادة يثبت ارتداده، بل لو دلّ على ذلك فعله، أو قوله، لا فقط إقراره.

(كيف يعاقب المرتدّ ولا إكراه في الدين؟)

« عبد العزيز ــ السعودية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ(1) هل لنا الخيار في اختيار الديانة بناءً على هذه الآية؟

يعنى مثلاً: لنفرض أنّني مثلاً لم يعجبني الدين الإسلامي, وارتأيت أنّ المسيحية هي خير من الإسلام, ولكنّي لو انتقلت إلى المسيحية فسوف يهدر دمي؛ لأنّي بحكم المرتدّ, فهل لي الخيار في اختيار الديانة بناءً على قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ؟

والمعروف أنّ ديننا الكريم يحافظ على الحرّية الشخصية. فما هو القول في مثل هذا الأمر؟

جزاكم الله خير الجزاء, احتاج إلى بعض التفصيل التوضيحي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الدين الوحيد الذي ارتضاه الله تعالى لعباده بعد بعثه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الدين

____________

1- البقرة (٢): ٢٥٦.


الصفحة 450
الإسلامي لا غير, وقد شاء الله تعالى أن لا يجبر الإنسان في الصعيد القلبي على الهداية, فقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، وهذا يعني حرّية الفرد في انتخاب الدين، ولكنّ الله عزّ وجلّ ميّز بين الحقّ والباطل؛ فقال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فما هو العذر بعد التمييز بين الحقّ والباطل؟ بل ما هو العذر بعد أن اختار الإسلام وعرف الحقّ؟ إنّ ضرورة اتّباع الحقّ والبقاء عليه لا تنافي حرّية الإنسان في اعتناق الدين.

أمّا مسألة الإظهار والإعلام المضاد لدين الحقّ، فهي مسألة أُخرى، وهي لم ترتضيها الشريعة الإسلامية، انطلاقاً من رغبتها في حفظ ثبات هذا الدين في نفوس الناس، وهذا مثل عدم ارتضاء الناس من شيوع الأمراض المسرية في المجتمع الإنساني، انطلاقاً من ميلهم إلى حفظ السلامة الجسدية للأشخاص، فإنّ الدعوة والإعلام للعقيدة الفاسدة تضرّ المجتمع المتديّن أكثر من المرض المسري المضرّ للجسد، ولهذا جعل الله تعالى عقوبة اجتماعية شديدة للمرتدّ؛ لأنّ المرتدّ يظهر إنكاره للإسلام، ويدعو باقي الناس إلى الضلال.

(الحكم بحقّ من يظهر عقائده)

« أبو حسين ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

قد علمنا الحكمة من تشريع حكم الارتداد بأنّها صوناً للمجتمع، وحفظاً


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية