المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 451 - ص 480) لأمنه، ونظمه العام، وأنّ كلّ دين ومذهب يسعى لذلك، وأنّ على المؤمن أن يظهر العبودية تجاه الأحكام الشرعية، ولكن هذا لا ينفع في مقام الردّ على غير المسلمين، هذا من جهة..

ومن جهة أُخرى كيف يكون الحكم هو: الإعدام والقتل، فليكن السجن أو التعزير مثلاً؟

فما هو ردّكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره (الأمثل): ((وقد ينظر للحكم السياسي الصادر بحقّ المرتدّ الفطري على أنّ فيه نوعاً من الخشونة والقسوة، وفرضاً للعقيدة، وسلباً لحرّية الفكر.. ولكن حقيقة هذه الأحكام تختصّ بمن يظهر عقائده المخالفة، أو يدعو لها، ولا تطال من يعتقد باعتقادات مخالفة، ولكنّه لم يظهرها للناس؛ لأنّ الدعوة للعقائد المخالفة تمثّل في واقعها حرباً للنظام الاجتماعي الموجود، وعليه فلا تكون الخشونة والحال هذه عبثاً، ولا تتنافى وحرّية الفكر والاعتقاد، وكما قلنا: فإنّ شبيه هذا القانون موجود في كثير من دول الغرب والشرق مع بعض الاختلافات.

وينبغي الالتفات إلى أنّ قبول الإسلام يجب أن يكون طبقاً للمنطق، والذي يولد من أبوين مسلمين، وينشأ بين أحضان بيئة إسلامية، فمن البعيد عدم إدراكه محتوى الإسلام، ولهذا يكون ارتداده وعدوله عن الإسلام أشبه بالخيانة منه من


الصفحة 452
عدم إدراك الحقيقة، ولذلك فهو يستحقّ ما خطّ في حقّه من عقاب.

على أنّ الأحكام عادة لا تخصّص لشخص أو شخصين، وإنّما يلحظ فيها المجموع العام))(1).

ثمّ إنّ العقوبة اليوم في جميع الأنظمة لا بدّ أن تنسجم مع حجم الجرم الذي يرتكب، فلا يصحّ أن تكون العقوبة بسيطة على جرم كبير، فالقتل مثلاً لا يدفع إلّا بالقتل، أو بالدية الكبيرة الشديدة على النفس.

فكذلك الخروج عن فكرة التوحيد التي هي من أكبر الكبائر، لا بدّ أن يجعل المشرّع لها عقوبة كبيرة تنسجم مع هذا الجرم الكبير.

ويمكنك أيضاً الرجوع إلى (تفسير الميزان)؛ فإنّه يذكر هناك شيئاً عن الموضوع(2).

وعلى كلّ، فقد تبيّن أنّ هذا السؤال ليس له موضع إلّا بعد أن ظهرت فكرة العلمانية والمطالبة بفصل الدين عن الدولة، واعتبار الدين حسب هذه المنظومة الفكرية في جانب مقابل لجانب نظم الدولة والحكومة وإدارة المجتمع، ولكن قبل ذلك اتّفقت أراء العقلاء أو معظمهم بأنّ الخائن يجب أن يعاقب بأشدّ العقوبات، كما هو واقع الآن في العالم.

وهناك كتاب اسمه (الارتداد وحقوق الإنسان/للسيّد ليث الحيدري طبع

____________

1- تفسير الأمثل، لمكارم الشيرازي ٨: ٣٤٧ سورة النحل الآية (١٠٦).

2- تفسير الميزان، للطباطبائي ٤: ١١٦، ١٢٧، ٢: ٤٣٢ ذيل آية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).


الصفحة 453
دار الغدير/قم) تستطيع الاستفادة منه.

(من يتولّى قتل المرتدّ؟)

« عبد السلام ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بالنسبة للمرتدّ، من ينفّذ حكم القتل فيه؟ هل هو الحاكم الشرعي بعد التحقّق، أم كلّ من سمع بذلك؟

وإن كان الجواب: كلّ من سمع بذلك، فذلك قد يثير الفوضى حيث إنّ كثير من عامّة الناس قد يسيئون فهم ما يقوله شخص ما، ويقتلونه خطأً!!

وأمّا إن كان الحاكم الشرعي، ففي زماننا مثلاً، ليس للحاكم الشرعي سلطة تنفيذية في معظم الأقطار، فهل يسقط الحكم؟

الإنكار للدين أو الاستهزاء؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اختُلف في من يتولّى القتل..

فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ المتولّي هو: الإمام ومن ينوبه، ولو بادر غيره إلى قتله فلا ضمان؛ لأنّه مباح الدم، لكنّه يأثم ويُعزّر، واختار هذا الرأي: الشيخ الطوسي، والشهيد الأوّل، وابن فهد ــ إلّا أنّه لم يذكر التعزير ــ والفاضل الأصفهاني.


الصفحة 454
وذهب آخرون إلى أنّه: يجوز لكلّ من سمع الفطري، أو رأى منه ما يوجب الارتداد أن يقتله، مثل يحيى بن سعيد والعلاّمة الحلّيين.

ولا بدّ من إثبات ارتداد المقتول لو طولب بدمه(1)، وهذه الفقرة من كلامهم تمنع حصول الفوضى؛ لأنّه عند مطالبة وليّ المقتول بدمه لا بدّ أن يثبت القاتل ارتداد المقتول، وإلّا حوسب على عمله.

(الإحراق بالنار)

« محمّد ــ الإمارات »

السؤال:

هل يجوز حرق الكفّار أو المرتدّين؟

أين الدليل بأنّها مردودة سنداً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يجوز حرق الكفّار والمرتدّين، ولم يذهب إلى ذلك من فقهائنا أحد(2)، وإنّما ذكر في حكمه أنّه يُقتل وتبين منه زوجته، وتعتد منه عدّة الوفاة، وتقسّم أمواله.

وأمّا الحرق بالنار، فلم تدلّ عليه إلّا رواية واحدة، وموردها: ما إذا ارتدّ لمسلم الفطري، وأخذ بالسجود إلى الأصنام(3)، فتختصّ بهذا المورد، لا أنّ كلّ

____________

1- انظر: الموسوعة الفقهية الميسرة، للأنصاري ٢: ٤٠.

2- راجع: جواهر الكلام، للجواهري ٤١: ٦٠٥.

3- تهذيب الأحكام، للطوسي ١٠: ١٤٠ (٥٥٢)، باب حدّ المرتدّ والمرتدّة.


الصفحة 455
مرتدّ يفعل به ذلك، والسجود للأصنام يشتمل على إبراز للارتداد بدرجة مفرطة وغير مقبولة، وبهذا اللحاظ يرتفع مستوى عقوبته.

(ردّ على دعوى عدم وجود حكم للمرتدّ في الإسلام)

« علي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

ما رأيكم بهذه الشبهة؟

((في كتابه (لا إكراه في الدين).. شخص يؤكّد خلو القرآن من حدّ الردّة عن الإسلام، ويرى أنّ القرآن خالٍ من حدّ الردّة عن الإسلام، مناقضاً بذلك ما يقال عن (وجوب) قتل المسلم إذا اعتنق ديناً آخر، أو اختار الإلحاد، استناداً إلى أقوال تنسب إلى النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها: (من بدَّل دينه فاقتلوه)(1).

وينفي أن يكون في الشرع الإسلامي نصّ يشير إلى أيّ عقوبة توقع على المرتدّ قائلاً: إنّه (لا وجود لهذا الحدّ في القرآن المجيد، وهو المصدر والمنشأ الأوحد لأحكام الشريعة).

إنّه يرى في كتابه (لا إكراه في الدين)، والذي حمل عنواناً فرعياً هو: (إشكالية الردّة والمرتدّين من صدر الإسلام إلى اليوم): أنّ الذي يستبدل بالإسلام ديناً آخر مجرم، لكنّه في الوقت نفسه لا يشير في المقابل إلى أنّ غير

____________

1- دعائم الإسلام، للقاضي النعمان ٢: ٤٨٠ الحديث (١٧١٧)، مسند أحمد بن حنبل ١: ٢١٧.


الصفحة 456
المسلم إذا بدَّل دينه واعتنق الإسلام يرتكب جريمة.

وينفي الكتاب وجود أيّ واقعة في عصر النبيّ محمّد (تشير إلى ما يمكن أن يقوم دليلاً على قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتطبيق عقوبة دنيوية ضدّ من يغيّرون دينهم، مع ثبوت ردّة عناصر كثيرة عن الإسلام في عهده (النبيّ) ومعرفة رسول الله بهم).

ويضيف: إنّ عهد النبيّ شهد (مئات) من المرتدّين أو المنافقين الذين عمدوا إلى إيذائه، والكيد للمسلمين، لكنّه (ترفّع تماماً عن المساس بهم) حتّى لا يقال: إنّه يكرههم على الإسلام.

ويستشهد بآيات قرآنية، منها: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1)، وفي سورة النساء تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً(2) ويقول معلّقاً: إنّ فيها نفياً لوجود حدّ شرعي دنيوي للردّة.

ويقول المؤلّف: إنّه يأمل أن يتمثّل الباحثون كتابه في (معالجة القضايا الجادّة المستقرّة في ضمير الأُمّة (الإسلامية) وثقافتها دون تفريق لكلمتها)، حتّى يسود منهج في مراجعات التراث (بحيث نجعل تراثنا ممّا يصدّق القرآن عليه ويهيمن. إنّ أهل التراث الإسلامي هم الأولى والأحقّ بمراجعته من داخله.

____________

1- آل عمران (٣): ٨٦.

2- النساء (٤): ١٣٧.


الصفحة 457

فمن المعلوم أنّ الصلاة وردت في القرآن مجملة؛ إذ لم تذكر تفاصيل عدد الركعات، أو ما يجب قوله في الركعة الواحدة، أو كيفية الركوع، أو السجود، أو كيفية التشهّد، أو التسليم، وهكذا بقية الشرائط والفرائض فيها، وإنّما تكفّل ببيان ذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ قال للمسلمين: (صلّوا كما رأيتموني أُصلّي)(1)، وكذلك بقية فروع الدين من: الصيام، والزكاة، والحجّ، والخمس، وباقي التفاصيل التي تتعلّق بالعبادات والمعاملات التي تكفّل ببيانها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومون عليهم السلام بحسب عقيدة الإمامية التي تفسّر السُنّة بأنّها: فعل المعصوم عليه السلام، أو قوله، أو تقريره، وهي تشمل المعصومين الأربعة عشر.

وعليه، فمن غير المعقول التصريح: ((بأنّ حدّ الردّة لم يرد في كتاب الله، وبهذا لا يوجد للردّة حدّ في الإسلام))، فهذا كلام ينمّ عن جهل وعدم التفقّه في الدين، بل جهل بالنصّ القرآني أيضاً؛ فقد أرشدنا القرآن الكريم إلى الأخذ بما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأوضح أنّه المبيّن لِما ورد في آيات عامّة أو مجملة في القرآن، وقد جاء في شأن الردّة في القرآن الكريم ما بيّن خطرها وسوء عاقبة صاحبها.. فأضاف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بياناً أوجب فيه قتل المرتدّ عن دينه، وهو صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى _ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(2).

قال تعالى في بيان خطر الردّة وسوء عاقبتها: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى

____________

1- عوالي اللآلي، لابن أبي جمهور ١: ١٩٨ الفصل (٩) الحديث (٨)، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ٣٤٥.

2- النجم (٥٣): ٣ ــ ٤.


الصفحة 458
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(1).

وقد روى أهل السُنّة في أحكام المرتدّ عن عثمان بن عفّان: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يحلّ دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس)(2)، وأيضاً رووا عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من بدّل دينه فاقتلوه)(3).

وأمّا الإمامية فقد أجمع علماؤهم على وجوب قتل المرتدّ الفطري بلا شرط الاستتابة؛ استناداً إلى النصوص المستفيضة في هذا الجانب عن أهل بيت العصمة عليهم السلام..

ففي صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: (يُقتل ولا يستتاب). قلت: فنصراني أسلم ثمّ ارتدّ عن الإسلام؟ قال: (يستتاب، فإن رجع، وإلّا قُتل)(4)، وهكذا وردت أحاديث أُخرى في هذا المضمون يمكن مراجعتها في كتاب (الكافي)، أو غيره من كتب الحديث.

____________

1- البقرة (٢): ٢١٧.

2- انظر: سنن أبي داود ٢: ٣٦٦ الحديث (٤٥٠٢)، باب الإمام يأمر بالعفو عن الدم، مسند أحمد بن حنبل ١: ٦١، ٧٠ مسند عثمان بن عفّان، سنن الدارمي ٢: ١٧١، باب ما يحلّ به دم المسلم، سنن النسائي ٧: ٩٢ ذكر ما يحلّ به دم المسلم.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٢١٧، ٢٨٢، ٢٨٣، ٣٢٣ مسند عبد الله بن عبّاس، صحيح البخاري ٤: ٢١، باب دعاء النبيّ صلي الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوّة، و ٨: ٥٠ كتاب استتابة المرتدّين والمعاندين.

4- فروع الكافي، للكليني ٧: ٢٥٧ كتاب الحدود، باب حدّ المرتدّ، الحديث (١٠).


الصفحة 459
وقد فصّل الفقهاء بين المرتدّ الفطري، وهو الذي يرتدّ عن الإسلام الذي ولد عليه، والمرتدّ الملّي وهو الذي يرتدّ عن الإسلام الذي تحوّل إليه بعد أن كان على ديانة أُخرى، فالأوّل يُقتل من دون استتابة بخلاف الثاني..

فقد أفتى فقهاء الإمامية ــ استناداً إلى نصوص المعصومين عليهم السلام ــ: إنّ المرتدّ الفطري يُقتل ولا يستتاب. بينما صرّح فقهاء العامّة وأبو حنيفة ومالك والشافعي بأنّه: يستتاب، سواء كان مسلماً في الأصل أو كافراً، فمتى لم يتب وجب قتله(1).

وعن هذا قال علماء الإمامية: أنّ فقهاء العامّة اشترطوا استتابة المرتدّ الفطري من دون دليل، وقد مرّ ذكر الدليلين الواردين عن عثمان وابن عبّاس ــ من مصادرهما ــ وهما مطلقان لم يرد فيهما شرط الاستتابة، فمن اشترطها في هذا الموضوع فعليه الدليل(2).

وهو على أيّة حال: إجماع من الأُمّة على وجود حدّ للمرتدّ، ذكرته المتون الحديثية عند السُنّة والشيعة على حدّ سواء، وأفتى بموجبه فقهاء الفريقين وإن اختلفا في بعض التفاصيل بحسب استفادات الفقهاء من النصوص.. وبهذا نردّ على دعوى مؤلّف الكتاب ونقول له: بل هناك إجماع من الأُمّة على وجود حدّ للمرتدّ عن الإسلام وقد مرّ بيانه.

٢ــ أمّا عن نفي الكاتب لوجود أي واقعة في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تكون دليلاً على

____________

1- انظر: الخلاف، للطوسي ٥: ٣٥٣ كتاب المرتدّ مسألة (٣)، كتاب الأمّ، للشافعي ١: ٢٩٥ المرتدّ عن الإسلام، مواهب الجليل، للحطّاب الرعيني ٨: ٣٧٣، باب الردّة، المبسوط، للسرخسي ١: ٩٨، باب المرتدّين، بدائع الصنائع، لأبي بكر الكاشاني ٧: ١٣٤ كتاب السير والجهاد.

2- انظر: جامع الخلاف والوفاق، لعلي بن محمّد القمّي: ٤٩٩.


الصفحة 460
تطبيقه لعقوبة دنيوية ضد من يغيّرون دينهم.. نقول: قد أباح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دم عبد الله ابن أبي سرح ولو تعلّق بأستار الكعبة، وذلك حين ارتدّ عن دينه، وافترى على الله

وهو يكشف بكلّ وضوح بأنّ قتل المرتدّ كان معروفاً لدى المسلمين، ولكن قد يمنع عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمصلحة ما؛ وإلّا لَما صحّ قوله: (لأقتلنّهم)، وقد بيّن.

لذا ننصح المؤلّف وأشباهه بالعودة إلى السُنّة الشريفة عند الفريقين السُنّة والشيعة، ليجد فيها نصوصاً واضحة في حدّ المرتدّ عن الإسلام، وقد ذكرنا بعضها في ما تقدّم، ولا حاجة بنا إلى مراجعة التراث مراجعة لا تقوم على أُسس علمية مسلّمة، ممّا يؤدّي إلى الاجتهاد مقابل النصّ، أو التغاضي عن الأحكام الثابتة بإجماع الأمّة..

ولينظر المؤلّف إلى تعامل الغرب اليوم مع الإسلام والمسلمين في شنّ الحروب عليهم، وإبادتهم ومحاربتهم بكلّ وسائل الحرب الاقتصادية والفكرية والثقافية، ممّا يجعل أمثال هذه الأحكام ــ كالحكم بقتل المرتدّ ــ شيئاً صغيراً وضئيلاً أمام الحرب الصليبية على الإسلام.

(معنى الارتداد بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في روايات الشيعة)

« محمّد ــ البحرين »

السؤال:

هل صحيح أنّ بعض الصحابة الذين مدحهم القرآن ارتدّوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟


الصفحة 461
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الصحبة تكون ذات مزيّة إذا كانت في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فالعدول والانحراف عن الخطّ السليم الذي رسمه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للأمّة بالنسبة لإمامة أمير المؤمنين عليه السلام هو: نوع من التراجع والارتداد عن منهج الرسالة في تطبيق أوامره ونواهيه صلى الله عليه وآله وسلم, وهذا هو معنى الروايات الواردة في مصادرنا الخاصّة في هذا المجال.

والغريب أنّه قد ورد في بعض كتب التاريخ ــ كتاريخ الطبري ــ: أنّ العرب ارتدّوا كلّهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عدا فئة في المدينة والطائف(1), وهذا لا يثير التساؤل؟!!

وأمّا ما يثار في حقّ الشيعة بأنّهم يقولون بارتداد كلّ الصحابة, فهذا إفك وبهتان عظيم, كيف وهم يلتزمون بالولاء لأفضل الصحابة، وهو: عليّ عليه السلام وأهل بيته, وأيضاً يعظّمون ويبجّلون بعضهم، أمثال سلمان وأبي ذر وعمّار والمقداد، وغيرهم.

نعم, هم يعتقدون ــ وفقاً للأدلّة العقلية والنقلية ــ بعدول بعض منهم عن خطّ الرسالة بعد ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن ورد لفظ ردّة وارتداد لبعض الصحابة في روايات ومصادر الشيعة, فإنّما هو ارتداد عن الولاية والإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام، لا ارتداد عن الإسلام.

تعليق (١):

« سعيد ــ الإمارات ــ إمامي »

السلام عليكم..

نتمنّى منكم بعض الوضوح والصراحة والإجابة على السؤال كما يطرح.

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٤٧٥ بقية الخبر عن أمر الكذّاب العنسي.


الصفحة 462
قلتم ما يلي في أحد الإجابات: ((نعم, هم يعتقدون ــ وفقاً للأدلّة العقلية والنقلية ــ بعدول البعض (بعض الصحابة) عن خطّ الرسالة بعد ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ورد لفظ ردّة وارتداد لبعض الصحابة في روايات ومصادر الشيعة, فإنّما هو ارتداد عن الولاية والإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام, لا ارتداد عن الإسلام)).

سؤالي كالتالي:

إذا كان (البعض) ــ كما قلتم ــ ارتدّ عن الرسالة، فما دور الباقين؟

إنّ الذي حضر غدير خمّ هم نفسهم من حضر السقيفة وعددهم يفوق المائة ألف!

دعنا نفترض أنّ (البعض) هم حوالي: ١٠٠، أو ١٠٠٠، أو ٢٠ ألف، ما موقف الباقين؟

عندكم روايات تقول أنّ الكلّ ارتدّ إلّا ثلاثة: المقداد وعمّار وسلمان، وهذا يعني أنّ (البعض) هو الذي لم يرتدّ، وليس البعض الذي ارتدّ!

فما هو جوابكم الصريح؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ ما اطّلعتم عليه من إجابة ورد فيها: ((بعدول بعض منهم عن خطّ الرسالة بعد ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم))، فالمراد به: البعض المنطقي، (أي الموجبة الجزئية) قبال السلب الكلّي، دون البعض اللغوي الذي يراد به العدد القليل، فلا يرد ما ذكرتم من إشكال.


الصفحة 463
ثانياً: قد استعمل المجيب هذا التعبير (البعض)، وبما يوهم إرادة معناه اللغوي مداراة لمشاعر أهل السُنّة الذين لا يحتملون الصراحة اللغوية في هذا المقام بأن يقال لهم: (معظم) أو (أغلب) الصحابة قد ارتدّوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنّ روايات الحوض الواردة في صحيحي البخاري ومسلم تذكر بوضوح أنّ أكثر الصحابة قد ارتدّوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أعقابهم القهقرى، وأنّ الناجين منهم قلّة قليلة, أو كما في التعبير النبويّ: (فلا أراه يخلص منهم إلّا همل النعم)(1), وقال ابن حجر في (الفتح): ((والمعنى: إنّه لا يرده منهم إلّا القليل؛ لأنّ الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره))(2).

ثالثاً: لا يوجد دليل على أنّ كلّ الذين حضروا يوم غدير خمّ وشهدوا البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حضروا في سقيفة بني ساعدة, بل كان الحاضرون في السقيفة جماعات معلومة من الأنصار وقلّة من المهاجرين، انسلّوا إلى السقيفة بعد أن تناهت إلى أسماعهم أخبار تقول: إنّ الأنصار قد اجتمعوا يتداولون أمر الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والقصّة معلومة يمكن مراجعتها في تاريخ الطبري وغيره(3)، بينما الحاضرون يوم غدير خمّ كانوا جميع الحجيج القادمين إلى مكّة من مختلف البلاد الإسلامية آنذاك؛ فتدبّر!

رابعاً: روايات الارتداد لم تستثن ثلاثة فقط, بل في بعضها استثناء سبعة، كما

____________

1- صحيح البخاري ٧: ٢٠٨ ــ ٢٠٩ كتاب الرقاق.

2- فتح الباري ١١: ٤١٤، باب الحوض.

3- تاريخ الطبري ٢: ٤٤٣ أحداث سنة ١١، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ١٢ ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول.


الصفحة 464
في هذه الرواية المروية عن الإمام الباقر عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام, قال: (ضاقت الأرض بسبعة، بهم ترزقون، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون, منهم: سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو ذرّ، وعمّار، وحذيفة)(1)، وأيضاً ينبغي الملاحظة أنّ روايات الاستثناء هذه لم تشمل جملة من الذين لم يبايعوا أبا بكر وعارضوا بيعة السقيفة، وهم معظم بني هاشم والزبير وخالد بن سعيد الأموي وسعد بن عبادة، وغيرهم.

ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنّ مسألة الارتداد عن وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمبايعة عليّ عليه السلام بعده، ثمّ العودة إلى هذه الوصيّة كانت من الناس على حالات ومراتب مثّلها الثلاثة المستثنون الأوائل بأعلى حالات الانقياد والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمبايعة عليّ عليه السلام بعده، وكانوا الرؤوس في هذا الأمر.

تعليق (٢):

« أحمد إبراهيم ــ الأُردن ــ سُنّي »

هل يعني هذا أنّ الثلاثة أو السبعة الذين لم يرتدّوا قد بايعوا أمير المؤمنين،

لم يبايعوا أبا بكر، أو عمر، أو عثمان؟ أم بايعوهم كما فعل عليّ بن أبي طالب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ المبايعة تحت وطأة الضغط والتهديد لا تعدّ مبايعة, بل إنّ التقيّة اقتضت أن

____________

1- انظر: اختيار معرفة الرجال، للطوسي ١: ٣٢ ــ ٣٣ الحديث (١٣) سلمان الفارسي.


الصفحة 465
يظهروا خلاف ما يعتقدون، حفاظاً على نفوسهم من الظالمين.

ولم تكن تحتاج إمامة أمير المؤمنين عليه السلام إلى بيعة، بل هي ثابتة بنصّ لنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه, والذي فعله أُولئك الصحابة الثابتون أنّهم لم يبدّلوا، ولم يغيّروا ما اعتقدوا به من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام التي أُعلنت في يوم الغدير؛ فافهم!

تعليق (٣):

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالنا عن حديث [الردّة] الذي مفاده: أنّ جمهور الصحابة ارتدّوا إلّا ثلاثة أو أربعة أو سبعة ــ حسب اختلافات الروايات ــ ..

فقد قرأنا جوابكم عن هذه الروايات التي وردت في مصادرنا، الذي مفاده: أنّ الردّة بهذه الأحاديث هي: ترك الولاية لعليّ بن أبي طالب عليه السلام.

والسؤال: ما هو الدليل على صحّة هذا المعنى الذي أشرتم إليه لمعنى الردّة؟

فلعلّ قائل يقول: لا يحقّ للشيعة صرف الرواية عن ظاهرها, إلّا بقرينة, فما هي القرينة التي صرفت معنى الردّة إلى ترك الولاية؟

ولعلّ المخالف يقول: لو سلّمنا بأنّ الردّة: ترك الولاية, ألستم ــ أيّها الشيعة ــ تحكمون بكفر من ترك الولاية، كما هو مذكور في كتبكم؟

المصادر:

١ــ مصدر رواية [الردّة]:


الصفحة 466
روى ثقة الإسلام في الكافي, فقال: ((حنّان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا ثلاثة. فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم، ثمّ عرف أناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتّى جاؤوا بأمير المؤمنين عليه السلام مكرهاً فبايع، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا محمّد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(1)))).(راجع: الكافي ج ٨ ص٢٤٥).

قلت: والسند كما تلاحظون مُعلّق, حيث علّقه الكليني, فالسند بغير تعليق كالتالي: ((علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنّان بن سدير.. ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبيه)).

أقول: وهذا كما ترون إسناده مُعتبر!

ملاحظة: هناك مصادر أُخرى لرواية الردّة، مثل: رجال الكشي، وتفسير العيّاشي، والاختصاص، وكتاب سليم بن قيس, وغيرها بأسانيد مُتعدّدة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الارتداد المذكور في الرواية ليس المقصود به الخروج عن الإسلام، ولو كان كذلك لاستحقّ المرتدّون القتل باعتبار أنّ المرتدّ الفطري يقتل، وفي بعض

____________

1- آل عمران (٣): ١٤٤.


الصفحة 467
الروايات ورد هكذا: (ولم يكن يعرف حقّ أمير المؤمنين عليه السلام إلّا هؤلاء السبعة)، إذ يمكن أن يكون ذلك قرينة على أنّ الارتداد كان بعدم معرفتهم لحقّ الإمامة والإمام.

وأمّا الروايات التي ذكرتها، فلا يظهر منها الكفر المخرِج عن الملّة، فالانقلاب على الأعقاب هو المقصود به: الارتداد عن الإمامة.

ثمّ إنّه لا يمكن القول بأنّ كلّ الصحابة جحدوا الإمامة بعد المعرفة، بل الكثير منهم حصلت له شبهة جعلتهم متردّدين في أمرهم، وكثير منهم رجع عن أمره بعد ذلك.

نعم، يبقى قسم منهم جحد الإمامة مع المعرفة بها وبقي مصرّاً على جحوده، وهذا هو المستحقّ للنار، وهو الكافر في الآخرة، أمّا في الدنيا فيعامل معاملة المسلم؛ لِما ثبت عندنا أنّ من نطق بالشهادتين، فإنّه يحكم بإسلامه، ودمه وماله وعرضه حرام.

(حصل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)

« هاني الرداد ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

هل صحيح أنّ الشيعة يقولون: إنّ بعد وفاة الرسول ارتدّ الصحابة كلّهم إلّا ستّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الطبري ذكر في تاريخه، وآخرين تبعاً له ذكروا، بأنّ: العرب كلّهم


الصفحة 468
ارتدّوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمّت الردّة العرب كلّهم، عدا فئة في المدينة وفئة في الطائف، وحاربهم أبو بكر، فأرجعهم عن الردّة..

فقد روى: لمّا فصل أُسامة كفرت الأرض وتصرمت وارتدت من كلّ قبيلة عامّة أو خاصّة، إلّا قريشاً وثقيفاً(1).

وروى ابن كثير عن ابن إسحاق: ارتدّت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خلا أهل المسجدين: مكّة والمدينة(2).

فهذه الردّة التي يذكرها الطبري وابن كثير ردّة عن الإسلام!

وأمّا الحديث: (ارتدّ الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمإلّا ثلاثة نفر)(3)، فليست الردّة ردّة عن الإسلام، وإنّما ردّة عن الإمام الذي نصّبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عزّ وجلّ، والفرق بينهما كبير!

تعقيب:

« هاني الرداد ــ مصر ــ سُنّي »

شكراً جزيلاً لإخواننا الشيعة على هذا الحوار الجيّد في إطار الأخوّة الإسلامية التي تجمعنا، ومن هنا نمدّ يدنا نحن معاشر أهل السُنّة لعودة الحبّ المتبادل، وبما أنّ الخلاف قد يتطرّق لبعض المسائل العقائدية التي يعتقد كلّ

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٤٧٥ بقية الخبر عن أمر الكذّاب العنسي.

2- البداية والنهاية ٦: ٣٤٤، فصل في تصدّي الصدّيق لقتال أهل الردّة ومانعي الزكاة.

3- الاختصاص، للمفيد: ٦، ١٠، كتاب سُليم بن قيس: ١٦٢، بحار الأنوار
٢٢: ٣٥٢، ٤٤٠، و٢٨: ٢٣٨، ٢٥٩، ٣٨٩.


الصفحة 469
مذهب أنّه على الحقّ، وأنّ الآخر ضلّ بعض الشيء، فلإزالة هذا الأمر وجب على كلّ سُنّي أن يستغفر لأخيه الشيعي، ووجب على كلّ شيعي أن يستغفر لأخيه السُنّي، وشعارنا دائماً: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1).

تعليق:

« أحمد ــ الأُردن »

هل الذي يرتدّ عن الخليفة وليس عن الإسلام يعتبر كافراً، أم مسلماً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الارتداد عن الخليفة غير الشرعي الذي لم يرد نصّ عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بخلافته لا يعدّ خروجاً عن الإسلام, وليس هو بكفر، بل هو عين الصواب؛ إذ أنّ خلافته تعدّ غير شرعية في قبال خلافة شرعية موصى بها من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا الخروج على الخليفة الشرعي المنصّب من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد لا يُعدّ كفراً؛ لأنّ صاحبه قد طرأت عليه الشبهة مع عدم تمام الحجّة عليه، فيحكم بإسلامه من جهة تمسّكه بالشهادتين.

____________

1- البقرة (٢): ١٣٤، ١٤١.


الصفحة 470


الصفحة 471

الاستخارة*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أبو طالب)(أبو بكر)(النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)(النبيّ إبراهيم عليه السلام)


الصفحة 472


الصفحة 473

(الاستخارة في رأي أهل البيت عليهم السلام)

« سمير ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما هو رأي مذهب أهل البيت عليهم السلام في موضوع الخيرة؟ استخارة الله في موضوع ما.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد ذكر العلاّمة المجلسي رحمه الله في كتابه (بحار الأنوار)(1) أبواباً في الاستخارات وفضلها وكيفياتها، فذكر في الباب الأوّل الروايات الواردة في الحثّ على الاستخارة، والترغيب فيها، والرضى والتسليم بعدها، منها:

١ــ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (يقول الله عزّ وجلّ: إنّ من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال ولا يستخير بي)(2).

٢ــ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (من دخل في أمر بغير استخارة ثمّ ابتلي

____________

1- بحار الأنوار ٨٨: ٢٢٢.

2- انظر: المقنعة، للمفيد: ٢١٧، الباب (٢٩) صلاة الاستخارة، المحاسن، للبرقي
٢: ٥٩٨ كتاب المنافع، باب الاستخارة.


الصفحة 474
لم يؤجر)(1).

٣ــ عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: يا عليّ! ما حار من استخار، ولا ندم من استشار)(2).

ومن خلال مراجعة هذه الروايات يتّضح أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يؤكّدون على موضوع الخيرة، ويعلّمون أصحابهم كيفية الاستخارة وصلواتها ودعاءها.

إذن فالخيرة أمر حسن ومحبّذ، وعليه جرت سيرة العلماء والمؤمنين.

تعليق:

« أبو محمّد ــ البحرين ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله..

الكلام عن الاستخارة في عدّة جوانب:

١ــ جميع روايات الاستخارة ضعيفة السند, كما صرّح بذلك الشيخ جواد التبريزي في (صراط النجاة), والشيخ ناصر مكارم في كتابه (القواعد الفقهية/باب القرعة), وكذا الشيخ محمّد باقر الإيرواني في (القواعد الفقهية/باب القرعة).

٢ــ قد يدّعى كثرة الروايات التي تبلغ حدّ التواتر, وفيه: إنّ أكثر من خمسين رواية منها ليس بمعنى الاستخارة المتحدّث عنها، وإنّما بمعنى: طلب الخير من الله سبحانه, مثل: (لا خير في من لا يستخير في اليوم سبعين مرّة).. والرواية التي تحثّ من أراد الزواج فليصلِّ ركعتين، ثمّ يستخير الله مائة مرّة.. وغيرها كثير,

____________

1- المحاسن، للبرقي ٢: ٥٩٨ كتاب المنافع، باب الاستخارة.

2- أمالي الطوسي ١: ١٣٦ (٢٢٠) المجلس الخامس.


الصفحة 475
كما صرّح بذلك السيّد عبد الله شبّر في كتابه: (الاستخارة). وهذا المعنى من الاستخارة ــ وهو: طلب الخير ــ هو المعنى الثابت, ولكنّه المهمل عملياً.

٣ــ إنّ الاستخارة فيها طلب كشف الغيب؛ حيث إنّنا نطلب من الله سبحانه أن يرينا الواقع المجهول, وأنّ الإقدام على الفعل الفلاني هل هو أمر جيّد أم لا, وهذا خلاف الروايات التي تحثّ على الاهتداء بالعقل، وتعاليم الآيات والروايات والاستشارة.. وعلى كلّ حال هو أمر غريب عن روح الشريعة, فهو أشبه بطلب المعجزة.

٤ــ يقول صاحب (الميزان): إنّ الاستخارة ما هي إلّا محاولة لقطع الحيرة, ولإخراج الإنسان من الحيرة السلبية, وليس ما تنتجه الاستخارة هو أمر في مصلحة أو مفسدة... ولو اعتقد الناس بهذا الرأي, لما لجأت إلى الاستخارة.

ــ أستميحكم عذراً لعدم بيان المصادر بدّقة, لأنّي كتبت التعليق اعتماداً على مطالعة سابقة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ الشيخ التبريزي يذكر في (صراط النجاة) أنّ: ((الاستخارة في المصحف الشريف مروية في مورد التحيّر بعنوان: المشورة مع الله سبحانه إذا تردّد الشخص بين أمرين))(1).

٢ــ كلام الشيخ ناصر مكارم في (القواعد) كان نقلاً لأقوال العلماء في ذلك

____________

1- صراط النجاة ٣: ٣١١، فصل في المسائل المتفرّقة.


الصفحة 476
فقال: ((وقد وقع الكلام في مشروعية الاستخارة بغير الدعاء والاستشارة، والمحكي عن أكثر الأصحاب: جوازه، وعن ابن إدريس وبعض آخر: إنكاره، أو التردّد فيه)).

ثمّ نقل كلام العلاّمة المجلسي ونقله لكلام ابن إدريس والمحقّق، وقال: ((إنّ كلامهما أصله من الشيخ المفيد في (المقنعة)، ثمّ ذكر المجلسي اختلاف نسخ (المقنعة) في ذلك، ونقل كلام الشهيد في (الذكرى)، وردّه على ابن إدريس إنكاره للاستخارة بالرقاع)).

ثمّ قال بعد ذلك: ((هذا ولكنّ الأمر في جوازها سهل بعد كون موردها أُموراً مباحة يتردّد بينها، ثمّ يتوكّل على الله ويعمل بما يخرج من الرقاع وشبهها رجاء الوصول إلى المطلوب, ولعلّ عدم ذكر كثير منهم لها في الكتب الفقهية مستنداً إلى هذا المعنى)).

ثمّ أخذ يدلّ على أنّ الاستخارة نوع من القرعة، وذكر الأدلّة على ذلك(1).

٣ــ سمعنا في محاضرة الدرس عند الشيخ باقر الإيراوني أنّه يقول: إنّ الاستخارة لا تحتاج إلى دليل، بل يكفيها الدخول تحت عنوان الدعاء؛ فأدلّة جواز الدعاء كافية للعمل بالاستخارة.

٤ــ نحن لا ننكر ورود الاستخارة بمعنى طلب الخير من الله، ولعلّ الروايات في ذلك أكثر وأصحّ سنداً، لكن مع ذلك الروايات الواردة في الاستخارة بالقرآن والرقاع والسبحة والبندقة هي محلّ كلام بين الفقهاء، كما هو الحال في

____________

1- انظر: القواعد الفقهية ١: ٣٧٥ ــ ٣٧٧.


الصفحة 477
كثير من الأُمور المستحبّة أو المباحة التي قد لا يدقّق فيها كثيراً بناءً على قاعدة التسامح في أدلّة السنن.

٥ــ ليس في الاستخارة أيّ أمر غريب، فكما نحن نطلب الهداية في طرق الخير، كذلك نطلب الهداية أيضاً عن طريق الاستخارة، فالأمر لا يعدو أكثر من كونه طلباً للهداية.

٦ــ ذكر صاحب (الميزان) في معرض ردّه على من يعترض على الخيرة بقوله: ((وقد وردت عدّة أخبار من أئمّة أهل البيت عليهم السلام في جواز الأخذ بالخيرة من السبحة وغيرها عند الحيرة)).

ثمّ قال بعد ذلك: ((وليس في اختيار ما يختاره الإنسان بهذا النوع من الاستخارة دعوى علم الغيب، ولا تعرّض لما يختص بالله سبحانه من الشؤون الإلوهية، ولا شرك بسبب تشريك غير الله تعالى إياه في تدبير الأُمور، ولا أيّ محذور ديني آخر؛ إذ لا شأن لهذا العمل إلّا: تعيّن الفعل أو الترك من غير إيجاب ولا تحريم، ولا أيّ حكم تكليفي آخر، ولا كشف عمّا وراء حجب الغيب من خير أو شرّ, إلّا أنّ خير المستخير في أن يعمل أو يترك فيخرج عن الحيرة والتذبذب))(1).

وقولك: ((لو علم الناس بهذا الرأي لما لجأت إلى الاستخارة))، كلام غير دقيق! فأغلب الناس هم يريدون الخروج من الحيرة التي يقعون فيها باختيار فعل يُعدّ عمله خيراً لهم, وهذا ما يقوله صاحب (الميزان)، وليس المطلوب هو كشف

____________

1- تفسير الميزان، للطباطبائي ٦: ١١٩ في ذيل آية (٩٠) من سورة المائدة.


الصفحة 478
الواقع المستقبلي.

(الروايات الواردة في كيفية الاستخارة)

« سلمان عبد الله ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أرجو منكم أن تذكروا لي الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في كيفية الاستخارة, بالتفصيل إن أمكن.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت عدّة روايات في مسألة الاستخارة, نذكر بعضها, وهي على أقسام:

الأوّل: الاستخارة بالرقاع:

عن هارون بن خارجة، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (إذا أردت أمراً فخذ ستّ رقاع, فاكتب في ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم, خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة: (لا تفعل), وفي ثلاث منها مثل ذلك: (افعل), ثمّ ضعها تحت مصلاّك, ثمّ صلّ ركعتين, فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرّة: (أستخير الله برحمته خيرة في عافية), ثمّ استو جالساً وقل: (اللّهمّ خِر لي واختَر لي في جميع أُموري, في يُسرِ منك وعافية)، ثمّ اضرب بيدك إلى الرقاع فشوّشها, وأخرج واحدة, فإن خرج ثلاث


الصفحة 479
متواليات: (افعل)، فافعل الأمر الذي تريده, وإن خرج ثلاث متواليات (لا تفعل)، فلا تفعله, وإن خرجت واحدة (افعل) والأُخرى (لا تفعل) فأخرج من الرقاع إلى خمس, فانظر أكثرها فاعمل به)(1), وقال العلاّمة المجلسي في بيانه على هذه الرواية: هذا أشهر طرق هذه الاستخارة وأوثقها وعليه عمل أصحابنا(2).

عن هارون بن حمّاد، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (إذا أردت أمراً فخذ ستّ رقاع, فاكتب في ثلاث منهنّ: بسم الله الرحمن الرحيم, خيرة من الله العزيز الحكيم ــ ويروى: العليّ الكريم ــ لفلان بن فلان: افعل كذا إن شاء الله, واذكر اسمك وما تريد فعله, وفي ثلاث منهنّ: بسم الله الرحمن الرحيم, خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلان: لا تفعل كذا, وتصلّي أربع ركعات, تقرأ في كلّ ركعة خمسين مرّة: قل هو الله أحد, وثلاث مرّات: إنّا أنزلناه في ليلة القدر, وتدع الرقاع تحت سجّادتك، وتقول بعد ذلك: (اللّهمّ إنّك تعلم ولا أعلم, وتقدر ولا أقدر, وأنت علاّم الغيوب, اللّهمّ آمنت بك فلا شيء أعظم منك, صلّ على آدم صفوتك, ومحمّد خيرتك, وأهل بيته الطاهرين, ومن بينهم من نبيّ وصدّيق وشهيد، وعبد صالح وولي مخلص، وملائكتك أجمعين, إن كان ما عزمت عليه من الدخول في سفري إلى بلد كذا وكذا خيرة لي في البدو والعاقبة, ورزق تيسّر

____________

1- رواها ابن طاووس في فتح الأبواب: ١٨٢, والكليني في الكافي ٣: ٤٧٠ كتاب الصلاة أبواب السفر، باب صلاة الاستخارة, والمفيد في المقنعة: ٢٩٠ الباب (٢٩), والطوسي في التهذيب ٣: ١٨١ الحديث (٦), والشهيد الأوّل في الذكرى: ٢٦٥, والكفعمي في المصباح: ٣٩٠, ونقلها الحرّ العاملي في وسائل الشيعة ٥: ٢٠٨ أبواب الاستخارة.

2- بحار الأنوار ٨٨: ٢٣١.


الصفحة 480
لي منه فسهّله ولا تعسّره, وخر لي فيه, وإن كان غيره فاصرفه عنّي, وبدّلني منه ما هو خير منه, برحمتك يا أرحم الراحمين), ثمّ تقول سبعين مرّة: (خيرة من الله العليّ الكريم)، فإذا فرغت من ذلك عفّرت خدّك ودعوت الله وسألته ما تريد)(1).

الثاني: الاستخارة بصلاة ركعتين وبرقعتين:

عن علي بن محمّد, رفعه عنهم عليهم السلام, قال لبعض أصحابه وقد سأله عن الأمر يمضي فيه ولا يجد أحداً يشاوره, فكيف يصنع؟ قال: (شاور الله) قال: فقال له: كيف؟ قال: (انوِ الحاجة في نفسك, واكتب رقعتين, في واحدة: (لا)، وفي واحدة: (نعم)، واجعلهما في بندقتين من طين, ثمّ صلّ ركعتين, واجعلهما تحت ذيلك وقل: يالله إنّي أُشاورك في أمري هذا، وأنت خير مستشار ومشير, فأشر عليّ بما فيه صلاح وحسن عاقبة, ثمّ أدخل يدك, فإن كان فيها (نعم) فافعل, وإن كان فيها (لا) لا تفعل, هكذا تشاور ربك)(2).

الثالث: الاستخارة بمائة مرّة:

عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: ربّما أردت الأمر يفرق منّي فريقان: أحدهما يأمرني، والآخر ينهاني؟ قال: فقال: (إذا كنت كذلك فصلّ ركعتين, واستخر الله مائة مرّة ومرّة, ثمّ انظر أحزم الأمرين لك فافعله, فإنّ

____________

1- نقلها ابن طاووس في فتح الأبواب: ١٨٩, والمجلسي في بحار الأنوار ٩١: ٢٣١، والنوري في مستدرك الوسائل ٦: ٢٤٨ أبواب صلاة الاستخارة.

2- رواها ابن طاووس في فتح الأبواب: ٢٢٨, والكليني في الكافي ٣: ٤٧٣ كتاب الصلاة أبواب السفر، باب صلاة في طلب الرزق, والطبرسي في مكارم الأخلاق: ٣٢٣, والشهيد الأوّل في ذكرى الشيعة ٤: ٢٦٦, والشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ٣: ١٨٢ الحديث (٤١٣).


الصفحة 481
الصفحة السابقةالصفحة التالية