المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 121 - ص 150) عدلاً، المؤمنون يد على من سواهم، تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده))(1).

وبما أسردنا عليك من الروايات، يظهر جليّاً أنّ عبارة: (من عير إلى ثور) غير موجودة في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّما هي من كيس أبي هريرة، أقحمها في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كذب كذبته الصلعاء في مسجد الكوفة.

(ذكر بعض رواياته في كتبنا)

« أمجد حسن ــ النرويج ــ إمامي »

السؤال:

أشكركم على سعة صدركم لأسئلتي..

عندي سؤال حول أبي هريرة: فهو كما معروف كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو ليس ثقة، والأخبار التي يقع في سندها هي ضعيفة به، لكنّني قرأت أنّ عدداً من علمائنا استدلّ بروايات له:

١ــ الشيخ الوحيد الخراساني(دام ظلّه): اعتمد على روايته في أنّ الزهراء عليها السلام أوّل من يدخل الجنّة، مع أنّ هنالك روايات شيعية معارضة.

المصادر:

(١) منهاج الصالحين، للشيخ وحيد الخراساني ج١ ص٣٠٤: وكفى لها شرفاً أنّها أوّل من يدخل الجنّة, فهي أمام إمام العالم وسيّد بني آدم, وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة).

____________

1- الأموال، لابن زنجويه ٢: ٤٤٢ الحديث (٧٢٠).


الصفحة 122
(٢) مقدّمة في أُصول الدين، للشيخ وحيد الخراساني ص٣٠٧: وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة)، لنتأمّل هذا اليوم في هذه الكلمة التي تبيّن تلك الظلامة إلى حدّ ما, فقد روى ابن حجر في (لسان الميزان)، والذهبي في (الميزان)، عن أبي صالح المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة بنت محمّد)، كما رواه أعلام سُنّيون.

٢ــ استدلال شيخ الطائفة الشيخ الطوسي برواية مشهورة عنه، وهي رواية الأعرابي الذي بال في المسجد، فلقد بنى هذا العالم الحكم بطهارة الأرض والغسالة بالماء القليل، ولكن لا معارض لهذه الرواية من روايات الشيعة.

المصادر:

(١) المبسوط، للشيخ الطوسي ج١ ص٩٢: إذا بال الإنسان على الأرض فتطهيره أن يطرح عليه ذنوب من ماء, ويحكم بطهارة الأرض وطهارة الموضع الذي ينتقل إليه ذلك الماء, فإن بال اثنان وجب أن يطرح مثل ذلك, وعلى هذا أبداً؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذنوب من ماء على بول الأعرابي.

(٢) الخلاف، للشيخ الطوسي ج١ ص٤٩٤ ــ ٤٩٥، مسألة ٢٣٥: إذا بال على موضع من الأرض, فتطهيرها أن يصبّ الماء عليه حتّى يكاثره، ويغمره ويقهره, فيزيل طعمه ولونه وريحه, فإذا زال حكمنا بطهارة الموضع وطهارة الماء الوارد عليه, ولا يحتاج إلى نقل التراب ولا قلع المكان. وبه قال الشافعي.


الصفحة 123
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأرض رخوة, فصبّ عليها الماء, فنزل الماء عن وجهها إلى باطنها طهرت الجلدة العليا دون السفلى التي وصل الماء والبول إليها, وإن كانت الأرض صلبة فصب الماء على المكان فجرى عليه إلى مكان آخر طهر مكان البول، ولكن نجس المكان الذي انتهى إليه الماء, فلا يطهر حتّى يحفر التراب ويلقى عن المكان.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)، ونقل التراب من الأرض إلى موضع آخر يشقّ.

وروى أبو هريرة، قال: دخل أعرابي المسجد، فقال: اللّهمّ ارحمني وارحم محمّداً ولا ترحم معنا أحداً, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد تحجرت واسعاً)، قال: فما لبث أن بال في ناحية المسجد, فكأنّهم عجلوا إليه, فنهاهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, ثمّ أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه, ثمّ قال: (علّموا ويسّروا ولا تعسروا).

وفيه دليلان: أحدهما: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قصد تطهير المكان عن النجاسة, فأمرهم بما يطهر به, فالظاهر أنّه كلّ الحكم, ولم ينقل أنّه أمرهم بنقل التراب. والثاني: أنّه لو لم يطهر المكان بصبّ الماء عليه لكان في صبّ الماء عليه تكثير للنجاسة, فإن قدر البول دون الماء, والبول الذي يجتمع في المسجد، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده تنجيساً.

____________

1- الحجّ (٢٢): ٧٨.


الصفحة 124
وهل من الممكن الاست دلال بإجماع الأُمّة على رواية بول الأعرابي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إنكار الصحابة لها على صحّة هذه الرواية مع الاعتقاد بفسق راويها؟

وقد قرأت في كتاب (الفصول المختارة) للشريف المرتضى رحمه الله: إنّ الشيخ المفيد أجاب على اعتراض أحد المخالفين على الاستدلال برواية أنس ابن مالك مع اعتقاده بفسقه، بإجماع الأُمّة على القبول بالرواية.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ما يذكره علماؤنا من روايات أبي هريرة هو من باب الإلزام على الطرف المقابل، بمعنى أنّ المخالفين يعتقدون بصحّة روايات أبي هريرة، فلذا نحن نحتجّ عليهم بتلك الروايات، ولو احتجّ عليهم برواياتنا لم يقبلوا ذلك.

وأمّا حكم الشيخ الوحيد(دام ظلّه) على هذا السند إلى أبي هريرة بالصحّة، فلا يريد به إلّا الحكم بالصحّة على مباني القوم ــ نعني أهل السُنّة ــ ليتم الاحتجاج به عليهم أوّلاً، وليتم به ما قاله في أوّل كلامه من اتّفاقهم على كيفية حشرها يوم القيامة..

قال في (منهاج الصالحين): ((فإنّ عظمة ما كسبته في هذه الدنيا تظهر من عظمة جزائها يوم الجزاء، فمّما اتّفقت عليه روايات العامّة والخاصّة في كيفية ورودها المحشر، ودخولها الجنّة، أنّه إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من وراء الحجاب: يا أهل الجمع! غضّوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمّد حتّى تمر(1).

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٣ ذكر مناقب فاطمة بنت
رسول الله صلي الله عليه وسلم.


الصفحة 125
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وأُبعث على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، وتبعث فاطمة أمامي)(1)، وكفى لها شرفاً أنّها أوّل من يدخل الجنّة، فهي أمام إمام العالم وسيّد بني آدم، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة)(2).

ألا ترى أنّه لم يورد إلّا ما جاء في كتبهم! فإنّ الروايتين قبل هذه الرواية في كلامه أوردها من كتاب (المستدرك على الصحيحين) للحاكم، حكم على الأُولى بالصحّة على شرط الشيخين، وعلى الثانية بالصحّة على شرط مسلم، وأمّا هذه الثالثة فقد أخرجها الرافعي في (التدوين في أخبار قزوين)، قال: ((حدّث أبو الحسين أحمد بن محمّد بن أحمد بن ميمون في كتاب له جمعه في ذكر ما أنزل الله تعالى من القرآن في شأن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن محمّد بن علي بن آزادمرد، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، ثنا بدل بن المحبر، ثنا عبد السلام ابن عجلان، عن أبي يزيد المدني، سمع يحدّث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة بنت محمّد، ومثلها في هذه الأُمّة مثل مريم في بني إسرائيل)))(3).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٢ ذكر مناقب فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم.

2- كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٢: ١١٠ الحديث (٤٣٢٣٤)، ميزان الاعتدال، للذهبي ٢: ٦١٨ (٥٠٥٧) ترجمة عبد السلام بن عجلان، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ١١٠، باب مناقب فاطمة الزهراء.

3- التدوين في أخبار قزوين ١: ٤٥٧، ترجمة محمّد بن علي بن آزادمرد.


الصفحة 126
وأخرجها الذهبي في (ميزان الاعتدال): ((عن بدل بن المحبر، عن عبد السلام ابن عجلان، عن أبي يزيد المدني، عن أبي هريرة: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة). خرجه أبو صالح المؤذّن في مناقب فاطمة))(1).

وفي السند: عبد السلام بن عجلان، قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه(2)، وأورده الذهبي في الضعفاء(3)، ولكن ابن حبّان ذكره في الثقات، وقال عنه: يخطي ويخالف(4). ومن هنا صحّح هذا السند من صحّحه.

والتحقيق:

إنّ ما روي عن أبي هريرة وقع فيه السقط، وهو مقطع من حديث أطول، رواه أبو نعيم الأصبهاني(ت٤٣٠هـ) في (دلائل النبوّة): ((حدّثنا أحمد بن إسحاق، ثنا محمّد بن أحمد بن سليمان، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الصوّاف، قال: ثنا بديل بن المحبّر، قال: حدّثنا عبد السلام بن عجلان، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدّث، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: (أنا أوّل من يدخل الجنّة ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر، وأنا بيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأوّل شخص يدخل علَيَّ الجنّة: فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومثلها في هذه الأُمّة مثل مريم في بني إسرائيل)))(5).

____________

1- ميزان الاعتدال ٢: ٦١٨ (٥٠٥٧)، ترجمة عبد السلام بن عجلان.

2- الجرح والتعديل ٦: ٤٦ (٢٤٠).

3- المغني في الضعفاء ١: ٦٢٥ (٣٧٠٠).

4- الثقات ٧: ١٢٧، باب العين.

5- دلائل النبوّة ١: ٦٦ الحديث (٢٧)، الفصل الرابع: ذكر الفضيلة الرابعة بإقسام الله بحياته.


الصفحة 127
ومن الواضح أنّه أُخذ المقطع الأخير من رواية أبي هريرة، وسقط عنه لفظة (علَيَّ) من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوّل شخص يدخل علَيَّ الجنّة)، فأصبح: (أوّل شخص يدخل الجنّة)، فتغيّر معناه، واستدلّ به على غير المراد من الحديث؛ فإنّ أصل الحديث صريح في أنّ أوّل من يدخل الجنّة هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأوّل من يدخل عليه ــ أي: بعده ــ فاطمة عليها السلام.

وروى هذا المقطع من الحديث مرسلاً من دون سقط: الخوارزمي في (مقتل الحسين): ((عن أبي هريرة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أوّل شخص يدخل علَيَّ الجنّة فاطمة، مثلها في هذه الأُمّة كمثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل)))(1).

وشيرويه الديلمي في (فردوس الأخبار)، قال: ((أبو هريرة: (أوّل شخص يدخل [علَيَّ] الجنّة فاطمة، مثلها في هذه الأُمّة مثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل)))(2)، وفي نسخة أُخرى: (أوّل من يرد علَيَّ الجنّة فاطمة، مثلها في هذه الأُمّة مثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل)))(3).

والشيخ محمّد الزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين)، قال: ((وروى أبو هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أوّل شخص يدخل علَيَّ الجنّة فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومثلها في هذه الأُمّة مثل مريم في بني إسرائيل)))(4).

____________

1- مقتل الحسين ١: ١٢٠ الحديث (٥٦) الفصل الخامس: في فضائل فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- فردوس الأخبار ٣٩ الحديث (٨٣).

3- انظر: شرح إحقاق الحقّ، للمرعشي ٢٥: ٢١٦ حديث: أوّل من يدخل الجنّة فاطمة، عن مصورة نسخة (فردوس الأخبار) في مكتبة فيض أفندي بإستانبول.

4- نظم درر السمطين: ١٨٠ السمط الثاني، مناقب فاطمة سيّدة النساء.


الصفحة 128
والمقريزي في (إمتاع الأسماع): عن بديل بن المحبّر، وأورده بمثل ما رواه أبو نعيم في (الدلائل)(1).

وابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)، قال: ((وعن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ([إنّ] أوّل شخص يدخل علَيَّ الجنّة فاطمة بنت محمّد)))(2).

والسيوطي في (الخصائص الكبرى)، أخرجه عن أبي نعيم(3).

والصالحي الشامي في (سبل الهدى والرشاد)، أخرجه عن أبي نعيم(4).

والمقطع من الحديث الذي سقط منه لفظة (علَيّ)، أخرجه الرافعي في (التدوين) عن كتاب (ذكر ما أنزل الله تعالى من القرآن في شأن عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، لأبي الحسين أحمد بن محمّد بن ميمون، وابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب) عن كتاب (الأربعين في فضائل فاطمة)، لأبي صالح المؤذّن(5)، والذهبي في (الميزان) عن أبي صالح أيضاً.

وليس عندنا نسخة من الكتابين لنبحث في كيفية وقوع السقط.

وأمّا ما ذكره الشيخ الطوسي في (الخلاف)، فالكتاب مخصّص لعرض الأقوال المخالفة لمذهب أهل البيت عليهم السلام، فذكره لرواية أبي هريرة لا يعني الاعتقاد

____________

1- إمتاع الأسماع ٣: ٢٣٣، فصل في ذكر الفضائل التي خصّ الله بها نبيّه صلي الله عليه وسلم، وأمّا تفرده بالسيادة يوم القيامة.

2- الفصول المهمّة ١: ٦٥٩ الفصل الأوّل، فصل في ذكر البتول.

3- كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب (الخصائص الكبرى) ٢: ٢٢٥،، باب اختصاصه صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه أوّل من يجيز على الصراط.

4- سبل الهدى والرشاد ١٠: ٣٨٦، الباب الثالث: في ما اختص به نبيّنا صلي الله عليه وسلم.

5- مناقب آل أبي طالب ٣: ١١٠، باب مناقب فاطمة.


الصفحة 129
بصحّتها، ولو استدلّ بها فهو أيضاً من باب الإلزام للطرف المخالف بأنّ هناك روايات توافق ما نقول.

وحكم بشهرة الرواية أيضاً: الأردبيلي في (مجمع الفائدة)(1)، والبحراني في (الحدائق)(2). وقال النراقي في (مستند الشيعة): ((الرواية العامّية الواردة في الذنوب المنجبرة ضعفها بالشهرة))(3).

ولكن الأغلب من فقهائنا ردّوا الرواية بضعف السند، ولم يقبلوا انجبارها بالشهرة:

قال المحقّق الحلّي في (المعتبر): ((الرواية المذكورة عندنا ضعيفة الطريق))(4).

وفي (التحرير) للعلاّمة: ((ورواية الأعرابي ضعيفة عندنا))(5).

وفي (مختلف الشيعة): ((والذي احتجّ به الشيخ ــ أي: الطوسي ــ لم يرد من طرقنا، وإنّما هو شيء أورده الجمهور))(6).

وقال البحراني في (الحدائق) ــ ردّاً على قبول الرواية من قبل الشهيد في (الذكرى) ــ: ((وليت شعري، بأيّ وجه دخلت هذه الرواية في حيّز القبول؟ أمن جهة راويها أبي هريرة الذي قد اعترف أبو حنيفة بكذبه وردّ رواياته؟))(7).

____________

1- مجمع الفائدة والبرهان ١: ٣٦١ كتاب الطهارة، مطهّرية الأرض.

2- الحدائق الناظرة ٥: ٣٧٩ كيفية تطهير الأرض.

3- مستند الشيعة ١: ٢٥٩ المطهّرات.

4- المعتبر ١: ٤٤٩ الركن الرابع: في النجاسات، مطهرية الأرض.

5- تحرير الأحكام ١: ١٦٢ المقصد الخامس: في النجاسات، الفصل الثاني.

6- مختلف الشيعة ١: ٤٩٠ عدم مطهّرية الذنوب للأرض.

7- الحدائق الناظرة ٥: ٣٨٠ كيفية تطهير الأرض.


الصفحة 130
وردّ الشيخ الأنصاري انجبار الرواية بالشهرة بقوله: ((لكن الإنصاف أنّ مخالفتها لقاعدة (نجاسة الغسالة)، أوهنها، مضافاً إلى اشتهار حال راويها))(1).

وعن السيّد الحكيم في (المستمسك): ((إنّها رواية أبي هريرة لا يعوّل عليها))(2).

وهكذا ردّ الرواية أغلب علمائنا لضعفها، ومن استدلّ بها لم يأخذ بها من جهة وثاقة السند، وإنّما من جهة الشهرة الجابرة لضعفه.

وإجماع الأُمّة عندنا ليس بحجّة إلّا مع دخول المعصوم معهم، فتكون الحجّة هي قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره، وقد قلنا: إنّ من استدلّ بالرواية إنّما استدلّ بها من جهة الشهرة الجابرة لضعف السند، لا من جهة إجماع الأُمّة وعدم إنكار الصحابة لها، ولا من جهة شهرة الفتوى بمضمونها عند العامّة.

وقول الشيخ المفيد إن كان مع المخالفين، فهو أيضاً من باب الإلزام، وإن كان مع الموافقين، فمعناه قبول الرواية دلالةً من جهة الشهرة حتّى لو كان هناك خدشة في سندها.

(ولايته على البحرين)

« مهند علي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

سؤالي حول شخصيّة أبي هريرة: تنقل بعض النصوص التاريخية بأنّ أبا هريرة أسلم

____________

1- كتاب الطهارة، للشيخ الأنصاري ٥: ٢٧٢ عدم طهارة الأرض الرخوة بالماء القليل عليها.

2- مستمسك العروة ١: ٢٣٤ الكلام في طهارة ماء الغسالة.


الصفحة 131
في السنوات الأخيرة (ما بين السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة المباركة)، فعلى هذا يكون قد أسلم حديثاً!

فهل يمكن لشخص مثل أبي هريرة أن يكون والياً للبحرين، أو أن يساعد في أُمور الولاية لمنطقة مثل البحرين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يكن أبو هريرة والياً على البحرين زمن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد أسلم في سنة سبع بعد خيبر، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع العلاء الحضرمي إلى البحرين في ذي القعدة من سنة ثمان، فجعله العلاء مؤذّناً له..

ومن هنا يتّضح أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستعمل أبا هريرة في شيء، بل استعمله عمر أيام خلافته في سنة ٢١هـ، وعزله بعد ذلك سنة ٢٣هـ!

وبذلك تعرف أنّ الذين كانوا يستعملون على الولايات أيام الخلفاء الأوائل لا يملكون أدنى مقدار من الصلاحية لقيادة هذه الولايات، لا من ناحية الثقل الاجتماعي، ولا من ناحية القدرة على القيادة والإدارة، ولا من ناحية التسلّط الفقهي.

نعم، تنقل بعض الأخبار الضعيفة(1) أنّه تولّى بعض المهام في زمن ولاية قدامة بن مظعون الجمحي من قبل عمر. ولكن ذلك لم يثبت، وإن ثبت فهو لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، ولا يعطي لأبي هريرة كفاءة مفقودة.

____________

1- كما في فتوح البلدان، للبلاذري ١: ٩٩، ١٠٠ الحديث (٢٥٤، ١٥٥) البحرين.


الصفحة 132


الصفحة 133

الاجتهاد والتقليد*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أصول الدين)(أصول الفقه) (الحـوزة العلمـية)(الشيعة)(العـقـل)(العلـم والعلمـاء)(غيبـة الإمـام المهدي عليه السلام)(فرق ومذ اهب)


الصفحة 134


الصفحة 135

(هل يجوز للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام أن يجتهد مقابل النصّ؟)

« أبو حسن التونسي ــ تونس ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم وتقبّل الله أعمالكم..

أشكركم على هذا الموقع الأكثر من رائع وكلّ الإخوة من تونس يتمنّون لكم التوفيق والازدهار، عندي سؤال:

هل يجوز للرسول الأكرم أو الإمام المعصوم أن يجتهد مقابل النصّ؟

وهل للمعصوم تعطيل حكم لظروف معيّنة؟

وهل للمعصوم أن يزيد على حكم معيّن؟

وقعت حادثة تاريخية خاصّة بأحكام الخمس في عهد الإمام عليّ عليه السلام أنّه أجاز الخمس في الخيل!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 136

١ــ لا يجوز للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يجتهد مقابل النصّ, بمعنى أن يأتي بقول يخالف النصّ الشرعي الصادر عن المولى سبحانه، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى _ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1).

وأئمّة أهل البيت عليهم السلام كذلك، باعتبار أنّهم أوصياء للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحفظة للسُنّة النبوية الشريفة ينقلونها عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قابلاً عن قابل بما يسّر الله لهم ذلك من الوسائط والسبل والتي أحدها الإلهام, فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: (حديثي حديث أبي, وحديث أبي حديث جدّي, وحديث جدّي حديث الحسين, وحديث الحسين حديث الحسن, وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ)(2).

وأيضاً ورد عنه عليه السلام: (علمنا غابر ومزبور, ونَكت في القلوب, ونقر في الأسماع، وإنّ عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة عليها السلام، وإنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه)، فسئل عليه السلام عن تفسير هذا الكلام، فقال: (أمّا الغابر: فالعلم بما يكون, وأمّا المزبور: فالعلم بما كان, وأمّا النَكت في القلوب: فهو الإلهام, وأمّا النقر في الأسماع: حديث الملائكة, نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم...)(3).

____________

1- النجم (٥٣): ٤،٣.

2- الكافي، للكليني ١: ٥٣ الحديث (١٤) كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث.

3- الإرشاد، للمفيد ٢: ١٨٦، باب ذكر الإمام القائم بعد أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السلام، وقريب منه في الكافي، للكليني ١: ٢٦٤ الحديث (٣)، باب جهات علوم الأئمّة عليهم السلام.


الصفحة 137

٢ــ إن كان المراد بالتعطيل للحكم: عدم العمل به لعدم توفّر شروطه, فهذا يسري في مقام التطبيق على المعصومين وغيرهم في جواز التعطيل.

وإن كان المقصود من التعطيل: عدم تطبيق الأحكام مع توفّر شروط تطبيقها, فقد ذكر الفقهاء موارد العفو للإمام المعصوم، منها العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار دون البيّنة كما وردت به الأخبار(1).

وإن كان المقصود بالتعطيل: إنشاء حكم لم يكن، فهذا يقول به من يقول بثبوت حقّ التشريع لهم عليهم السلام كما كان ثابتاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مسألة خلافية كما سنشير إليه في جواب السؤال الآتي.

٣ــ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حقّ التشريع, ويدلّ عليه ما روي في الوسائل عن زرارة بن أعين، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (كان الذي فرض الله على العباد عشر ركعات, وفيهنَّ القراءة وليس فيهنّ وهم، يعني: سهواً، فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعاً، وفيهنّ الوهم، وليس فيهنّ قراءة, فمن شكّ في الأوّلتين أعاد حتّى يحفظ ويكون على يقين, ومن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم)(2).

وأمّا الأئمّة المعصومون عليهم السلام فقد اختلف العلماء في أنّه هل لهم حقّ التشريع كما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لا، فذهب بعضهم إلى وجود مثل ذلك الحقّ لهم, بينما ذهب بعضهم الآخر إلى عدمه(3).

____________

1- جواهر الكلام، للجواهري ٤١: ٢٥٧ كتاب الشهادات، أسباب الحدس، وانظر وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٨: ٤٠، الباب (١٨) من أبواب مقدّمات الحدود.

2- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٨: ١٨٧ الحديث (١٠٣٧٥) أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب (١).

3- راجع: الموسوعة الفقهية الميسرة، للشيخ محمّد علي الأنصاري ١: ٤٣٢ (إباحة من له حقّ الإباحة).


الصفحة 138

٤ــ أمّا بالنسبة لما ورد عندنا من أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وضع الزكاة على الخيل الإناث ديناران في السنة, فقد أفتى علماؤنا باستحبابه لِما ثبت من أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عفا عن الزكاة في الخيل(1).

فلعلّ ما صدر من أمير المؤمنين عليه السلام كان لمصلحة رأها في وقته إعمالاً لحقّ حكومته.

(الاجتهاد في نظر الشيعة والسُنّة)

« أحمد زاهر ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

الشيعة تعتقد بأنّ الاجتهاد هو: استنباط الحكم الشرعي من النصّ الشرعي، فما مفهومه عند إخواننا أهل السُنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الاجتهاد عند الشيعة والسُنّة واحد، وهو: السعي وبذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، التي هي: الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، مع أُمور قد تضيفها المدرسة العامّية، كالقياس والاستحسان وغيرهما.

نعم، يختلفان في الطريقة السلوكية للاجتهاد، وفي مقدار حجّيته.

____________

1- انظر: وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٩: ٧٧، الباب (١٦) من كتاب الزكاة.


الصفحة 139
إذاً، الاجتهاد بما هو اجتهاد موجود عند الشيعة والسُنّة، ولكن مرحلة الاجتهاد توقّفت عند السُنّة، وانحصرت في أصحاب المذاهب الأربعة، بينما الاجتهاد عند الشيعة لم يتوقّف لضرورته.

ونحن نتساءل: إن كان الاجتهاد غير صحيح، فلماذا اجتهد أصحاب المذاهب الأربعة في كثير من المسائل؟! وإن كان صحيحاً، فلماذا مُنعت عملية الاجتهاد ووقفت على هؤلاء، وأُخمدت بذلك الحركة العلمية؟

(مَن الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول؟)

« أبو حيدر الشاكر ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

باسمه تعالى..

من الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول، وجعل الرادّ عليهم كالرادّ على الله تبارك وتعالى؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ للمكلّف ــ إذا لم يكن أهلاً للاجتهاد أو الاحتياط ــ من التقليد لمعرفة الحكم الشرعي والوظيفة العملية، بمعنى: رجوع المكلّف الجاهل بالأحكام إلى العالم بها، ويستدلّ على ذلك بعدّة أدلّة، منها:

الأوّل: سيرة المتشرّعة وإجماعهم العملي على الاجتزاء بأخذ الأحكام من


الصفحة 140
المجتهدين.

والظاهر أنّ السيرة المذكورة متفرعة ارتكازاً عن سيرة العقلاء في جميع أمورهم على الرجوع إلى أهل الخبرة، فكلّ من لا يتسنّى له العلم بشيء يرجع إلى العالم به، ولولاه لاختلّ النظام؛ لتعذّر العلم لهم بجميع ما يحتاجونه، فتكون سيرة المتشرّعة كاشفة عن إمضاء الشارع الأقدس لسيرة العقلاء المذكورة.

الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ(1)؛ فإنّ التفقّه عبارة عن تعلّم الأحكام واستنباطها من أدلّتها، وظاهر الإنذار هو: الإنذار بما تفقّهوا فيه، فيدخل فيه بيان الأحكام الإلزامية المستتبعة للعقاب والفتوى بها، وحيث كان ظاهر جعل الحذر غاية للإنذار الواجب مطلوبيّته كان ظاهراً في حجّية الفتوى بالأحكام الإلزامية، ويتمّ في غيرها بعدم الفصل.

الثالث: قوله تعالى: ﴿فَاسأَلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ(2)؛ فإنّه ظاهر في أنّ وظيفة الجاهل: السؤال من العالم، والمنصرف: إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجّيّة الجواب.

الرابع: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم، وتحصيله، والانتفاع به، والرجوع للعلماء، والأخذ منهم... كالتوقيع الشريف: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم)(3)،

____________

1- التوبة (٩): ١٢٢.

2- النحل (١٦): ٤٣.

3- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٨٤، الباب (٤٥) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٤٠، الباب (١١) الحديث (٣٣٤٢٤) من أبواب صفات القاضي.


الصفحة 141
وقول الإمام الصادق عليه السلام: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(1).

ويشترط في الفقيه توفّر أُمور حتّى يصحّ الرجوع إليه؛ ففي (الذكرى) للشهيد الأوّل، قال: ((يعتبر في الفقيه أُمور ثلاثة عشر قد نبّه عليها في مقبولة عمر ابن حنظلة عن الإمام الصادق عليه السلام: (انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله, فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما).

الأمر الأوّل: الإيمان؛ لقوله: (منكم)، لأنّ غير المؤمن يجب التثبت عند خبره، وهو ينافي التقليد.

الثاني: العدالة ــ لذلك أيضاً ــ وعليه نبّه بقوله: (أعدلهما).

الثالث: العلم بالكتاب.

الرابع: العلم بالسُنّة، ويكفي منهما ما يحتاج إليه، ولو بمراجعة أصل صحيح.

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٣ احتجاج أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام في أنواع شتّى من علوم الدين، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٣١، الباب (١٠) الحديث (٣٣٤٠١) من أبواب صفات القاضي.


الصفحة 142
الخامس: العلم بالإجماع والخلاف لئلا يفتي بما يخالفه.

السادس: العلم بالكلام.

السابع: العلم بالأُصول.

الثامن: العلم باللغة والنحو والصرف، وكيفية الاستدلال، وعلى ذلك دلّ بقوله: (وعرف أحكامنا)؛ فإنّ معرفتها بدون ذلك محال.

التاسع: العلم بالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤوّل، ونحوها ممّا يتوقّف عليه فهم المعنى والعمل بموجبه، كالمجمل والمبيّن، والعامّ والخاصّ.

العاشر: العلم بالجرح والتعديل، ويكفي الاعتماد على شهادة الأوّلين به، كما اشتمل عليه كتب الرجال؛ إذ يتعذّر ضبط الجميع مع تطاول الأزمنة.... وإلى ذلك أشار بقوله: (وروى حديثنا).

الحادي عشر: العلم بمقتضى اللفظ لغة وعرفاً وشرعاً.

الثاني عشر: أن يعلم من المخاطب إرادة المقتضى إن تجرّد عن القرينة، وإرادة ما دلّت عليه القرينة إن وجدت، ليثق بخطابه، وهو موقوف على ثبوت الحكمة.

الثالث عشر: أن يكون حافظاً، بمعنى: أنّه أغلب عليه من النسيان؛ لتعذّر درك الأحكام من دونه..))(1).

____________

1- ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ١: ٤٢ ــ ٤٣.


الصفحة 143

(شروط مرجع التقليد)

« أبو أحمد ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين.

ما هي شروط اختيار المرجع، هل هناك شروط نتّبعها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يشترط في مرجع التقليد عدّة شروط، وهي:

١ــ البلوغ.

٢ــ العقل.

٣ــ الإيمان.

٤ــ العدالة.

٥ــ الرجولة.

٦ــ الحرّية.

٧ــ الاجتهاد.

٨ــ الحياة.

٩ــ الأعلمية.

١٠ــ أن لا يكون متولّداً من الزنا.

١١ــ أن لا يكون مقبلاً على الدنيا.


الصفحة 144

(اشتراط طهارة المولد)

« حسن ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

لدي سؤال، وهو: أليس من الظلم أن يحرم الله ابن الزنا نعمة المرجعية مع أنّه لم يقترف شيئاً، بل والديه هما السبب وليس هو؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول السيّد الخوئي عن سبب اشتراط طهارة المولد في المقلَّد: ((أنّ كون المجتهد متولّداً من الزنا منقصة، قد تقدّم أنّ الشارع لا يرضى بزعامة من له منقصة بوجه، كيف ولم يرض بإمامة مثله للجماعة، فما ظنّك بتصدّيه للزعامة الكبرى للمسلمين؛ لأنّ منصب الفتوى من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية))(1).

ولا تكون الآثار الدنيوية، سواء الاعتبارية أم التكوينية، دائماً من عمل الشخص نفسه، بل ربّما يرده الآخرون موارد التهلكة؛ لأنّ للدنيا قوانينها الخاصّة، كما ذكر في القرآن مثلاً: أنّ العذاب ينزل على القرية بفسق مترفيها، فيعمّ الجميع، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَّةً(2).

____________

1- كتاب الاجتهاد والتقليد: ٢٣٥ ــ ٢٣٦.

2- الأنفال (٨): ٢٥.


الصفحة 145

(ما هو التقليد؟ وما الدليل عليه؟)

« علي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

ما هو التقليد, ومتى بدأ التقليد, وفي عصر أي إمام بدأ التقليد, وما الدليل على التقليد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

التقليد (لغة) بمعنى: جعل الشخص أو غيره ذا قلادة، فيقال: تقلّد السيف، أي: ألقى حمّالته في عنقه، وفي حديث الخلافة: عن الرضا عليه السلام: (فقلّدها صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام)(1)، أي جعلها قلادة له.

ومعنى أنّ العامّي قلّد المجتهد، أنّه جعل أعماله على رقبة المجتهد وعاتقه، وأتى بها استناداً إلى فتواه.

وقد أشارت جملة من الروايات إلى هذا المعنى، نذكر منها: معتبرة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: ((كان أبو عبد الله عليه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء الأعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت، قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال له أبو عبد الله عليه السلام:

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٩٩ الحديث (١)، باب (نادر جامع في فضل الإمام وصفاته).


الصفحة 146
(هو في عنقه قال أو لم يقل، وكلّ مفتٍ ضامن)))(1). وهناك أخبار مستفيضة يمكنك الرجوع إليها في كتاب (وسائل الشيعة)(2).

وعلى هذا نرى بأنّ اللغة والاصطلاح والعرف متطابقة على أنّ التقليد هو: الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل؛ فالتقليد إمّا أن يكون بمعنى: الأخذ والالتزام، أو يكون معناه: العمل استناداً إلى رأي الغير، وهو العالم الجامع للشرائط.

والضرورة تقتضي التقليد؛ وذلك لأنّ كلّ مكلّف يعلم إجمالاً بثبوت أحكام إلزامية فرضها الشارع المقدّس عليه، من وجوب أو حرمة، والإتيان بالواجب وترك المحرّم له طريقان: إمّا أنّه يعرف الواجب فيأتي به، والمحرّم فيتركه، وإمّا أنّه غير عالم بهما، فيجب الرجوع إلى العالم بهما، وهو المتخصّص في عمله؛ لإبراء ذمّته أمام مولاه، وهذا هو معنى التقليد الذي هو: اعتماد غير المتخصّص على المتخصّصين والرجوع إليهم.

ومن هنا يظهر أنّ التقليد من الأمور الارتكازية؛ إذ رجوع كلّ ذي صنعة إلى أصحاب الصنائع، وكلّ من لا يعرف أحكام الدين يعتمد في معرفته لهذه الأحكام على المجتهد المتخصّص، فيضع عمله كالقلادة في رقبة المجتهد الذي يقلّده، وهذا غير محدّد بزمان بل هو جارٍ في كلّ الأزمنة.

والتقليد من فطرة العقول، والشارع قد أمضاه بعدم الردع عنه، فرجوع الجاهل إلى العالم في زمان الأئمّة عليهم السلام كان رجوعاً إلى من علم الأحكام بالعلم

____________

1- الكافي ٧: ٤٠٩ الحديث (١) كتاب (القضاء والأحكام)، باب (أنّ المفتي ضامن).

2- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ٢٢٠، الكافي، للكليني ٧: ٤٠٩ كتاب (القضاء)، باب (وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث)، وغيرها.


الصفحة 147
الوجداني الحاصل من مشافهة الأئمّة عليهم السلام، وأمّا في زماننا فهو رجوع إلى من عرف الأحكام بالظنّ الاجتهادي والأمارات.

(ويكون عمله تنزيلياً تعبّدياً لا وجدانياً، فهو الطريق الأكثر عملية، والأقرب لفعل الناس؛ لاعتيادهم في كلّ مجال على الرجوع إلى ذوي الاختصاص والخبرة، وهو واجب كلّ مكلّف لا يتمكّن من الاجتهاد أو الاحتياط).

تعليق:

« أبو نور ــ العراق ــ إمامي »

الإجابة غير مقنعة وغير تامّة!

الرجل يسأل عن تاريخ التقليد وما ذكر رواية منقولة، ومذهب الإمام عليّ لا يقرّ التقليد؛ لأنّه صاحب القول المشهور عند رفض عرض عبد الرحمن بن عوف: على سُنّة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم واجتهاد رأيي، ولم يقرّ بتقليد الخليفتين..

فالتقليد منهج نقلي ومنهج الإمام عليه السلام عقلي، والتقليد يصادر العقل؛ لأنّه يطلب من الإنسان التنازل عن عقله إلى آخر يمكن أن يقول له يوماً: لا تأكل أنا آكل بدلاً عنك وأخبرك كيف يكون الشبع!

الله سبحانه وتعالى أعطى للإنسان عقلاً يفكّر به ويتدّبر، فالله سبحانه وتعالى خلق آدم من طين ولم يأمر الملائكة بالسجود له، ونفخ فيه من روحه ولم يأمرهم بالسجود، لكنّه أمرهم بالسجود عندما علّمه (منحة العقل).

وعليه لا يكون التقليد مبدأ عَلوياً أبداً، ولا ينتمي للأئمّة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يصحّ ردّ التقليد لأنّ الإمام عليّاً عليه السلام لم يقبل متابعة الشيخين، فالإمام إنّما


الصفحة 148
رفض متابعة الشيخين؛ لأنّه أعلم منهما وهو المعصوم وهما غير معصومين، ولا يصحّ رجوع العالم إلى الجاهل، فلو كانا هما العالمَين وهو المحتاج إليهما ومع ذلك رفض متابعتهما لصحّ القول برفضه لمنهج التقليد.

وقولك: إنّ منهج الإمام عقلي، كلام غير صحيح، فالإمام عليه السلام يرجع في علومه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا منهج نقلي لا عقلي، فحصر علم الإمام بالمنهج العقلي كلام غير صحيح.

وقولك: إنّ التقليد يصادر العقل، كلام غير دقيق! بل التقليد سيرة العاقل؛ فالجاهل إذا استند إلى عقله معناه سار في الضلالات، فالعقل يرشده إلى الرجوع إلى من هو أعلم منه، بل إلى الأعلم في هذا الاختصاص ومتابعته في ذلك.

ثمّ إنّ الذي يقول بالتقليد لا يقول به في كلّ شيء، بل ذلك مختص بفروع الدين التي يعسر عليه الوصول إلى أحكامها، أمّا في أُصول الدين فلا تقليد.

وأمّا مثال معنى الأكل، فقياس مع الفارق! حيث يحتاج كلّ إنسان إلى الأكل؛ لأنّه أمر فطري، بخلاف الاجتهاد فإنّه غير ممكن لكلّ أحد أن يجتهد في الدين، بل هو نظير الحِرف والصناعات يقوم بها جماعة خاصّة لرفع حوائج الآخرين.

(الدليل العقلي على التقليد)

« أحمد ــ كندا ــ إمامي »

السؤال:

ما حكم التقليد؟ وما حكم مَن لا يقلّد؟ وما هو الدليل عليهما؟ وهل كان التقليد في زمن الأئمّة عليهم السلام؟ مع مراعاة أنّهم يختلفون عنّا بالعصمة، وأنّهم في كلّ


الصفحة 149
زمان مرجع واحد، أمّا الآن فعدّة مراجع، بينهم عدّة اختلافات، ونحن على مذهب واحد؟

أفيدونا رحمكم الله، وجعلنا وإيّاكم ممّن يكون مع محمّد وآله عليهم السلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الدليل على لزوم التقليد على المكلّف عقليّ؛ لأنّ الأمر لا يخلو من حالتين: إمّا أن يكون المعصوم موجوداً أو غائباً.

فعلى الأوّل: في زمان حضور المعصوم عليه السلام، لا بدّ للمكلّف من أخذ معالم الدين من المعصوم مباشرة.

وعلى الثاني: في زمان غيبته، فهل يسقط التكليف؟ الجواب: لا؛ لأنّ الآيات القرآنية، والأحاديث المتواترة، والعقل، كلّ هذه تحكم باستمرار التكليف، وأنّ المخاطب بالتكليف لا ينحصر بمن أدرك المعصوم فقط.

إذاً، التكليف موجود وسارٍ، ونحن مكلّفون، فكيف لنا أن نعرف التكليف المتوجّه إلينا، لنكون بريئي الذمّة أمام الله سبحانه وتعالى؟

ولمعرفة التكليف أمامنا عدّة خيارات:

فإمّا أن يجتهد كلّ واحد منّا، بحيث يستنبط التكليف المتمثّل بالأحكام الشرعية من الكتاب والحديث، ويعمل بما توصّل إليه نظره.. وإمّا أن نرجع إلى المجتهد الذي استنبط الحكم، بشرط أن يكون هذا المجتهد الأعلم الأورع الأتقى.. وإمّا أن نحتاط في الأحكام بين آراء المجتهدين.

وعليه فلو لم يكن الشخص مجتهداً، ولا يمكنه الاحتياط لتعسّره في كثير


الصفحة 150
من الأحيان، فلا يبقى إلّا الرجوع إلى المجتهد الذي استنبط تلك الأحكام، من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

وفي الدوران بين المجتهد الأعلم وغيره، فالعقل يحكم بلزوم الرجوع إلى الأعلم.

وفي الجواب على السؤال عن سبب الاختلاف في الفتوى، فقد قلنا أنّه في زمن الغيبة لا يوجد معصوم، والمجتهد يستنبط الأحكام بالاعتماد على الأدلّة، والفهم فيما بين بني آدم مختلف، فمن الطبيعي أن يحدث الاختلاف، وهذا الاختلاف في الفتوى في مسائل يسيرة ومعدودة، تكون ذمّة من عمل بها بريئة أمام الله تعالى، وإن لم يصب الحكم الواقعي.

(الدليل على التقليد، وشرائط مرجع التقليد، وكيفية تشخيص الأعلم)

« محمّد قاسم ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

ما حجّة التقليد؟ ومتى بدأ التقليد؟ وعلى أيّ أساس نقلّد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالكم الأوّل: ما حجّة التقليد؟

جوابه: أوّلاً: حجّته عقلية، وهي: حاجة رجوع الجاهل إلى العالم مع صعوبة


الصفحة 151
الصفحة السابقةالصفحة التالية