المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180) وصول الجاهل لما وصل إليه العالم لتعذّر ذلك من جهات عدّة.

ثانياً: صحّته نقلية، وذلك ما يمكن استفادته من كلام الإمام الصادق عليه السلام: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(1).

ومن هنا يتبيّن جواب سؤالكم الثاني، وهو: متى بدأ التقليد، فالجواب هو: عند بداية الغيبة الكبرى لمولانا صاحب الأمر والزمان عليه السلام، ووفق هذا البيان الذي تركه للأمّة.

أمّا سؤالكم: على أيّ أساس نقلّد؟ إذا كان المقصود منه: ما هي الشرائط الموجودة في المجتهد التي تعدّ الأساس في جواز تقليده؟ فهي تتحقّق في أُمور: البلوغ، والعقل، والإيمان، والذكورة، وطهارة المولد، والاجتهاد، والعدالة، والحياة ابتداءً لا استدامة، والضبط المتعارف، والأعلمية.

أمّا إذا كان قصدك من السؤال هو: ما هي الآلية التي نتمكّن بها من تشخيص مرجع التقليد فهي على ما ذكر الفقهاء:

١ــ شهادة عدلين من أهل الخبرة من أهل العلم بأعلمية المرجع الفلاني.

٢ــ أن يحصل للمكلّف اليقين، كما لو كان من أهل العلم وقادراً على التشخيص والاختيار من خلال المعايشة العلمية.

٣ــ الشياع المفيد للاطمئنان.

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٣.


الصفحة 152

(تاريخ الاجتهاد والتقليد)

« محمّد حسين ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

١ــ ما الدليل التاريخي على وجوب التقليد؟ ومتى ولد التقليد تاريخياً؟

وهل صحيح أنّه لم يذكر في كتب التاريخ إلّا قبل حوالي ٢٠٠ سنة فقط؟

وهل صحيح أنّ أوّل من نادى بمفهوم التقليد هو الشيخ الأنصاري رحمه الله؟

الرجاء ذكر الكتب التي ورد فيها أصل وتاريخ التقليد والروايات المؤكّدة الواضحة في التقليد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت الكرام.

٢ــ هل هنالك أيّ دليل على وجوب التقليد من القرآن الكريم وسُنّة الرسول وآل البيت؟ مع ذكر هذه الأدلّة.

٣ــ ما الفرق بين التقليد والاجتهاد تاريخياً وشرعياً؟

٤ــ ما حكم من لم يقلّد ولكنّه يأتي بالأعمال والفرائض، وهل يجوز إبطال أعمال هذا الشخص من أحد غير الله عزّ وجلّ؟

٥ــ ما حكم من يرجع في مسألة شرعية إلى المراجع والعمل بالفتوى التي يراها مناسبة له في مختلف المسائل؟

٦ــ هل يجوز السؤال عن الأدلّة الشرعية على فتوى من المرجع؟ وألا يعتبر عدم التمحيص منافياً للعقل؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الناس في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن الأئمّة المعصومين الطاهرين عليهم السلام كانوا يرجعون إليهم صلوات الله عليهم أجمعين في معرفة الأحكام الشرعية، وهذا


الصفحة 153
الذي يعمله الناس ما هو إلّا تقليد منهم لهم صلوات الله عليهم، وفي بعض الأحيان يجعل الإمام بينه وبين الناس واسطة ممّن يعرف الأحكام الشرعية ويجيد فهم أقوال الإمام، فيكون واسطة لنقل الحكم من الإمام إلى الناس..

ففي رواية للإمام أبي جعفر عليه السلام أنّه قال لأبان بن تغلب: (اجلس في المسجد وافت الناس، فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك)(1).

ويسأل أحد الرواة الإمام الرضا عليه السلام عن يونس بن عبد الرحمن: أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم(2).

أمّا ما حصل في زمن الغيبة الصغرى، فإنّ الإمام عجل الله تعالى فرج الشريف عيّن شخصاً ليقوم مقامه في إيصال الأحكام إلى الناس، وهم السفراء الأربعة(3).

وأمّا ما حصل في زمن الغيبة الكبرى، فإنّ الإمام الغائب عجل الله تعالى فرج الشريف أرجع الناس إلى رواة حديث الأئمّة عليهم السلام، فقال: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)(4)، وقال الإمام الصادق عليه السلام: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(5).

____________

1- رجال النجاشي: ١٠، باب الألف.

2- اختيار معرفة الرجال، للطوسي ٢: ٧٨٤ (٩٣٥) أصحاب الرضا عليه السلام.

3- انظر: الغيبة، للطوسي: ٣٥٤ الفصل (٦).

4- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٨٤، الباب (٤٥) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٤٠، الباب (١١) الحديث (٣٣٤٢٤) من أبواب صفات القاضي.

5- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٣ احتجاج أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام في أنواع شتى من علوم الدين، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٣١، الباب (١٠) الحديث (٣٣٤٠١) من أبواب صفات القاضي.


الصفحة 154

وقد برز مع بداية الغيبة الكبرى مجموعة من الفقهاء واستمر الحال إلى الآن, ومن أولئك الفقهاء نذكر:

١ــ العيّاشي، صاحب التفسير، المتوفّى سنة (٣٢٠هـ).

٢ــ علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة (٣٢٩هـ).

٣ــ ابن أبي عقيل العماني، أستاذ جعفر بن قولويه، عاصر السمري آخر السفراء توفّي سنة (٣٦٩هـ).

٤ــ ابن الجنيد الإسكافي، من أساتذة الشيخ المفيد، توفّي سنة (٣٨١هـ)، ويعرف هو وابن أبي عقيل بالقديمين؛ لأنّهما كانا في أوّل الغيبة الكبرى.

٥ــ الشيخ المفيد، ولد سنة (٣٣٦هـ) وتوفّي (٤١٣هـ).

٦ــ السيّد المرتضى، ولد سنة (٣٥٥هـ) وتوفّي (٤٣٦هـ).

٧ــ الشيخ الطوسي، ولد سنة (٣٨٥هـ) وتوفّي (٤٦٠هـ).

هؤلاء مجموعة من الفقهاء الذين عاصروا بداية الغيبة الكبرى، وكانت لهم مؤلّفات في الفقه، وكان الناس يرجعون إليهم في معرفة الأحكام الشرعية.

وقد بحث وكتب في تاريخ علم الفقه الشيخ محمّد علي الأنصاري في مقدّمته لكتاب (توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد) للآغا بزرك الطهراني، وكذلك الشيخ محمّد مهدي الآصفي في (مقدّمته لشرح اللمعة الدمشقية)، المعروفة بطبعة كلانتر، والشيخ علي آل كاشف الغطاء في كتابه (أدوار علم الفقه وأطواره)...(1).

____________

1- انظر: مدخل إلى علم الفقه، لعلي خازم: ١٦.


الصفحة 155

وقد استدلّ الفقهاء على نفوذ الاجتهاد وحجّية فتوى المجتهد، وعلى صحّة تقليد الجاهل له، بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1)، فأوجب الله تعالى على طائفة التفقّه في الدين، وهو يشمل الاجتهاد وتحصيل الحجّة على الأحكام، وطلب من آخرين الحذر العملي من إخبار المنذرين، وهو يشمل التقليد.

على أنّنا لم نفهم من خلال أسئلتك هل تريد المسار التاريخي للاجتهاد والتقليد، أم تريد الأدلّة الشرعية المحدّدة لهما؟ فكان في سؤالك الأوّل نوع من الخبط؛ فأنت تسأل عن الدليل وتريده تاريخياً، ثمّ لا تعرف ما هو الفرق بين الدليل التاريخي والدليل الشرعي.

ونحن نقول: لا بدّ أن يكون سؤالك هكذا: ما هو المسار التاريخي للاجتهاد والتقليد؟ أو: كيف بدأ الاجتهاد والتقليد؟ وهل هناك دليل شرعي على صحّته؟

وقد ذكرنا في أجوبتنا أنّه لا بدّ للإنسان من سلوك هذا الطريق، وهو: التقليد؛ من أجل الوصول إلى الأحكام الشرعية أو يجتهد أو يحتاط, وهذه الطرق يجدها الإنسان ضرورية للوصول للأحكام، وهذا يشمل جميع الديانات وجميع الفرق, فالكلّ يجد نفسه محتاجاً للرجوع إلى العلماء ذوي الاختصاص في فهم أحكام الدين الذي يعتنقه.

____________

1- التوبة (٩): ١٢٢.


الصفحة 156

وما يذكر من أنّ أوّل من نادى بالتقليد هو الشيخ الأنصاري ناتج من سوء فهم؛ وذلك لأنّ المشكّكين لمّا لم يجدوا في الكتب الفقهية ذكر باب الاجتهاد والتقليد إلّا عند الشيخ الأنصاري وما بعده، توهّموا أنّ أوّل من نادى بالتقليد هو الشيخ الأنصاري، في حين تجد فقهاءنا الذين سبقوا الشيخ الأنصاري كانوا يبحثون كتاب الاجتهاد والتقليد في الكتب الأُصولية، فعدم ذكرهم لباب الاجتهاد والتقليد في الكتب الفقهية بسبب أنّهم بحثوا ذلك في الكتب الأُصولية، لا أنّهم لا يدعون الناس إلى التقليد لمن لا يستطيع منهم الاجتهاد أو الاحتياط(1)!

أمّا من يعمل بالأحكام من دون تقليد، فإن أصاب حكمه الواقع فعمله صحيح، وإن لم يصب حكمه الواقع فإنّه مقصّر بسبب عدم تقليده، والحال أنّ هذا الشخص هو إمّا مقلّداً، يأخذ الأحكام ممّن علّمه تلك الأحكام، كالمعلّم أو الأب أو الأُمّ أو الأخ أو الصديق، ولكنّه لا يريد الاعتراف بأنّه مقلّد! بل يقبل أن يقلّد هؤلاء ولا يقلّد ذوي الاختصاص وهم الفقهاء والعلماء.. أو هو مجتهد يبحث عن الحكم من خلال الكتب؛ فإن أخذ الحكم جاهزاً فهو مقلّد لصاحب الكتاب, أو فهم دليله الشرعي فهو مجتهد, ولكنّه إن استطاع فهم حكم واحد أو أكثر فإنّه لا يستطيع فهم كلّ الأحكام الشرعية إلّا بالوصول إلى ملكة الاجتهاد التي لا تحصل إلّا بدراسة مقدّمات كثيرة، وبعد قطع شوط طويل في طلب العلم.

أمّا ما يتعلّق باختيار مجتهد في كلّ مسألة شرعية فهو مرفوض؛ وذلك لأنّ

____________

1- انظر: رسائل المرتضى ١: ٤٣، ٢: ٣١٧، الذريعة إلى أصول الشريعة، المرتضى
٢: ٢٩٦، فصل في صفة المفتي والمستفتي، عدّة الأُصول ٢: ٧٢٧ الباب (١١) الفصل (٢)، مبادئ الأُصول: ٢٤٦ الفصل (١١) البحث (٥) في جواز التقليد.


الصفحة 157
أغلب الفقهاء يفتون بوجوب الرجوع إلى الأعلم من المجتهدين، والانتقال من مجتهد إلى آخر يوقعه في أخذ الأحكام من غير الأعلم.

نعم، يجوز له الانتقال من مجتهد إلى آخر... وفق ضابطة معينة، وهي: أنّ المجتهد الأعلم الذي يقلّده إن لم يكن له في المسألة حكم شرعي، بل يفتي بشيء معيّن وفق الاحتياط اللزومي أو الوجوبي، فإنّه يحقّ للمقلّد الرجوع إلى مجتهد آخر له فتوى في المسألة, ولكن لا بدّ أن يكون هذا المجتهد الذي يرجع إليه هو الأعلم من بين أولئك المجتهدين الذين يرغب في الانتقال إلى أحدهم.

أمّا ما يتعلّق بالسؤال عن الأدلّة الشرعية، فمن حقّ أيّ شخص السؤال عن ذلك، ولكن ذلك ليس بواجب عليه، ولا بدّ أن يكون السائل ممّن يجيد فهم تلك الأدلّة الشرعية.

تعليق:

« جنان هونك ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ربّما سؤالي هو عين سؤال السائل أو رغبته في معرفة الدليل على وجوب التقليد.

أنا أُسلّم على أنّه الأجدر والأبرأ للذمّة ما لو بقى على تقليد نفسه.

سؤالي: إنّه وردت أحاديث (من كان صائناً لنفسه...)، ما مدى صحّة هذا الحديث سنداً؟ إذا أمكن ذكر السند الروائي المعتبر، للردّ على من ينكر وجوب التقليد.


الصفحة 158

وكذا الحديث الثاني: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم. ما مدى صحّة هذا الحديث سنداً ومتناً؟ إذا أمكن تبيّنون لنا.

جزاكم الله خيراً.

الجواب:

معنى كلامك بتقليد نفسك: أنّك لا تقبل الواسطة للوصول للحكم الشرعي عن طريق أي شخص، بل تريد الوصول إليه بنفسك، وهذا يمكن تسميته بـ(الاجتهاد)، إذا كنت تملك الأدوات العلمية التي تتيح لك الاستنباط والوصول للحكم الشرعي، ولكنّنا نشكّ في ذلك لكلّ من لم يدرس مقدّمات كثيرة، ويتقن علوماً معقّدة، تتيح له الاستنباط!

فالذي تعمله إذاً ليس هو باجتهاد، بل هو تحكيم للرغبات والأهواء النفسية للوصول لعمل معيّن تعتبره حكماً شرعياً, ومثل هكذا سلوك قد أوصل بعض الناس، كما في الخوارج ونظرائهم اليوم، إلى تكفير طوائف من الناس وتجويز قتل المسلمين الأبرياء, فأيّ حكم شرعي هذا؟!

وأمّا خبر (من كان من الفقهاء صائناً...) المروي في تفسير العسكري، فقد قال السيّد الخوئي عنه: ((وقد يستدلّ عليه برواية الاحتجاج المروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام؛ حيث ورد فيها: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه...).

ويدفعه أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة السند؛ لأنّ التفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه، فإنّ في طريقه جملة من المجاهيل، كمحمّد بن القاسم الإسترآبادي، ويوسف بن محمّد بن زياد، وعلي بن محمّد بن سيّار، فليلاحظ.


الصفحة 159
هذا إذا أُريد بالتفسير المنسوب إلى العسكري عليه السلام هو الذي ذكره الصدوق قدس سره بإسناده عن محمّد بن القاسم الإسترآبادي, والظاهر أنّه مجلد واحد، كما لا يخفى على من لاحظ التفسير الموجود بأيدينا اليوم.

وأمّا لو أُريد به: الذي ذكره محمّد بن علي بن شهر آشوب، على ما نقله في المستدرك، فالسند به صحيح؛ لأنّه ذكر: الحسن بن خالد البرقي، أخو محمّد بن خالد، من كتبه: تفسير العسكري، من إملاء الإمام عليه السلام، والحسن بن خالد ممّن وثّقه النجاشي، وللمشايخ إليه طرق صحيحة...(1).

ولكن لصاحب (تنقيح المقال) رأي آخر في الدفاع عمّن روى التفسير المذكور، فقال في الدفاع عن الإسترآبادي: ((إنّ مثل الصدوق رضي الله عنه العدل العارف قد أكثر الرواية عنه، فتارة يعبّر عنه بمحمّد بن القاسم الإسترآبادي، وأُخرى بمحمّد بن علي الإسترآبادي، وثالثة بمحمّد بن القاسم المفسّر، وكلّما ذكر المفسّر فهو المراد به, وفي جميع الموارد يذكره مترضّياً، وهذا الالتزام منه بالترضّي يكشف عن كون الرجل جليلاً ثقة ثبتاً, وعن بعض الفقهاء المتأخّرين: أنّ من له أدنى ربط بأحاديث الأئمّة الأطهار عليهم السلام يجزم بأنّ هذا التفسير من كلام المعصوم...))(2).

ولكن بعض الفقهاء لا يقبل قول صاحب التنقيح؛ لأنّ مجرّد رواية الصدوق عنهم لا يدلّ على توثيقهم؛ لأنّه روى في بعض كتبه عن غير الموثّقين.

وأمّا حديث: (وأمّا الحوادث...)، فقد ذكره الصدوق في (إكمال الدين)(3)،

____________

1- انظر: كتاب الاجتهاد والتقليد، للخوئي: ٢٢١.

2- تنقيح المقال، للمامقاني ٣: ١٧٥ الطبعة الحجرية.

3- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٨٤ الباب (٤٥).


الصفحة 160
والشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة)(1)، وسند الحديث لا بأس به إلّا من جهة إسحاق ابن يعقوب؛ فإنّه مجهول، لكن نقل الكليني عنه في سند الحديث قد يدلّ على اعتماده عليه, فإذا قبلنا هذا كان الحديث مقبولاً.

أمّا الدليل على وجوب التقليد فقد ذكرناه في ما يلي من الأسئلة.

(في جواب بعض الشبهات: أدلّة وجوب التقليد مأخوذة من السيرة والعقل)

« مهدي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أرجو الإجابة على هذه الشبهات التي وردتني من أحد المناظرين:

((نعم أخي الكريم نظرت في الروابط التي بعثتها وبحثت في ما يخصّ وجوب التقليد ووجدت أنّه يستند إلى هذه الرواية، وأنا لا أُكذّب أي رواية لأهل البيت عليهم السلام على الإطلاق: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه...).

وكما فهمت من كلامك أنّ ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، وسوف أوضّح لك ما جمعته من أراء فقهائنا (الشيعة)، وإذا أردت أن

____________

1- الغيبة: ٢٩١ بعض ما ظهر من جهته عليه السلام من توقيعات.


الصفحة 161
أزيدك فأنا بخدمتك حتّى لا تقول أنّي أقيس وأنّ هذه آرائي، فأنا ملتزم بخطّ أهل البيت عليهم السلام وهم نهونا عن القياس:

١ــ إنّ هذه الرواية ضعيفة ومرسلة بإجماع الشيعة، فلا يجوز الاستدلال بها ــ حسب قواعد الأُصول التي وضعها الفقهاء الأُصوليون ــ فكيف جاز للفقهاء الاستدلال بها؟!!

٢ــ إنّها مؤوّلة في نقلة الأخبار، وليس أصحاب الرأي والاجتهاد، فتكون ظنّية الدلالة، وفي هذه الحالة أيضاً لا يمكن للفقهاء الاستدلال بها، لأنّه يشترط في الدليل أن يكون قطعي الدلالة لا ظنّي.

٣ــ إنّها معارضة بروايات متواترة وصحيحة تمنع عن الإفتاء بالرأي والاجتهاد، ومن البديهي أنّه عند تعارض أخبار متواترة مع خبر آحاد ضعيف تقدّم الأخبار المتواترة، ويؤوّل الخبر الضعيف ليوافقها أو يردّ علمه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام.

٤ــ ومع غضّ النظر عن كلّ شيء، فإنّ الرواية ليس لها نصّ أو ظهور في وجوب التقليد، بل ورد فيها: (فللعوام أن يقلّدوه)، وهذه العبارة ظاهرة في التخيير وليس في الوجوب، فكيف يصفها الفقهاء بأنّها من الأخبار التي تشير إلى وجوب التقليد؟!!

٥ــ وسأنقل لك بعض تعليقات الفقهاء المحقّقين في هذا الموضوع:

١ــ الحرّ العاملي في كتابه (وسائل الشيعة ج١٨ ص٩٤ ــ ٩٥)، قال بعد نقله للرواية: ((أقول: التقليد المرخّص فيه هنا إنّما هو قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد والظنّ، وهذا واضح، وذلك لا خلاف فيه... على أنّ هذا الحديث لا


الصفحة 162
يجوز عند الأُصوليين الاعتماد عليه في الأُصول ولا في الفروع؛ لأنّه خبر واحد مرسل، ظنّي السند والمتن ضعيفاً عندهم، ومعارضه متواتر قطعي السند والدلالة، ومع ذلك يحتمل الحمل على التقية)).

٢ــ السيّد الخميني رحمه الله في كتابه (الاجتهاد والتقليد ص٩٧)، قال بعد كلام طويل في إثبات ونفي حجّية هذه الرواية: ((...كما ترى، فالرواية مع ضعفها سنداً، واغتشاشها متناً، لا تصلح للحجّية...)).

((فكان عليه السلام يدرّس الطالب بحسب ما يراه مناسباً مع فهمه، وكان الطالب يتلقّى عنه ويكتب ما يفهمه منه. ومن هنا جاء مستوى التفسير منخفضاً عن مستوى الإمام بكثير. على أن روايته ضعيفة, ولا تصلح للإثبات التاريخي))، انتهى.(تاريخ الغيبة الصغرى للسيّد محمّد الصدر: ١٩٧).

أقول: إنّ الكلام واضح في أنّ تفسير الحسن العسكري عليه السلام لا يصلح للإثبات التاريخي، فكيف يحتجّ الفقهاء بها في قضية عقائدية وهو لا يصلح حتّى للاستدلال الفقهي حسب قواعدهم؟

٣ــ المحقّق الخوئي رحمه الله في كتابه (الاجتهاد والتقليد ص٨١)، قال بعد كلام طويل: ((...ثمّ إنّ التكلّم في مفهوم التقليد لا يكاد أن يترتّب عليه ثمرة فقهية، اللّهمّ إلّا في النذر؛ وذلك لعدم وروده في شيء من الروايات. نعم ورد في رواية الاحتجاج: (فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)، إلّا أنّها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها)).

وقال في ص٢٢١: ((إنّ الرواية ضعيفة السند؛ لأنّ التفسير المنسوب إلى


الصفحة 163
العسكري عليه السلام لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه، فإنّ في طريقه جملة من المجاهيل، كمحمّد بن القاسم الإسترآبادي، ويوسف بن محمّد بن زياد، وعلي ابن محمّد بن سيّار؛ فليلاحظ!)).

٤ــ السيّد محمّد سعيد الحكيم في كتابه (مصباح المنهاج ــ التقليد ــ ص١٣)، قال بعد كلام طويل: ((نعم قد يستفاد العموم من التوقيع الشريف: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأَنا حجّة اللّه عليهم). ومثله ما عن الاحتجاج من قوله عليه السلام: (فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه). وما عن أبي الحسن عليه السلام: (اعتمدوا في دينكم على كلّ مسنّ في حبّنا، كثير القدم في أمرنا).

مضافاً إلى الإشكال في الجميع بضعف السند، خصوصاً الأخيرين، وعدم وضوح الانجبار بعمل الأصحاب، ومفروغيتهم عن الحكم؛ لقرب احتمال اعتمادهم على الأدلّة الأُخرى، فلا مجال للتعويل عليها في استفادة العموم))، انتهى.

وقد تعمّدت نقل رأي الحرّ العاملي ــ صاحب وسائل الشيعة ــ بهذه الرواية؛ لأنّه من الشيعة الأخبارية، ونقل رأي السيّد الخميني والشهيد الصدر؛ لأنّهما من الشيعة الأُصولية القائلين بالولاية العامّة، ورأي السيّد الخوئي والسيّد محمّد سعيد الحكيم؛ لأنّهما من الشيعة الأُصولية القائلين بالولاية الخاصّة لا العامّة، ليتبيّن للقارئ المنصف أنّ الشيعة بكلّ فرقهم تقريباً لا يعتمدون على هذه الرواية في الاستدلال على وجوب التقليد؛ لأنّها غير تامّة السند والدلالة.


الصفحة 164
وأنقل لك ما أعرف من فرق بين الأُصوليين والأخباريين من فقهاء الشيعة... جاء عن الأخباريين من آراء إذ يقولون: إنّ باب التعقّل في الروايات مغلقة، ويتركون أحاديثاً في عدم جواز تناول العقول.

العقول التي لا تتناول الدين ليست العقول التي تستنبط الأحكام من روايات أهل البيت.

أخي العزيز، تلك العقول التي لا تتناول الدين بها، هو من يعمل بالقياس والاستحسان، كأبي حنيفة، لذا الروايات وردت في ردّهم.

إنّ الفرق بين الأُصوليين والأخباريين هو: الأُصوليّون وضعوا قواعد عقلية لاستنباط الأحكام الشرعية، أمّا الأخباريون فقد رفضوا الاستنباط خارج الروايات والقرآن.

الأُصوليون أضافوا دليلين: العقل والإجماع، على دليلي محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، الأخباريون رفضوا هذين الدليلين.

وهو تصريح واضح من فقهاء الأُصول بأنّ الثقلين لم يعودا قادرين على بيان الحكم الواقعي للناس، فلزم أن يجد مَن يتصدّى لهذا الأمر ويضع آليات جديدة تمكّنه من استنباط الحكم الشرعي، متناسين بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يحتجّون به على أبناء العامّة: (إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً). ألا يعد إضافة هذين الدليلين اجتهاداً مقابل النصّ؟! وتلك حجّتنا على أبناء العامّة، وهي حجّة صحيحة؛ لأنّ الله سبحانه تعبّدنا بالنصّ ولم يتعبّدنا بالرأي!!


الصفحة 165
إلى غيرها من الأمور التي لو استقصاها باحث منصف لوضح له الانحراف العقائدي الغريب لدى الأُصوليون.

وإن قلت: بأنّ الأصوليين لا يخرجون عن القرآن والرواية، فأُريد منك أن تجيبني على سؤالي: أعطني رواية تجوّز صلاة الإجارة أو صيام الإجارة؟

وأنتظر جوابك أخي الكريم، وفّقكم الله وأسأل الله لك ولي الأجر والثواب في تقصّي الحقيقية، وتتبّع أثار أهل البيت عليهم السلام، وليسامحنا إن أخطأنا أو نسينا)).

أرجو الإجابة عن مقالة هذا الشخص..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: ربّما لا نحتاج إلى دليل نقلي في وجوب التقليد؛ وذلك لتسالم العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ أمر مجهول، فمن أصابه مرض ما فهو يرجع في ذلك إلى الطبيب، ومن أراد أن يعرف زيف معدن ما من أصالته ــ كالذهب ــ فهو يرجع فيه إلى الصائغ وهكذا..

فالرجوع إلى أهل الخبرة أمر عقلائي مركوز في ذهن وفؤاد كلّ إنسان.. وعلوم الشريعة هي إحدى تلك العلوم التي تحتاج إلى الاختصاص والتبحّر فيها واستنباط الأحكام منها، فإذا كان البناء على أنّ التقليد ليس بواجب، فهذا معناه أن يسعى كلّ إنسان لتحصيل علوم الشريعة بنفسه واستنباط الأحكام منها للعمل بها، وتحصيل فراغ الذمّة من التكاليف المشغولة بها ذمّته جزماً، من صلاة وصوم وحجّ وزكاة وخمس وما شابه..

وهذا الأمر قد يعسر الوصول إليه ــ أي: بلوغ درجة الاجتهاد واستنباط الأحكام ــ


الصفحة 166
لأنّه يتطلّب جهوداً خاصّة، وتفرّغاً تامّاً للدرس والتحصيل ممّا قد لا يقدر عليه كثير من الناس، بل إنّ أغلب الناس ــ كما هو المشاهد ــ يهمّهم تحصيل معاشهم أكثر ممّا يهمّهم تحصيل العلم واستنباط الأحكام.. فلا بدّ إذاً في هذه الحالة من أن يتوفّر ذوي اختصاص في هذا الجانب يقضون حاجة الناس في معرفة أحكام الشريعة ليعملوا بها، كما هو الشأن تماماً في وجوب توفّر ذوي الاختصاص في الطبّ والهندسة والبناء والنجارة والصياغة وما شاكل ذلك ليقضوا حاجة الناس في الاختصاصات المذكورة.

والحاصل: إنّ هذا الأمر مطلب عقلائي تفرضه سيرة العقلاء ومرتكزاتهم في عودة الجاهل في الاختصاص إلى العالم في ذلك الاختصاص.. وهذه السيرة حجّة لم يرد ردع عنها في الشريعة المقدّسة؛ فقد كان الناس في زمان المعصومين عليهم السلام منذ أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي عجل الله تعالى فرج الشريف يرجعون إلى ذوي الاختصاص في كلّ احتياجاتهم، ولم يلزمهم الشرع بأن يتخصّصوا في كلّ شيء ولا يرجعون إلى أحد في شيء، بل تراهم يرجعون في كلّ أمر يجهلونه ولا يعرفون العمل فيه إلى ذوي الاختصاص والخبرة، والشارع المقدّس لم يردعهم عن هذه السيرة.. فدلَّ ذلك على إقراره لها، وهذا هو دليل حجّيتها.

والعلوم الدينية ــ كما أسلفنا ــ هي واحدة من تلك العلوم التي توجب الاختصاص بها واستنباط الأحكام منها لغرض تفريغ الذمّة من التكاليف المشغولة بها جزماً، والعودة إلى أهل الاختصاص فيها بمقتضى السيرة المتقدّمة أمر سائغ شرعاً، ولا مرية فيه، بل هو واجب يفرضه العقل أيضاً، إضافة للسيرة العقلائية المشار إليها سابقاً.


الصفحة 167
إذن العقل يحكم بعد الجزم بثبوت أحكام إلزامية في حقّ المكلّف، وأيضاً بعد العلم بأنّ الإنسان غير مفوّض بأن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء من الأحكام، أو أن يأتي بها كيفما اتّفق... فهو يحكم ــ أي العقل ــ بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف الواقعية التي اشتغلت بها الذمّة يقيناً، من صلاة وصوم وحجّ وزكاة وخمس وغيرها، بالشكل الذي يؤمّن المكلّف من التعرّض للعقوبة في الآخرة.. وهذا الخروج منحصر في الاجتهاد والاحتياط والتقليد، ولا يوجد طريق رابع، فإذا تعسّر الأوّلان ــ وهما متعسّران على كثير من الناس فعلاً ــ تعيّن الثالث، أي: وجوب التقليد لتحصيل براءة الذمة والخروج من عهدة التكاليف واقعاً.. وهو المطلوب.

ومن هنا نفهم قول الفقهاء: أنّه لا حاجة إلى التقليد في الضروريات واليقينيات؛ فالمكلّف العامّي لا حاجة له في الرجوع إلى الفقيه ليخبره بوجوب أصل الصلاة عليه، أو وجوب صوم شهر رمضان، فهذا أمر معلوم مشهور يعرفه الصغار والكبار من المسلمين، ولكنّه يرجع إليه في تفاصيل هذه الوجوبات وشرائطها وأحكامها التي يحتاج العلم بها إلى بحث وتحصيل في العلوم المختلفة للشريعة للوصول إلى الحكم الشرعي، فالمكلّف العامّي يرجع إلى الفقيه في خصوص ما يجهله وما لا يقدر على استنباطه ومعرفة أحكامه بيسر وسهولة.

وبهذا اللحاظ يمكنك أن تعدّ كلّ الأدلّة النقلية الواردة في هذا الجانب هي مؤيّدة لهذه السيرة القطعية والحكم العقلي.. فلا يضرّ بعد ذلك ضعفها أو صحّتها في استفادة الحكم المذكور، أي: وجوب التقليد.

وسواء قلنا أنّ الرواية المذكورة في السؤال مؤوّلة لنقلة الأخبار وغيرهم ــ مع أنّها مؤوّلة أيضاً بأخذ الفتوى بحسب مفهوم التقليد في زماننا، كما سيأتي بيانه ــ


الصفحة 168
فهذا لا يضرّ في المطلوب بعد ثبوت السيرة القطعية عليه، وتبقى بقية الأدلّة مؤيّدة لهذا الدليل لا أكثر.

ثانياً: دعوى المستشكل أنّه لا يمكن للفقهاء الاستدلال إلّا بالأدلّة القطعية الدلالة لا الظنّية؛ فإن كان يريد بكلامه هذا: عدم إمكان الاستدلال بالظنّي مطلقاً، فهذا جهل محض بواقع الأدلّة! وأيضاً جهل بكيفية إثبات الحجّية لها، فالكتاب الكريم مثلاً قطعي السند ظنّي الدلالة، فهل تراه بحسب هذه الدعوى لا يصحّ الاستدلال به؟ وأيضاً بعض الحديث الشريف ظنّي السند قطعي الدلالة، فهل تراه يصحّ الاستدلال به لقطعية دلالته رغم ظنّية السند مطلقاً ــ أي سواء كان ظنّاً معتبراً أو غيره ــ؟

فإن كان كلام هذا المستشكل يستفاد منه هذا المعنى، فهو جهل محض بواقع الأدلّة، وأيضاً جهل بكيفية إثبات الحجّية لها، فالقرآن الكريم رغم ظنّية دلالته هو حجّة ويصحّ الأخذ بإطلاقه وعمومه عند عدم وجود المقيَّد والمخصّص، وأيضاً الروايات الظنّية السند لا يجوز الأخذ بها على إطلاقها رغم قطعية دلالتها، وإنّما الحجّية لخصوص أخبار الثقات، التي ثبتت الحجّية لها ــ أي: أخبار الثقات ــ بدليلي السيرة القطعية والأدلّة النقلية، مثل آية النبأ والروايات المتضافرة الواردة في هذا الجانب.

وربّما كان يشير في قوله في لزوم كون الدليل قطعياً إلى عدّه وجوب التقليد من أُصول الدين ــ أو كأنّه يريد أن يقول: أنّ الطرف الآخر يعدّ هكذا، وأنا أريد أن أًلزمه بذلك هنا ــ وهي ــ أي: هذه الأُصول ــ يجب الاستدلال عليها بالقطعي لا الظنّي، فنقول: إنّ وجوب التقليد ليس من أُصول الدين، وإنّما هو أمر فطري عقلي، دليله:


الصفحة 169
العقل والسيرة العقلائية، كما تقدّم بيانه.

ثالثاً: دعوى أنّ الرواية المذكورة ــ في أصل السؤال والإشكال ــ معارضة بروايات متواترة وصحيحة تمنع عن الإفتاء بالرأي والاجتهاد..

نقول: وهذا دليل آخر على جهل هذا المستشكل وعدم اطّلاعه على الموروث الروائي لأئمّة أهل البيت عليهم السلام، والمنهي فيه عن الإفتاء بالرأي والاجتهاد، والتي هي روايات خاصّة بأولئك الذين يفتون بأدلّة ما أنزل الله بها من سلطان، كالقياس والاستحسان وما شابه، فهي تنهى عن الرأي والاجتهاد بهذا المعنى، ولا تنهى عن استفادة الحكم من نفس الدليل الشرعي الوارد عنهم عليهم السلام.

وللفائدة يمكنكم الاطّلاع على الحلقة الأُولى للسيّد محمّد باقر الصدر قدس سره ضمن عنوان: (تطوّر معنى الاجتهاد)، لتلاحظوا بيانه في هذا الجانب، والتفرقة بين الاجتهاد المنهيّ عنه بالمعنى الذي أشرنا إليه، وبين الاجتهاد المصطلح الذي يراد به استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية.. فقد خبط المستشكل في هذه المسألة خبط عشواء بشكل يثير الشفقة، وأثبت أنّه متطفّل على العلم وأهله.

رابعاً: ناقش المستشكل في دلالة الرواية، وقال: (فللعوام أن يقلّدوه) ليست ظاهرة في وجوب التقليد، بل هي ظاهرة في التخيير.

نقول: استظهر الوجوب منها جملة من الفقهاء والأُصوليين، كالوحيد البهبهاني(1)، والشيخ النراقي(2)، والشيخ الأنصاري(3)، والسيّد اليزدي(4)، والسيّد

____________

1- انظر: الرسائل الفقهية: ٣٧ رسالة في حكم عبادة الجاهل.

2- عوائد الأيام: ٥٤٢ فائدة (٥٤).

3- القضاء والشهادات: ٢٤١ المسألة (٥).

4- العروة الوثقى ١: ٢٦ شرائط المجتهد.


الصفحة 170
الحكيم(1)، وهكذا غيرهم.

وأمّا ما نقله عن الحرّ العاملي رحمه الله، فقد دفع الاحتجاج به بنفسه بعد أن ذكر أنّه من الشيعة الأخبارية ــ أي: أنّه من الذين يرون حرمة التقليد ــ فلا يصحّ الاحتجاج بقوله على من يرى وجوب التقليد، بالإضافة إلى المناقشة في تعليله ــ وهو وارد في رفض التقليد المطلق ــ بأنّه (أي التقليد) يستند على الرأي والاجتهاد والظنّ، وأنّ هذه الثلاثة كلّها شيء واحد، مع أنّ هذا ليس تامّاً!

فحجّية التقليد مأخوذة من حجّية السيرة القطعية في الرجوع إلى ذوي الاختصاص في اختصاصهم، ولا مجال لإعمال الشكّ أو الظنّ بعد ثبوت هذه السيرة؛ فهل تراه يناقش المريض الطبيب إذا كتب له وصفة لدواء ما، وأنّه هل كتبت لي هذه الوصفة بحسب رأيك الخاصّ وظنّك الذي قد لا يصيب الواقع؟! إنّ هذا غير وارد في معاملات الناس مع ذوي الاختصاص والخبرة، فكذلك الحال في تقليد الفقيه الجامع للشرائط.

ومن هنا نفهم أنّ بناء الحرّ العاملي على هذا التعليل هو الذي دعاه إلى عدم الأخذ بظهور الرواية كما أخذ به غيره، وقد تبيّن لنا أنّه تعليل غير تام؛ بل يمكن أن يقال: أنّ الحرّ العاملي قد رأى ظهور الرواية في وجوب التقليد فاحتاج إلى صرف هذا الظهور ــ الذي يخالف مبناه في حرمة التقليد ــ إلى التشبّث بالتعليل المذكور، وأيضاً بحمل الرواية على التقية.. وإلّا ما الوجه في قوله: ومع ذلك يحتمل الحمل على التقية. لولا ظهور الرواية في وجوب التقليد؟! فتأمّل جيّداً!

____________

1- مستمسك العروة الوثقى ١: ٤١ المسألة (٢٢).


الصفحة 171
أمّا ما نقله عن السيّد الخميني قدس سره في كتابه (الاجتهاد والتقليد ص٩٦ ــ ٩٧)، فكان الأولى نقل كلام السيّد قدس سره بتمامه ليتّضح المراد منه، ونحن هنا ننقل تمام كلامه قدس سره ليظهر المراد منه؛ قال قدس سره: (((وأمّا من كان من الفقهاء...) إلى آخره، فيظهر منه: أنّ الذمّ لم يكن متوجّهاً إلى تقليدهم في أُصول العقائد، كالنبوّة والإمامة، بل متوجّه إلى تقليد فسّاق العلماء، وأنّ عوامّنا لو قلّدوا علماءهم في ما قلّد اليهود علماءهم، فلا بأس به إذا كانوا صائنين لأنفسهم، حافظين لدينهم... إلى آخره، فإخراج الأُصول منه إخراج للمورد، وهو مستهجن، فلا بدّ من توجيه الرواية بوجه، أو ردّ علمها إلى أهلها.

وأمّا حملها على حصول العلم من قول العلماء للعوام، لحسن ظنّهم بهم، وعدم انقداح خلاف الواقع من قولهم، بل يكون قول العلماء لديهم صراح الواقع وعين الحقيقة، فبعيد، بل غير ممكن؛ لتصريحها بأنّهم لم يكونوا إلّا ظانّين بقول رؤسائهم، وأنّ عقلهم كان يحكم بعدم جواز تقليد الفاسق، مع أنّه لو حصل العلم من قولهم لليهود، لم يتوجّه إليهم ذمّ، بل لم يسمّ ذلك تقليداً.

وبالجملة: سوق الرواية إنّما هو في التقليد الظنّي، الذي يمكن ردع قسم منه، والأمر بالعمل بقسم منه، والالتزام بجواز التقليد في الأُصول أو في بعضها، كما ترى، فالرواية مع ضعفها سنداً، واغتشاشها متناً، لا تصلح للحجّية.

ولكن يستفاد منها مع ضعف سندها أمر تاريخي يؤيّد ما نحن بصدده، وهو: أنّ التقليد بهذا المفهوم الذي في زماننا، كان شائعاً من زمن قديم، وهو زمان الأئمّة أو قريب منه، أي من زمان تدوين تفسير الإمام أو من قبله بزمان طويل))، انتهى.


الصفحة 172
فالمقطع الأخير من كلامه قدس سره ــ الذي آثرنا نقله بطوله لتوضيح المراد ــ يستفاد منه ظهور الرواية في وجوب التقليد، وأنّ المراد به هو التقليد المتداول في أعصارنا، وعند العودة إلى هذا المفهوم في زماننا تجد أنّ العلماء بين قائل بوجوبه ــ وهم الأُصوليون من الإمامية ــ أو قائل بحرمته ــ وهم الأخباريون منهم ــ والسيّد الخميني قدس سره هو من الأُصوليين، فيكون قوله مطابق لقولهم في هذه المسألة بلحاظ هذه الرواية التي صرّح فيها أنّ مفهوم التقليد فيها يطابق مفهوم التقليد في زماننا؛ فتدبّر!

نعم، هناك من صرّح بالتخيير في التقليد، إلّا أنّه ليس من جهة الجواز وعدم الوجوب رأساً، وإنّما من جهة المورد الذي يمكن للمكلّف أن يعمل فيه بالاحتياط وله خبره في ذلك، فهو في هذا المورد يجوز له التخيير بين التقليد والاحتياط(1).

وأمّا قوله قدس سره عن اغتشاش المتن، فهو ليس كما ذهب إليه هذا المستشكل من عدم استفادة الظهور في وجوب التقليد، وإنّما هو من جهة استفادة التقليد في الأُصول وعدمه من هذه الرواية.. فالنصّ المقتطع المحتجّ به من قبل هذا المستشكل بعيد عن المدّعى، بل المقطع الأخير الوارد في كلام السيّد الخميني قدس سره ينسف هذه الدعوى ــ أي عدم استفادة الوجوب من الرواية ــ وهذا كلّه ظاهر من كلامه قدس سره؛ فراجع ذلك وتأمّله!

وأمّا قول المستشكل: إنّ كلام السيّد محمّد الصدر واضح في أنّ تفسير الحسن

____________

1- انظر: مستمسك العروة الوثقى ١: ١٠ المسألة (٦).


الصفحة 173
العسكري عليه السلام لا يصلح للإثبات التاريخي فكيف يحتجّ بها الفقهاء في قضية عقائدية، وهو لا يصلح حتّى للاستدلال الفقهي حسب قواعدهم؟

نقول: لا ندري ما هي القضية العقائدية التي أراد الفقهاء أن يحتجّوا بها من خلال هذه الرواية، فالمستشكل لم يطرح في البحث سوى موضوع استفادة وجوب التقليد منها.. وقد تبيّن وهن ما يدّعيه والمناقشة في كلّ ما احتجّ به.. فلا ندري من ذكره لهذا الكلام هنا إلّا لزيادة الطنطنة، وهو يكشف عن تخبّطه وسوء فهمه ودغل سريرته!

وأيضاً كلام السيّد الخوئي قدس سره الذي جاء به عن كتاب الاجتهاد والتقليد، إنّما هو في السند دون الدلالة، والمفروض أنّ المستشكل يحتجّ بكلامه قدس سره من جهة الدلالة لا السند. وقد بيّنا سابقاً أنّ ضعف هذه الرواية أو غيرها لا يضرّ في إثبات وجوب التقليد الذي ثبت بالسيرة القطعية الممضاة شرعاً وبحكم العقل.

وأمّا ما نقله عن السيّد محمّد سعيد الحكيم، إنّما هو في أنّ استفادة العموم من الرواية في الرجوع إلى العالم هل هو مختص بما يوجب القطع، أم هو في مجال الإشارة إلى ما هو المعروف عند العرف من أخذ الفتوى من العالم وقبول قوله؟ فهو (حفظه الله) يتحدّث عن العموم من هذه الناحية وليس من ناحية استفادة الوجوب وعدمه؛ إذ لا يتصوّر استفادة ذلك من كلامه، وخصوصاً عبارة (استفادة العموم)؛ فهي لا يستفاد منها عدم الوجوب، وإلّا كان عليه أن يقول (استفادة التعيين) الذي يعني: تعيين الوجوب، لا استفادة العموم؛ فتدبّر!

وعلى أية حال، ما ذكره هذا المستشكل من أقوال واحتجاجات في هذا الجانب لا حجّة له فيها على مدّعاه، واستفاداته المتقدّمة كلّها تدلّ على تخبّط


الصفحة 174
واضح، وجهل فاضح.

وأمّا قوله: الأُصوليون أضافوا دليلي العقل والإجماع على دليلي محمّد وآل محمّد...الخ.

نقول: دليل الإجماع في حقيقته يعود إلى السُنّة؛ لأنّ الإمامية يأخذونه بالاعتبار إذا كان كاشفاً عن قول المعصوم عليه السلام، فهذا الإجماع ــ ويسمّى: الإجماع المحصّل ــ هو الحجّة، وما عداه ــ كالإجماع المدركي وما شابه من إرادة اتّفاق الأقوال ــ فليس بحجّة، والإجماع الذي هو حجّة عندهم، هو الذي يكشف عن قول المعصوم عليه السلام، وبالتالي يكون دليل الإجماع راجعاً إلى حجّية السُنّة، ومتفرّعاً عليها.

وأمّا دليل العقل، فهو ليس على نحو الموجبة الكلّية، وإنّما هو على سبيل الموجبة الجزئية، أي: أنّه يمكن استفادة الحكم الشرعي من حكم العقل في بعض الموارد التي لم يتوفّر فيها النصّ الشرعي، كحكم العقل بوجوب المقدّمة لوجوب ذيها.

فهنا عندما يحكم العقل مثلاً بوجوب طي المسافة لتحقيق الامتثال الواجب في يوم التاسع من ذي الحجّة في منطقة عرفات، فهذا الحكم العقلي يحكم الشارع بوجوبه أيضاً، مع أنّه لم يرد نصّ في خصوص وجوب طي المسافة للوقوف في عرفات.. وأمثال ذلك من الأحكام التي يدركها العقل وتدور رحاها في تحقيق الامتثال الشرعي، وقد أوضحه الأُصوليون بإسهاب في بحث الملازمات العقلية، وأبانوا فيه وجه الخلاف في ذلك بينهم وبين الأشاعرة من


الصفحة 175
جهة، والأخباريين من جهة أُخرى.

فالدليل العقلي في واقعه ليس قسيماً للكتاب والسُنّة: وإنّما يمكن عدّه دليلاً في مقام التحفّظ على الحكم الصادر من الكتاب والسُنّة ومحاولة تحقيق امتثاله، وإلّا ما معنى بحث الإجزاء والاشتغال وحرمة الاشتغال والضدّ وغيرها من المباحث العقلية التي هدفها التحفّظ على الحكم الشرعي، ومحاولة إصابته عند عدم وجود النصّ الشرعي؟!

فهذا لا يعدّ اجتهاداً مقابل النصّ ــ كما ادّعى هذا المستشكل ــ وإنّما هو دليل يلجأ الفقيه إليه عند غياب النصّ، ويحاول به الوصول إلى الحكم الشرعي والتحفّظ عليه.

وأمّا بخصوص ما طلبه من آية من القرآن أو رواية تجيز صلاة الإجارة أو صوم الإجارة وتبيّن أنّ الحكم الحالي لصلاة وصوم الإجارة مبني على رأي الثقلين وليس على رأي الفقهاء.. فنقول:

إنّ أصعب شيء يواجه أهل العلم هو محاورة الجاهل؛ لأنّه لا يعرف كثير من المعارف ممّا يمنعه من فهم ما يطرح عليه من أدلّة، وإلّا فما الذي يمنع هذا المستشكل من استفادة ما طلبه من دليل العموم؛ الذي أشير إليه في (الحدائق) للبحراني الأخباري وغيرها(1)؟! فهل تراه يريد إلغاء استفادة الأحكام من العمومات الواردة في القرآن والسُنّة الشريفة؟!

____________

1- الحدائق الناظرة ١١: ٤٤ مبحث القضاء، وانظر: مستمسك العروة الوثقى، للحكيم ٧: ١٠٤، كتاب الصلاة، للخوئي ٥: ٣٣.


الصفحة 176
إنّ هذا محض جهل مركّب ينبغي على صاحبه أن يتخلّص منه.

(التقليد هو رجوع إلى أهل الاختصاص)

« حسين عبد الحكيم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما حكم الشيعي الذي يعتقد أنّ الإسلام واحد ولا حاجة للانتماء إلى أيّ مذهب، وأنّ أهمّ شيء في الإسلام: الإيمان بالله والرسول والملائكة والقرآن الكريم، وأن يؤدّي الفروض التي فرضها الله سبحانه وتعالى، ولا داعي لتقليد أيّ شخص، وإنّما يلتزم بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء بالقران الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(1)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نعتقد في مذهب أهل البيت عليهم السلام أنّ هذا المقدار من العقيدة ناقص يحتاج إلى أمور أُخرى غابت عنك وهي موجودة في القرآن والسُنّة النبوّية، لكنّك بفهمك الساذج لم تستطع الوصول إليها، ونحن ليس لدينا مشكلة في عدم تقليدك لأيّ عالمٍ، ولكن عليك الوصول إلى الأحكام الشرعية التي فرضها الله عليك جميعاً، فإذا استطعت من خلال البحث في القرآن والسُنّة النبوّية الوصول

____________

1- الحشر (٢٤): ٧.


الصفحة 177
إلى جميع الأحكام المكلّف بها، والعقائد الحقّة التي لا بدّ من الاعتقاد بها، فلا حاجة إلى التقليد، إنّما يحتاج إلى التقليد من كان غير قادر على الوصول إلى جميع أحكام الإسلام، فإذا كنت من القادرين على ذلك فلا داعي إلى التقليد.

ولكي تتّضح لك الصورة أكثر نقول: إنّك إذا لم تحتج إلى أهل الاختصاص فبإمكانك القول أنّك لا تحتاج إلى الطبيب لمعالجة نفسك، والمهندس لبناء بيتك، والنجار لعمل الدولاب، وهكذا؛ لأنّك تجيد هذه الحرف، كذلك التقليد، فما هو إلّا رجوع إلى أهل الاختصاص، فإن كنت تجيد ذلك فلا داعي للرجوع إلى أهل الاختصاص.

(عشرة أسئلة في أحكام التقليد)

« صالح ــ تونس »

السؤال:

لا زلت أطّلع على آراء أهل البيت عليهم السلام، وكلّ مرّة أتعرّض لإشكال، ويبدو أنّ هذا المذهب فيه عديد من الإشكالات، وقد تصدق الرواية: (إنّ أمرنا صعب مستصعب...)، فبقدر ما يطّلع الشخص أكثر بقدر ما تزيد أسئلته واستفهاماته، فتسقط بعض القناعات، وتتثبت الأُخرى، وتنتظر البقية.

أرجو منكم سيّدي أن تجيبوني على الأسئلة التالية، مأجورين:

١ــ هل التقليد مسألة ثقافية أم عقائدية؟ أم هي من مسلّمات المذهب؟ أم ماذا؟


الصفحة 178

٢ــ متى ظهر التقليد كمبحث، ومَن أوّل من بحث فيه؟

٣ــ متى ظهر العمل بالرسائل العملية، ومَن هو أوّل من وضع رسالة عملية؟

٤ــ متى ألحق مبحث التقليد في الرسائل الفقهية؟

٥ــ بماذا وكيف كان يتعبّد الله قبل ظهور الرسائل العملية والتقليد؟

٦ــ إذا كان لا بدّ للمكلّف غير المجتهد من التقليد، لماذا لا يأخذ الحكم أو الفتوى من أيّ مرجع؟ لأنّ الغاية هو اتّباع شرع الله، بحيث يكون عمله موافقاً للشريعة؟

٧ــ كلّ المراجع يقولون: إنّ رسائلهم مبرئة للذمّة، إذا كان عمل العامّي المطابق لإحدى الرسائل، أو الفتاوى مبرئ للذمّة، وحين يأتي يوم القيامة يقول: اللّهمّ لقد اتّبعت فلان الذي شهد بعلمه كثير، فلا أعتقد أنّ الله سبحانه سيقول: لقد أضلّك فلان، وسيسأله: لماذا لم تتّبع زيداً أو عمراً؟

٨ ــ نقول بلزوم التقليد إلّا ما كان من الضروريات، فما المقصود؟

٩ــ ما المقصود بـ(مسلّمات)؟ ماذا لو خرج عليها المكلّف أو العالم؟

١٠ــ إحدى الرسائل العملية تقول: إنّ إحراز الامتثال للتكاليف الإلزامية يتحقّق بأحد أُمور: اليقين التفصيلي، الاجتهاد، التقليد، الاحتياط، و...، ما المقصود بـ(اليقين التفصيلي)؟ وما هي الضروريات التي ينحصر فيها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ رأي الشيعة واضح في كلّ موضوع ومسألة، وليس فيه أي تعقيد أو إشكال، نعم قد يرد على بعضهم في بادئ الأمر موارد يحتاج فيها إلى بحث


الصفحة 179
وفحص، وهذه لا تعدّ إشكالاً على آراء الطائفة، بل غاية الأمر إنّما هي شكوك ترتفع بالسؤال من ذوي الخبرة وأهل العلم، ولا تضرّ ولا تمسّ أصل العقيدة، بعدما ثبتت بالأدلّة والبراهين.

وأمّا أسئلتكم فنجيب عليها بالترتيب كما يلي:

١ــ إنّ موضوع التقليد هو مسألة فقهية، ورغم أنّه ليس من مسلّمات المذهب والعقيدة، إلّا أنّ هذا لا يقلّل من شأنه، بعدما ثبت بالأدلّة العقلية ــ فضلاً عن النقلية ــ أنّ التقليد: طريق علمي وحيد لمعرفة الأحكام لغير المجتهد والمحتاط.

٢ــ كانت عملية التقليد ــ ولو في مستويات خفيفة ــ موجودة ودائرة عند عامّة الشيعة، حتّى في زمن الأئمّة عليهم السلام لمن لم يتمكّن من الحضور عندهم، فكان يراجع المحدّثين وعلماء المذهب، لتلقّي معارف أهل البيت عليهم السلام، وأحكام الدين.

نعم، قد ظهر هذا الأمر على العيان، بعد الغيبة الكبرى للإمام الحجّة عليه السلام، وخصوصاً بعد غلبة الخطّ الأُصولي على طريقة الأخباريين في الحوزات العلمية، لكثرة الحاجة إليه، وازدياد فروع الأحكام في الحياة، ومحدودية النصوص الموجودة.

٣ــ وكما قلنا، فليس في الموضوع مبدأ زمني محدّد، بل الأمر كان من العهود الماضية، بصيغ وشكليّات مختلفة، ككتب الفتاوى، إلى أن انتهى في عصرنا بهذه الكيفية من الرسائل العملية.

٤ــ التقليد هو مفتاح العمل بالأحكام الموجودة في الرسالة، فينبغي أن تذكر مسائله دائماً في مقدّمتها، لتسهيل الأمر على المكلّفين.


الصفحة 180

نعم، ربّما لم يذكر هذا الموضوع في بعض الرسائل العملية في الأزمنة السابقة، وربّما كان يبحث في المباحث الأُصولية، وذلك اعتماداً منهم على أنّ الأمر مفروغ عنه، ومتسالم عليه، أو هو مقدّمة لفروع المسائل، وإلّا فكيف تتمّ حجّية فتاوى وآراء المجتهدين للمكلّفين بغير التقليد؟

٥ــ أحكام العبادات والمعاملات ــ في زمان غيبة المعصوم عليه السلام ــ لا سبيل إلى تصحيحها بغير الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، وكما قلنا فإنّ الحاجة إلى التقليد كانت ولا تزال قائمة، وعليه، فإنّ عملية التقليد والرجوع إلى العلماء، ومراجعة فتاواهم ليس أمراً مستحدثاً، بل يتزامن مع حاجة المكلّفين إلى معرفة دينهم وأحكامه.

٦ــ إنّ تقليد الأعلم من المجتهدين مسألة أُصولية، تبحث وتدرس في مظانّها، ولا يمكننا التوغّل فيها في هذا المختصر.

وبإجمال نقول: إنّ المتيقّن من حجّية قول المجتهدين، هو قول الأعلم، وأمّا غير الأعلم ــ وإن كان مجتهداً ــ لا يكون رأيه حجّة على الآخرين، ولو أنّه يجب عليه أن يعمل مطابقاً لما يراه.

ودليل المقام هو: عدم ورود خطاب لفظي حتّى يؤخذ بإطلاقه، فيكون رأي كلّ مجتهد حجّة، بل الدليل في المسألة دليل عقلي، فيجب أن نكتفي بالقدر المتيقّن ــ أي المقدار الأقلّ المتيقّن من دلالة الدليل ــ وهو رأي الأعلم.

وفي المسألة آراء وأقوال، وأخذ ورد لا يسعنا التطرّق إليها، وما ذكرناه هو رأي المحقّقين فيها.

وبعبارة أُخرى: إنّ التقليد هو عبارة عن رجوع غير المختصّ إلى ذوي


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية