المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210) الاختصاص، وهذا لا يختصّ في الفقه، بل بجميع مراحل الحياة، حيث يرجع كلّ منّا في شتّى المجالات إلى ذوي الاختصاص والخبرة، وفي صورة وجود مختصّ وأكثر اختصاصاً ودقّة فالعقل يحكم بالرجوع إلى الأعلم منهم، والأكثر اختصاصاً، والأدقّ خبرة.

٧ــ نعم، بما أنّ المجتهد يرى نفسه أهلاً لتقليد الآخرين، فيحكم ببراءة ذمّة المقلّد بالعمل برسالته، ولكن الكلام في وجه عمل المقلّد في ترجيح هذا أو ذاك، وبحسب الدليل العقلي يجب عليه أن يبحث عن الأعلم، حتّى يجوز له العمل على رأيه.

ثمّ إنّ كان فحصه هذا وفقاً للأساليب العلمية ــ المذكورة في مقدّمة الرسائل العملية ــ فسوف تكون نتيجته حجّة له وعليه، فيجوز بل يجب عليه العمل بها واتّباعها، وبهذا نعرف أنّ المؤاخذة يوم القيامة سوف تكون بالنظر إلى حجّة المكلّف، لا إلى الواقع.

٨ــ التقليد هو في الأحكام غير الضرورية، والمقصود من الضروريات: ما تسالم عليه أبناء الطائفة وعلماؤها، وإن لم تكن من أُصول الدين، كوجوب الصلاة والصوم، والحجّ وأمثالها؛ فإنّها من ضروريات المذهب، بل الدين، فلا يجوز التقليد فيها، بل يجب الاعتقاد القطعي بها.

٩ــ (المسلّمات): عبارة أُخرى عن الضروريات، والخروج عنها خروج عن أحكام الدين.

١٠ــ اليقين التفصيلي هو: العلم الوجداني، وقد يحصل هذا للمكلّف في بعض الأُمور كالضروريات، ومقدّمات بعض الأحكام، كرؤية الهلال ــ إذا رآه


الصفحة 182
بنفسه ــ أو حصول القطع والجزم في بعض الموارد.

(لماذا يتعدّد المراجع؟)

« م/ هيام ــ السعودية »

السؤال:

من وجهة نظري أنّه لا بدّ من توحيد المرجعية، وأن يعود جميع الشيعة إلى مرجع واحد فقط. هذا الأمر لن يكون مستحيلاً لدى الإمامية؛ لأنّهم من بين جميع المذاهب الوحيدون الذين تعرف مرجعيتهم وهي كتاب الله والعترة المطهّرة التي يمثلها الإمام الصادق عليه السلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كما تعلمين أيتها الأخت الكريمة أنّ أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام هم أتباع الدليل، يميلون معه حيث مال، ولا يحيدون عن الدليل الشرعي أو العقلي الذي أرشد إليه الشرع في عباداتهم أو معاملاتهم أو عقائدهم، بل وفي أخلاقهم وآدابهم...

وبالنسبة للتقليد في زمن الغيبة، فقد وردت النصوص من أئمّة العترة الطاهرة عليهم السلام بأن يرجع الناس إلى رواة أحاديثهم من الفقهاء العدول؛ قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه،


الصفحة 183
مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(1).

وورد في التوقيع الشريف عن الإمام صاحب الأمر عليه السلام: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)(2).

وبما أنّ هذه الأحاديث الشريفة قد حدّدت الصفات والخطوط العريضة لما يجب أن يكون عليه مرجع التقليد، ولم تلزم بالاتّفاق على مرجع واحد في كلّ عصر، فالمجال يبقى مفتوحاً لمن يجد في نفسه الكفاءة والأهلية لهذا الموقع أن يرشّح نفسه، أو يرشّحه أهل العلم والأهلية لهذا الموقع، وهذا فضاء رحب يجعل فقهاء الطائفة في زمن الغيبة في مستوى المسؤولية والتنافس العلمي من أجل الوصول إلى أعلى المراتب العلمية..

وكذلك يعطي المجال للطائفة أن لا تكون أسيرة الأزمات السياسية والإقليمية التي تحدث في البلدان الإسلامية والتي تمنع المقلّدين من مراجعة علمائهم في بعض الظروف، مع أنّ الاتّفاق على مرجع أعلى للطائفة قد توفّر في بعض الأزمان، عندما تهيأت الظروف الموضوعية للانقياد إليه من جميع

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٣ احتجاج أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام في أنواع شتى من علوم الدين، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٣١، الباب (١٠) الحديث (٣٣٤٠١) من أبواب صفات القاضي.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٨٤، الباب (٤٥) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٤٠، الباب (١١) الحديث (٣٣٤٢٤) من أبواب صفات القاضي.


الصفحة 184
المؤمنين في العالم.

وببيان آخر: إنّ الأدلّة الواردة في المقام لم تكن إلزامية في وجوب العودة إلى مرجع واحد في كلّ زمان، وإنّما بيّنت القواعد الأساسية والشروط الواجب توفّرها في مرجع التقليد فقط، وبقي هذا المجال مفتوحاً، ولا يمكن لأحد أن يلزم الطائفة بوجوب العودة إلى شخص بعينه، وإنّما كان المعوّل عليه هو توفّر الشروط في شخص المتصدّي لهذا المنصب، وهذا الأمر قد يتوفّر في اثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك في كلّ زمان، وقد يحصل الاتّفاق على مرجع واحد وقد لا يحصل.

والحاصل: أنّه لا يوجد دليل شرعي على وجوب توحيد شخص المرجع، وقد يتصدّى فقيهان أو ثلاثة لمنصب المرجعية يرى فيهم مقلّدوهم أنّ كلّ واحد منهم هو المؤهّل دون غيره، ولا إلزام على أيّ مكلّف في اتّباع ما لا يراه الأعلم بنظره. وفي المسألة فوائد ومصالح ذكرنا جانباً منها في البيان المتقدّم.

ثمّ لا بدّ من ملاحظة أنّ صفات، مثل العدالة والأعلمية، تدرك بالحدس القريب من الحسّ لا بالحسّ، وبالتالي يحصل الاختلاف بين العقلاء في ضبطها ودرجة التفاضل بينها، كما في كلّ الأشياء المدرَكة بالحدس، فيكون من الطبيعي اختلاف أهل الخبرة بالأعلمية في تفضيلهم بين المراجع؛ إذ الحدس لا ينضبط عند الكلّ، خاصّة في المراتب المتقاربة، وهو ما يحصل


الصفحة 185
غالباً في المراتب بين الفقهاء المتصدّين.

(تقليد فقيه معيّن لا يتنافى مع حريّة الفرد)

« أبو علياء ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

نحن نعلم بأنّ مادّة التقليد في المذهب الشيعي أمر ضروري، حيث تمّ النصّ عليه من قبل الإمام الحجّة عليه السلام.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يجب على المقلّد أن يلتزم بتقليد فقيه معيّن، ولا يحقّ له الرجوع إلى فقيه آخر ما دام ذلك الفقيه حيّ يرزق؟

ألا تعتقد بأنّه نوع من التسلّط على حرّية الفرد، وإلغاء بند من بنود حرّية الفرد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الرأي المتّبع عند المحقّقين من علماء الشيعة هو تقليد الأعلم ــ مع فرض عدالته ــ فالفقيه إذا كان أعلماً لا وجه للرجوع منه إلى الآخرين؛ إذ لا حجّية لرأي غير الأعلم بالنسبة للمقلّد, والقدر المتيقّن من حجّية كلام غير المعصوم عليه السلام في الأحكام في عصر الغيبة هو: قول الأعلم من الفقهاء.

نعم، لو تبدّل الحال، وأصبح غير الأعلم أعلماً، أو ارتفعت صفة العدالة عند الأعلم، فيجب حينئذ الرجوع والعدول إلى غيره ممّن اتصف بالمواصفات


الصفحة 186
المذكورة, أي: الأعلمية والعدالة.

وأمّا ما ذكرتموه من سلب حرية الفرد, فهو في غير محلّه, فإنّ العقل باستقلاله ــ فضلاً عن الشرع والقواعد الأُصولية ــ يؤيّد متابعة الأعلم في كلّ مجال, أما ترى أنّ الإنسان في مجالات الحياة عندما يرى موضعاً مختلفاً فيه يبحث عن رأي الأكثر خبرةً واختصاصاً في الموضوع, فهل هذا يعتبر سلباً لحرّيته؟!

وبعبارة أوضح: إنّ أصل التقليد هو الرجوع إلى أهل الاختصاص, وبما أنّ أهل الاختصاص مختلفون في مستوياتهم العلمية وفي مقدار تخصّصهم, فالعقل يحكم بالرجوع إلى الأعلم منهم والأكثر خبرة في تخصّصه.

تعليق:

« محمّد فرحات ــ لبنان ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ذكرتم في جوابكم أنّه لو تبدّل الحال وصار غير الأعلم أعلماً يجب الرجوع إليه (أي إلى الأعلم)، وسؤالي هنا:

السؤال الأوّل: من يحدّد رتبة العلم... أقصد من يحدّد أن هذا المرجع هو الأعلم... هل الفرد هو الذي يحدّد هذا أم هناك جهة أُخرى؟

السؤال الثاني: إذا تمّ تحديد الأعلم (بغضّ النظر إذا كان من الفرد أو من جهة أُخرى)، فهل يحقّ للفرد أن يرجع إلى المرجع الآخر (الأعلم) غير الذي يقلّده في بعض المسائل، أم يجب عليه أن يرجع له في كلّ المسائل، أي: يغيّر مرجعه؟


الصفحة 187
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب عن السؤال الأوّل: إنّ الذي يحدّد الأعلم من الفقهاء هم أهل الخبرة، وهم الذين لديهم القدرة على فهم الأبحاث العالية للمجتهدين، ومعرفة مدى متانتها، ولذا لا بدّ أن يكونوا من المجتهدين أيضاً، أو ممّن يدانيهم، ولذا

لا بدّ أن تكون عندهم معرفة عن آراء المجتهدين الذين تدور الأعلمية بينهم.

الجواب عن السؤال الثاني: إنّ هذا الأمر يرجع إلى البحث في إمكان التجزّئ في الاجتهاد ووقوعه، ففيه أقوال ثلاثة:

الأوّل ــ القول بامتناعه؛ نُقل ذلك عن بعض بدعوى أنّ ملكة الاستنباط أمر بسيط، فإمّا أن تحصل، أو لا؟ فإن حصلت فلا يمكن تجزئتها.

وبعبارة أُخرى: إنّما يدور أمر الملكة بين الوجود والعدم, ولا يعقل أن تتحقّق متبعّضة.

وأجيب عن ذلك: بأنّ بساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة لا تمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب بحيث يتمكّن بها من الإحاطة بمداركه.. أو: بأنّ التجزئة ليست في أجزاء الملكة نفسها حتّى يقال بأنّها بسيطة، بل في أفرادها.

وبعبارة أُخرى: ليس المقصود من التجزّئ في الاجتهاد هو تجزئة الكيفية, بل المقصود منه هو التجزّئ في متعلّقها سعة وضيقاً، كملكة الشجاعة وغيرها؛ فإنّها قد تتّسع وقد تتضيّق باعتبار متعلّقاتها, وأمّا الملكة نفسها فهي واحدة.


الصفحة 188
الثاني ــ لزوم التجزّئ: بمعنى أنّه لا يمكن التوصّل إلى الاجتهاد المطلق إلّا باجتياز مرحلة التجزّئ, فكلّ مجتهد مطلق لا بدّ وأن يكون يوماً مجتهداً متجزّئاً, كما ذهب إليه صاحب (الكفاية).

ويظهر من السيّد الخوئي الرغبة إلى ذلك؛ إذ قال: ((بل لا يبعد أن يقال: إنّ المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزئ ــ دائماً ــ وأنّ أيّ مجتهد مطلق كان متجزّئاً في زمان، ثمّ قوي وترقّى شيئاً فشيئاً حتّى تمكّن من استنباط أكثر الأحكام أو كلّها، وذلك لأنّ دعوى أنّ الرجل قد أصبح مجتهداً مطلقاً من ساعته أو ليلته من غير أن يكون مسبوقاً بالتجزّئ في زمانٍ ممّا لا شاهد له, بل هي أمر غير عادي، ولا نستعهد وقوعه بوجه, ولعلّه إلى ذلك أشار صاحب الكفاية قدس سره بقوله: بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادةً غير مسبوق بالتجزّئ))(1).

الثالث ــ إمكان التجزّئ: وذهب إليه الأكثر، بل نقل عن المحقّق الرشتي أنّه نسب القول بعدمه إلى الشذوذ.

وهناك محاولة للجمع بين الأقوال ربّما كانت قولاً رابعاً في المسألة، وحاصلها: أنّنا لو لاحظنا ملكة الاجتهاد في مرحلة تكوّنها فيستحيل التجزّئ؛ لأنّ الملكة تتوقّف على مقدّمات ومعدّات إن حصلت حصلت الملكة، وإلّا فلا, ولا يعقل حصول بعض مقدّماتها. وإن لاحظناها في مرحلة إعمالها فلا بدّ من القول بالتجزّئ, بل ((التجزّئ في مقام إعمال الملكة يكاد يكون من الضروريات, بل لا يوجد في

____________

1- الاجتهاد والتقليد: ٣٥.


الصفحة 189
هذا المقام اجتهاد مطلق أصلاً))(1).

وعلى هذا الأساس من لزوم التجزّئ في الاجتهاد قال السيّد الخوئي في (كتاب الاجتهاد والتقليد):

((التبعيض في التقليد: قد اتّضح ممّا ذكرناه في مسألة وجوب تقليد الأعلم وجوب التبعيض في التقليد فيما إذا كان هناك مجتهدان، أحدهما أعلم في العبادات ــ مثلاً ــ والآخر في المعاملات، لكثرة اطّلاع أحدهما بالمصادر والأخبار، وتضلّعه في الفروع والنظائر، وقدرته على الجمع بين متعارضات الروايات, والآخر كان أكثر اطّلاعاً على القواعد الأُصولية والكبريات, ومن هنا كان الأوّل أعلم في العبادات، والآخر في المعاملات، فإنّه يجب على المقلّد أن يبعّض في تقليده بأن يقلّد الأعلم في العبادات في العبادات, ويقلّد الأعلم في المعاملات في المعاملات, والوجه فيه هو: الأدلّة الدالّة على وجوب تقليد الأعلم، كما قدّمناها في محلّها.

هذا كلّه عند العلم بالمخالفة بينهما، وأمّا مع عدم العلم بالمخالفة فمقتضى ما قدمناه من جواز تقليد غير الأعلم أو المتساويين حينئذ جواز التبعيض في تقليدهما دون وجوبه؛ لجواز أن يقلّد العامّي أحدهما في مورد، ويقلّد الآخر في مورد آخر، لعدم العلم بالمخالفة بينهما، بل الحال كذلك بالنسبة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه, فللمكلّف أن يقلّد من أحدهما في الاكتفاء بالمرّة الواحدة في غسل الثياب أو في عدم وجوب السورة في الصلاة، ويقلّد الآخر في جواز المسح منكوساً ــ مثلا ــ أو الاكتفاء في التسبيحات الأربع بالمرّة الواحدة وذلك لأنّه استند في عمله

____________

1- انظر: الموسوعة الفقهية الميسرة، للشيخ محمّد علي الأنصاري: ٤٧٦.


الصفحة 190
وقتئذ إلى ما هو حجّة في حقّه))(1).

وهذا الذي ذكرناه ما هو إلّا بحث علمي قد تطابق الفتوى على أساسه، وقد تخالف إذا كان هناك مانع آخر يذكر في محل آخر، وأنت من أجل العمل على هذا الحال، وهو: التبعيض في الاجتهاد، لا بدّ من الرجوع إلى المرجع الأعلم الحي، وهو الذي يحدّد أحكام ذلك، وجوازه أو عدم جوازه.

(الردّ على المرجع ردّ على الإمام عليه السلام)

« أبو هادي ــ فرنسا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول الشيخ المظفّر في كتاب (عقائدنا) عن المجتهد: ((والرادّ عليه رادّ على الإمام، والرادّ على الإمام رادّ على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام)).

فهل هذا يعني: إذا خالفنا المرجع في مسألة ما فقد خالفنا الله ورسوله؟

وإذا كان الجواب: نعم، كيف يمكن ذلك ونحن نعلم بعدم عصمة المجتهد وهو جائز الخطأ في المسائل؟

وماذا عن حكم المسائل التي نتيقّن بخطأ المجتهد فيها؟

____________

1- الاجتهاد والتقليد: ٣٦٩.


الصفحة 191
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كلام الشيخ المظفّر يوضّح أنّ مرجع التقليد هو نائب الإمام، والأحكام التي ينقلها صارت حجّة علينا؛ لأنّ الإمام نصّبه حجّة علينا، فالرادّ على المرجع معناه أنّه ردّ على الإمام الذي نصّب المرجع وقبل بقوله، وبالتالي فهو ردّ على الله تعالى.

ومن المعلوم أنّ المرجع ينقل لنا ما استنبطه من الأحكام بالحكم الظاهري عن طريق القرآن والسُنّة، فلا يحقّ لنا ردّها؛ لأنّها صارت حجّة علينا بتنصيب المرجع حجّة علينا من قبل الإمام.

وقد قامت الأدلّة على ذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1).

وقول الإمام العسكري عليه السلام: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(2)، وغيرها من الروايات.

وأمّا القول: بأنّ المجتهد غير معصوم فلا يصيب الواقع دائماً، فهذا صحيح، ولذا قلنا أنّ حكمه الظاهري حجّة علينا، وقد جعله الله حجّة علينا وإن كان قول المجتهد ظنّي لا قطعي، ولكنّه ظنّ قامت الأدلّة على اتّباعه، وجعله الشارع المقدّس طريقاً للوصول إلى أكثر الأحكام الشرعية؛ إذ لا طريق لنا غالباً في معرفة الأحكام إلّا عن

____________

1- التوبة (٩): ١٢٢.

2- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٣ احتجاج محمّد أبي الحسن العسكري عليه السلام في أنواع شتى من علوم الدين، وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٧: ١٣١، الباب (١٠) الحديث (٣٣٤٠١) من أبواب صفات القاضي.


الصفحة 192
طريق الرواة والفقهاء، وهو يصيب الواقع في أكثر الأحيان لا في جميعها، فكانت المصلحة بجعل التقليد طريقاً لذلك، واحتمال الخطأ بنسبة قليلة يمكن التسامح به، وعدم الاعتداد به عند العقلاء.

وتفصيل البحث في ذلك موجود في كتب أُصول الفقه(1).

(الأخذ بقول المراجع)

« حسين علي آل عيسى ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

واجهني سؤال وهو: أنتم أيّها الشيعة تأخذون دينكم من المراجع لا من أهل البيت، والدليل على ذلك: أنّ الإمام المهدي عليه السلام (غائب), إذن من الذي أدلى لكم بالدين إن كنتم تزعمون أنّه اتّباع للعترة؟

وهل مراجعكم أفضل من صحابة رسول الله، كأبي بكر وعمر وعثمان؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عندما نقول: نحن نأخذ من أهل البيت عليهم السلام، فالمقصود هو الأخذ من الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، فإذا كان واحد منهم عليهم السلام غائباً فقد كان أحد عشر ظاهراً.

فنحن أخذنا ديننا عن طريقهم، بخلاف غيرنا الذين أخذوا من أبي هريرة وعائشة وغيرهم من الرواة الذين لم تثبت عدالتهم ولا وثاقتهم، بل ثبت كذبهم!

____________

1- راجع أُصول الفقه، للمظفّر ٣: ١٨ المناط في حجّية الأمارة.


الصفحة 193
وأمّا في زمن الغيبة، فليس الأخذ من المراجع معناه الأخذ بقولهم في قبال قول أهل البيت عليهم السلام، بل معناه كشف الحكم الصادر منهم من خلال أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم وإقراراتهم، فالعمل بقول المرجع معناه: العمل بحكم الله الثابتة حجّيته عن طريق الأئمّة عليهم السلام.

(المراد من قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)

« أبو علي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

إذا كانت الآية القرآنية من سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(1) المقصود بها: الوجود العيني للمعصوم في كلّ زمان، ولكن إمام زماننا غائب عن الناس، فكيف يطلب الله سبحانه منّا أن نكون معه؟

فإذا كان المقصود: السير على طريقه باتّباع ما وصلنا منه من أخبار، فيمكن أن يستشكل علينا الآخرون بأنّ سيرة الأنبياء عليهم السلام والنبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم كافية؛ فهم الصادقون ما دامت القدوة الصالحة غير موجودة أمامنا لنتّبعها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الآية القرآنية تأمر المؤمنين بالتقوى واتّباع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم،

____________

1- التوبة (٩): ١١٩.


الصفحة 194
ولكن هناك فرق بين اتّباع الأئمّة المعصومين عليهم السلام وبين اتّباع سيرة الأنبياء عليهم السلام أو النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم!

وذلك لأنّ الله أمرنا باتّباع الصادقين وهم الأئمّة عليهم السلام في زمن الحضور إلى أن وصل الأمر إلى الإمام الغائب عجل الله تعالى فرج الشريف، والإمام المعصوم الغائب أجاز لنا الرجوع إلى العلماء، ونصبهم حجّة علينا؛ لأنّ المقدار الذي وصل لنا من علومهم عليهم السلام كافٍ في معرفة الحقّ، والأمن من الضلال، على خلاف الحال لو اتّبعنا كتب الأنبياء المحرّفة؛ فإنّها لا توصلنا إلى الحقّ، ولا نأمن بالسير عليها من الضلال.

وكذلك الحال لو اكتفينا بسيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّ ما وصل إلينا منها لا يكفي لإتمام الحجّة على الجميع.

فالإمام المعصوم الغائب أرجعنا إلى العلماء الفقهاء العدول الذين وصلهم من علوم الشريعة ما يكفي أن يكونوا به حجّة على الآخرين.

(باب الاجتهاد مفتوح ومن هنا ينشأ الاختلاف)

« الهادي ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

لا شكّ في أنّ فقهاءنا يستنبطون الأحكام من الكتاب والسُنّة، وعليه فلماذا نرى الاختلاف في الفتاوى؟

أجيبونا مشكورين.


الصفحة 195

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله سبحانه وتعالى أمر ونهى وقنّن للبشرية قوانين, وصلت إلينا بواسطة النبيّ والأئمّة عليهم السلام.

ففي زمن المعصوم يكون التلقي من المعصوم مباشرة دون أن يحصل هناك اختلاف؛ لأنّه مصدر إيصال العلوم الإلهية إلى البشر.

وفي زمن غيبة المعصوم, إمّا أن نقول بأنّ التكليف ساقط, وهذا واضح البطلان.

وإمّا أن نقول: بأنّ التكليف موجود مع حضور المعصوم ومع غيبته. إذاً, ففي مثل زماننا هذا التكليف موجود، فيأتي السؤال: كيف يمكن لنا أن نعرف فهم التكليف؟

والجواب: يمكن معرفته من خلال استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسُنّة والعقل والإجماع، وهذا العلم لا يمكن أن يعرفه إلّا المتخصّصون ممّن لهم مَلَكة الاستنباط, ويقال لهم: المجتهدون.

وعليه, فإمّا أن نجتهد في تحصيل هذا العلم, وإمّا أن نرجع إلى المجتهد. ومعنى الاجتهاد: استنباط الأحكام بعد معرفة الأدلّة على كلّ حكم.

ومن هنا نقول: إنّ القرآن قطعي الصدور ظنّي الدلالة, والسُنّة ظنّية الصدور والدلالة, وباب الاجتهاد مفتوح، بمعنى: أنّ لكلّ المتخصّصين الحقّ في البحث والتحقيق في ترتيب المباني وفهم النصوص بالاعتماد على الأدلّة، ومن هنا ينشأ


الصفحة 196
الاختلاف, كما لو اجتهد كلّ واحد منّا, فإنّه سيحدث اختلاف في الفهم قطعاً. وشأن الفقه شأن سائر النظريات التي اختلف فيها العلماء. وكلّ هذا يرجع إلى عدم حضور المعصوم؛ إذ لو كان حاضراً لما كان اختلاف.

تعليق:

« م/ فاطمة ــ العراق »

السلام عليكم..

المعلوم أنّ اختلاف علمائنا الأعلام هو في الأدلّة الظاهرية والأمور التي لا تجعل في اختلافها أيّ مشكلة، ولا يمكن الحكم على أيّ منهم بالخطأ أو الصواب، وذلك لعدم معرفة الحكم الأصلي، لكن في مسألة تحديد اليوم الأوّل من شوال أمر مهم، واختلافهم يعني: صواب أحدهم و...

وبالتالي يكون أحدهم صام عيده، أو العكس أنّ أحدهم أفطر قبل يوم، فما هو الأساس الذي يستند عليه العلماء في تحديد العيد؟

فقد نسمع كثيراً ممّن يتباهى باختلاف العلماء في هذا الأمر، ومنهم من يعيبه على مذهبنا، فما هو الردّ عليهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الواضح لديك أنّ حرمة صوم يوم العيد هي لمن علم بأنّ هذا اليوم هو يوم عيد وصامه, وليس ذلك مطلقاً؛ فالشاكّ في كون هذا اليوم يوم عيد، أو الذي يتّبع حجّة شرعية في أنّ هذا اليوم هو المتمّم لشهر رمضان، فهذا لا إثم عليه فيما لو صام ولم يفطر في ذلك اليوم.


الصفحة 197
واختلافات العلماء في هذا الجانب إنّما هي تابعة لاجتهاداتهم التي ثبتت مشروعيتها؛ إذ كلّ فقيه يرى أنّ ما يظهر له من الأدلّة هو الحجّة عليه وعلى مقلّديه, وهو مبرئ لذمّته وذمّة مقلّديه بعد فقدان الحكم الواقعي في أمثال هذه الموارد, فالحكم الظاهري من دليل اجتهادي أو ما ينتهي إليه الفقيه في اتّباع الأُصول العملية مبرئ لذمّته وذمّة مقلّديه وإن خالفه في هذا الجانب فقيه آخر في المسألة ذاتها.

والاختلاف في ثبوت الهلال ناشئ عن عدّة مبانٍ اجتهادية, أهمّها: قول الفقيه بوحدة الأفق أو عدمه, هذا بعد الاتّفاق على أنّ المثبت للرؤية هي الرؤية بالبصر، لا ثبوت تولّد الهلال بالحساب أو بالرصد الفلكي, ثمّ إنّ هذه الرؤية هل تثبت بشاهدين أو أكثر.

(الإمام عليّ عليه السلام وأصحاب الرأي)

« أبو محمّد ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

كيف يوفّق العلماء (المجتهدون الحاليون) بين اختلافهم في الفتاوي وقول الإمام عليّ عليه السلام:

(ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه, ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله, ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم, فيصوّب آراءهم جميعاً, وإلههم واحد! ونبيّهم


الصفحة 198
واحد! وكتابهم واحد!

أفأمرهم الله ــ سبحانه ــ بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: ﴿مَا فَرَّطنَا في الكِتَابِ مِن شَيء(1) وفيه تبيان لكلّ شيء, وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضاً, وأنّه لا اختلاف فيه؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثِيراً(2)))(3).

كيف يتغاضى عموم الشيعة عن المجتهدين ويسمحوا لهم بالاجتهاد، مع أنّ الكليني الذي هو أعلم منهم وأرفع منهم منزلة، وهو الذي جمع (الكافي) الذي هو مرجع الشيعة لمعرفة أحكامهم لم يُجز الاجتهاد, ويعلّق قائلاً أنّه أصلاً حركة الاجتهاد ابتدأت متأخّرة مع الشيخ الطوسي، وأمّا العلماء الذين قبله لم يقرّوا بالاجتهاد: (الاجتهاد حادث على التشيّع)، فهل كان العلماء قبل الشيخ الطوسي مخطئين! وهم الأقرب منه إلى عصر بروز الأئمّة عليهم السلام؟!

وأتحدّى أن يأتيني أحد (العلماء وغيرهم) برواية من الكتب الأربعة أو من غيرها مع صحّة السند تندب الاجتهاد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال العلاّمة المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) في شرح كلام الإمام عليه السلام:

____________

1- الأنعام (٦): ٣٨.

2- النساء (٤): ٨٢.

3- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٣٨٨، الاحتجاج، للطبرسي ١: ٣٨٩.


الصفحة 199
((هذا تشنيع على من يحكم برأيه وعقله من غير رجوع إلى الكتاب والسُنّة وإلى أئمّة الهدى عليهم السلام؛ فإنّ هذا إنّما يكون إمّا بإله آخر بعثهم أنبياء، وأمرهم بعدم الرجوع إلى هذا النبيّ المبعوث وأوصيائه عليهم السلام, أو بأن يكون الله شرك بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في النبوّة, أو بأن لا يكون الله عزّ وجلّ بيّن لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم جميع ما تحتاج إليه الأمّة, أو بأن بيّنه له لكن النبيّ قصّر في تبليغ ذلك ولم يترك بين الأمّة أحداً يعلم جميع ذلك.

وقد أشار عليه السلام إلى بطلان جميع تلك الصور, فلم يبق إلّا أن يكون بين الأمّة من يعرف جميع ذلك، ويلزمهم الرجوع إليه في جميع أحكامهم.

وأمّا الاختلاف الناشئ من الجمع بين الأخبار بوجوه مختلفة، أو العمل بالأخبار المتعارضة باختلاف المرجّحات التي تظهر لكلّ عالم، بعد بذل جهدهم وعدم تقصيرهم، فليس من ذلك في شيء, وقد عرفت ذلك في باب اختلاف الأخبار, ويندفع بذلك إذا أمعنت النظر في كثير من التشنيعات التي شنّعها بعض المتأخّرين على أجلّة العلماء الأخيار))(1).

وببيان آخر نقول:

نحن مخطّئة لا نقول بصحّة كلّ ما يرد مِن أهل الاجتهاد من آراء، على خلاف المذاهب الأُخرى التي تعدّ كلّ موارد الخلاف صحيحة، أي أنّهم: مصوّبة، وهذا هو الذي يناقض الحقّ؛ لأنّ الحقّ واحد والإله واحد والدين واحد, أمّا نحن فنقول: إنّنا عند غياب الحكم الواقعي نرجع اضطراراً إلى الأحكام الظاهرية، والتي أمرنا بالرجوع لها في مثل هذه الحالة، ولا غضاضة في

____________

1- بحار الأنوار ٢: ٢٨٤.


الصفحة 200
ذلك؛ لأنّها توفّر لنا المعذّرية في مقام التكليف.

وأمّا بقية الأسئلة فقد مضى الجواب عنها؛ فليراجع!

تعليق:

« أبو نور الزهراء ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يُردّ على ما قلتم: ((أمّا نحن فنقول: عند غياب الحكم الواقعي نرجع اضطراراً إلى الأحكام الظاهرية، والتي أُمرنا بالرجوع لها في مثل هذه الحالة، ولا غضاضة في ذلك؛ لأنّها توفّر لنا المعذّرية في مقام التكليف))، برواية أبي بصير: قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنّة، فننظر فيها؟ قال: (لا؛ أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عزّ وجلّ) (الكافي ١: ٥٦ حديث(١١)).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الرواية المذكورة التي وردت في (الكافي) لا تنهى عن الاجتهاد والاستنباط للأحكام الظاهرية، وإنّما هي في مقام النهي عن القياس والعمل بالرأي؛ فإنّ قول أبي بصير: ((فننظر فيها))، أي: ننظر في تلك الأشياء ونستخرج الحكم بقياسها على غيرها؛ فلذلك نهى الإمام عليه السلام عن ذلك، وقال: إن أصبت حكم الله في تلك الأشياء بالقياس لم تؤجر؛ لأنّ الأجر إنّما هو على استنباط حكم الله بطريق مخصوص قرره للوصول إليه، وإذا أخطأت فقد كذبت على الله؛ لأنّه تعويل على


الصفحة 201
الرأي والقياس الباطل في الدين.

ويؤيّد هذا المعنى: فهم الكليني ذلك من الرواية، أي: النهي عن القياس والعمل بالرأي؛ فقد أدرجها في روايات الباب الذي عنونه بعنوان: (باب البدع والرأي والقياس). (وللمزيد ينظر: شرح أُصول الكافي للمازندراني ٢: ٢٠٦ باب (البدع والرأي والقياس)).

(حديث: إنّ المجتهد إذا أصاب له أجران)

« صادق الباوي ــ ألمانيا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كان عندي سؤال وهو: هل يصحّ حديث: إنّ المجتهد إذا أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر واحد؟

لو تكرمتم وضّحوا الأمر.

وفّقكم الله لما يحبّ ويرضى.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ حديث: (إنّ المجتهد إذا أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر واحد)، ورد في كتب العامّة، ومعناه: أنّ المجتهد إذا أتعب نفسه في استنباط الحكم ووصل إلى النتيجة الصحيحة الواقعية فإنّ الله سوف يثيبه ويعطيه أجرين: أجر على


الصفحة 202
الاجتهاد، وأجر على الإصابة، أمّا إذا سلك طريقاً استنباطياً ووصل إلى نتيجة خاطئة فالله يعطيه أجراً واحداً ولا يعاقبه على خطأه.

وقد نقل هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)(1).

والملاحظ أنّ هذا الحديث لم يرد في كتبنا المعتبرة، وإن اشتهر على الألسن وذكره بعض الأُصوليين المتأخّرين في بيان حال المخطّئة مقابل المصوّبة، ويظهر أنّ الأصحاب تلقّوا مضمونه بالقبول.

والجدير بالذكر أنّ المجتهد الذي له الأهلية الكاملة للإفتاء، هو الذي يثاب على ذلك، أمّا الذي يفتي بغير علم وليس أهلاً له، فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه)(2).

ومن المعلوم أنّ معاوية ويزيد وغيرهم لم يكونوا أهلاً للعلم والاجتهاد كما يصوّره بعضهم من أنّ يزيد اجتهد فأخطأ في قتله الحسين عليه السلام.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٩٨ حديث عمرو بن العاص.

2- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي: ٢٧ ٢٢٠ الحديث (١) كتاب القضاء، الباب (٧).


الصفحة 203

إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام وإقامة الشعائر*

* انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الإمام الحسين عليه السلام)(البدعة) (البكاء والترحم على الميت)(البناء على القبور)(زيارة القبور زيارات الأئمّة عليهم السلام)(زيارة أربعين الإمام الحسين عليه السلام)(المساجد)


الصفحة 204


الصفحة 205

(أسباب إقامة الشعائر)(١)

« قاسم نيا ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

لماذا نقيم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ المثل العليا والقيم السامية التي جسّدها الإمام الحسين عليه السلام في الطفّ، جعلت السائرين على نهجه والمرتبطين به يحيون ذكراه، وينشرون مآثره، باعتبارها خير أُسوة يتأسّى بها الناس.

فإحياء الذكريات التي تمثّل منعطفاً بارزاً، وتحوّلاً نوعياً في حياة الأُمم، أمر طبيعي وغير مستهجن؛ لأنّه نابع من ذات الإنسان، ومتّصل بفطرته، كما أنّ الأيّام تعتبر مزدهرة وخالدة، ومتّصفة بالتميّز لوقوع الحوادث العظيمة فيها.

وأيّ حادثة أعظم من واقعة كربلاء؟!

لقد بقيت هذه الواقعة معلماً شاخصاً في التاريخ؛ لما جرى فيها من فجائع من جهة، ولما رسمت فيها من صور مشرّفة من جهة أُخرى.


الصفحة 206
فالشيعة يقيمون هذه المآتم، ويحيون هذه الذكرى الأليمة من هذا المنطلق، ومن منطلقات عديدة أُخرى، منها:

١ــ امتثال أمر الله تعالى، القاضي بمودّة العترة الطاهرة؛ إذ قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، ومواساة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المصاب الجلل من أظهر مصاديق المودّة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكى على الإمام الحسين عليه السلام، وهو لم يزل في سنيّ الطفولة.

فقد ورد عن عائشة أنّها قالت: ثمّ خرج ]رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[ إلى أصحابه، فيهم عليّ وأبو بكر، وعمر، وحذيفة، وعمّار، وأبو ذرّ رضي الله عنهم، وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟!

فقال: (أخبرني جبريل، أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه)(2).

٢ــ نحن نقيم هذه الشعائر لأنّ فيها نصرةً للحقّ وإحياءً له، وخذلاناً للباطل وإماتةً له، وهذا الأمر من أجله أوجب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٣ــ إنّ إحياءنا لهذه الذكرى، حفظ لها من الضياع، وصون لمبادئها من التزييف، ولولا ذلك لاضمحلّت، وخَبَت جذوتها، ولأنكرها المخالفون، كما

____________

1- الشورى (٤٢): ٢٣.

2- مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٨كتاب المناقب مناقب الحسين بن عليّ، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١٠٧ الحديث (٢٨١٤) ترجمة الإمام الحسين بن عليّ، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٢: ١٢٣ الحديث (٣٤٢٩) كتاب الفضائل، فيض القدير، للمناوي ١: ٢٦٦، ينابيع المودّة، للقندوزي ٣: ١٠ الباب (٦٠).


الصفحة 207
حاولوا إنكار غيرها!!

٤ــ بإقامتنا لهذه الشعائر ــ لاسيّما المجالس الحسينية ــ نكشف عن منهج مدرستنا، هذه المدرسة الجامعة لمختلف الطبقات والفئات، إذ يعرض فيها التفسير والتاريخ، والفقه والأدب، و... فهي مؤتمرات دينية، تُطرح فيها مختلف المعارف والعلوم.

٥ــ إنّ إحياءنا لهذه الشعائر، هو أفضل وأبسط وأنجح وسيلة لنشر الإسلام الأصيل؛ لأنّها حيّة وغير معقّدة، ولذلك كانت ولا زالت أشدّ تأثيراً في النفوس!

فالإحياء والمشاركة والتنمية لشعائر الحسين عليه السلام إحياء لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّه قال: (حسين منّي وأنا من حسين)(1) فهما عليهما السلام من سنخ واحد، وإحياء ذكرى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إحياء للدين، باعتباره الرمز الأوّل للإسلام.

وهناك أسباب كثيرة توجب علينا إقامة هذه الشعائر، فمن أرادها فليطلبها من مظانّها.

تعليق:

« تميم ــ الدنمارك ــ إمامي»

يشكل عليك المخالفون ويقولون: كلامك غير صحيح! لأنّ المذاهب

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ١١٦ الباب (١٤)، مسند أحمد بن حنبل ٤: ١٧٢ حديث يعلى بن مرّة الثقفي، سنن الترمذي ٥: ٣٢٤ الحديث (٣٨٦٤) مناقب أبي محمّد الحسن بن عليّ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٧٧ فضائل الحسين بن عليّ، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥١٥ ما جاء في الحسين بن عليّ، صحيح ابن حبّان ١٥: ٤٢٨ مناقب الحسن والحسين، المعجم الكبير، للطبراني
٣: ٣٣ و ٢: ٢٧٤ بقية أخبار الحسن بن عليّ.


الصفحة 208
الأربعة باقية منذ نحو ألف سنة، ولم تختلّ أو تذهب ريحها، مع العلم أنّ أتباعها لا يقيمون مجالس العزاء على أرواحهم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نجيب بما يلي:

١ــ إنّ المراجعة لأجوبتنا السابقة لهذا السؤال وفي الباب الذي ذكرته في سؤالك تؤكّد لك أنّنا لم نحصر الجواب بما أوردت عليه من شبهة، وإنّما كان هذا أحد نقاط الجواب العديدة.

٢ــ نحن ــ حتّى في النقطة التي أوردتها ــ لم نقل يذهب ريحها وينتهي وجودها، وإنّما العبارة بدقة: ((ولولا ذلك لاضمحلّت وخَبَت جذوتها))، وفرق واضح بين العبارتين!

٣ــ إنّ بقاء المذاهب الأُخرى، إنّما كان لأنّها مذاهب السلطة، فبها استمرت كما أنّ السلطة قامت بها.

٤ــ نحبّ أن نطمئنك، حتّى هذا المقدار من البقاء لها ما كان ليكون لولا وجود مذهب ثائر، متمرّد على الباطل، يحيي السنن الإسلامية الأصيلة، ويهتف بها، وبشتّى الأساليب، وإلّا لزالت حتّى المذاهب الأُخرى التي عاشت بظلال دفاعه عن الإسلام والمسلمين، ولَما احتاج إليها سلاطين ما يسمّى بالعصور الإسلامية الفائتة، وإنّما بقاؤه، وبهذه القوّة، أوجب إبقاء سواه؛ لمعارضته وردّه، والاحتجاج عليه، وإيقاف مدّه على الأقل.

وإلّا إذا كنت تقصد بقاء الأشياء لمجرّد البقاء، فهذا لا يعني المذاهب


الصفحة 209
الأربعة فقط، وإنّما ينسحب حتّى على مذاهب الضلال وأصحاب الديانات الصنمية والمشركة والمخالفة لتوحيد الله، والأمثلة كثيرة لا نعتقد أنّها تفوتك.

٥ــ ثمّ إنّ قولنا باختصار: إنّ المذهب الحقّ الذي يرفض الظلم والطغاة على مرّ العصور، وبالتالي يكون همّهم الأوّل والأهمّ هو القضاء عليه، ما كان ليبقى ويستمرّ ويحافظ على جذوته إلّا بمثل هذه الشعائر، وإحياء أمر استشهاد الحسين عليه السلام في كربلاء. وهذا أمر لا ينطبق على بقية المذاهب، بل لا ينطبق على الملل الأُخرى أيضاً.

(أسباب إقامة الشعائر)(٢)

« م/ خالد ــ السعودية »

السؤال:

ما هو سبب جلدكم أنفسكم في يوم عاشوراء، هل هذا اقتداء برسول الله، أم أنّه مبتدع من عند أنفسكم؟ وما هو سرّ سجودكم على الحجر الذي تحضرونه من الشام؟

هداكم الله وهدانا.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..إنّ الشيعة بإقامتها العزاء في مأتم ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تريد إحياء ذكر الرسالة التي خيف عليها من الضياع على يد بني أُميّة وأسلافهم وأخلافهم, وإنّ مظاهر العزاء، وإن كانت مختلفة بحسب الأزمنة والأمكنة ولكن تصبّ كلّها في مجرى واحد، وهو: السعي لبيان مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام مهما


الصفحة 210
أمكن, ممّا يؤدّي بالنتيجة إلى دعم الدين والعقيدة، وفضح المعادين لها، ولو كانوا في ثوب الإسلام..

وهل هذا شيء قليل؟!!

و لو كنّا ننظر بعين الإنصاف في القضيّة, فلو لم تعقد هذه المآتم، ولم تقام هذه المراسم, فأيّ عمل كان يضمن بقاء الإسلام الصحيح، المتمثّل في أهل البيت عليهم السلام؟

أليس يخشى عليها ــ حينئذ ــ الضياع والنسيان؟

وأمّا بالنسبة لسؤالك الثاني, فلم نعهد من شيعي الالتزام بالسجود على حجر منسوب إلى الشام, بل إنّهم يرون السجود على الأرض ــ فقط ــ مجزياً في الصلاة، ورأيهم هذا مدعم حتّى بأحاديث أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم.

نعم، وفي الوقت نفسه يقولون بأفضليّة السجود على التربة الحسينيّة ــ بروايات خاصّة صدرت عن أئمّتهم عليهم السلام ــ لما فيه من التنويه والإشارة إلى دور النهضة الحسينيّة في تشييد أركان الدين الحنيف، بل وفي إقامة الصلاة نفسها وسائر العبادات. وعلى أي حال فالتربة الحسينيّة جزء من الأرض، فلا ينبغي الإشكال والمناقشة في مشروعيّة السجود عليها.

(الشيعة تحيي ذكراهم عليه السلام)

« هند ــ المغرب ــ سُنّية »

السؤال:

من فضلكم أُريد أن أعرف: هل الشيعة يقيمون عزاءً في ذكرى موت كلّ واحد؟


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية