المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240) الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الشيعة تحيي الذكريات، وتعتقد بأنّ في إحيائها الأجر والثواب، وأنّها من مصاديق تعظيم شعائر الله، فتحيي ذكريات الأعياد والأفراح، كيوم مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمبعث الشريف، ومواليد الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، كما تحيي الشيعة ذكريات الحزن، كيوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة المعصومين عليهم السلام.

والشيعة تؤكّد على إقامة مراسم العزاء على الميّت، وذلك بالحضور في تشييع جنازته إلى مثواه الأخير، وإقامة مجالس يقرأ فيها القرآن، ويهدى ثواب القراءة إلى الميّت، وكذلك الذهاب إلى القبر وقراءة القرآن عنده، وإهداؤها إلى صاحب القبر، وعمل الأعمال الصالحات، وإهداؤها إلى روح الميّت.

(هل يعظم الشيعة الشعائر الحسينية فقط؟)

« علي ــ الجزائر ــ مستبصر »

السؤال:

اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

السلام عليكم..

عندما أحدّث أصدقائي عن أهل البيت عليهم السلام وخاصّة في هذه الأيام عن الإمام الحسين عليه السلام، يقولون لي: إنّ الشيعة يكثرون من ذكر الحسين(عليه الصلاة والسلام) أكثر من رسول الله، وحسب فهمهم أنّ ذلك ينقص من درجة رسول


الصفحة 212
الله(عليه الصلاة والسلام)، رغم محاولة إقناعي لهم لم يعترفوا.

أُريد من سيادتكم توضيح هذه الشبهة لكي أقنعهم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك كثير من المناسبات ترتبط بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يجتمع لها شيعة أهل البيت لإحيائها، لكن اجتماعهم غالباً ما يكون عند نفس النبيّ، بنصّ القرآن، وهو: الإمام عليّ عليه السلام، كما في آية المباهلة؛ إذ يتم هناك في مدينة النجف الأشرف إحياء ذكرى وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الثامن والعشرين من شهر صفر، ومولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم السابع عشر من شهر ربيع الأوّل، ويوم المبعث وهو يوم السابع والعشرين من شهر رجب، ويوم الإسراء والمعراج، وغيرها من المناسبات، كالمباهلة، والغدير، والتي لها أيضاً ارتباط بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والسبب في ذلك هو وجود مرقد النبيّ الأكرم في المدينة المنوّرة؛ فإنّه لا يسمح للشيعة هناك بإقامة المناسبات التي فيها تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا الإمام الحسين عليه السلام فهو في كربلاء فيستطيع شيعة أهل البيت أن يحيوا الشعائر الحسينية بحرية تامّة.

ولو تغيّر الوضع في المدينة لوجدت شيعة أهل البيت يحيون كلّ تلك المناسبات عند قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولوجدت مدى تعظيمهم لمقام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والدليل على ذلك: ما يتعرّضون له من مضايقات في أيام الحجّ عندما يتبرّكون بقبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.


الصفحة 213

(اهتمام الشيعة بمراسم عاشوراء أكثر من باقي المناسبات)

« عصام ــ السعودية »

السؤال:

لماذا نرى الشيعة يحيون ذكرى عاشوراء بكلّ هذا الزخم وكلّ هذه الحماسة، بينما لا نرى ذلك يحصل في مناسبات إسلامية عظيمة أُخرى، كوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذي هو سيّد الخلق أجمعين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كما يلتزم الشيعة الأبرار بإحياء ذكرى عاشوراء، فإنّهم يلتزمون بإحياء ذكرى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، ولكن الفرق إنّما هو في مستوى الانفعال في المناسبتين.

ولا يمكن لأحد أن ينكر: أنّ ما جرى للإمام الحسين عليه السلام كان أشدّ إثارة للعاطفة، وأقوى تأثيراً على المشاعر من أيّة حادثة أُخرى، حتـّى حادثة استشهاد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم..

يضاف إلى ذلك: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه قد بكى وأعلن الحزن على الإمام الحسين عليه السلام، حينما كان لا يزال وليداً وطفلاً.

ولنفترض أنّ المطلوب في مناسبة استشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو: درجات أعلى من الحزن، وقد قصّر الشيعة في هذا الاتّجاه، فإنّ الواجب هو أن يطلب منهم رفع مستوى تلك المراسم، بحيث تتناسب مع ما ينبغي أن تكون عليه.. لا أن يطلب من الناس ترك عزاء الإمام الحسين عليه السلام، من أجل تقصيرهم في واجب آخر..


الصفحة 214

وهل هذا إلّا نظير أن نطلب من تارك الصوم أن يترك الصلاة أيضاً، بدلاً من أن نطلب منه أن يؤدّي واجب الصلاة والصوم معاً؟!

وفّقنا الله تعالى للسير على هدي القرآن، والالتزام بأحكام الإسلام، وجعلنا ممّن ينتصر به لدينه، إنّه وليّ قدير.

تعقيب:

« عبد الحسين الحمداني ــ العراق ــ إمامي »

على ضوء الأحاديث النبوّية الشريفة يتّضح أنّ إحياء كلّ ما يخصّ أهل البيت عليهم السلام هو عامّ لهم، كقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله)(1).

إذن من يحبّ الحسين عليه السلام فكأنّما أحبّ الله؛ لأنّه أعطى الله كلّ ما في وجوده الشريف، ورغم عظم مصيبة فقدان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أنّ عليّاً عليه السلام قد استقبلها بصبر الأولياء، فأسند رأس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على حجره الطاهر إلى أن فارق الحياة، أرواحنا فداه، أمّا حسيناً فكانت وسادته سيوف الأمّة ورماحها، وحرموه حتّى من وسادة رمل أراد منها الاتّكاء عليها للنظر إلى عائلته وهي تفر من النار التي شبت في خيامه، وأن الله سوف يبقي النبيّ نبيّاً والحسين حسيناً.

واعلم أخي القارئ لو أنّ كلّ الأنبياء عليهم السلام لهم أهل بيت كأهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، لحفظوا تلك الديانات من كلّ تحريف، كما حفظ الحسين عليه السلام دين جدّه إلى يوم القيامة، بوقفة سيخلد بها أعظم الخلود.

____________

1- انظر: كامل الزيارات، لابن قولويه: ١١٦ الباب (١٤) الحديث (١٢٦)، شرح الأخبار، للقاضي النعمان ٣: ١١٢ الحديث (١٠٥٠)، الإرشاد، للمفيد ٢: ١٢٧.


الصفحة 215

وجزاكم الله خير الجزاء.

(مصداق للتأسّي بالنبيّ عليه السلام)

« فاطمة ــ الإمارات ــ إمامية »

السؤال:

أنا طالبة في المرحلة الثانوية، موالية لأهل البيت عليهم السلام، وفي يوم عاشوراء نضطرّ للتغيّب عن المدرسة؛ لإحياء ذكرى الحسين عليه السلام، فنجد أنفسنا في اليوم التالي محاصرين بأسئلة، واتّهامات لا تُحصر، أُحاول أن أُجيب عليها قدر معلوماتي، ولكنّي أتمنّى أن تفيدوني بإجابات أكثر دقّة وصحّة، والأسئلة غالباً ما تكون محصورة في:

١ــ لماذا تهتمّون بذكرى الإمام الحسين عليه السلام أكثر من الرسول والأنبياء؟ فتتغيّبون عن الدوام في هذا اليوم بالذات؟

٢ــ لماذا تحيون ذكرى الحسين عليه السلام؟ وتبكون عليه رغم مرور كثير من السنين على استشهاده؟

٣ــ ما معنى اللطم على الصدر؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نبكي على الإمام الحسين عليه السلام، ونقيم المأتم عليه؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكى على الإمام الحسين عليه السلام قبل استشهاده، لمّا أخبره جبرائيل بما سيجري على


الصفحة 216
الإمام الحسين عليه السلام.

أيبكي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الفاجعة، ونحن لا نبكي بعدها؟!

ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره!

إنّ ترك الحزن والبكاء على الحسين عليه السلام خروج عن قواعد المتأسّين، بل عدول عن سنن النبيّين؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استيقظ يوماً من النوم فزعاً، وفي يده تربة حمراء يقلبّها بيده، وعيناه تهراقان من الدموع، وقال لأُمّ سلمة: (أخبرني جبرائيل أنّ ابني الحسين يقتل بأرض العراق)(1).

ولمّا ترى أُمّ سلمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقلّب شيئاً في كفّه، ودموعه تسيل، والحسين نائم على صدره، تسأله عن ذلك؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ جبريل أتاني بالتربة التي يقتل عليها، وأخبرني أنّ أُمّتي يقتلونه)(2).

وكذلك يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي، فتقول له عائشة: ما يبكيك؟

فيقول: (إنّ جبريل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين... فقال: يا عائشة والذي نفسي بيده، إنّه ليحزنني، فمن هذا من أُمّتي ]الذي[ يقتل حسيناً بعدي؟!)(3).

فنحن نهتمّ بالحسين عليه السلام لاهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم به، ونبكي عليه لبكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه،

____________

1- ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من طبقات ابن سعد: ٤٤ الحديث (٢٦٨).

2- المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٦٣٢ الحديث (٢٥٨) كتاب الفتن، مسند ابن راهويه
٤: ١٣١ ما يروي أهل الكوفة عن الشعبي، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١٠٩ و ٢٣: ٣٢٨، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٣: ٦٥٧ الحديث (٣٧٦٦٨) كتاب الفضائل.

3- ترجمة الإمام الحسين، لابن عساكر: ٢٦٢ الحديث (٢٣٠)، تاريخ مدينة دمشق
١٤: ١٩٥ ترجمة الإمام الحسين، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من طبقات ابن سعد:
٤٦ الحديث (٢٧١).


الصفحة 217
ونحزن عليه لحزن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه.

وأمّا اللطم فإنّه من مظاهر الحزن والعزاء، وكلّ شيء يُعدّ عرفاً من مظاهر الحزن والعزاء على الحسين عليه السلام فإنّه يدخل تحت عمومات الحزن على الحسين عليه السلام.

(النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى على الحسين عليه السلام قبل مقتله)

« علي ــ فرنسا ــ سُنّي »

السؤال:

هل الحسين خير من الرسل والأنبياء؟ أم أنّه الوحيد الذي مات حتّى تفعلوا كلّ هذا من أجله؟

يهديكم الله، ويصلح بالكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ألم يثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى على الحسين عليه السلام قبل مقتله؟ فكيف بنا بعد أن قتل!

فقد روى أحمد، عن عبد الله بن نجى، عن أبيه: ((أنّه سار مع عليّ رضي الله عنه، وكان صاحب مطهّرته، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين، فنادى عليّ رضي الله عنه: (اصبر أبا عبد الله أبا عبد الله بشطّ الفرات)، قلت: وماذا؟ قال: (دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبيّ الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان)؟


الصفحة 218

قال: (بل قام من عندي جبريل قبل، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات، قال: فقال: هل لك إلى أن أشمّك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أنْ فاضتا)))(1).

وهناك روايات كثيرة في هذا الباب، مثل رواية أُمّ الفضل... قالت: ((فدخلت يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته ــ أي الحسين عليه السلام ــ في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله بأبي أنت وأُمّي ما لك؟

قال: (أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ابني هذا)، فقلت: هذا؟ فقال: (نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء))).

قال الحاكم النيسابوري: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))(2)، فلماذا تنقم وتنزعج من البكاء والتأثّر على مقتل الحسين عليه السلام؟!

أيّها الأخ العزيز: إنّ الحسين سيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابنه وحامل نسله ونسبه وسببه وإسلامه، وضحّى بنفسه وأعزّ ما عنده من إخوة وأولاد، وأهل بيت وأصحاب مؤمنين، ونساء أهل البيت، وعانوا ما عانوا من عطش وتقتيل وتمثيل وسبي وتخويف...

وعندنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة وعليّ والحسن عليهم السلام أفضل من الحسين عليه السلام، وكلّهم أفضل من الأنبياء والرسل والملائكة، ولكن تختصّ مصيبة الحسين عليه السلام

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٥ مسند عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٦ ــ ١٧٧.


الصفحة 219
ومقتله بأشياء عظيمة توجب الاهتمام والإحياء والاقتداء به عليه السلام.

(كيفية تطوّر العزاء الحسيني)

« مصطفى البحراني ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

كيف كانت طريقة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام منذ زمن الأئمّة عليهم السلام، من الإمام زين العابدين عليه السلام وإلى زماننا هذا؟ أي: كيف تطوّر العزاء الحسيني؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ تاريخ إقامة العزاء الحسيني بصورته البسيطة من البكاء والحِداد والنوح، قد يرجع ــ طبقاً لجملة من الروايات ــ إلى زمن آدم عليه السلام(1)، وأمّا في العصر الإسلامي فأوّل من بكى على الحسين عليه السلام جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثمّ بعد استشهاده عليه السلام يقول التاريخ: إنّه بعد رحيل الجيش الأموي من كربلاء، اجتمع جمع من الناس وبكوا، وأقاموا مأتماً على الشهداء قبل دفنهم، حتّى إنّ الإمام زين العابدين عليه السلام حينما قدم إلى كربلاء في ذلك الحين، رآهم على تلك الحالة، ومن بعده استمرّت المراسم بين حين وآخر بأساليب متعدّدة من إقامة المجالس،

____________

1- الخصال، للصدوق: ٥٨ الحديث (٧٩)، باب الاثنين، إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٦١ الحديث (٢١) الباب (٤٣)، بحار الأنوار ٤٤: ٢٤٥ الحديث (٤٤).


الصفحة 220
وإنشاد الشعر والمراثي، إلى أن وصل دور الحكومات الشيعية ــ مثل الدولة الحمدانية والبويهية والفاطمية، وعلى الأخصّ الصفويّة ــ فتحرّكت المواكب، والهيئات الشيعية، وبتأييد صريح، ودعم واضح من ملوكها وعلمائها لهذه المآتم والمجالس والمواكب.

وأمّا نوعية العزاء وتطوّره فهو في الواقع قد أخذ سبيله في التغيير والتطوّر في كلّ زمان ومكان، حسب ما يراه الشيعة طريقاً ووسيلةً لإحياء ذكر الإمام الحسين عليه السلام، وفقاً لما يراه علماؤهم من جوازه، وعدم منافاته للشرع.

(مظاهر العزاء الحسيني قديمة جدّاً)

« ياسر العسبول ــ البحرين »

السؤال:

من أين جاءت عادة التطبير التي يستخدمها بعض الناس للتعبير عن الحزن؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ غالب مظاهر العزاء، ومبرزات الحزن والولاء، من اللطم وضرب الزنجيل، وضرب الطبول، وغيرها، قديمة جدّاً بقدم الواقعة.

ويعسر بيان أو تحديد فترة زمنية خاصّة بها، إذ هي تختلف من مكان لآخر، ومن زمن لغيره، بحسب الظروف الاجتماعية، والضغوط السياسية التي كانت


الصفحة 221
تسمح لأبناء الطائفة إبراز مظاهر ولائهم.

وفي المقام، لا بأس بدراسة واقع الدولة البويهية قبل نحو ألف سنة، ودخولهم بغداد، وفسح المجال لهذه الأُمور، ثمّ الوصول إلى قمّة ذلك أيّام الحكم الصفويّ في إيران؛ لفسحه وإباحته إبراز بعض مظاهر الولاء والعزاء بدون خوف من الحكّام.

(روايات صحيحة السند تحثّ على إقامتها)

« مصطفى البحراني ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

ما نظرة فقهاء الشيعة ومثقّفيهم في قضية البكاء، ولطم الصدور، وغيرها من الأُمور الأُخرى، المتعلّقة بسيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام؟

نودّ من خلال إجابتكم جواباً بسيطاً شافياً، ويدخل في الأذهان بسهولة، حتّى نتمكّن من سردها لإخواننا من غير الشيعة، الذين يسألوننا عن ذلك دوماً.

ولكم جزيل الشكر والامتنان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد روى علماء المسلمين في كتب الحديث بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الإمام الحسين عليه السلام قبل شهادته، وذلك لمّا أخبره جبرائيل بما سيجري على الإمام الحسين عليه السلام، وهذا تكرّر عدّة مرّات من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك بكاء أمير المؤمنين عليه السلام والصحابة لمّا أخبرهم النبيّ بما سيجري على الإمام الحسين عليه السلام.


الصفحة 222
أضف إلى ذلك، ما ورد صريحاً في روايات أهل البيت عليهم السلام الصحيحة السند في الحثّ على إقامة المأتم على الإمام الحسين عليه السلام.

وكما تعلمون فإنّ لكلّ قوم عرف خاصّ بهم في إقامة المأتم، ومن ذلك اللطم عند الشيعة، فإنّه مظهر من مظاهر الحزن عندهم، ويدخل تحت عمومات استحباب إقامة المأتم.

أضف إلى ذلك فإنّ الهاشميات لطمن على الإمام الحسين عليه السلام، وما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ عليه السلام فإنّه فيه مأجور)(1) خير دليل على هذا.

(ماذا ينبغي فعله في شهر محرّم؟)

« رملة السيّد ــ البحرين »

السؤال:

بما أنّ شهر محرّم قريب، فما هي الأعمال التي يستحبّ القيام بها في هذا الشهر العظيم؟

وشكراً على تفضّلكم بالإجابة على الأسئلة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مع حلول شهر محرّم الحرام، تتجدّد ذكرى استشهاد سيّد الشهداء الإمام

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٢ الباب (٣٢) الحديث (٢٨٦).


الصفحة 223
الحسين عليه السلام ــ ريحانة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ــ وأصحابه الأوفياء، وأسر أهل بيته ظلماً وجوراً؛ ولهذا السبب وبالذات تلتزم الشيعة ــ وحتّى المنصفين من غيرهم ــ بإحياء شعائر هذه النهضة الخالدة عبر القرون والأجيال، لكي يستلهم المجتمع البشري في كلّ زمانٍ مفردات الإيمان والإباء في سبيل العقيدة الإسلامية الحيّة، من عناصر هذه الحركة والجهاد.

وعليه ينبغي لكلّ مسلم، أن يظهر من سلوكه وآدابه، ما يدلّ على الحزن والأسى، وأن يجتنب بقدر الإمكان من مظاهر الفرح والابتهاج والسرور؛ ففي تاريخ اليعقوبي: ((وروى بعضهم: أنّ علي بن الحسين لم ير ضاحكاً يوماً قطّ، منذ قتل أبوه))(1).

وروي عن الرضا عليه السلام، قال: (إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرمة في أمرنا!

إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كرب وبلاء، وأورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى الحسين فليبكِ الباكون؛ فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام..

ثمّ قال عليه السلام: كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه

____________

1- تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٩ أحداث أيّام مروان بن الحكم و...


الصفحة 224
الحسين(صلوات الله عليه))(1).

وأن يحرص على الحضور في المآتم والمجالس الحسينية التي تنعقد في هذا الشهر تعظيماً للشعائر، وتأكيداً للمحافظة على تلك القيم السامية في النفس، وإظهاراً للمودّة والولاء لخطّ أهل البيت عليهم السلام، والبراءة من أعدائهم في طول التاريخ.

وفي هذا المجال لا يفوتنا أن نذكر فضل قراءة زيارة عاشوراء، وما لها من آثار عظيمة دينيّاً ودنيويّاً، فقراءتها أمر مستحبّ مؤكّد في كلّ وقت وزمان(2).

(الأئمّة يقيمون العزاء على الإمام الحسين عليه السلام)

« موسى ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

لو سمحتم أن توردوا لنا مصادر ــ سواء من كتبنا أو من كتب العامّة ــ على أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام، أو أحد الأئمّة عليهم السلام نصب عزاءً للإمام الحسين عليه السلام، وأنّه كرّر ذكر مظلوميته في كلّ سنة.

وشكراً جزيلاً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ أوّل مجلس نصبه الإمام زين العابدين عليه السلام كان في الشام، عندما

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٠ مجلس (٢٧) الحديث (١٩٩).

2- مصباح المتهجّد، للطوسي: ٧٧١ أعمال محرّم.


الصفحة 225
خطب في ذلك الحشد، وأخذ ينعى أبيه ويعدّد صفاته ويبيّن مظلوميّته، والناس من حوله تبكي، فهذا أوّل مجلس عزاء أقامه الإمام زين العابدين عليه السلام في الجامع الأُموي(1).

ثانياً: ما كان يفعله الإمام زين العابدين عليه السلام عند مروره بالقصّابين، وتذكيرهم بمصاب الإمام الحسين عليه السلام، وأخذه البكاء أمامهم، فإنّ هذا عزاء لأبيه الحسين عليه السلام في الملأ العام، وليس فقط تذكير لهم.

ثالثاً: روى العلاّمة المجلسي عن بعض مؤلّفات المتأخّرين أنّه قال: ((حكى دعبل الخزاعي، قال: دخلت على سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام في مثل هذه الأيّام ]يعني محرّم[ فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلمّا رآني مقبلاً قال لي: (مرحباً بك يا دعبل، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه).

ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه، وأجلسني إلى جانبه، ثمّ قال لي: (يا دعبل! أحبّ أن تنشدني شعراً، فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيّام سرور كانت على أعدائنا، خصوصاً بني أُميّة.

يا دعبل! من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله..

يا دعبل! من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لِما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا.. يا دعبل! من بكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتّة).

ثمّ إنّه عليه السلام نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر

____________

1- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٣٨ احتجاج علي بن الحسين زين العابدين على يزيد بن معاوية لمّا أدخل عليه.


الصفحة 226
ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين عليه السلام، ثمّ التفت إليّ وقال لي: (يا دعبل! إرثِ الحسين، فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً، فلا تقصّر عن نصرتنا ما استطعت).

قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي، وأنشأت أقول:


أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاًوقد مات عطشاناً بشطّ فُراتِ

إذاً للطمت الخدّ فاطم عندهوأجريت دمع العين في الوجنات...))(1)

فهنا الإمام عليه السلام عقد مجلساً لذكر جدّه الإمام الحسين عليه السلام، وأمر بضرب الحجاب حتّى يسمع أهل بيته.

رابعاً: روى العلاّمة المجلسي عن بعض المؤلّفات لأحد ثقات معاصريه، أنّه لمّا أخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين، وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبتِ! متى يكون ذلك؟ قال: (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ)، فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبتِ! فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟

فقال النبيّ: (يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة، تشفعين أنت للنساء، وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده، وأدخلناه الجنّة)(2).

خامساً: روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الرضا عليه السلام، أنّه قال: (إنّ

____________

1- بحار الأنوار ٤٥: ٢٥٧ الباب (٤٤) الحديث (١٥).

2- بحار الأنوار ٤٤: ٢٩٢ الباب (٣٤) الحديث (٣٧).


الصفحة 227
المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستُحلّت فيه دماؤنا، وهُتكت فيه حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا...

ثمّ قال عليه السلام: كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه))(1).

فالإمام عليه السلام أقام العزاء للإمام الحسين عليه السلام، وجدّد مصيبته في كلّ محرّم بحزنه وبكائه، وتغيّر لونه.

وهناك روايات كثيرة واردة في أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يظهرون الحزن والعزاء عند دخول شهر محرّم.

نعم، تبقى مسألة لابدّ من الالتفات إليها، وهي: حالة الأئمّة عليهم السلام وما كانوا عليه من المطاردة والمحاصرة، والمراقبة المشدّدة من قبل الدولتين الأُموية ــ هي التي وقعت فيها معركة كربلاء ــ والعبّاسية، ومعلوم موقف الدولتين من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فلذلك لا تجد أنّ الإمام يقيم العزاء العام، ويدعو الناس إليه كما يقام الآن؛ لأنّه في رقابة وفي محاصرة تامّة من قبل السلطة، ويريد أن يحفظ نفسه، ويقوم بما هو المطلوب منه، فلذلك لا نجد هذا الأمر بالكيفية التي عليها نحن اليوم.

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٠ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩).


الصفحة 228

(رواية تشير إلى من يجدّد العزاء جيلاً بعد جيل)

« أٌم أحمد ــ الكويت ــ إمامية »

السؤال:

في أي مصدر نجد: أنّه لمّا سألت الزهراء عليها السلام: أنّ ابني هذا سيُقتل ولا يُقام له عزاء؟ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إنّ الله سيخلق له شيعة يندبونه إلى يوم القيامة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لعلّ ما تسألين عنه هي الرواية التي ذكرها المجلسي في (البحار)، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه لمّا أخبر فاطمة عليها السلام بقتل ولدها الحسين عليه السلام وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبت! متى يكون ذلك؟ قال: (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ). فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبت! فمن يبكي عليه، ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة)(1).

____________

1- بحار الأنوار ٤٤: ٢٩٣.


الصفحة 229

(إقامة الشعائر الحسينية مستحبّ مؤكّد)

« حيدر محمّد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين..

لدي سؤال حول مراسم العزاء لآل البيت عليهم السلام: هل الإنسان يُحاسَب شرعاً لو لم يعتقد بالعزاء، أو لم يحضر مراسم عاشوراء والمناسبات الدينية الأُخرى المتعلّقة بالأئمّة عليهم السلام؟

أرجو إعطائي أدلّة واضحة..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المراسم والطقوس الدينية المرتبطة بإقامة العزاء لأهل البيت عليهم السلام تندرج ضمن الشعائر التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(1)، وعدم إقامة هذه المراسيم والطقوس لا يترتّب عليه إثم شرعي؛ لأنّ إقامتها ليس واجباً شرعياً، فهي من المستحبّات المؤكّدة، وتركها يؤدّي إلى فوات أجر عظيم وثواب لا يحصى، كما أنّها تدخل في إطار أجر الرسالة الذي ورد في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2), ومن لا يقيم العزاء في مناسبات مصائب آل البيت عليهم السلام لا يكون صادق المودّة لهم عليهم السلام،

____________

1- الحجّ (٢٢): ٣٢.

2- الشورى (٤٢): ٢٣.


الصفحة 230
ولم يحفل بأجر الرسالة، التي هي من أعظم النعم على العباد بعد نعمة التوحيد.

(ضرورة الحضور في المجالس الحسينية)

« عقيل ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

لماذا يصرّ العلماء والخطباء على حضور المجالس الحسينية مع أنّ نفس الكلام الذي يقوله الخطيب في الحسينية نجده في الكتب، ونستطيع قراءته من دون الحضور للمجالس الحسينية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بأس بقراءة الكتب والتعرّف على الإمام الحسين عليه السلام من خلال هذه الطريقة، ولكن لحضور المجالس الحسينية فائدة أُخرى غير الفائدة العلمية، وهي: التعظيم لشعائر الله من خلال الحضور، ومن خلال البكاء ولبس السواد واللطم وإظهار الجزع والصراخ، وإطعام الطعام وسقي الماء، وتعزية المؤمنين بعضهم لبعض، وغير ذلك.

(حكم الغياب عن المجالس يوم العاشر من محرّم)

« محمّد ــ السعودية »

السؤال:

هـل الغـياب فـي اليـوم العاشـر من محـرّم لا يجـوز؟ وكذلك فـي وفـاة


الصفحة 231
الأئمّة عليهم السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من مصاديق الآية الشريفة: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(1) هو: الحضور في المجالس والمآتم التي تُعقد في اليوم العاشر من محرّم، وأيّام شهادة الأئمّة المعصومين عليهم السلام؛ فإنّ الحضور فيها يعدّ من تقوى القلوب، ويقرّب إلى الله تعالى.

وعلى أتباع أهل البيت عليهم السلام أن يُحيوا هذه المجالس بحضورهم، كما وردت عن أهل البيت عليهم السلام في وصف شيعتهم: (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)(2)؛ إذ الحبّ القلبي لوحده لا يكفي، فلا بدّ من تجاوز هذا الحبّ القلبي إلى مرحلة الإظهار والعمل، ومن أبرز مصاديق الإظهار: إحياء أمرهم عليهم السلام بعقد المجالس والمآتم، والحضور فيها.

ولا ننسى أن ننبّه: أنّ الغياب الدائمي عن الحضور في هذه المجالس إذا كان تهاوناً من الشخص بحيث يكون من مصاديق الجفاء لأهل البيت عليهم السلام، أو أحرز الشخص أنّه سيؤدّي إلى إضعاف هذه المجالس، فهناك بعض من العلماء يفتون بحرمة الغياب.

____________

1- الحجّ (٢٢): ٣٢.

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٤ الباب (٣٢) الحديث (٢٩١).


الصفحة 232

(مجموعة أسئلة عن المأتم الحسيني)

« أُمّ أبرار ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

هذه مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بالمأتم الحسيني من بعض الأخوات نرجوا التفضل بالإجابة عليها:

١ــ تقرأ في مآتم النساء رواية تزويج القاسم لابنة عمّه سكينة في كربلاء:

أ ــ فما هو حكم قراءتها أو الاستماع لها، علماً بأنّها رواية غير صحيحة؟

ب ــ وهل هناك بأس أو تجريح عند نثر الحلويات؟

٢ــ ما رأيكم في التصفيق في المأتم أثناء المصيبة أو في الدور (الوقوف لقراءة اللطمية)؟

٣ــ هل يجوز الضرب على الفخذ أثناء اللطمية، أم أنّ الضرب محصور على الصدر فقط؟

٤ــ ما هي نصيحتكم لمن يريد كتابة رواية حسينية لقراءتها في المأتم؟

٥ــ ما هي الكتب التي تنصحون بالاعتماد عليها لكتابة رواية حسينية، أو للتحقّق من صحّة رواية معيّنة؟

٦ــ ما هو حكم من كتب رواية حسينية معتمداً على مصدر غير موثوق بها أو كانت الرواية غير صحيحة؟

٧ــ كيف نميّز الرواية الصحيحة من الخاطئة؟

٨ــ ما مدى صحّة بعض العبارات في بعض الروايات، مثل: شقّت جيبها،


الصفحة 233
نشرت شعرها، وهل يجوز قراءتها في المأتم؟

٩ــ لو أُعطيت إحدى القارئات مقطع من رواية لقراءتها وهي على علم سابقاً بعدم صحّة هذه الرواية، فهل تأثم إذا قرأتها؟

١٠ــ هل هناك مواصفات معيّنة للقارئات الحسينيات؟

١١ــ بماذا تنصحون أصحاب المآتم الحسينية لتفعيل دورها في حياتنا اليومية، وعلى جميع الأصعدة (الروحي، الاجتماعي، الأخلاقي)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة إلى قراءة رواية تزويج القاسم عليه السلام من ابنة عمّه سكينة في كربلاء جائزة إن كان الغرض من قراءتها هو الإبكاء وإقامة العزاء، لكن لا مع التأكيد على صحّتها؛ فقد اختلف العلماء فيها على قولين، ولكلّ أدلّة وكتب أوردها شيخنا صاحب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).

ولا مانع من نثر الحلوى في المجلس، كما لا مانع من التصفيق المتعارف عند القارئات في المأتم إذا كان المقصود منه تهييج العواطف والمشاعر الدينية والإنسانية.

ونصيحتنا لمن يريد أن يكتب رواية حسينية هي: أن يسند المطالب التي يكتبها إلى الكتب التي ينقل عنها؛ حتّى تكون عهدة الرواية على أصحاب تلك الكتب. وأن يعتمد على المصادر المعتبرة والكتب المشهورة التي اعتمد عليها علماؤنا السابقون وخطباؤنا الملتزمون بالنقل عن تلك الكتب المعتبرة، ككتب السيّد ابن طاووس، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ عبّاس القمّي، وغيرهم.


الصفحة 234
وكتابة الرواية الحسينية بالاعتماد على ما لا يرى جمهور علمائنا صحّته غير جائزة، كأيّ كتابة أُخرى، لا سيّما مع الاعتقاد بالصحّة خلافاً للعلماء.

أمّا تمييز الرواية الصحيحة من الخاطئة فهو من الأُمور التخصصية التي لا بدّ من دراستها، ومعرفة المعايير والموازين الخاصّة بها.

وأمّا قراءة بعض العبارات مثل: ((شقّت جيبها ونشرت شعرها)) فلا مانع منه مع وجوده في بعض الكتب المشهورة للأصحاب إذا كان لغرض الإبكاء، لكنْ لا مع الالتزام بصحّتها والتأكيد على وقوعها بصورة حتميّة، إلّا من العارف بموازين الصحّة.

وأمّا قراءة ما يعلم مسبقاً عدم صحّته، فلا يجوز إذا كان العلم بعدم صحّة الرواية المعيّنة مستنداً إلى دليل صحيح.

ولا بدّ أن يكون قارئ مأتم الحسين عليه السلام، سواء كان رجلاً أو امرأة، متحلّياً في سلوكه وأخلاقه واعتقاده وجميع شؤونه بصفات تتناسب مع تصدّيه لمثل هذا المقام العظيم الذي يرتبط بقضايا أهل البيت عليهم السلام.

وأمّا نصيحتنا لأصحاب المجالس الحسينية فهي: أن يكونوا دعاة لأهل البيت عليهم السلام بغير ألسنتهم، كما في معنى الخبر عنهم عليهم السلام(1)، وأن يكونوا زيناً لهم لا شيناً عليهم، كما في الخبر عنهم أيضاً(2).

____________

1- قرب الإسناد، للحميري: ٧٧ أحاديث متفرّقة الحديث (٢٥١)، المحاسن، للبرقي ١: ١٨ الباب (١١)، الكافي، للكليني ٢: ٧٨، باب الورع.

2- أمالي الصدوق: ٤٨٤ المجلس (٦٢) الحديث (٦٥٧)، وقريب منه تحف العقول عن آل الرسول، لابن شعبة: ٤٨٨ قصارى كلمات الإمام العسكري عليه السلام.


الصفحة 235
وعلى الجملة فإنّ الغرض من إقامة المجالس هو: نشر فكر أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم وأدبهم، فكيف يتمّ ذلك مع انتفاء هذه الأُمور عن أصحاب تلك المجالس؟

(حضور الأرواح في مجالس الذكر)

« مصلح ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

ماذا يعني حضور الأرواح الطاهرة في مجالس الذكر؟ وهل يتعيّن على النساء في مجالسهنّ عدم لبس الملابس الرقيقة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد ورد في بعض الأخبار عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام: (إنّ شيعتنا منّا، خُلقوا من فاضل طينتنا، وعُجنوا بماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا)(1)، ومن المؤكّد أنّ أرواحهم الطاهرة ناظرة إلى تلك المجالس المنعقدة من أجل إحياء أمرهم. ولا بدّ لكلّ من يحضر تلك المجالس أن يلتزم بما يتناسب مع معنويتها وروحانيتها من حيث الملبس وسائر الحركات والأعمال.

____________

1- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ٣٦ الباب (٩)، روضة الواعظين، للفتال: ٢٩٦، بحار الأنوار ٥٣: ٣٠٣، الخصائص الحسينية، للتستري ٩: ١٤، شجرة الطوبى، للحائري ١: ٣ المجلس (١).


الصفحة 236

(إمكان حضور أرواح المعصومين عليهم السلام في مجالس الحسين عليه السلام)

« محمّد سعيد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

إنّي كثيراً ما أسمع من كبار الخطباء بأنّ فاطمة عليها السلام وزينب, قد تحضران في مجالس العزاء التي تُعقد في الحسينيات.

كأنّما خرجتا من الدنيا وهما تحملان آلامهما ولم تستريحا في عالم البرزخ، بينما نسمع بأنّ المؤمن يدخل جنّة البرزخ ويستمتع بها، والكافر يعذّب في نار جهنم.

فكيف تبقى خير النساء معذّبات في الدنيا؟! أوَ ليس الأولى أن يجازيهما الله في عالم البرزخ على صبرهما بالجنّات بدل الهموم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعض الروايات تشير إلى أنّ الأرواح في عالم البرزخ لها القابلية على الاطّلاع على عالم الدنيا، وعندما ترى شيئاً سيئاً يسوءها، وإذا رأت شيئاً حسناً أسرّها، وهذا لا يتناقض مع كونها منعّمة في جنّة البرزخ.

فلا يُستبعد أن تكون الزهراء عليها السلام وغيرها تطّلع بحضور روحها في بعض الأماكن التي تذكر مصيبة ولدها الحسين عليه السلام فتحزن لتلك الذكرى، وإن كنّا لم نطّلع على رواية بهذا المضمون، وهذا لا يتناقض - كما قلنا - مع نعيمها في البرزخ.


الصفحة 237

(أدلّة استحباب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام)

« محمّد ــ بريطانيا »

السؤال:

هل عندكم أدلّة على استحباب البكاء حزناً على الإمام الحسين عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت فيه أخبار كثيرة, بل متواترة, وهي على طوائف، منها:

الطائفة الأُولى:

ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب غفران كلّ ذنب، كصحيح الريّان بن شبيب، عن الإمام الرضا عليه السلام، في حديث: (يا بن شبيب! إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام؛ فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله.

ــ إلى أن قال: ــ يا بن شبيب! إن بكيت على الحسين عليه السلام حتـّى تصير دموعك على خدّيك، غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً)(1).

وخبر الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام: (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر)(2).

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٢ المجلس (٢٧) الحديث (٢٠٢)، عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ٢: ٢٦٨ الحديث (٥٨).

2- المحاسن، للبرقي ١: ٦٣ كتاب ثواب الأعمال، كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٧ الباب (٣٢)حديث (٢٩٣).


الصفحة 238

الطائفة الثانية:

ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب غفران الذنوب العظام, كخبر إبراهيم بن أبي محمود, عن الرضا عليه السلام، في حديث: (فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون؛ فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام)(1).

الطائفة الثالثة:

ما ورد أنّ البكاء عليه يمنع دخول النار على الباكي، كخبر الفضيل وفضالة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار)(2).

الطائفة الرابعة:

ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب دخول الجنّة، كخبر محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: (أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام، حتـّى تسيل على خدّه, بوّأه الله بها في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمنٍ دمعت عيناه حتـّى تسيل على خدّيه في ما مسّنا من أذى من عدونا في الدنيا بوّأه الله منزل صدق)(3).

وخبر محمّد بن عمارة، عن جعفر بن محمّد عليه السلام, قال: (من دمعت عينه فينا دمعة لدمٍ سُفك لنا، أو حقّ لنا نقصناه، أو عرضٍ انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا،

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٠ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩).

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٧ الباب (٣٢)حديث (٢٩٦).

3- ثواب الأعمال، للصدوق: ٨٣ ثواب من بكى لقتل الحسين بن عليّ عليهما السلام، كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠١ الباب (٣٢) الحديث (٢٨٥).


الصفحة 239
بوّأه الله تعالى بها في الجنّة حقباً)(1).

وخبر أبي هارون المكفوف, قال أبو عبد الله عليه السلام في حديث: (ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله, ولم يرضَ له بدون الجنّة)(2).

الطائفة الخامسة:

ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب حضور الأئمّة عليهم السلام عند موت الباكي، كخبر مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (قال لي: أفما تذكر ما صُنع به؟ ــ يعني بالحسين ــ قلت: نعم. قال: فتجزع؟ قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك حتـّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ، فامتنع من الطعام حتـّى يستبين ذلك في وجهي.

قال: رحم الله دمعتك, أما إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك, ووصيّتهم ملك الموت بك, وما يلقونك به من البشارة أفضل، ولَملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأُمّ الشفيقة على ولدها) ــ إلى أن قال: ــ (وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا إلّا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه, فإذا سالت دموعه على خدّه, فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرّها، حتـّى لا يُوجد لها حَرّ) ــ إلى أن قال: ــ (وما من

____________

1- أمالي المفيد: ١٧٥ المجلس (٢٢) الحديث (٥)، أمالي الطوسي: ١٩٤ المجلس (٣٣٠) الحديث (٣٢).

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٨ الباب (٣٣) الحديث (٢٩٧).


الصفحة 240
عين بكت لنا إلّا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسُقيت منه من أحبنّا)(1).

الطائفة السادسة:

ما ورد أنّ البكاء عليه يُسعد فاطمة سيّدة نساء العالمين عليها السلام, كما في خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (يا أبا بصير! إذا نظرت إلى وَلَدِ الحسين عليه السلام أتاني ما لا أملكه بما أُوتى إلى أبيهم وإليهم.

يا أبا بصير! إنّ فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق ــ إلى أن قال: ــ يا أبا بصير! أما تحبّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام؟! فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، وما قدرت على كلامي من البكاء)(2).

إلى غير ذلك من الطوائف والأخبار, ويكفينا في عظمة أجر البكاء، ما ورد في خبر معاوية بن وهب، قال: ((استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام، فقيل لي: ادخل، فدخلتُ فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه، ويقول: (يا من خصّنا بالكرامة، وخصّنا بالوصية، ووعدنا الشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني, ولزوّار قبر أبي ]عبد الله[ الحسين عليه السلام, الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك صلواتك عليه وآله، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا, أرادوا بذلك رضاك، فكافهم عنّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار ــ إلى أن قال­ــ : فارحم تلك الوجوه التي قد غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلّبت

____________

1- كامل الزيارات: ٢٠٣ ــ ٢٠٥ الباب (٣٢) الحديث (٢٩١).

2- كامل الزيارات: ١٦٩ ــ ١٧١ الباب (٢٦) الحديث (٢٢٠).


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية