المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج4 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270) على حفرة أبي عبد الله عليه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا، اللّهمّ إنّي استودعك تلك الأنفس، وتلك الأبدان, حتـّى نوافيهم على الحوض يوم العطش), فما زال وهو ساجد يدعو الله بهذا الدعاء)).. الخبر(1).

وبالدمع يمتزج العقل بالمحبّة, والبرهان بالعاطفة, فتدخل الولاية في الوجدان كما دخلت في القلب، ليكون الإنسانُ مدفوعاً للتمسّك بهم شعوراً وقلباً، بعدما كان متمسّكاً بهم عقلاً.

واعلم أيضاً أنّ البكاء ممدود ومقصور، يأتي مع الهمزة وبدونها, فالبكا ــ مقصور ــ : خروج الدمع من العين, والبكاء ــ ممدود ــ: خروج الدمع مع الصوت, وإذا خرج مع الصراخ فهو: العويل.

واعلم أيضاً أنّ البكاء من سبعة أُمور: الحزن، الفرح، الخوف، الفزع، الشكر، خشية الله, ومن الرياء.

والبكاء من الرياء كبكاء إخوة يوسف؛ قال تعالى: ﴿وَجَاؤُوا أَبَاهُم عِشَاءً يَبكُونَ(2)، وباقي أقسام البكاء معروفٌ عند الجميع.

واعلم أنّ أعظم أقسام البكاء ثواباً هو الخشية من الله؛ ففي الخبر: (كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا ثلاثة أعين: عينٌ بكت من خشية الله, وعينٌ غضّت عن محارم الله, وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله)(3).

____________

1- الكافي، للكليني ٤: ٥٨٢ ــ ٥٨٢ كتاب الحجّ فضل زيارة أبي عبد الله عليه السلام.

2- يوسف (١٢): ١٦.

3- الخصال، للصدوق: ٩٨ الباب (٣) الحديث (٤٦).


الصفحة 242
وبهذا البكاء مع السجود يصل الإنسان إلى أعظم درجات القربى؛ قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ يَبكُونَ وَيَزِيدُهُم خُشُوعاً(1).

والبكاء خشيةً ترجع منفعته إلى العبد؛ لأنّه بكاء بسبب الذنب، بخلاف البكاء بسبب حبّ الله, فهو متمحّض في التقرّب لكون دافعه وفعله لله جلّ وعلا.

ومنه البكاء بسبب حبّ أوليائه وحزناً على ما أصابهم، ومن أعظم مصاديقه: البكاء على سيّد الشهداء الحسين بن عليّ عليه السلام, فلا محالة يكون ثوابه عظيماً، بل لا تقدير لثوابه؛ ففي الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام: (لكلّ شيء ثواب إلّا الدمعة فينا)(2).

واعلم أيضاً أنّ البكاء بكاءان, بكاء القلب وبكاء العين, وبكاء العين معروف المصداق، وتقدّم الكلام في ثوابه.

وبكاء القلب بالهمّ والغمّ والحزن؛ ففي الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام: (نَفَسُ المهموم لظلمنا تسبيح, وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله، ثمّ قال أبو عبد الله عليهم السلام: يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)(3).

واعلم أيضاً أنّ عدم بكاء المعتقد بالولاية على الحسين عليه السلام عند ذكر مصابه إنّما هو لأحد سببين: الذنب والكِبر.

أمّا الذنب؛ ففي الخبر العلوي: (ما جفّت الدموع إلّا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلّا لكثرة الذنوب)(4).

____________

1- الإسراء (١٧): ١٠٩.

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢١١ الباب (٣٣) الحديث (٣٠٢).

3- أمالي الطوسي: ١١٥ الحديث (٣٢) المجلس الرابع، أمالي المفيد: ٣٣٨ المجلس (٤٠).

4- علل الشرائع، للصدوق ١: ٨١ الباب (٧٤)، روضة الواعظين، للفتال: ٤٢٠ مجلس في الحثّ على مخالفة النفس والهوى.


الصفحة 243
وفي الخبر الصادقي عن آبائه عليهم السلام, عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من علامات الشقاء: جمود العين, وقسوة القلب، وشدّة الحرص في طلب الرزق، والإصرار على الذنب)(1).

وأمّا الكِبر؛ قال تعالى: ﴿سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ(2)، وأيُّ آيةٍ أعظم من مصيبة أبي عبد الله عليه السلام.

وإذا خلى المؤمن من هذين السببين مع التفاته إلى ما جرى على سيّد الشهداء عليه السلام, فلا بدّ أن يبكي؛ لذا ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام: (كنّا عنده فذكرنا الحسين عليه السلام، فبكى أبو عبد الله عليه السلام وبكينا، قال: ثمّ رفع رأسه، فقال: قال الحسين عليه السلام: أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلّا بكى)(3).


إذا ذُكر الحُسين فأيّ عينٍتصونُ دموعها صونَ احتشامِ

بكته الأنبياء وغيرُ بَدعٍبأن تبكي الكرام على الكرامِ

وقال آخر:


نزف البكاء دموعَ عينك فاستعرعيناً لغيرك دمعُها مدّارُ

من ذا يُعيرك عينه تبكي بهايا ليت عيناً بالبكاء تُعارُ

ومن جهة أُخرى فالعجب من بعضهم كالشيخ البهبودي في حاشيته على

____________

1- الكافي، للكليني ٢: ٢٩٠ كتاب الإيمان والكفر، باب في أُصول الكفر وأركانه، الخصال، للصدوق: ٢٤٣ الباب (٤) الحديث (٩٦).

2- الأعراف (٧): ١٤٦.

3- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢١٥ الباب (٣٦) الحديث (٣١٣).


الصفحة 244
فضل ثواب البكاء على سيّد الشهداء عليه السلام في (بحار الأنوار ٤٤: ٢٩٣، وما بعدها)، حيث ذهب إلى أنّ هذا الثواب محمول على زمن خاص, وهو زمن صدق عنوان الجهاد على البكاء, وهو مخصوص بزمن بني أُميّة؛ لأنّهم أرادوا إماتة ذكر الحسين عليه السلام ومنع زيارته، ومنع البكاء عليه.

وفيه: إنّ الأخبار المتقدّمة مطلقة تشمل كلّ زمن وحال, بل بعضها يأبى عن التخصيص بزمن خاص، كصحيح ابن شبيب، عن الإمام الرضا عليه السلام: (يا بن شبيب! إن سَرّك أن تكون معنا في الدرجات العُلى من الجنان, فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً تولّى حجراً لحشره الله معه يومَ القيامة)(1).

وخبر الأربعمائة, قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعةً ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أُولئك منّا وإلينا)(2).

بل كلّ الأخبار المتقدّمة في ثواب البكاء، أو جُلّها، واردٌ في عصر بني العبّاس, وإذا جاز مضمونها لبقاء الروح الأموية، فكذلك يجوز مضمونها اليومَ لبقاء هذه الروح الخبيثة عند بعض المسلمين من غير الشيعة.

ومن جهة ثالثة لا خلاف بين الشيعة الإمامية أعزّهم الله نصّاً وفتوى في جواز

____________

1- أمالي الصدوق: ١٩٣ المجلس (٢٧) الحديث (٢٠٢).

2- الخصال، للصدوق: ٦٣٥ حديث الأربعمئة، عيون الحكم والمواعظ، لعلي الليثي: ١٥٢ الفصل (١٢).


الصفحة 245
البكاء على الميّت, قبل الدفن وبعده، كما في (الحدائق)(1)؛ للأخبار المستفيضة, بل التي لا تقصر عن التواتر كما في (الجواهر)(2).

منها: ما رواه الصدوق: قال الصادق عليه السلام: (لمّا مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: حزنا عليك يا إبراهيم, وإنّا لصابرون, يحزن القلب، وتدمع العين, ولا نقول ما يسخط الربّ)(3).

وخبر ابن القدّاح: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فلمّا مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, هَمَلت عين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدموع، ثمّ قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: تدمع العين، ويحزن القلب, ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون)(4).

وما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير: عن أحدهما عليهما السلام، قال: (لمّا ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر)(5)؟

وما رواه الصدوق: ((النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام وزيد ابن حارثة، كان إذا دخل بيته كثُر بكاؤه عليهما جدّاً، ويقول: كانا يحدّثاني ويؤنساني، فذهبا جميعاً))(6).

____________

1- الحدائق الناضرة، للبحراني ٤: ١٦٢ كتاب الطهارة، الباب الثالث.

2- الجواهر ٤: ٣٦٤ كتاب الطهارة الركن الثاني الفصل الخامس.

3- من لا يحضره الفقيه ١: ١٧٧ الحديث (٥٢٦)، باب التعزية والجزع عند المصيبة.

4- الكافي، للكليني ٣: ٢٦٤ كتاب الجنائز، باب النوادر.

5- الكافي ٣: ٢٤١ الحديث (٤٧٣٠) كتاب الجنائز، باب المسألة في القبر.

6- من لا يحضره الفقيه ١: ١٧٧ الحديث (٥٢٧)، باب التعزية والجزع عند المصيبة.


الصفحة 246
وما رواه الطوسي في أماليه, بإسناده عن عائشة: قالت: (لمّا مات إبراهيم بكى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتـّى جرت دموعه على لحيته, فقيل له: يا رسول الله، تنهى عن البكاء وأنت تبكي؟ فقال: ليس هذا بكاء، وإنّما هي رحمة, ومن لا يَرحم لا يُرحم)(1).

بل يستحبّ البكاء عند اشتداد الوجد؛ لما في خبر منصور الصيقل، قال: ((شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام وجدّاً وجدّته على ابنٍ لي هَلَك, حتـّى خفت على عقلي, فقال: (إذا أصابك من هذا شيء فأفضِ من دموعك؛ فإنّه يسكن عنك)))(2).

ولمّا أورده الصدوق، قال: ((وقال عليه السلام ــ أي الصادق: ــ من خاف على نفسه من وجدٍ بمصيبةٍ فليفض من دموعه؛ فإنّه يسكن عنه))(3)، ولذا قال في (الجواهر): ((بل ربّما يظهر من بعض الأخبار استحبابه عند اشتداد الوجد))(4).

وأمّا عند العامّة فالبكاء على الميّت نفسه مباح عندهم بالاتّفاق؛ ففي (الفقه على المذاهب الأربعة): ((يحرم البكاء على الميّت برفع الصوت والصياح عند المالكية والحنفيّة، وقال الشافعية والحنابلة: إنّه مباح, أما هطل الدموع بدون صياح فإنه مباحٌ باتّفاق))(5).

وفي (المغني) لابن قدامة: ((أمّا البكاء بمجرّده فلا يُكره في حالٍ، وقال الشافعي: يباح إلى أن تخرج الروح, ويُكره بعد ذلك؛ لما روى عبد الله بن عتيك،

____________

1- أمالي الطوسي: ٣٨٨ المجلس (١٣) الحديث (٨٥٠).

2- الكافي، للكليني ٣: ٢٥٠ كتاب الجنائز، باب النوادر.

3- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢: ٩٢١ الحديث (٥)، الباب (٨٧) من أبواب الدفن.

4- جواهر الكلام، للجواهري ٤: ٣٦٤.

5- الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري ٢: ٥٣٣ كتاب الصلاة مبحث الدعاء على الميّت.


الصفحة 247
قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب, فصاح به فلم يجبه، فاسترجع، وقال: (غلبنا عليك أبا الربيع), فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهنّ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (دعهنّ، فإذا وجب فلا تبكين باكية), يعني إذا مات.

ولنا ما روى أنس، قال: شهدنا بنت رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، وقبّل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن مظعون وهو ميّت, ورفع رأسه وعيناه تهراقان.

وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب, ثمّ أخذها جعفر فأُصيب, ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب)، وإنّ عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتذرفان)) إلى آخر ما قاله(1).

وعليه فالحكم بكراهة البكاء على الميّت بعد الموت، كما عن الشافعي، مردود بأخبارهم وأخبارنا.

هذا من ناحية الفتوى عندهم، وأمّا من ناحية أخبارهم، فقسم منها يدلّ على الجواز، وقسم يدلّ على النهي, ومن القسم الناهي:

ما أورده البيهقي في سننه، بإسناده عن ابن الخطّاب، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((الميّت يُعذّب ببكاء الحيّ))(2).

وبإسناده عن ابن عمر: ((أنّ حفصة بكت على عمر فقال: مهلاً يا بُنية، ألم تعلمي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه)))، وقال البيهقي

____________

1- المغني ٢: ٤١٠ كتاب الجنائز، فصل في التعزية.

2- السنن الكبرى ٤: ٧١ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.


الصفحة 248
عقيبه: ((رواه مسلم في الصحيح))(1).

وبإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى, عن أبيه، قال: ((لمّا طُعن عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه, فقال له عمر: يا صهيب! أما علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الميّت ليُعذّب ببكاء الحيّ))).

وقال البيهقي: ((رواه البخاري في الصحيح عن إسماعيل بن الخيل عن علي ابن مسهر، ورواه مسلم عن علي بن حجر))(2).

وبإسناده عن عبد الله بن عمر: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحي))(3).

ولا يؤخذ بظاهرها؛ لما روته العامّة أنفسهم, كما رواه البيهقي بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: ((أنّ عائشة ذُكر عندها قول ابن عمر في المُعول عليه: يُعذّب ببكاء أهله عليه، فقالت: يُعذّب ببكاء أهله عليه؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ]كنية ابن عمر[، سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّ بجنازة رجل من اليهود، فجعل أهله يبكونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّهم ليبكونه, وإنّه ليعذّب))(4).

____________

1- السنن الكبرى ٤: ٧١، باب سياق أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه، وانظر: صحيح مسلم ٣: ٤١، باب الميت يعذّب ببكاء أهله عليه.

2- السنن الكبرى ٤: ٧١ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.

3- السنن الكبرى ٤: ٧٢ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.

4- السنن الكبرى ٤: ٧٢ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.


الصفحة 249

وما رواه البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر, عن أبيه: ((أنّ عبد الله بن عمر لمّا مات رافع بن خديج, قال لهم: لا تبكوا عليه؛ فإنّ بكاء الحيّ عذابٌ للميت)). وقال عن عمرة: فسألت عائشة عن ذلك، فقالت: ((يرحمه الله، إنّما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليهودية وأهلها يبكون: إنّهم ليبكون عليها، وإنّها لتعذّب في قبرها))(1).

وما رواه البيهقي بإسناده عن عمرة: ((أنّها سمعت عائشة، وذُكر لها أنّ

عبد الله بن عمر يقول: إنّ الميّت ليُعذّب ببكاء الحيّ, فقالت عائشة: أما أنّه لم يكذب، ولكنّه أخطأ أو نسي, إنّما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية، وهي يبكي عليها أهلها، فقال: إنّهم ليبكون عليها, وإنّها لتعذّب في قبرها))(2).

وما رواه البيهقي بإسناده عن القاسم بن محمّد، قال: ((لمّا بلغ عائشة قول عمر وابن عمر، قالت: إنّكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولا مكذّبين, ولكن السمع يخطئ))(3).

فعائشة أنكرت هذه الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبت الاشتباه أو النسيان إلى عمر وابنه، وإن حاولت العامّة تفسير الأحاديث الناهية بغير ذلك؛ حفظاً لعمر

____________

1- السنن الكبرى ٤: ٧٢ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.

2- السنن الكبرى ٤: ٧٢ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.

3- السنن الكبرى ٤: ٧٣ جماع أبواب التعزية، باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.


الصفحة 250
وابنه عن النسيان والاشتباه(1).

وعلى كلٍّ فقد روت العامّة بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام، كما في (المستدرك على الصحيحين)، أورده الحاكم النيسابوري بإسناده عن أُمّ الفضل بنت الحارث: ((أنّها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فقالت: يا رسول الله! إنّي رأيتُ حلماً منكراً الليلة.

قال: وما هو؟

قالت: إنّه شديد.

قال: وما هو؟

قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت, ووُضعت في حجري.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت خيراً، تلد فاطمة ــ إن شاء الله ــ غلاماً, فيكون في حجرك.

فولدت فاطمةُ الحسينَ، فكان في حجري, كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فدخلت يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فوضعتُه في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله, بأبي أنت وأمّي, ما لك؟

قال: أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام، فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا؟

____________

1- كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، للشهيد الأوّل ٢: ٦٠ الحكم الخامس: الدفن.


الصفحة 251
فقال: نعم, وأتاني بتربة من تربته حمراء)).

قال النيسابوري عقيب الخبر: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))(1).

(أدلّة جواز التباكي على الإمام الحسين عليه السلام)

« ظافر ــ قطر »

السؤال:

هل توجد عندنا روايات في جواز أو استحباب التباكي حزناً على الإمام الحسين عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

توجد روايات كثيرة في الجواز والاستحباب, منها: ما ورد في خبر أبي عمارة المنشد عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (ومن أنشد في الحسين عليه السلام شعراً فبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة)(2).

ومنها: خبر صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من أنشد في الحسين عليه السلام بيتاً من شعرٍ فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنّة، فلم يزل حتّى قال:

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٦ فضائل الحسين بن عليّ.

2- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٩ الباب (٣٣) الحديث (٢٩٨)، أمالي الصدوق: ٢٠٥ المجلس (٢٩) الحديث (٢٢٢) في ذكر الحسين عليه السلام.


الصفحة 252
ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى, وأظنّه قال: أو تباكى، فله الجنّة)(1).

وقال ابن طاووس في (اللهوف): ((ورُوي أيضاً عن آل الرسول عليهم السلام, أنّهم قالوا: من بكى أو أبكى فينا مائة ضمنّا له على الله الجنّة، ومن بكى أو أبكى خمسين فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى ثلاثين فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى عشرة فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى واحداً فله الجنّة، ومن تباكى فله الجنّة))(2).

والمراد من التباكي: إظهار البكاء باستشعار الحزن في القلب وحثّ النفس على البكاء، أو: فعل تكلّف البكاء، وليكن ذلك بدافع التقرّب إلى الله جلّ وعلا ليكون عبادة.

والتباكي هنا كالتباكي من خشية الله, على ما في وصية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذرّ: (يا أبا ذرّ! ومن أُوتي من العلم ما لا يعمل به لحقيقٌ أن يكون أُوتي علماً لا ينفعه الله عزّ وجلّ به ــ إلى أن قال: ــ يا أبا ذرّ! من استطاع أن يبكي قلبه فليبكِ، ومن لم يستطع فليُشعر قلبه الحزن وليتباك. يا أبا ذرّ! إنّ القلب القاسي بعيدٌ من الله, ولكن لا تشعرون)(3).

____________

1- ثواب الأعمال، للصدوق: ٨٥ ثواب من أنشد في الحسين شعراً، أو بكى، أو تباكى.

2- اللهوف في قتلى الطفوف: ١٠ (المقدّمة).

3- أمالي الطوسي: ٥٢٩ ـ ٥٣٠ المجلس (١٩) الحديث (١١٦٢)، مكارم الأخلاق، للطبرسي: ٤٦٢ الباب (١٢).


الصفحة 253

(جواز الندب والنوح على الإمام الحسين عليه السلام)

« سميرة ــ فرنسا »

السؤال:

يا حبّذا لو تذكرون لي بعض أدلّة جواز الندب والنوح على الإمام الحسين عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

توجد روايات كثيرة تشير إلى جواز ندب سيّد الشهداء عليه السلام والنوح عليه، حزناً على ما جرى عليه وعلى أهل بيته وأصحابه في واقعة الطف الدامية، منها:

ما ورد في خبر صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث: (ثمّ ليندب الحسين عليه السلام ويبكيه، ويأمر مَن في داره ممّن لا يتّقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجَزَع عليه)(1).

وفي مقتل الحسين للخوارزمي، قصيدة دعبل التي قالها بين يدي الإمام الرضا عليه السلام, ومنها:


أفاطم لو خلت الحسين مجدلاًوقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

إذاً للطمت الخد فاطم عندهوأجريت دمعَ العين في الوجناتِ

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبينجوم سماوات بأرض فلاةِ(2)

____________

1- مصباح المتهجّد، للطوسي: ٧٧٢ شرح زيارة أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشوراء.

2- مقتل الحسين ٢: ١٤٨ الفصل (١٣).


الصفحة 254
وأقرّه المعصوم عليه السلام على ندب سيّدة النساء عليها السلام لو كانت حاضرة، والندب هو: البكاء على الميّت مع تعداد محاسنه، كما في (لسان اللسان)(1)، و(الصحاح) للجوهري(2)، والنصّ للأوّل: (ونَدَبَ الميّت، أي: بكى عليه، وعدّد محاسنه).

ولكن باعتبار مصاحبته لرفع الصوت بالبكاء ــ الذي هو النوح ــ سُمي الندب: نوحاً، وصاحبته: نائحة.

والندب جائز عند مشهور فقهاء الشيعة أعزّهم الله؛ للأخبار، منها: ندب سيّدة النساء عليها السلام على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم، على ما في العقد الفريد: وقفت فاطمة عليها السلام على قبر أبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت:


إنّا فقدناك فقدَ الأرض وابلهاوغابَ مُذ غِبتَ عنّا الوحي والكُتبُ

فليت قبلك كان الموت صَادَفَنالمّا نُعيت وحالت دونك الكُثُبُ

عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال:

((لمّا فرغنا من دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبلت علَيَّ فاطمة، فقالت: يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التراب؟ ثمّ بكت ونادت:

(يا أبتاه! أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه! من ربّه ما أدناه، يا أبتاه! مَن ربُّه ناداه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! جَنّةُ الفردوس مأواه)، قال: ثمّ سكتت، فما زادت شيئاً))(3).

____________

1- لسان اللسان ١: ٧٥٤ مادّة (ندب).

2- صحاح الجوهري ١: ٢٢٤ مادّة (ندب).

3- العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٣: ١٩٤ ــ ١٩٥ كتاب الدرّة في النوادي والتعازي والمراثي.


الصفحة 255

وفي (إعلام الورى) للطبرسي:

وروى ثابت، عن أنس، قال: قالت فاطمة عليها السلام ــ لمّا ثقل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل يتغشّاه الكرب ــ: (يا أبتاه! إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه! من ربّه ما أدناه، يا أبتاه! جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه)))(1).

وفي السيرة النبويّة، لدحلان:

لمّا دُفن صلى الله عليه وآله وسلم، قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف، ووضعته على عينيها، وأنشأت تقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ

صُبّت عليّ مصائب لو أنّهاأن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صُبّت عليّ مصائب لو أنّهاصُبّت على الأيام عدن لياليا(2)

وفي (عيون الأثر) لابن سيّد الناس: ولمّا دفن صلى الله عليه وآله وسلم قالت فاطمة ابنته عليها السلام:


أغبر أفاق السّماء وكُوّرتشمس النهار وأظلم العصرانِ

فالأرض من بعد النبيّ كئيبةٌأسفاً عليه كثيرة الرجفانِ

فليبكه شرق البلاد وغربهاوليبكه مُضر وكلُّ يمانِ

وليبكه الطود المعظم جوهوالبيت ذو الأستار والأركانِ

يا خاتم المبارك ضوءهصلّى عليك منزل الفرقانِ(3)

____________

1- إعلام الورى بأعلام الهدى١: ٢٦٨ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه.

2- السيرة النبويّة ٣: ٣٦٤ ــ ٣٦٥، بهامش السيرة الحلبية طبعة مصر.

3- عيون الأثر ٢: ٤٢٣ ذكر مصيبة الأوّلين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


الصفحة 256
ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى)(1).

والأخبار التي يشير ظاهرها إلى حرمة الندب والنوح، محمولة على ما لو كان النوح مشتملاً على الكذب، أو على ذكر تعداد أفعال الميّت القبيحة وصفاته المذمومة شرعاً، بذكر تهتّكه في المحرّمات من الزنا واللواط وقتل النفوس والسرقة والنهب ونحو ذلك، كما كان ذلك في الجاهلية؛ على ما في الجواهر(2).

ودليل الحمل: ما ورد من الأخبار المُجوّزة، منها: ما رواه الصدوق، قال: ((سُئل الصادق عليه السلام عن أجر النائحة، فقال: (لا بأس به؛ قد نيح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم))(3).

ومنها: خبر خديجة بنت عمر بن زين العابدين عليه السلام، أنّها قالت: ((سمعت عمّي محمّد بن عليّ صلوات الله عليه وهو يقول: إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، ولا ينبغي لها أن تقول هَجراً، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح))(4).

ومنها: خبر أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (مات الوليد بن المغيرة، فقالت أُمّ سلمة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ آل المغيرة قد أقاموا مناحة، فأذهب إليهم؟

____________

1- الكافي ٥: ١١٧ كتاب المعيشة، باب كسب النائحة الحديث (١).

2- انظر: جواهر الكلام، للجواهري ٢٢: ٥٥ حرمة نوح النائحة بالباطل.

3- من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٣ الحديث (٥٥١).

4- الكافي، للكليني ١: ٣٥٨، باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل الحديث (١٧).


الصفحة 257

فأذن لها، فلبست ثيابها وتهيّأت، وكانت من حسنها كأنّها جانّ، وكانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها، وعقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت:


أنعى الوليد بن الوليدأبا الوليد فتى العشيرة

حامي الحقيقة ماجديسمو إلى طلب الوتيرة

قد كان غيثاً في السنينوجعفراً غدقاً وميرة

قال: فما عاب عليها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، ولا قال شيئاً)(1).

ومنها: خبر أبي بصير، قال: ((قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت)))(2).

ومنها: خبر الصدوق، قال: ((قال عليه السلام: (لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً)))(3).

ومنها خبر حنان بن سدير، قال: ((كانت امرأة معنا في الحيّ ولها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي، فقالت: يا عم، أنت تعلم أنّ معيشتي من الله عزّ وجلّ، ثمّ من هذه الجارية النائحة، وقد أحببت أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك،؟فإن كان حلالاً، وإلّا بعتُها وأكلتُ من ثمنها، حتـّى يأتي الله بالفرج.

فقال لها أبي: واللهِ إنّي لأعظَم أبا عبد الله عليه السلام أن أسأله عن هذه المسألة.

____________

1- الكافي ١: ١١٧ كتاب المعيشة،، باب كسب النائحة الحديث (٢).

2- من لا يحضره الفقيه ٣: ١٦١ الحديث (٣٥٨٩)، الاستبصار، للطوسي ٣: ٦٠ الحديث (١٩٩)، باب أجر النائحة.

3- من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٣ الحديث (٥٥٢)، ٣: ١٦١ الحديث (٣٥٩١).


الصفحة 258

قال: فلمّا قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتشارط؟

قلت: والله ما أدري تشارط أم لا؟

فقال: قل لها: لا تشارط وتقبل ما أُعطيت))(1).

ومنها: ما رواه الشهيد الثاني في (مُسكّن الفؤاد) من أنّ فاطمة عليها السلام ناحت على أبيها، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالنوح على حمزة(2).

ومنها خبر الحسن بن زيد، قال: ((ماتت ابنةٌ لأبي عبد الله عليه السلام فناح عليها سنة، ثمّ مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثمّ مات إسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً، فقطع النوح، قال: فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله، أيُناح في دارك؟

فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمّا مات حمزة: (لكن حمزة لا بواكي له)))(3).

ومنها: خبر محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم؛ فإنّ فاطمة(سلام الله عليها) لمّا قُبض أبوها صلى الله عليه وآله وسلم أسعدتها بناتُ هاشم، فقالت: اتركن التعداد، وعليكنّ بالدعاء)(4).

ومنها: خبر الفقيه: ((لمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وقعة أُحد إلى المدينة سمع من كلّ دار قُتل من أهلها قتيلٌ نوحاً وبكاءً، ولم يسمع من دار حمزة عمّه،

____________

1- الكافي، للكليني ٥: ١١٧، باب كسب النائحة الحديث (٣).

2- مسكّن الفؤاد: ١٠٣، فصل (النواح جائز).

3- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٧٣ اعتراضات الزيدية.

4- الكافي، للكليني ٣: ٢١٨، باب (ما يجب على الجيران لأهل المصيبة الحديث (٦)، الخصال، للصدوق: ٦١٨ حديث الأربعمئة.


الصفحة 259
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لكن حمزة لا بواكي له)، فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميّت ولا يبكوه، حتـّى يبدؤوا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك))(1).

هذا بالإضافة إلى الروايات الواردة في الندب على سيّد الشهداء عليه السلام، وقد نُدب ونيح على سيّد الشهداء على ما في (دعائم الإسلام): عن جعفر بن محمّد عليه السلام، أنّه قال: (نيح على الحسين بن عليّ سنة كاملة كلّ يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي أصيب فيه)(2).

ومن الندب على سيّد الشهداء عليه السلام: ما في (مقتل الحسين) للخوارزمي: ((وأقبل فرس الحسين وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين، وذهب يركض إلى خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة، فلمّا نظرت أخوات الحسين وبناته وأهلُه إلى الفرس ليس عليه أحدٌ، رفعن أصواتهنّ بالصراخ والعويل، ووضعت أُمّ كلثوم يدها على أُمّ رأسها، ونادت: وا محمّداه! وا جداه! وا نبيّاه! وا أبا القاسماه! وا عليّاه! وا جعفراه!

وا حمزتاه! وا حسناه! هذا حسين بالعراء، صريعٌ بكربلاء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، ثمّ غُشي عليها))(3).

وفيه أيضاً:

((ثمّ أذّن عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة, وحمل بنات الحسين

____________

1- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ١: ١٨٣ الحديث (٥٥٣).

2- دعائم الإسلام، للقاضي النعمان ١: ٢٢٧ ذكر التعازي والصبر.

3- مقتل الحسين ٢: ٤٢ ــ ٤٣.


الصفحة 260
وأخواته، وعليّ بن الحسين، وذراريهم، فلمّا مرّوا بجثّة الحسين وجثث أصحابه، صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت زينب: يا محمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء، مُزمّلٌ بالدماء، مُعفّرٌ بالتراب، مُقطّع الأعضاء،

يا محمّداه! بناتك في العسكر سبايا، وذرّيّتك قتلى، تُسفى عليهم الصبا، هذا ابنك محزوز الرأس من القفا، لا هو غائبٌ فيُرجى، ولا جريحٌ فيداوى.

وما زالت تقول هذا القول حتـّى أبكت والله كلَّ صديق وعدو، حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها))(1).

(بكاؤنا على الإمام الحسين عليه السلام من مصاديق المودّة)

« م/ فيصل ــ الكويت »

السؤال:

قد يتساءل الفرد: ما دام الإمام الحسين عليه السلام الآن في نعيم الله وجنانه، فكيف نبكي على مصابه؟

أو بعبارة أُخرى: كيف يتوافق البكاء على مصابه عليه السلام، مع كونه في أعلى الدرجات من النعيم؟

ولكم منّي جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد روى علماء المسلمين في كتبهم: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم

____________

1- مقتل الحسين ٢: ٤٤ ــ ٤٥.


الصفحة 261
حتّى يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما)(1).

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائماً يوصي أُمّته بمودّة ذوي القربى؛ قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2)، والإمام الحسين عليه السلام من القربى بإجماع المسلمين، ومن مودّته أن: نحبّه، ونقتدي به، ونفرح لفرحه، ونحزن لحزنه وما يصيبه..

فبكاؤنا على الحسين عليه السلام من مصاديق المودّة في القربى، أضف إلى ذلك، الروايات الكثيرة الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت عليهم السلام في التأكيد على البكاء عليه، وما فيه من الثواب.

ونحن نبكي لِما أصابه من مصيبة في الدنيا، لا على ما يناله من جميل الثواب في الآخرة، وهكذا كلّ البشر يبكون على مفارقة الأحبّة بالموت؛ فقد بكى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ابنه إبراهيم مع علمه أنّه سبقه إلى الجنّة، وكذلك بكت الزهراء عليها السلام على أبيها مع علمها بأنّ لأبيها مقاماً في الآخرة لا يناله أحد غيره.

(لماذا البكاء على الحسين عليه السلام وهو في الجنّة؟)

« هاشم البغدادي ــ الدانمارك ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

يسألني كثير من السُنّة وكذلك من الديانات الأُخرى، وخصوصاً أيّام محرّم:

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٠٧ و ٢٧٨ مسند أنس بن مالك، مسكّن الفؤاد، للشهيد الثاني: ٢٧.

2- الشورى (٤٢): ٢٣.


الصفحة 262
لماذا نبكي ونلطم على الإمام الحسين إذا هو في الجنّة، ونلعن يزيد إذا هو بالنار، الاثنين أمرهم بيد الرحمن، هو يعرف من هو الظالم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحسين عليه السلام هو سيّد شباب أهل الجنّة بنصّ الحديث الشريف الصحيح، ويزيد أمر بقتله وقتل أهل بيته فهو في النار يقيناً، ولا مجال للمساومة في هذه الأُمور بعد وضوح الحقّ والباطل فيها.. والمكابر في ذلك منكر للواضحات وعليه أن يلغي عقله ويتصرّف في أُمور دنياه من دونه.

أمّا البكاء على الحسين عليه السلام واللطم وإقامة العزاء والشعائر، فهذا كلّه مستحبّ مندوب حثّت عليه الأحاديث الصحيحة المتضافرة المتواترة عموماً وخصوصاً.. فنحن نعلم أنّ الحسين عليه السلام في الجنّة، بل هو سيّد شبابها, وبكاؤنا عليه هو إحياء لثورته ونهضته وعهد المؤمنين بالسير على خطاه، فهذه المعاني وغيرها الكثير الكثير ممّا تتضمنها مسألة البكاء واللطم وإقامة الشعائر.

(البكاء على الإمام الحسين عليه السلام لا يرتبط بالأزمنة)

« عالية ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لماذا نبكي على أئمّة أهل البيت ونقوم بالتعزية عليهم مع العلم أنّ تلك


الصفحة 263
الحادثة، مثل مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، كانت في الماضي؟

ونسألكم الدعاء، والشكر الجزيل.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن الإجابة على سؤالك من عدّة وجوه:

الوجه الأوّل: لقد بكى على الحسين عليه السلام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل استشهاده، وقد ثبت ذلك من طرقنا(1)، ومن طرق العامّة(2)، ويمكننا تأسّياً بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن نبكي على الحسين عليه السلام، ولا علاقة للزمان وبُعده عن واقعة استشهاده؛ لأنّه لو كان للزمان علاقة لكان الأولى بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يبكي على الحسين عليه السلام قبل حصول الواقعة، بل الذي يدعونا ــ كما دعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ــ للبكاء هو: مظلومية الإمام الحسين عليه السلام.

الوجه الثاني: قد ورد أيضاً أنّ بعض الأنبياء عليهم السلام قد بكوا على الإمام الحسين عليه السلام(3)، وبُعد الأنبياء عن واقعة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام أكثر من بعدنا

____________

1- انظر: أمالي الصدوق: ١٧٧ المجلس (٢٤) الحديث (١٧٨)، الفضائل، لابن شاذان: ١١، مثير الأحزان، لابن نما: ٩ المقصد الأوّل، بحار الأنوار ٤٤: ٢٤٧.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٥ مسند عليّ بن أبي طالب، مسند أبي يعلى ١: ٢٩٨ الحديث (٣٦٣)، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٨٧ ــ ١٨٨، باب مناقب الإمام الحسين عليه السلام، الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم ١: ٣٠٨ الحديث (٤٢٧)، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٢: ١٢٧ الحديث (٣٤٣٢١)، ٧٣١ الحديث (٤٢٩٠٨)، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١٠٧ ترجمة الإمام الحسين، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ١٨٩ ترجمة الإمام الحسين.

3- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٦١ الحديث (٢١)، الباب (٤٣) ذكر من شاهد القائم عليه السلام، الخصال، للصدوق: ٥٨ الحديث ٧٩، باب الاثنين، عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ١٩٧ الباب (١٧).


الصفحة 264
عن تلك الواقعة؛ مع الاختلاف في السبق واللحوق.

الوجه الثالث: قد ورد أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى على ابنه إبراهيم(1)، وعلى عثمان ابن مظعون(2)، كما بكى على جعفر(3) وحمزة(4)، وأمر النساء بالبكاء عليهما حتّى صار البكاء على حمزة من عادة نساء أهل المدينة.

____________

1- انظر: الكافي، للكليني ٣: ٢٦٢ كتاب الجنائز، باب النوادر، تحف العقول عن آل الرسول، لابن شعبة: ٣٧، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٩٤ مسند أنس بن مالك، صحيح البخاري ٢: ٨٤، باب الجنائز، صحيح مسلم ٧: ٧٦ كتاب الفضائل، سنن ابن ماجة ١: ٥٠٦ الحديث (١٥٨٩)، سنن أبي داود ٢: ٦٤ الحديث (٣١٢٦) كتاب الجنائز، السنن الكبرى، للبيهقي ٤: ٦٩.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٦: ٤٣ حديث عائشة، سنن ابن ماجة ١: ٤٦٨ الحديث (١٤٥٦)، سنن أبي داود ٢: ٧١ الحديث (٣١٦٣) كتاب الجنائز، سنن الترمذي
٢: ٢٢٩ أبواب الجنائز، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٤٠٧، مجمع الزوائد، للهيثمي ٣: ١٩، الاستذكار، لابن عبد البرّ ٣: ١٢٠ الحديث (٥٢٩)، المصنّف، للصنعاني ٣: ٥٩٦.

3- انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ٦٥ غزوة مؤتة، ذخائر العقبى، للطبري: ٢١٨، الاستيعاب، لابن عبد البرّ ١: ٢٤٣، أُسد الغابة، لابن الأثير ١: ٢٨٩، أنساب الأشراف، للبلاذري: ٤٣ ترجمة جعفر.

4- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٥: ١٧، تاريخ الطبري ٢: ٢١٠ أحداث سنة (٣) غزوة أُحد، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ٢: ١٦٣، السيرة النبوية، لابن هشام ٣٢: ٦١٣، إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٧٣، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤٠ مسند عبد الله بن عمر، المستدرك على الصحيحين، للحاكم
٣: ١٩٧، المصنّف، للصنعاني ٣: ٥٦١ الحديث (٦٦٩٤)، مسند ابن راهويه
٢: ٥٩٩ الحديث (٦٣١)، المعجم الكبير، للطبراني ١١: ٣١٠، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ٤٤.


الصفحة 265
الوجه الرابع: بعد أن ثبت عندنا بالدليل القاطع عصمة أئمتنا عليهم السلام يمكننا الأخذ برواياتهم وسيرتهم، وقد كان دأب المعصومين عليهم السلام بعد واقعة الطف البكاء على الحسين عليه السلام(1)، وكان بعضهم يقيم مآتم العزاء(2)، وكانوا يأمرون شيعتهم بالبكاء وإقامة العزاء وحضور مجالس العزاء(3)، حتّى ورد عندنا فضل للتباكي على الحسين عليه السلام(4)، ونحن ــ تبعاً لهم عليهم السلام ــ نسير على خطاهم ونهتدي بهديهم ونأتمر بأوامرهم؛ فقضية البكاء على الحسين عليه السلام من القضايا الفرعية التي يمكن إثباتها بعد إثبات الأُصول التي تعتمد عليها، ولا تتوقّف تلك الأُصول على جواز أو عدم جواز البكاء حتّى يستلزم محذور الدور.

(بكاء الزهراء عليها السلام)

« فاطمةــ لبنان ــ إمامية »

السؤال:

يرد في بعض المجالس بأنّ: (الزهراء إن شاء الله تكون حاضرة معنا وتبكي

____________

1- انظر: الخصال، للصدوق: ٥١٨ الباب (٢٣)، أمالي الصدوق: ١٩١ المجلس (٢٧) الحديث (١٩٩)، كفاية الأثر، للخزّاز: ٢٤٩ ما جاء عن الباقر عليه السلام، المزار الكبير، لابن المشهدي: ٥٠٠ الباب (١٨).

2- انظر: اللهوف، لابن طاووس: ٩٩، ١١٤، الكافي، للكليني ١: ٤٦٦، باب مولد الإمام الحسين عليه السلام، أمالي الصدوق: ٢٢٠ المجلس (٣١)، تاريخ الطبري ٤: ٢٩٧ أحداث سنة (٦١).

3- انظر: كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٣ الحديث (٢٩١) الباب (٣٢)، كفاية الأثر، للخزّاز: ٢٤٨ ما جاء عن الباقر عليه السلام.

4- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠١ الحديث (٢٨٥ ــ ٢٩٦) الباب (٣٢).


الصفحة 266
ابنها ونحن نواسيها ببكائنا).

أنا أعلم بأنّنا نبكي الإمام الحسين لكي ترتقي روحنا وتلتحم قليلاً مع الروح الحسينية, فلماذا تبكيه الزهراء عليها السلام؟ ولماذا نواسيها ونعزّيها ونحن متأكّدون بأنّه إلى جانبها اليوم في ديار الخلد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نعلم أنّ الحسين عليه السلام اليوم في الجنّة ولكن مع ذلك نحن نبكيه، وكذلك الزهراء(سلام الله عليها)، فبكاؤها على الحسين عليه السلام ليس لأجل لوعة الفراق، بل إنّ المصيبة اليوم إذا عرضت على أيّ محبّ للحسين عليه السلام فسوف يبكي حتّى مع علمه بأنّ مصيره انتهى إلى الجنّة. فالقلب يتألّم لتألّم الحسين عليه السلام وعياله في تلك الأيام، وإن كانوا الآن في نعيم.

(كيفية بكاء الأفلاك على الحسين عليه السلام)

« حسين البدران ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

الرجاء التوضيح الشافي والوافي في ما ورد في مقتل الإمام الحسين عليه السلام: (بكت لموته الأرض والسماوات، وأمطرت دماً، وأظلمت الأفلاك من الكسوف، واشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيّام، والكواكب في أفلاكها تتهافت، وعظمت الأهوال حتّى ظنّ أنّ القيامة قد قامت).

مع توضيح كيفية بكاء السماء دماً.


الصفحة 267
ولكم منّا جزيل الشكر والتقدير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالك يتكوّن من ستّ فقرات تريد إيضاحها:

١ــ بكت لموته الأرض والسماء.

قد ورد عنهم عليهم السلام: أنّ بكاء الأرض كان بتفجّرها دماً، وما رفع حجر عن الأرض إلّا كان تحته دماً عبيطاً(1)، وقد فسّر في خبر آخر بالسواد.

أمّا بكاء السماء، فعن الإمام الصادق عليه السلام بعد أن سئل عن بكاء السماء؟ قال: (كانت الشمس تطلع حمراء وتغيب حمراء)(2)، وقد فسّر بكاء السماء في أخبار أُخر بوقوع الدم، فعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام بعد سؤاله عن أيّ شيء بكاؤها؟ قال: (كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم)(3).

وفي خبر آخر نسب البكاء بالحمرة إلى الشمس؛ فقال: (إنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، إنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، إنّ الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة)(4)، والذي يجمع بين الأخبار

____________

1- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٩٦، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١١٣ الحديث (٢٨٣٤)، نظم درر السمطين، للزرندي: ٣٢٠، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٤: ٢٣٠، تاريخ الإسلام ٥: ١٦، ينابيع المودّة، للقندوزي ٣: ٢٠، أمالي الصدوق: ٢٣١ المجلس (٣١).

2- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٢١٢، مدينة المعاجز، للبحراني ٣: ٤٤٥ الباب (٣).

3- كامل الزيارات، لابن قولويه: ١٨٤ الباب (٢٨) الحديث (٢٥٤).

4- كامل الزيارات: ١٦٧ الباب (٢٦) الحديث (٢١٩)، بحار الأنوار ١٤: ١٨٣.


الصفحة 268
أنّ كلا الأمرين قد حصل.

٢ــ وأمطرت دماً.

قالت أُمّ سليم: ((مطرت السماء مطراً كالدم احمرّت منه البيوت والحيطان))(1).

وقال قرضة بن عبيد الله: ((ذهبت الإبل إلى الوادي لتشرب فإذا هو دم))(2).

وقال آخر: ((وحبابنا وجرارنا صارت مملوءة دماً))(3).

٣ــ أظلمت الأفلاك من الكسوف.

روى البيهقي عن أبي قبيل: أنّه لمّا قُتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما كسفت السماء كسفة بدت الكواكب نصف النهار، حتّى ظننّا أنّها هي))(4).

٤ــ اشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيّام(5).

ولعلّ العبارتين بمعنى واحد وهو: ذهاب نور الشمس وانكسافه، وصيرورة النهار ليلاً، كما في بعض الأخبار.

٥ــ والكواكب في أفلاكها تتهافت.

لم نعثر على مكان وجود هذه العبارة في المقتل، ومع وجودها فيمكن أن يفهم منها: ظهور الشهب بكثرة في السماء، الذي كان يفهم منه في ذلك الزمان:

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٢١٢.

2- بحار الأنوار ٤٥: ٢١٥ الباب (٤٠).

3- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٢١٢.

4- السنن الكبرى ٣: ٣٣٧ كتاب صلاة الكسوف.

5- ينابيع الموّدة، للقندوزي ٣: ٢٠ الباب (٦٠)، الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي ٢: ٥٦٨ الباب (١١).


الصفحة 269
سقوط الكواكب.

٦ــ عظمت الأهوال حتّى ظُنّ أنّ القيامة قد قامت.

بعد كلّ هذه الحوادث الغريبة عليهم والمروّعة، علموا بفداحة الأمر الذي حصل، وتوقّعوا الهلاك العاجل، حتّى جاء عن بعضهم قوله: حتّى ظنّنا أنّها هي، يعني القيامة(1).

(تعريف الجزع واستحبابه على الإمام الحسين عليه السلام)

« عبد الحسين الدرازي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

ما هو المراد من الجزع على الإمام الحسين عليه السلام؟ وهل توجد عندنا روايات في جوازه أو رجحانه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجَزَعُ: نقيض الصبر، فهو إظهار الحزن، وألم المصيبة.

ففي كتاب (العين)، و(لسان العرب): ((والجَزَعُ: نقيض الصبر))(2).

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٢١٢، السنن الكبرى، للبيهقي ٣: ٣٣٧.

2- كتاب العين، للفراهيدي ١: ٢١٧ مادّة (جزع)، لسان العرب، لابن منظور ٨: ٤٧ مادّة (جزع).


الصفحة 270
وفي أقرب الموارد: ((لم يصبر فأظهر الحزن))(1).

وفي منجد اللغة: ((لم يصبر عليه، فاظهر الحزن أو الكدر))(2).

وإظهار الحزن قد يكون برفع الصوت بالبكاء، المسمّى بـ(النوح)، وقد يكون بالبكاء مع الصراخ، المسمّى بـ(العويل)، وقد يكون بالبكاء مع تعداد محاسن الميّت، المسمّى بـ(الندب)، وقد يكون بالقول، كمن يدعو بالويل والثبور، فيقول: يا ويلاه، وا ثبوراه، والويل: الهلاك، وكذا الثبور، وقد يكون بالعمل، بأن يضرب يده على جبينه، أو خدّه، أو فخذه، أو يُمزقَ قميصه أو ثوبه، أو ينتف شعره، أو يجزّه، أو يمتنع عن الطعام، أو غيره.

وتوجد روايات متعدّدة في استحباب الجزع على الإمام الحسين عليه السلام، منها: ما ورد في خبر معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام: (كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام)(3).

وقد نقله الحرّ العاملي في وسائله، تارة في أبواب الدفن بعبارة: (سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام)(4)، وأُخرى في أبواب المزار بعبارة: (ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين عليه السلام)(5).

ومنها خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، سمعته يقول: (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن

____________

1- أقرب الموارد، للخوري ١: ١٢٠.

2- المنجد في اللغة، : ٨٩ مادّة (جزع).

3- أمالي الطوسي: ١٦٢ الحديث (٢٠) المجلس السادس.

4- وسائل الشيعة ٣: ٢٨٢ الحديث (٩)، الباب (٨٧) من أبواب الدفن.

5- وسائل الشيعة ١٤: ٥٠٥ الحديث (١٠)، الباب (٦٦) من أبواب المزار.


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية