المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300)

٢ــ الإيمان بوحدانية الله تعالى.

٣ــ الإيمان بكمال الله تعالى.

فمن الآيات التي تثبت وجود الله تعالى عن طريق الشعور بالسببية، قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ(1).

ومن الآيات التي تثبت وجود الله تعالى عن طريق فطرة التديّن، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(2).

ومن الآيات التي تثبت وجود الله تعالى عن طريق استقامة النظام الكوني، قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(3).

ومن الآيات التي تدلّ على أنّ الله واحد عن طريق وحدة النظام الكوني، قوله تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ(4).

____________

1- لقمان ٣١: ٢٥.

2- يونس ١٠: ٢٢.

3- البقرة ٢: ١٦٤.

4- الملك ٦٧: ٣.


الصفحة 272

وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتَا(1).

ومن الآيات التي تدلّ على أنّ الله واحد عن طريق وحدة آثاره، قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ(2).

ومن الآيات التي تشير إلى صفات الله تعالى:

الحيّ: ﴿اللّهُ لا إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(3).

العالم: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً(4).

القادر: ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(5).

العادل: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ(6).

الغني: ﴿فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(7).

اللطيف: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ(8).

ثمّ إنّ الأخبار مستفيضة في أنّ الله تعالى واحد، ولكن لا بالعدد؛ فقد روى الشيخ الصدوق(قدس سره) عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، قال: إنّ أعرابياً قام يوم

____________

1- الأنبياء ٢١: ٢٢.

2- المؤمنون ٢٣: ٩١.

3- آل عمران ٣: ٢.

4- الطلاق ٦٥: ١٢.

5- البقرة ٢: ٢٠.

6- النساء ٤: ٤٠.

7- آل عمران ٣: ٩٧.

8- الشورى ٤٢: ١٩.


الصفحة 273

الجمل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقال: يا أمير المؤمنين! أتقول: إنّ الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟

فقال أمير المؤمنين: (دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم)، ثمّ قال: (يا أعرابي، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفّر من قال: أنّه ثالث ثلاثة. وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فبهذا ما لا يجوز؛ لأنّه تشبيه، وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.

وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا. وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به: أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ)(1).

ومن الروايات التي تشير إلى وجوده تعالى قول أمير المؤمنين(عليه السلام) : (البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار القدم تدلّ على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، كيف لا يدلاّن على الصانع الخبير؟!)(2).

أمّا أسماؤه تعالى فكثيرة، وهي تدلّ على كماله تعالى:

فعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلّا واحداً، من

____________

1- التوحيد، للصدوق: ٨٤، باب معنى الواحد والتوحيد والموحّد.

2- جامع الأخبار، للسبزواري: ٣٥ حديث ١٣، الفصل الأوّل في معرفة الله تعالى.


الصفحة 274

أحصاها دخل الجنّة، وهي: الله، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأوّل، الآخر...)(1).

قال الشيخ الصدوق(قدس سره) : (إحصاؤها هو: الإحاطة بها، والوقوف على معانيها، وليس معنى الإحصاء عدّها)(2).

٢ــ النبوّة: من الآيات، قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ(3).

ولقد شهد الله لرسوله بالقول على أنّه رسول، وذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(4)، هذا بالإضافة إلى الخطابات القرآنية للنبيّ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، و: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ.

وسأل رجل الإمام الصادق(عليه السلام) السؤال التالي: من أين أثبت الأنبياء والرسل؟

فأجابه الإمام(عليه السلام) : (إنّه لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشرونه، ويحاجّهم ويحاجونه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبّرون عنه جلّ وعزّ، وهم: الأنبياء(عليهم السلام) ، وصفوته من خلقه...)(5).

____________

1- التوحيد، للصدوق: ١٩٤، باب ٢٩ أسماء الله تعالى.

2- التوحيد: ١٩٥، باب ٢٩ أسماء الله تعالى.

3- البقرة ٢: ٢١٣.

4- يس ٣٦: ٣.

5- الكافي، للكليني ١: ١٦٨ كتاب الحجّة، باب الاضطرار إلى الحجّة.


الصفحة 275

٣ــ المعاد: من الآيات، قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ(1)، و﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ(2)، و﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(3)، و﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى(4)، و﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(5).

ومن الروايات: قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (يا بني عبد المطّلب! إنّ الرائد لا يكذب أهله، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، وما بعد الموت دار إلّا جنّة أو نار، وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عزّ وجلّ كخلق نفس واحدة وبعثها؛ قال الله تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)(6).

٤ــ العدل: من الآيات، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ(7).

ومن الروايات: قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلام له، وهو يبيّن الذنوب التي تغتفر، والتي لا تغتفر: (وأمّا الذنب الذي لا يغفر، فمظالم العباد بعضهم لبعض، إنّ الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه، أقسم قسماً على نفسه، فقال: وعزّتي وجلالي

____________

1- المؤمنون ٢٣: ١١٥.

2- الإسراء ١٧: ٥١.

3- الأنعام ٦: ٣٦.

4- الأعراف ٧: ٥٧.

5- البقرة ٢: ٥٨.

6- الاعتقادات، للصدوق: ٦٤ ـ١٩ـ، باب الاعتقاد في البعث والنشور، والآية في سورة لقمان: ٢٨.

7- النساء ٤: ٤٠.


الصفحة 276

لا يجوزني ظلم ظالم، ولو كفّ بكف، ولا مسحة بكف، ونطحة ما بين القرناء إلى الجماء...)(1).

٥ــ الإمامة: من الآيات، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(2)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(3).

ومن الروايات: قول أمير المؤمنين(عليه السلام) : (ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي له، ويستضيء بنور علمه...)(4).

وقول الإمام الصادق(عليه السلام) : (إنّ الله أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل)(5).

وقول أمير المؤمنين(عليه السلام) : (اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة، ظاهراً مشهوراً، أو مستتراً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته)(6).

وقول الإمام الصادق(عليه السلام) : (لا يصلح الناس إلّا بإمام، ولا تصلح الأرض إلّا بذلك)(7).

وعن سليم بن قيس، قال: (سمعت عبد الله بن جعفر الطيّار يقول: كنّا عند

____________

1- الكافي، للكليني ٢: ٤٤٣، باب في أنّ الذنوب ثلاثة.

2- الرعد ١٣: ٧.

3- المائدة ٥: ٥٥.

4- نهج البلاغة ٣: ٧٠ ـ٤٥ـ.

5- الكافي، للكليني ١: ١٧٨ كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض لا تخلو من حجّة.

6- أمالي الطوسي: ٢١ حديث ٢٣ المجلس الأوّل.

7- علل الشرائع، للصدوق ١: ١٩٦ الباب ١٥٣، العلّة التي من أجلها لا تخلو الأرض من حجّة.


الصفحة 277

معاوية، أنا والحسن والحسين، وعبد الله بن عبّاس، وعمر بن أُمّ سلمة، وأُسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد علي فالحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا علي، ثمّ ابنه محمّد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين، ثمّ...))(1).

(بيان معنى كفر من أنكر عليّاً(عليه السلام) في بعض الروايات)

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

أقول: يستدلّ البعض بهذه الأخبار على كفر المخالفين ــ أهل السُنّة ــ فهل يصحّ الاحتجاج بهذه الأخبار لإثبات كفرهم؟

قال الشيخ يوسف البحراني في (الحدائق الناظرة) ما نصّه: (وأماّ الأخبار الدالّة على كفر المخالفين، عدا المستضعفين، فمنها: ما رواه في الكافي بسنده عن مولانا الباقر(عليه السلام) ، قال: (إنّ الله عزّ وجلّ نصب عليّاً(عليه السلام) عَلَماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاً..).

وروى فيه عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: (إنّ عليّاً(عليه السلام) باب من أبواب الجنّة فمن

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٥٢٩ أبواب التاريخ، باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم(عليهم السلام) .


الصفحة 278

دخل بابه كان مؤمناً، ومن خرج من بابه كان كافراً، ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله عز ّوجلّ فيهم المشيئة).

وروى فيه عن الصادق(عليه السلام) ، قال: (.. من عرفنا كان مؤمناً ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن مات على ضلالته يفعل الله به ما يشاء).

وروى الصدوق في (عقاب الأعمال)، قال: (قال أبو جعفر(عليه السلام) : (إنّ الله تعالى جعل عليّاً(عليه السلام) علماً بينه وبين خلقه، ليس بينهم وبينه علم غيره، فمن تبعه كان مؤمناً، ومن جحده كان كافراً، ومن شكّ فيه كان مشركاً). وروى البرقي في (المحاسن) مثله.

وروى فيه أيضاً عن الصادق(عليه السلام) ، قال: (إنّ عليّاً(عليه السلام) باب هدى، من عرفه كان مؤمناً، ومن خالفه كان كافراً، ومن أنكره دخل النار).

وروى في العلل بسنده إلى الباقر(عليه السلام) ، قال: (إنّ العلم الذي وضعه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند عليّ(عليه السلام) من عرفه كان مؤمناً، ومن جحده كان كافراً).

وروى في كتاب (التوحيد)، وكتاب (إكمال الدين وإتمام النعمة): عن الصادق(عليه السلام) ، قال: (الإمام علم بين الله عزّ وجلّ وبين خلقه، من عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً).

وروى في (الأمالي) بسنده فيه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لحذيفة اليماني: (ياحذيفة! إنّ حجّة الله عليكم بعدي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، الكفر به كفر بالله سبحانه، والشرك به شرك بالله سبحانه، والشكّ فيه شكّ في الله سبحانه، والإلحاد فيه إلحاد في الله سبحانه، والإنكار له إنكار لله تعالى، والإيمان به إيمان بالله تعالى؛ لأنّه أخو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووصيّه، وإمام أمّته ومولاهم، وهو حبل الله المتين


الصفحة 279

وعروته الوثقى التي لا انفصام لها..) الحديث.

وروى في (الكافي) بسنده إلى الصحّاف، قال: (سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ(1)؟ فقال: (عرف الله تعالى إيمانهم بموالاتنا، وكفرهم بها، يوم أخذ عليهم الميثاق وهم ذرّ في صلب آدم)). راجع: كتاب (الحدائق الناظرة ج٥ ص١٨١ ــ ص١٨٣).

قلت: لقد استدلّ الشيخ البحراني بهذه الأخبار لإثبات كفر المخالفين ــ أهل السُنّة ــ فما هو رأيكم بهذا الاستدلال؟

اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه الأخبار لا تثبت إلّا كفر من أنكر الإمام يوم القيامة ودخوله النار، وأنّ من جهله كان ضالاً، ويرجأ أمره إلى الله تعالى.

وهي قاصرة عن إثبات كونهم كفّاراً في الدنيا.

تعليق:

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أقول: كيف صرفتم الروايات عن ظهورها بكفر المخالفين بأنّ هذا الكفر

____________

1- التغابن ٦٤: ٢.


الصفحة 280

كفر أُخروي وليس دنيوي؟!

فلا بدّ لصرف دلالة الروايات من قرينة صارفة تدلّل على صحّة ما قلتموه، فما هي القرينة؟

اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الأخبار ظاهرة بالكفر، والكفر اسم جنس محلّى بالألف واللام يشمل كلّ أقسام الكفر، فمن أين خصصته بكفر الملّة؟

أو بعبارة أُخرى: من أين حصل لك الظهور بأنّه كفر ملّة، وبقولك: كفر دنيوي؟

ونحن إنّما أخذنا هذا الظاهر من خلال وجود قرائن في نفس الروايات، منها: ما ذكرته في أوّل رواية عن الإمام الباقر(عليه السلام) : (إنّ الله عزّ وجلّ نصّب عليّاً علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً (انظر: قال الإمام(عليه السلام) : مؤمناً، ولم يقل: مسلماً!!)، ومن أنكره كان كافراً (انظر: هنا جعل الكفر مقابل الإيمان، والكفر المقابل للإيمان هو: الكفر الأخروي لا الدنيوي!!)، ومن جهله كان ضالاً (وهذا الذي ذكرنا أنّ أمره موكول إلى الله تعالى)(1).

وهكذا بقيّة الروايات فلا نطيل فيها.

بل في روايات أُخر، وهي عديدة، تصريح بذلك، بأن ننزلهم منزلة كفر نعمة، أو فتنة، أو ضلال..

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٤٣٧ كتاب الحجّة


الصفحة 281

منها: عن الحسن بن أبي العلا، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات ليس له إمام مات ميتة جاهلية)؟ فقال: نعم، لو أنّ الناس تبعوا عليّ بن الحسين(عليه السلام) وتركوا عبد الملك بن مروان اهتدوا)، فقلنا: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ميتة كفر؟ فقال: (لا؛ ميتة ضلال)(1). ولا نطيل.

فعليك بمراجعة عموم الروايات والجمع بينها، ومراجعة تقريرات علمائنا خاصّة المتأخّرين، كصاحب (الجواهر)(2)، والسيّد الخوئي(3) في أبحاثهم الفقهية.

____________

1- المحاسن، للبرقي ١: ١٥٤ حديث ٨٠ كتاب الصفوة.

2- جواهر الكلام، للجواهري ٦: ٥٦ حكم المخالف.

3- كتاب الطهارة ٢: ٨٣ مسألة ٣.


الصفحة 282


الصفحة 283

أُصول الفقه*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (الاجتهاد والتقليد)(الحديث وعلومه)(الحوزة والفقهاء)(الشيعة)(العقل)(فرق ومذاهب)(القرآن وعلومه)(القياس).


الصفحة 284


الصفحة 285

(المراد من علم الأُصول)

« حسن ــ قطر »

السؤال:

ما هو علم الأُصول؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

علم الأُصول بحسب التعريف المشهور، هو: علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي.

مثاله: إنّ الصلاة واجبة في الشريعة الإسلامية، وقد دلّ على وجوبها من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ(1)، ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً(2).

ولكن دلالة الآية الأُولى متوقّفة على ظهور صيغة الأمر ــ نحو: (أقيموا) هنا ــ في الوجوب، ومتوقّفة أيضاً على أنّ ظهور القرآن حجّة يصحّ الاستدلال به.. وهاتان المسألتان يتكفّل ببيانهما علم الأُصول(3).

____________

1- الأنعام ٦: ٧٢.

2- النساء ٤: ١٠٣.

3- انظر: أُصول الفقه، للمظفّر ١: ٤٩ المدخل، تعريف علم الأُصول.


الصفحة 286

(المقارنة بين مصادر التشريع عند الإمامية وأهل السُنّة)

« ضحى ــ أستراليا ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بارككم الله مولانا الكريم وجزاكم خيراً على خدمة مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم..

نشر أحد المخالفين موضوعاً في منتدياتهم بعنوان: سؤال لمخالفينا: كيف تعرفون أحكام الشريعة؟

وكان هذا صلب الموضوع:

(عرف أهل السُنّة دينهم وأطاعوا الله تعالى به.. وساروا على نهج نبيّه صلّى الله عليه وسلم.. بأربعة أركان.. تسمّى: مصادر التشريع..

١ــ كتاب ربّنا سبحانه وتعالى.. وهو لدينا محفوظ مصون, وحي أنزل إلى نبيّنا عليه الصلاة والسلام..

٢ــ سُنّة سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).. فلقد تصدّر لها علماؤنا، فميّزوا السقيم والصحيح والمكذوب.. فمن صحّ عملنا به، وما علّ تركناه ـ..

٣ــ الإجماع.. إجماع علماؤنا ــ رحم الله حيّهم وميّتهم ــ المستند إلى كتاب الله تعالى وسُنّة نبيّه.

٤ــ القياس.. إلحاق فرع من فروع الدين لم ينصّ الشرع بحكمه بأصل في حكمه الشرعي, لـعلّة جامعة بينهما..


الصفحة 287

(أمّا مصادركم..):

١ــ القرآن.. وقد حرّف وبدّل وهو ناقص.

٢ــ السُنّة.. تتفاخرون بأنّ لا كتاب لديكم يجمع الأحاديث الصحيحة فقط.

٣ــ الإجـماع.. على ماذا يستند أهل العلم لديكم؟

٤ــ العقل.. وكيف لعقل يستنير ولا كتاب ولا سُنّة يحكم بها ويرجع إليها؟!!

فكيف لكم معرفة أحكام الدين, وشرع ربّ العالمين؟).

كيف تردّون على ذلك لأستفيد منكم وأردّ على هذه السلفية.

وفّقكم الله لما يحبّه ويرضاه.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لا نقول بتحريف القرآن, وهذه تصريحات علماؤنا بذلك, قد فصّلناها في الموقع, فنحن لا نختلف في القرآن إلّا بمقدار الاختلاف في فهمه.

وأمّا السُنّة, فنحن نقول: إنّ الذي حفظ سُنّة نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هم الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) , وأنّ ما حفظ الصحابة هو بعض حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), وقد أختلط الحقّ فيه بالباطل، والحجّة في السُنّة هي: الخبر المعتبر، ولا يشترط في ثبوت الحجّية جمع الأخبار المعتبرة في كتاب واحد.

وأمّا الإجماع, فنحن نشترط دخول المعصوم فيه, فلا يكون حجّة إلّا بدخول المعصوم.


الصفحة 288

وأمّا الدليل العقلي, فيجري في موارد محدّدة توصل إلى القطع بالحكم الشرعي، والقطع حجّيته ذاتية.

ولدينا من الأدلّة والروايات الكثيرة عن المعصومين التي تنهى عن العمل بالقياس, وأنّه لا يصلح كدليل للحكم الشرعي؛ لـ(أنّ دين الله لا يصاب بالعقول)(1)، و(أنّ السُنّة إذا قيست محق الدين)(2).

(كيفية وصول الأُصوليين والأخباريين إلى الحكم الشرعي)

« أمين عبد الزهرة ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا ظهرت مسألة فقهية جديدة لا يوجد فيها رواية أو نصّ صريح في الكتاب والسُنّة فكيف يتصرّف المرجع الديني معها؟

وهل يتوقّف الأخبارية عند المسائل من هذا النوع ولا يفتون بها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يرجع الفقيه عند فقدان الأمارات إلى الأُصول العملية، وهي: الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وهذه الأُصول مقرّرة لبيان الوظيفة العملية

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٢٤ الباب ٣١حديث ٩.

2- المحاسن، للبرقي ١: ٢١٤ كتاب مصابيح الظلم الباب ٧حديث ٩٧، الكافي، للكليني ١: ٥٧ كتاب فضل العلم، باب (البدع والرأي والمقاييس) حديث ١٥، و ٧: ٣٠٠ كتاب الديات، باب (المرأة في النفس والجراحات) حديث ٦.


الصفحة 289

للمكلّف عند فقد الدليل الشرعي، والدليل الشرعي المعتبر هو الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، وعند فقد هذه الأربعة بالإضافة إلى القطع بالحكم الشرعي تصل النوبة إلى الأُصول العملية.

أمّا الأخبارية فإنّهم يدعون إلى التوقّف أو الاحتياط إلى أن يتبيّن لهم النصّ الوارد عن النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) ، ولا يجيزون الرجوع إلى غير المعصوم في الأحكام الشرعية، ولا يصحّ عندهم الوصول إلى الحكم الشرعي من وراء الدليل العقلي حتّى لو كان على شكل ملازمات عقلية، وأنّهم وإن كانوا يعملون ببعض الأُصول، مثل: البراءة، والتخيير، والاحتياط، إلّا أنّهم يعملونها في نطاق ضيّق وفق ما يفهمون ذلك من النصوص الواردة عنهم(عليهم السلام) .

فإنّ الأخباريين بعد عدم وجود نصّ من الكتاب أو السُنّة لا يرجعون إلى الدليل العقلي ولا إلى الإجماع، ولكن يرجعون إلى الأُصول العملية، ولكن وفق فهم خاصّ يختلف عن فهم الأُصوليين، فهناك اختلاف في إجراء تلك الأُصول، مثلاً: هم لا يُجرون البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية، على خلاف الأُصوليين.

(إنكار العقل والإجماع في استنباط الحكم الشرعي)

« موالي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

كيف نردّ على الذين ينكرون العقل والإجماع في استنباط الحكم الشرعي؟


الصفحة 290

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ البحث في هذا المجال ومن ثمّ الحكم فيه يحتاج إلى دراسة مفصّلة لمقطع من علم الأُصول ولا يسعنا التطرّق إليه في هذا المختصر.

ولكن مع هذا نشير إلى نقاط ذات صلة في الجواب:

أوّلاً: لا يرى العلماء حجّية العقل في استنباط الحكم الشرعي حجّية مطلقة، بل إنّ العقل عندهم حجّة في فهم الحكم والدليل وفي المستقلات العقليّة..

وأمّا الإجماع ــ في نظر المحقّقين من الأُصوليين ــ فليس حجيّته من جهة نفسه، بل حجيّته تأتي من اشتماله على قول المعصوم(عليه السلام) ، فإن كان فهو، وإلّا ليس الإجماع على الإطلاق حجّة.

وفي الواقع إنّ الإجماع المعتمد عند الأُصولي المحقّق، مرجعه إلى السُنّة والروايات ليس إلّا.

وأمّا الدليل على كلام الأُصولي لحجّية العقل في المجالين المذكورين، فهو: استقلال العقل في الدلالة على المطلب، وعدم ردع الشارع عنه، وهذا آية ارتضائه لهذه السيرة العقلائية.

وثانياً: أمّا الآيات والروايات الواردة في المنع عن الاعتماد على العقل، فكلّها تنصبّ في مجرى اتّباع العقل بصورة ناقصة، مثلاً: في باب المنع عن القياس أو الاستحسان؛ إذ لا يعقل أن يمنع من إجراء العقل بتاتاً فإنّه يفضي إلى عدم حجّية النواهي في هذه النصوص المذكورة أيضاً.


الصفحة 291

هذا ما تيسّر لنا توضيحه، وللمزيد من المعلومات ينبغي الرجوع إلى مظانّها في مباحث علم الأُصول وعلى الخصوص إلى كتاب (فرائد الأُصول) الذي يطلق عليه (الرسائل) للشيخ الأنصاري(رحمه الله) .

(دور العقل في التشريع)

« مطوّع إبراهيم ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها، أو أن تكون تعبّدية لا دور للعقل فيها إلّا أنّها من سُنّة وأحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام) ، وذلك كما أشار سيّد الشهداء(عليه السلام) : (شيعتي أصبر منّا، نحن نصبر على ما نعلم، وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون).

عندما أعلم بأضرار السمّ القتال فإنّي ببساطة أتجنّبه، ولكن عندما تغيب الحكمة عنّي فإنّي آخذه على أساس الحكم الظاهري، واختلاف المراجع دليل واضح.

مضمون من مقالة لسماحة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء(قدس سره) : (عند خروج الإمام(عليه السلام) سوف تعلم حكمة الصلاة معنىً وتوقيتاً و عدداً، إلّا أنّها الآن تؤدّى امتثالاً).

أُمور كثيرة كانت سابقاً تحمل صيغة التعبّد فقط، واليوم أصبحت ذات معنى وهدف واضح، وحكمة ظاهرة.

السؤال: هل لنا أن ننتظر خروج الإمام المهدي(عليه السلام) حتّى نعلم بكلّ ما تعنيه الأُمور التعبدية من معنى؟


الصفحة 292

ولماذا لم تكن ذات رؤية واضحة كي يتسنّى للكلّ العبادة، وأن تكون العبادة متقبّلة من قبل الكلّ، وبصورة سليمة عن قناعة وإدراك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: السؤال غير واضح بشكل دقيق ومحدّد, وإن فهمنا المراد منه بصورة مجملة؛ فإنّ في عباراته عدّة أُمور مختلطة.

ولكي نرفع الغموض وتداخل المسائل في ذهن السائل لا بدّ أن نقدّم عدّة مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: إنّ الشريعة، أيّ شريعة، تنقسم إلى قسمين: قسم واجب الاعتقاد به، وهي: الاعتقاديات، ويبحث عنها في أُصول الدين. وقسم لا بدّ من العمل بها، وهي: العمليات، التي تسمّى: الفقهيات، ويُصطلح عليها بـ(فروع الدين).

والقسم الأوّل: فيه أركان لا بدّ من العلم والاعتقاد بها عن طريق العقل ــ أو لا بدّ من الجزم بها على الاختلاف ــ ولا يكفي الالتزام بها بتقليد الآخرين، وإن كانت جملة من تفاصيلها غير مطلوب العلم بها عقلاً، وهذه الأركان مثل: أصل التوحيد والنبوّة والعدل والإمامة والمعاد، وبعض ما يدخل فيها.

أمّا القسم الثاني: وهي الأحكام التشريعية، فيجوز فيها التقليد والأخذ من الآخرين، على أن يكون الآخذ مستنداً إلى حجّة قطعية ثابتة.

وهذه الأحكام تنقسم إلى الأقسام الخمسة: من الواجب والمستحبّ والمباح والمكروه والحرام, وهي يجب أن نأخذ حكمها من الشارع المقدّس, وإن ترك لنا الخيار في قسم المباح، فيمكن للعقل، أو العرف، أو قانون تنظيم الجماعات من


الصفحة 293

التدخّل فيه، على أن لا يخرجه من المباح الشرعي، وإن أصبح واجباً عقلياً أو عرفياً... الخ.

ونعتقد أنّ سؤال السائل عندما قال: (نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها)، يشمل هذا القسم، الذي يدخل فيه مثلاً: اختيار المهنة، أو أُسلوب الحياة، أو الوطن، وغيرها.

نعم، يمكن أن تدخل هذه الأُمور في الأقسام الأُخرى بعناوين وجهات أُخرى.

المقدّمة الثانية: قسّم العلماء العقل إلى قسمين، بالنسبة إلى ما يتعلّق به:

فالعقل النظري: يتعلّق بما يجب أن يعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.

والعقل العملي: يتعلّق بما يجب أن يعمل، مثل: العدل حسن والظلم قبيح، فالأوّل يجب أن يفعل، والثاني يجب أن يترك.

وقد بحث علماء الأُصول عن دور العقل وحجّيته في استنباط الأحكام, ثمّ عدّه من الأدلّة في الأحكام أو لا، واختلفوا في ذلك!

وما عليه جمهور علماء الإمامية الأُصوليون: اعتبار العقل حجّة شرعاً، وأنّه أحد الأدلّة. ولكن ليس العقل بكلا قسميه، فإنّهم أنكروا الملازمة بين حكم العقل النظري وحكم الشارع، وذلك لقصور العقل النظري عن إدراك العلل الواقعية للأشياء، والإحاطة بكلّ تفاصيلها وجزئياتها إلّا لخالق الأشياء. ولكنّهم التزموا بذلك في العقل العملي، وبحثوه في البحث المعنون بـ(التحسين والتقبيح العقليين في علم الكلام).

وأمّا دور العقل في الاستنباط، فقد بحثه علماء الأُصول ضمن عنوان


الصفحة 294

(الملازمات العقلية)، التي هي قسمين: المستقلاّت العقلية، وغير المستقلاّت العقلية. واختصّت المستقلاّت بمسألة التحسين والتقبيح العقليين؛ إذ قالوا: بأنّه يمكن للعقلاء، بما هم عقلاء، أن يحكموا على بعض الأفعال بأنّها: حسنة، يجب أن تُعمل، كالعدل. وأنّها: قبيحة، يجب أن تُترك، كالظلم. وأنّ الشارع المقدّس بما أنّه أعقل العقلاء فإنّه يحكم بما حكموا أيضاً، ولذا يمكن أخذ الحكم الشرعي فيما لو حكم العقل بذلك من هذه الجهة, والتفصيل ليس محلّه هنا!

وأمّا غير المستقلاّت، فهي التي تعتمد على مقدّمة عقلية، تثبت من ملازمة عقلية، ومقدّمة أُخرى شرعية، حتّى يؤلّف منها قياس أرسطي، لينتج نتيجة تدخل في الاستنباط الفقهي، كما في: هل مقدّمة الواجب واجبة شرعاً بعد أن ثبتت عقلاً أو لا؟ وغيرها.

والبحوث في القسمين طويلة الذيل في كتب أُصول الفقه، خلاصتها: إثبات حجّية العقل في استنباط الحكم الشرعي في بعض الموارد، أو عدم الحجّية في موارد أُخرى.. وهل يكون العقل أحد الأدلّة الشرعية مقابل القرآن والسُنّة والإجماع أو لا؟

ويجب أنّ نلاحظ أنّ علماء الإمامية يأخذون بالقياس الأرسطي هنا فقط، ولا يعتبرون قياس التمثيل، المعني عند علماء العامّة بـ(القياس)؛ فإنّ قياس العامّة ليس حجّة عندنا؛ لأنّا نُهينا عنه شرعاً.

المقدّمة الثالثة: تنقسم الأحكام إلى قسمين: أحكام واقعية، وأحكام ظاهرية.

والواقعية: هي الحكم الواقعي الصادر من الشارع، والتي يخبر بها


الصفحة 295

الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) .

والظاهرية: هي التي يستنبطها الفقيه من الأدلّة الشرعية الثابتة بالحجّة القطعية.

وأمّا ما هو الفرق بين الواقعية والظاهرية, فإنّه بعد تمادي الزمان بين صدور الحكم الشرعي من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والائمّة(عليهم السلام) وبيننا، أدّى ذلك إلى وصول أكثر الأحكام الشرعية إلينا بطرق ظنّية، من الخبر الواحد وظواهر القرآن والسُنّة، أو ما يصطلح عليه أهل الأُصول بـ(الأمارات والأُصول العملية)؛ فإنّ الفقيه يبذل جهده في هذه الأمارات والأُصول التي ثبتت حجّيتها، كطريق للوصول إلى الحكم الشرعي عبر قواعد مقرّرة في علم الأُصول؛ فإنّه يفتي عبر هذه القواعد، وتكون فتواه كحكم ظاهري.

ففي الواقع إنّ لكلّ مسألة حكمين: حكم واقعي، نحن لا نعلمه بالقطع؛ لانقطاعنا عن أصل التشريع. وحكم ظاهري، مستخرج عبر هذه القواعد، ومعتمد على الأدلّة الفقهية. وقد يكون الحكم الظاهري موافقاً للواقع أو مخالفاً، وعلى كلّ فهو حجّة ما لم ينكشف الخلاف.

وهذا لا يعني أنّه لا توجد أحكام واقعية معروفة الآن|؛ فإنّ وجوب أصل الصلاة والصوم والحجّ قطعي ثابت في أصل الإسلام، وهو حكم واقعي، أمّا ما يتضمّن فيها من فروع ومسائل ففيها أحكام ظاهرية، وهي مورد الخلاف بين العلماء.

المقدّمة الرابعة: إنّ الشيعة الإمامية يعتقدون أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات يعلمها الشارع المقدّس، وأنّ لكلّ حكم مصلحته وملاكه الخاص به


الصفحة 296

الذي يحثّ المولى العبد على فعله من أجله.

وهذه المصالح لا يمكن للعقل البشري أن يدركها بتمامها ويحيط بها؛ لعدم قدرة العقل على الإحاطة بكلّ الجزئيات والتفاصيل، وإنّما من يحيط بها هو خالق الإنسان وأفعاله؛ لأنّ علم الله محيط به وبها.

وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يطّلع على العلّة الحقيقية للأحكام الشرعية.. نعم، يمكن أن يطّلع على جزء العلّة أو أحد نواحيها، ونسمّيها: الحكمة، ولكنّها غير كافية لإسناد الحكم الشرعي إليها، ولذلك أبطلنا القياس التمثّلي المعتمد عند أهل السُنّة، والمعروف بـ(قياس أبي حنيفة)؛ لأنّه يعتمد على التشابه بين الفروع، ولا يمكن أن يكون التشابه علّةً للحكم الشرعي، وهناك روايات واستدلالات من الأئمّة(عليهم السلام) في إبطاله.

ومن هنا قلنا: إنّه لا يثبت التلازم بين مدركات العقل النظري والحكم الشرعي.

نعم، ندّعي أنّه في بعض الأفعال ــ التي هي مورد لحكم العقل العملي ــ يكون حكم العقلاء هو العلّة التامّة للحكم، فيوافقه الشرع، كما في حسن العدل؛ فلاحظ! وتفصيل الاستدلال عليه في محلّه.

فإذاً لم يبق أمام الإنسان الذي ثبت له بالقطع وجود الله وإرساله الرسل بتشريعات غايتها تنظيم حياة الإنسان وإيصاله إلى الكمال من جهة, وأنّ عقله لا يستطيع أن يدرك العلل التامّة لهذه التشريعات من جهة أُخرى، لم يبق أمامه إلّا أن يأخذ هذه التشريعات من مصدرها المشرّع لها عن طريق الرسل، ويتعبّد بما يأمرونه به عن الله، وهو ما نسمّيه بـ(التعبّد). الذي هو حقيقة التسليم، بعد أن ثبت


الصفحة 297

للعقل بصورة قطعية حجّيته.

فليس التسليم والتعبّد هكذا بدون دليل، وإنّما بعد أن ثبت أنّ خالق الكون أعلم بمصالح العبد ومتطلّباته، وأنّ العقل قاصر عن إدراكها مستقلاًّ.

وبعد أن توضّحت هذا المقدّمات، يتّضح أنّه لا صحّة للقول: بأنّ هناك أُموراً تعبّدية لا دور للعقل فيها!

نعم، علّة تشريع هذه العبادات بانفرادها لا دور للعقل فيها, وأمّا استناد التسليم على حجج عقلية ثابتة لا يمكن إنكاره.

وأصبح من الواضح أنّ ما يكشفه تطوّر العقل البشري والعلوم بالتبع لا يكفي للحكم الشرعي؛ لأنّه لا يتعدّى الحكمة، وليس العلل الحقيقية للأحكام الشرعية.

نعم، هناك علل نصّ عليها الشارع المقدّس، كما في علّية السُكر للحرمة، فهي يمكن أن تستخدم كدليل لأخذ الحكم الشرعي, كما أصبح واضحاً إمكانية معرفة الحكم الواقعي عند ظهور الحجّة(عجل الله تعالى فرجه الشريف) .

وأصبح واضحاً أيضاً عدم إمكانية إحاطة العقل البشري بالعلّة الحقيقية للأحكام، حتّى تصبح (الرؤية واضحة ويتسنّى للكلّ العبادة، وتكون متقبّلة من الكلّ بصورة سليمة وعن قناعة)؛ فالقصور ذاتي في البشر، مع أنّ الله تعالى لم يغلق الباب على الإنسان في طريق الكمال حتّى يصل إلى العقل الكامل، كما في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن ليس للكلّ مثل هذه القدرة، فلا بدّ من اللطف بهم من قبل خالقهم، فيرسل لهم رسول كواسطة من أجل صلاحهم.

ولا بدّ من التنبيه على شيء مهم، وهو: أنّ العلم التجريبي في حال تطوّر


الصفحة 298

مستمر، ولا يمكن لأيّ أحد أن يقطع بنتائجه على أنّها حقيقة ثابتة لا تتبدّل، وإنّما أكثر ما متداول هو نظريات قامت على نظريات أخر اندثرت، وسوف تأتي فوقها نظريات أخر، وهكذا.. ولذا لا يمكن الجزم بصحّة ما وصل إليه العلم بجزئية معيّنة على أنّه العلّة الحقيقية التامّة مثلاً اعتماداً على تفسير نظرية معيّنة، أو تجربة معيّنة أو استقراء ناقص كذلك..

فمثلاً لا يمكن للعقل أن يحكم بأنّ علّة تحريم لبس الذهب على الرجال هو أنّه يفكّك بعض الكريات الدموية لديهم.. نعم، له أن يحتمل ذلك، أو يعتقد لا أقل بأنّها جزء العلّة، والتي تسمّى بالفقه: الحكمة، ولذلك نقول: لعلّ سبب التحريم هو ما كشفه العلم، ولا يمكن القطع بذلك.

وإنّما العقل يحكم بوجوب الالتزام بهذا التشريع من جهة أُخرى، وهي: ثبوت مقدّمات قطعية، من إثبات التوحيد والربوبية لله، وأنّه العالم بمصالح البشر، ولطفه بهم بإرساله الرسول بالتشريعات حتّى يصل الإنسان إلى كماله, وأحد جزئيات هذه التشريعات الصادرة من الحكيم الواجب طاعته، هو: حرمة لبس الذهب، وأنّ العقل يحكم أنّ بعصيان هذا الأمر يستحقّ المكلّف العقاب.

وبجواب ثانٍ بعبارة أبسط:

قسّم العلماء الشريعة إلى قسمين: (أُصول الدين، أو الاعتقادات): والمطلوب فيها الاعتقاد والمعرفة عن طريق العقل، أو الجزم، ولا يكفي التقليد، و(فروع الدين، أو العمليات): وهي الوظائف الشرعية العملية للمكلّف، والتي لا يجب فيها المعرفة العقلية وإنّما يكفي فيها التقليد.

ونعتقد أنّ سؤالك ينصبّ على القسم الثاني, وقبل أن ندخل في الجواب لا


الصفحة 299

بدّ من الإشارة إلى أنّ الحديث الذي ذكرت عن سيّد الشهداء(عليه السلام) لا علاقة له بالمقام، وإنّما له معنى آخر ليس هنا محلّه!

ولنبدأ بالكلام من حيث المثال الذي ضربت:

نعم، إنّي إذا عرفت أنّ هذا سمّ وأنّ السمّ قاتل فإنّي سأتجنّبه قطعاً, ولكن لا بدّ أن أُلاحظ أنّي لا أعرف كلّ السموم، ولا أعرف التمييز بين ما هو سمّ وغيره، بل لا أعرف ما هو مضرّ وغير مضرّ، وقد ميّز بين السموم، وذلك لقلّة باعي في مثل هذا التخصّص، أو لعدم القدرة العقلية لديّ، أو لأنّ الأمر يحتاج إلى وقت طويل من الدراسة لعدّة سنوات حتّى أتعرّف على كلّ السموم وأحصرها، بل لأنّ الأمر يحتاج إلى تراكم خبرات أجيال عديدة، كما هو الواقع. هذا لو أمكن فعلاً حصر كلّ السموم. (وهذا يوضّح لك كيفية ومدى قدرة العقل على المعرفة).

والآن إذا شخّصنا جوانب الموضوع, فلو أبتليتُ بعمل، أو مكان، لا بدّ فيه من التعامل بالسموم مثلاً، وأنا على جهلي بها، وكان هناك غيري مشفق علَيَّ يريد صلاحي ونجاتي، وهو عالم عارف محيط بالسموم، موثوق منه، قد دلّت الأدلّة على صدقه وعلمه من شهادة الشهود والتجربة والآثار التي تركها, بحيث أصبح عندي يقين بأنّه لا يوردني مورد التهلكة، بل هو حقّاً وصدقاً مشفق علَيَّ رحيم بِي, فإنّ عقلي لا بدّ أن يقول لي أن تأخذ بكلامه وتتبعه في ما يقول، ويرشدني إليه في كيفية التحرك والتصرّف, بل إنّ كلّ العقلاء سيوافقوني عليه، بل يحثّوني على اتّباعه، بل هم أيضاً سيفعلون فعلي لو كانوا مكاني, ولا يرد إلى ذهن أيّ منهم الإشكال والتردّد في هذا الاتّباع لهذا العالم، وهذا التسليم والتعبّد بأوامره وإرشاداته, بعد أن شخّصوا الموضوع كما شخّصت.. (هذا يوضّح لك


الصفحة 300

معنى التعبّد ولماذا).

ثمّ إنّ هذا الشخص سوف يعطيك التشخيص الصحيح والواقعي لكلّ سمّ، أو دواء، وأنت تأخذه من فمه مباشرة، أو عن طريق تلميذه المأمون؛ لأنّك ملازم لهذا التلميذ تستطيع الوصول إليه، وهو مأمون ثقة لا تشكّ فيه, ولكن الأمر لا ينحصر فيك؛ فإنّ هناك آخرين أيضاً سيبتلون ببلائك نفسه (وبالأصحّ: نعمتك)، وهم غير معاصرين لهذا العالم، أو لتلميذه، بل سيأتون بعده بسنوات، وهم لا يعرفون أراء وعلم هذا العالم إلّا عن طريق الكتب وإخبار المخبرين، ومن الطبيعي أنّه سينال هذه الأخبار الكثير من عدم الدقّة أو الإجمال أو الإرباك، نتيجة انتقالها من فم إلى فم عبر السنين الطوال. وقد كان هذا العالم مدركاً لهذا الأمر، وهو من رحمته ولطفه لا يستطيع أن يحرم هؤلاء الناس من هذا العلم والفائدة، فأخذ التدابير اللازمة لوصول علمه وتعاليمه إليهم، ووضع قواعد عامّة جعلها كطريقة لهؤلاء الناس القادمين عبر الزمن، من أجل أن يصلوا إلى علمه وتعاليمه التي تصبّ في مصلحتهم، وهذه القواعد تقلّل إلى الحدّ الممكن الطبيعي من نسبة الخطأ في وصول هذه التعاليم عبر السنين، وقال: إنّكم لو اتّبعتموها فإنّها ستوصلكم إلى تعاليمي بنسبة ٨٠% مثلاً، وفي المحصلة الكلّية الشاملة سوف لا تخرجون عن المنهج الشامل الذي رسمت، وما أخطأتم فيه فإنّه لا يؤثّر ولا يضرّكم وأنتم معذورون فيه.

وجاء الناس بعد مئات السنين فقالوا: لنسمّي ما وصلنا من هذا الحكيم بالقطع واليقين: (الحكم الواقعي)، ولنسمّي ما يصلنا من خلال هذه القواعد: (الحكم الظاهري)، وأنّه لا بدّ أن يأتي يوم سيظهر تلميذ موثوق أمين صادق من


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية