المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 301 - ص 330)

تلاميذ هذا الحكيم، قد ادّخره لنا الحكيم لنجاتنا وإخبارنا بالتعاليم الحقيقية لهذا الحكيم بتمامها ١٠٠%.

نعم، إنّ هؤلاء الناس قد درسوا علم السموم عبر هذه السنين الطوال، ووصلوا إلى تشخيص بعضها، أو النزر القليل منها، ولو طال بهم الزمن أكثر لوصلوا إلى أكثر من ذلك, ولكن لا يمكن لهذه الأجيال التي مضت، أو التي ستأتي، أن تبقى تنتظر حتّى ذلك اليوم الذي ستتوصّل فيه البشرية إلى معرفة كلّ السموم، ولعلّ هذا اليوم سيطول كثيراً, وأمامها طريق مفتوح يوصل للحقيقة بنسبة ٨٠% إذا كانوا غير معاصرين للعالم، أو ١٠٠% إذا كانوا معاصرين لذلك العالم أو تلميذه, فإنّ العقل يحكم، ولا حريجة في حكمه، أنّ: التعبّد والتسليم لأقوال الحكيم وتلميذه، وتلميذ تلميذه، وهكذا، هو أنجح الطرق وأسلمها.

هذا المثل يا أخي! قرّبناه لك، فاستفد منه وقس عليه ما أشكل عليك.

وقبل الختام لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأُمور تتمّة للجواب:

١ــ إنّ ما تطلق عليه: تعبّداً وتسليماً، ناظر إلى أخذنا بهذه الجزئيات وسلوكنا لها كلّ بانفرادها, أمّا لو أردنا الدقّة وأخذنا سلوكنا والتزامنا بهذه الجزئيات ككلّ شامل وبناء متكامل، فإنّه جاء عن طريق الدليل العقلي القاطع بثبوت وجود الخالق، وأنّه رؤوف بعباده، أرسل لهم من يعلّمهم ويهديهم، وأنّ النجاة باتّباعه في ما يفعل ويأمر، وهذا لا يمتّ إلى التعبّد بشيء، بل هو عين حكم العقل.

٢ــ إنّ العلماء قسّموا العقل بحسب ما يتعلّق به إلى قسمين:

العقل النظري: وهو الحاكم في القضايا التي يجب أن تُعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.


الصفحة 302

والعقل العملي: وهو الحاكم في ما يجب أن يعمل، وأنّ فاعله يُمدح ويستحقّ الثواب، مثل: العدل حسن، والظلم قبيح.

وقالوا: إنّه لا قدرة للعقل النظري على الإحاطة بكلّ ما يتعلّق بالأشياء ويعرف عللها، والمصالح التي تدور عليها، بينما يمكن للعقل العملي أن يأمر بحسن فعل بعض الأفعال، وأنّ حكم الشارع سيوافق حكم العقل العملي؛ لأنّ مدار حكم العقل العملي هو: اتّفاق العقلاء، كاتّفاقهم بأنّ الإحسان حسن، والشارع من العقلاء، بل هو أعقلهم، فلا يخرج عنهم.

٣ــ إنّ علماءنا أجمعوا على أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات هي المناط في حكم الحاكم, ولكن هذه المصالح لا يعلمها إلّا من أحاط علمه بها، وهو: الخالق لكلّ شيء وخالقها, فلذا لا يمكن للإنسان بعقله النظري أن يعلم تمام العلل والمصالح للأحكام الشرعية حتّى يحكم بها، بل يتّبع ويتعبّد بما أمر به من أحكام من قبل العارف بمصالحها. نعم، يمكن له أن يعرف بعض العلّة والمصلحة (جزء العلّة)، وتسمّى: الحكمة، ولكنّها غير كافية للحكم الشرعي على طبقها, إلّا إذا جاء خبر من العالم بعلل ومصالح الأحكام، بأن يقول: إنّ علّة الحكم الفلاني هذا الأمر، فيمكن أن نحكم بالحكم كلّما جاءت العلّة، كما في: (الخمر حرام؛ لأنّه مسكر)، فنعرف بأنّ علّة حرمة الخمر هي إسكاره، فنحكم بحرمة كلّ شيء يسكر. نعم، يمكن أن نستفيد من أحكام العقل البديهية، أو النظرية القطعية، سواء في العقل النظري، أو العملي، في طريق استنباط الحكم الشرعي، وذلك لأنّ حكم العقل القطعي حجّة لا يمكن العمل على خلافه, والبحث في كلّ ذلك مفصلاً في كتب أُصول الفقه.


الصفحة 303

وفي الختام نرجوا أن نكون قد استطعنا أن نوصل الجواب بأبسط فكرة وعبارة.

(الأصل الديني للّغات)

« أبو محمّد ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

بارك الله بجهودكم الكبيرة والمحمودة..

هل يوجد تفسير ديني لتعدّد اللغات واختلاف الألوان والأشكال مع أنّ الأب واحد والأُمّ واحدة، وهما آدم وحواء؟

جزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

القريب جدّاً في تفسير تعدّد اللغات دينياً هو: (أنّ الله تعالى قد ساعد الإنسان في مبدأ الخلقة فألهمه البيان، كما أودع فيه ملكته)، مع مجموعة من الألفاظ التي تفي بأغراضه فتكلّم بها بطبعه من دون أن تكون مسبوقة بالوضع، وجرى عليها حتّى تكوّنت اللغة الأُولى.

ثمّ خضعت بعد ذلك لنظام التطوير والتغيير والتبديل تبعاً لتجدّد الحاجة وتشعّبها، كما هو الحال في سائر شؤون حياته. وربّما تشعّبت اللغات منها، كما ربّما يكون تعدّد اللغات بفيض منه تعالى دفعي إعجازي، كحدوث اللغة


الصفحة 304

الأُولى، كما قد يظهر من بعض الأخبار، ولعلّ هذا هو مراد من يقول: إنّ الواضع هو الله تعالى.

(الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي)

« عقيل ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

ما هو الحكم الظاهري، وما هو الحكم الواقعي، وما الفرق بينهما، وأيّهما مكلّف به المسلم؟

وهل المرجع حينما يفتي، يفتي حكماً ظاهرياً أم واقعياً؟ وهل ما يفتي به كلّ مرجع (مع العلم أنّ فتاويه تختلف عن مرجع آخر) هو شرعي ومقبول عند الله تعالى؟ وما الدليل على ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحكم الواقعي: هو الحكم الشرعي المطابق للواقع ونفس الأمر, أي أنّه مطابق لما هو مسطور في اللوح المحفوظ.

أمّا الحكم الظاهري: فهو الحكم الذي يصل إليه المجتهد عبر الأدلّة الظنّية المعتبرة، كالأمارات، ومنها: أخبار الآحاد المنقولة عن المعصومين صلوات الله عليهم, ومنها الأُصول العملية في حال الشكّ في الحكم الواقعي, كالاستصحاب، والبراءة، والاحتياط.

والفرق بينهما: أنّ الحكم الواقعي ثابت لا يختلف باختلاف الفقهاء، بينما


الصفحة 305

الحكم الظاهري قد يختلف بحسب الأدلّة التي تتيسّر للفقيه، أو التي يؤدّي إليها اجتهاده..

والمسلم مكلّف بالأصالة بالحكم الواقعي, ولكن نتيجة لبعد الزمان عن المعصوم(عليه السلام) صار مكلّفاً بالحكم الظاهري الذي يأخذه عن المجتهد، وهو القادر على عملية الاستنباط، ونتيجة لاختلاف الأدلّة التي يصير إليها المجتهدون تختلف الأحكام الظاهرية من مجتهد لآخر.

وبهذا يتّضح أنّ المجتهد حينما يفتي فإنّه يفتي حكماً ظاهرياً لا واقعياً, وهذا الحكم منجّز على المكلّفين المقلّدين للمجتهد، أي يجب أن يلتزموا به، وهو معذّر لهم عن المؤاخذة في حال كان خلاف الواقع.

أمّا الدليل فيمكن تحصيله من خلال الرجوع إلى كتب أُصول الفقه، وفيها تفصيل الأدلّة والقواعد التي يستخدمها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية الظاهرية.

(حجّية أخبار الآحاد)

« حيدر ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما هو الدليل على حجّية أخبار الآحاد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الدليل المهم على حجّية أخبار الآحاد هو: سيرة العقلاء الممضاة عند الشارع.


الصفحة 306

وتوضيحه: إنّ من المعلوم أنّ العقلاء استقر بناؤهم في سيرتهم العملية، على اختلاف أذواقهم، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله، ويطمئنّون إلى صدقه، ويأمنون كذبه، وهذه السيرة جارية حتّى في الأوامر الصادرة من ملوكهم وذوي الأمر منهم.

وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس على الأخذ بخبر الواحد الثقة، فإنّ الشارع يكون متّخذاً لهذه الطريقة العقلائية ما دام أنّه لم يثبت لنا أنّ له في تبليغ الأحكام طريقاً خاصّاً مخترعاً منه غير طريق العقلاء.

وهذا الدليل مركّب من مقدّمتين:

١ــ ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة.

٢ــ كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم.

وهناك أدلّة أُخرى كثيرة من القرآن والسُنّة لإثبات حجّيّة الخبر الواحد(1).

(التسامح في أدلّة السُنن)

« سيف الدولة ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

ما هي أدلّة التسامح في السُنن؟

وماذا عن الأدعية والزيارات وأحاديث فضائل الأعمال التي رويت بأسانيد ضعيفة، أو قد يفهم من بعضها أنّها تخالف العقيدة، هل نأخذ بها؟ كما ورد مثلاً في زيارة الحجّة: (ومقاماتك التي لاتعطيل لها، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم

____________

1- راجع: مصباح الأُصول، للخوئي ٢: ١٩٦ ــ ١٩٧ حجّية خبر الواحد، أُصول الفقه، للمظفر ٣: ٧٥ ــ ١٠٠، الباب الثاني (السُنّة) أدلّة حجّية خبر الواحد.


الصفحة 307

عبادك، فتقها ورتقها بيدك)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قاعدة التسامح في أدلّة السُنن هي: قاعدة استفادها بعض الفقهاء من الروايات التي ورد فيها عبارة: (من بلَغه ثواب كذا...)، ومضمون هذه الروايات: (أنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله فله ذلك الثواب)، وهذه القاعدة ليست ثابتة عند مشهور الفقهاء؛ لعدم الآخذ بها في استنباط الأحكام الشرعية، ويبقى استفادة الحكم باستحباب هذه الأعمال وعدمه خاضع لرأي الفقيه واستنباطه.

وبخصوص الأدعية والزيارات والروايات التي ذكرت بأسانيد ضعيفة، سواء ورد فيها فضائل الأعمال أو لم يرد، لا ينبغي أن تطرح وتنكر؛ فقد قيل: إنّ أوهن الطرق طريق من حصر وجه ردّ الأخبار وقبولها على ضعف رجال السند ووثاقتهم؛ لأنّه يؤدّي بالبديهية إلى طرح طائفة من الأخبار التي نقطع بأنّ فيها مضمون ما ورد عن المعصومين(عليهم السلام) قطعاً وجزماً.

وقولك: إنّه قد يفهم من بعضها أنّها تخالف العقيدة، ومثّلت لذلك بما ورد عن الحجّة القائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف) في دعاء كلّ يوم من شهر رجب: (ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك)(1).

يردّ عليه: أنّ مناط موافقتها للعقيدة، أو مخالفتها لها، ليس ما نفهمه نحن

____________

1- مصباح المتهجّد، للطوسي: ٨٠٣ أعمال شهر رجب حديث ٨٦٦.


الصفحة 308

وأنت من مدلولاتها ومعانيها، بل المناط هو: ما يفهمه أهل العلم، فلا ينبغي المسارعة إلى رفض هذه الأخبار وإنكارها لمجرّد عدم فهمنا، أو ظنّنا بكونها قادحة في العقيدة، ولعلّها ليست كذلك في الواقع، فما دام لتلك الأخبار وجوهاً من المعنى غير الظاهر، فإنّ ردّها بناء على ذلك جمود على النصّ, وأنت تعلم أنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يحتمله إلّا نبيّ مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد ممتحن، كما ورد في طائفة من الأخبار(1)..

وأنّ حديثهم ينصرف على سبعين وجهاً، لهم من كلّها المخرج، كما في طائفة أُخرى من الأخبار(2)..

وما ينصح به العلماء هو: التسليم والتوقّف عن الردّ أو القبول حتّى تتبيّن بعض وجوه المعنى المشار إليها.

نعم، لو خالف الخبر ضرورة من ضرورات الدين أو الواقع، فإنّه يرفض، فأمّا ضرورات الدين فهي: أُصول الاعتقاد من التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، بشرط أن لا يحتمل الحديث أيّ وجه من الوجوه الممكنة، وأمّا ضرورات الواقع: فكأن يلزم منه التناقض، من قبيل أن يقول: إنّ الليل نهار والنهار ليل.

وأمّا حديث الحجّة الذي ضربته مثلاً: فلا يقدح في العقيدة، وقد تصدّى لشرحه ثلّة من العلماء، ولكنّك حاولت فهمه ظاهرياً وغفلت عن مضامينه العالية التي تبيّن مقامات أهل البيت(عليهم السلام) وولايتهم التكوينية، فارجع إلى الشروح واغتنم(3).

____________

1- بصائر الدرجات، للصفّار: ٤٠ الجزء الأوّل، الباب ١١ حديث ١ ــ ٢١، الكافي، للكليني ١: ٤٠١ كتاب الحجّة، باب في ما جاء أنّ حديثهم مستصعب.

2- بصائر الدرجات: ٣٤٩ الجزء السابع، الباب ٩ حديث ١ ــ ١٥.

3- لاحظ: صراط النجاة، للخوئي ٣: ٤٢٠ سؤال ١٢٢٧، وغيره.


الصفحة 309

ولأجل أن يتمّ المطلب وتحيط به إحاطة كاملة نعطيك ها هنا ضابطة تنفعك في التعامل مع هذا النمط من الأحاديث، فقد ورد بإسناد صحيح عن الحذّاء، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول في حديث له: (إنّ أسوأهم ــ أي أصحابي ــ عندي حالاً وأمقتهم إليَّ الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنّا فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأزّ منه وجحده، وكفر بمَن دان به، ولا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج، وإلينا أُسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا)(1).

(الإجماع لدى الإمامية)

« أحمد ناجي ــ النرويج ــ إمامي »

السؤال:

أرجو الردّ على هذه الشبهة الوهابية:

(من عجائب الشيعة أنّه إذا اختلفوا في مسألة، وكان أحد القولين يُعرف قائله، والآخر لا يُعرف قائله, فالصواب عندهم هو القول الذي لا يُعرف قائله!

إنّهم يزعمون أنّه قد يكون قول الإمام المعصوم! حتّى انتقدهم شيخهم الحرّ العاملي وتعجّب قائلاً: (وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأيّ دليل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظنّ به) عن: مقتبس الأثر ٣/٦٣.

يا سبحان الله! يأخذون بالمجهول، ولا يعلمون ما هو، يمكن كذّاب، أو

____________

1- بصائر الدرجات: ٥٥٧ الجزء العاشر، الباب ٢٢ حديث ١، وقريب منه في الكافي، للكليني ٢: ٢٢٣ كتاب الإيمان والكفر، باب الكتمان حديث ٧.


الصفحة 310

الصحيح أنّ دينهم كذب والعياذ بالله..

عند قراءتي لكتب الفقه وخاصّة الكتب الأربعة: (الاستبصار)، و(مَن لا يحضره الفقيه)، و(الفروع من الكافي)، و(التهذيب) عند الشيعة، وجدت الطامات والتناقضات لا حدّ لها في ما ذكره أخونا الفاضل في موضوعه!!

المعصوم عندهم له عدّة أحاديث في الباب الواحد عدّة تناقضات عجيبة وغربية!!

حتّى إنّ شيخهم الطوسي والصدوق في شرحهما لتناقضات المعصوم لا يعرفون كيف المخرج من هذه الورطة!!

ولا يعرفون كيف الخروج منها؟!!

فأكثر أقوالهم كالآتي:

١ــ تارة يحملون الرواية على التقيّة؟!!

٢ــ وتارة يطعنون في الراوي!!

٣ــ وتارة أنّ المعصوم أفتى على مذهب الشافعي، أو المالكي، أو أبو حنيفة، أو إمام أحمد!!

وأمثال هذا الكلام وجدت كثيراً ودونتها عندي!!).

أشكركم على ما تبذلونه لخدمة الدين والمذهب.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

واحد من الأدلّة الأربعة هو: الإجماع، والإجماع عند الإمامية لا يتحقّق إلّا


الصفحة 311

بدخول الإمام المعصوم ضمن المجمعين، فالحجّة هي لدخول المعصوم لا لإجماع جماعة معيّنين! وعند خروج شخص من إجماع معيّن وكان ذلك الشخص معلوم النسب، يقول الفقهاء: إنّ هذا الخروج لا يضرّ بالإجماع على بعض الأقوال؛ لأنّ الخارج معلوم النسب وهو غير الإمام، أمّا مع حصول الإجماع وعلم دخول المعصوم ضمن المجمعين عندها يكون هذا الإجماع حجّة، فليس بمجرّد دخول شخص مجهول النسب مع المجمعين يكون الإجماع حجّة.

بل لو لم يعلم دخول الإمام فلا يكون ذلك الإجماع حجّة، فالإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم، فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم.

وإذا كان الإجماع حجّة من جهة كشفه عن قول المعصوم، فلا يجب فيه اتّفاق الجميع بغير استثناء، كما هو مصطلح أهل السُنّة على مبناهم، بل يكفي كلّ ما يستكشف من اتّفاقهم قول المعصوم، كثروا أم قلّوا، إذا كان العلم باتّفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم.

نعم، على بعض المسائل في الإجماع لا بدّ من إحراز اتّفاق الجميع.

أمّا كيف يستكشف من الإجماع على سبيل القطع قول المعصوم؟ قد ذكروا لذلك طرقاً، منها:

الأوّل: طريق الحسّ: وبها يسمّى الإجماع: (الإجماع الدخولي)، وحاصل هذه الطريقة أن يعلم بدخول الإمام في ضمن المجمعين على سبيل القطع من دون أن يعرف بشخصه من بينهم.

وهذه الطريقة إنّما تُتصوّر إذا استقصى الشخص المحصّل للإجماع بنفسه،


الصفحة 312

وتتبّع أقوال العلماء فعرف اتّفاقهم، ووجد من بينها أقوالاً متميّزة معلومة لأشخاص مجهولين حتّى حصل له العلم بأنّ الإمام من جملة أولئك المتّفقين، أو يتواتر لديه النقل عن أهل بلد أو عصر، فعلم أنّ الإمام كان من جملتهم، ولم يعلم قوله بعينه من بينهم، فيكون من نوع الإجماع المنقول بالتواتر.

وقد ذكروا أنّه لا يضرّ في حجّية الإجماع على هذه الطريقة مخالفة معلوم النسب، وإن كثروا، ممّن يعلم أنّه غير الإمام, بخلاف مجهول النسب على وجه أنّه الإمام, فإنّه في هذه الصورة لا يتحقّق العلم بدخول الإمام في المجمعين.

الثاني: طريقة قاعدة اللّطف، وهي: أن يستكشف عقلاً رأي المعصوم من اتّفاق من عداه من العلماء والموجودين في عصره خاصّة، أو في العصور المتأخّرة، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة, خفيّةً أو ظاهرة؛ فإنّ قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الإمام وعصمته تقتضي أيضاً أن يظهر الإمام الحقّ في المسألة التي يتّفق المفتون فيها على خلاف الحقّ وإلّا لزم سقوط التكليف بذلك الحكم، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه، ونصب لأجله، وهو: تبليغ الأحكام المنزلة.

ولازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة مطلقاً، سواء كان من معلوم النسب، أو مجهوله مع العلم بعدم كونه الإمام، ولم يكن معه برهان يدلّ على صحّة فتواه.

الثالث: طريقة الحدس: وهي أن يقطع بكون ما اتّفق عليه الفقهاء الإمامية وصل إليهم من رئيسهم وإمامهم يداً بيد؛ فإنّ اتّفاقهم مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستنداً إلى رأي إمامهم.


الصفحة 313

ولازمها: أنّ الاتّفاق ينبغي أن يقع في جميع العصور من عصر الأئمّة إلى العصر الذي نحن فيه؛ لأنّ اتّفاق أهل عصر واحد مع مخالفة من تقدّم يقدح في حصول القطع، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممّن يعتدّ بقوله، فضلاً عن مجهول النسب.

وهذه أهمّ الطرق التي ذكرت لتحقّق الإجماع، وقد ظهر منها: إنّ الإجماع إنّما يكون حجّة عند دخول المعصوم مع المجمعين, ويكشف هذا الدخول بالطرق المتقدّمة(1).

أمّا التناقضات التي يقولها بين الروايات, فهي تبدو للوهلة الأُولى تناقضات! لكن الفقيه يستطيع الجمع بينها، وردّ ما لم يثبت صحّته، فصاحب الشبهة بنظره القاصر يراها تناقضات، فأيّ تناقض بين رواية صحيحة السند ورواية ضعيفة لا يُعتدّ بها؟! وأيّ تناقض بين كلام صدر من الإمام تقيّة، وبين كلام صدر بلا تقيّة؟!

وأخيراً قد ظهر ممّا دوّنا: أنّ هذا المستشكل لم يفهم من البداية قول علمائنا، سواء الأُصوليين منهم بخصوص الإجماع، أم الفقهاء بخصوص التعارض بين الروايات!! فتطفّل على أمر لا علم له به كشف به عن جهله، وما أكثر ابتلائنا بهؤلاء الجهّال!

(حجّية الإجماع بدخول المعصوم)

« مهتاب ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

ما نظركم في كلام ابن تيمية في (منهاج السُنّة):

____________

1- انظر: فرائد الأُصول، للأنصاري ١: ١٩٢ المقصد الثاني (الظنّ)، المقام الثاني (الإجماع المنقول).


الصفحة 314

(وقد رأيت طائفة من شيوخ الرافضة، كابن العود الحلّي، يقول: إذا اختلفت الإمامية على قولين: أحدهما يعرف قائله، والآخر لا يعرف قائله، كان القول الذي لا يعرف قائله هو القول الحقّ الذي يجب اتّباعه؛ لأنّ المنتظر المعصوم في تلك الطائفة، وهذا غاية الجهل والضلال...)(1)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المراد من كلام الحلّي، على ما هو الظاهر والذي لم نتابعه من مصدره، أنّه: يريد الإشارة إلى مبنى أُصولي عند طائفة من علمائنا، وهو: إنّ الإجماع إذا كان داخلاً فيه الإمام المعصوم يصلح للحجّية دون الذي لا يدخل فيه الإمام المعصوم؛ فإن أجمعت الأمّة على قولين لا ثالث لهما، فلا يجوز إحداث قول ثالث، وهو ما يسمّى بـ(الإجماع المركّب).

ولمّا كان أفراد القول الأوّل ــ مثلاً ــ معلومة النسب، فإنّ معنى ذلك عدم دخول المعصوم بينهم، بخلاف الثاني.

ولكن ابن تيمية لم يفهم ما قاله ابن العود، أو لم ينقله بتمامه، كما هو دأب كافّة معاندي أهل البيت(عليهم السلام) .

(المراد بـ(الاستحسان)

« جواد ــ المغرب ــ مالكي »

السؤال:

أريد معرفة: مفهوم الاستحسان، وعلاقته بالقياس؟

____________

1- منهاج السُنّة ١: ٢١.


الصفحة 315

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تعاريف الاستحسان مختلفة جدّاً، وقد ذكر السرخسي جملة منها، وإليك هذه النماذج منها:

١ــ الاستحسان: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.

٢ــ الاستحسان: طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام.

٣ــ الاستحسان: الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة.

٤ــ الاستحسان: الأخذ بالسماحة وانتقاء ما فيه الراحة(1).

قال السيّد محمّد تقي الحكيم في (الأُصول العامّة للفقه المقارن) عن هذه التعاريف: ومثل هذه التعاريف لا تستحقّ أن يُطال فيها الكلام؛ لعدم انتهائها إلى أُمور محدّدة يمكن إخضاعها للحديث عن الحجّية وعدمها. والذي يقتضي الوقوف عنده من تعاريفها، التي تكاد تكون من حيث كونها ذات مفاهيم محدّدة، ما ذكره كلّ من:

١ــ البزدوي من الأحناف من أنّه ــ أي الاستحسان ــ: (العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو: تخصيص قياس بدليل أقوى منه).

٢ــ الشاطبي: (أنّه العمل بأقوى الدليلين)... إلى آخر التعاريف(2).

وأمّا علاقته بالقياس، فهو يعد عند العامّة أصلاً مقابل القياس، ولكنّنا

____________

1- المبسوط ١٠: ١٤٥ كتاب (الاستحسان).

2- انظر: الأُصول العامّة، للفقه المقارن: ٣٦١ القسم السادس الاستحسان.


الصفحة 316

وجدنا ــ كما تقدّم عن البزدوي ــ بأنّه تقديم قياس أقوى على قياس، وهذا لا وجه له بعد عدّهم الاستحسان دليلاً مستقلاً كالقياس(1).

(المرجع الأُصول العملية عند عدم الدليل الظنّي المعتبر)

« ميثم التمّار ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم وغاصبي حقوقهم وناصبي شيعتهم أبد الآبدين إلى قيام يوم الدين، أمّا بعد:

إذا جاء حدث معيّن أو شيء جديد، لم يرد فيه حكم، لا في كتاب الله، ولا في سُنّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا في أحاديث أئمّتنا(عليهم السلام) ، ماذا نعمل به؟

صحيح نحن نرجع فيه إلى علمائنا وفقهائنا، لكنّي استفسر: كيف يفتون به؟ وإلى ماذا يرجعون فيه؟ أم أنّه مباح لهم، كما قال مولانا الصادق(عليه السلام) : (كلّ شيء لك مباح ما لم يرد فيه آية أو حديث أم تعمل به على الظنّ)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الفقهاء ــ أعزّهم الله ــ عندما لا يجدوا دليلاً لفظاً من كتاب أو سُنّة، أو دليلاً معتبراً من الأمارات يفتون به بلحاظ واقعة ما، أو حدث معيّن، يكون المرجع عندهم حينئذٍ: الأُصول العملية, التي قامت الأدلّة الشرعية على الرجوع إليها في موضع

____________

1- راجع المصدر المتقدّم.


الصفحة 317

الشكّ وعدم الدليل (وإثبات هذه الأدلّة التي تسمّى: أمارات، في أُصول الفقه).

وهذه الأُصول تختلف بحسب اختلاف مورد الشكّ, فإن كان الشكّ في التكليف, أي: في أصل التكليف, كمن يشكّ في حرمة التدخين، أو: يشكّ في وجوب أمر ما من عدم وجوبه؛ فهنا يكون المورد مجرىً لأصالة البراءة.

وإن كان الشكّ في المكلّف به, كأن يكون الشكّ في أيّ الصلاتين واجبة في زمن الغيبة، هل هي صلاة الجمعة أم صلاة الظهر؟ مع التسليم بوجود وجوب ما لأحدى هاتين الصلاتين؛ فيكون هذا المورد مجرىً لأصالة الاحتياط أو الاشتغال.

وأحياناً يدور الشكّ بين المحذورين، كالوجوب والحرمة؛ فيكون المورد مجرى لأصالة التخيير... وهكذا.

والبحث في هذه الأُصول طويل الذيل مفصّلاً في أُصول الفقه، وهي لها تطبيقات دقيقة واسعة ذكرها الفقهاء في كتب استنباط الحكم الشرعي.

وأمّا ما أوردته على أنّه قول الإمام الصادق(عليه السلام) ، فلم يرد هكذا نصّ عنه(عليه السلام) .

نعم، ورد عنه (عليه السلام) قوله: (كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي)(1)، وقوله(عليه السلام) : (كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه، فتدعه)(2).

____________

1- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ١: ٣١٧ حديث ٩٣٧.

2- من لا يحضره الفقيه ٣: ٣٤١ حديث ٤٢٠٨.


الصفحة 318

(الاستصحاب عند الإمامية)

« حميد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما هو تعريف الاستصحاب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عَدّ الحكم أو الموضوع المتيقّن باقياً بعد الشكّ فيه.. كما لو علمنا بعدالة زيد، ثمّ رأينا منه ما لم نتيقّن بكونه على وجه يوجب الفسق، فتعدّ عدالته باقية. أو كنّا على يقين من الوضوء، ثمّ شككنا بانتقاضه، فنبني على بقاء الطهارة.

(مخالفة العامّة أحد المرجّحات)

« أياد الموالي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالي: (إذا جاءكم حديث ضعيف السند مخالف للعامّة، وحديث صحيح السند موافق للعامّة) عليكم بالحديث المخالف للعامّة.

ما مدى صدقية الحديث والقاعدة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مخالفة العامّة تذكر كأحد المرجّحات للخبرين المتخالفين؛ ففي رواية في


الصفحة 319

(الكافي)، قال الشيخ الكليني: (محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟

قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ(1).

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: ينظران إلى﴿ من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الراد على الله، وهو على حدّ الشرك بالله.

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟

____________

1- النساء ٤: ٦٠.


الصفحة 320

قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يُردّ علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، وهلك من حيث لا يعلم.

قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامّة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسُنّة ووافق العامّة.

قلت: جعلت فداك! أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسُنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة، والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: ما خالف العامّة؛ ففيه الرشاد.

فقلت: جعلت فداك! فإن وافقهما الخبران جميعاً.

قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم، فيترك، ويؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً؟

قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات)(1).

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٦٧ ــ ٦٨ كتاب فضل العلم، باب (اختلاف الحديث) حديث ١٠.


الصفحة 321

(دور المنطق في الاستنباط الشرعي)

« حيدر ــ سويسرا ــ إمامي »

السؤال:

لماذا قواعدنا تعتمد على المنطق في الأحكام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإنسان منطقي بطبعه، فلا ضير من استخدام المنطق باعتباره واسطة منهجية في استنباط الأحكام الشرعية من مظانّها، وهي: الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، فالمنطق، كما قال ارسطو: هو آلة لجميع العلوم، وما هو إلّا مجموعة قواعد يرجع إليها الإنسان لعصمة ذهنه من الخطأ، وهذه غاية يسعى إليها جميع الناس، فضلاً عن العلماء.

ويؤثر عن الشيخ أبي حامد الغزّالي في كتابه (المستصفى) أنّه قال: (من لا معرفة له بالمنطق فلا ثقة بعلمه)، ولذلك فقد جعل لمقدّمة كتابه المشار إليه، وهو كتاب في أُصول الفقه، باباً موسّعاً في المنطق.

وعلم أُصول الفقه يعتمد كثيراً على القياس المنطقي، لا سيّما في باب الملازمات العقلية، وباب حجّية العقل، واعتماده بالدرجة الأساس على: القياس، وإن كان يستبعد كلاًّ من الاستقراء والتمثيل الذي هو (القياس) باصطلاح فقهاء العامّة، ومعنى ذلك: أنّ المنطق ليس كلّه بجميع أبوابه مستعملاً في استنباط الأحكام، بل خصوص ما يفيد اليقين، وما تلزم نتيجته بالضرورة عن مقدّماته، وليس هو إلّا القياس المنطقي.


الصفحة 322

ونحن لا نرى أيّ ضير في اعتماد علم أُصول الفقه على بعض قواعد المنطق في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وإن كان ذلك يُعدّ عندكم معيباً؛ بسبب تقدّم العلوم الإنسانية المعاصرة، ولكن يجب التنبيه على أنّ المنطق ليس له عندنا أيّة قدّسية، وإنّما هو مجرّد وسيلة، بالرغم من أنّ المنطق ليس هو الوحيد المستعمل من بين سائر العلوم عند المتشرّعة من فقهاء وأُصوليين، فالنحو والرياضيات وحساب الاحتمال أيضاً يستفاد منها في بعض أبواب الفقه، أمّا النحو، فلإحكام وإتقان العبارة الفقهية والأُصولية، وأمّا الرياضيات، فلاستعماله في باب المواريث من الفقه، وأمّا حساب الاحتمال، فقد استعمل في بعض النظريات الحديثة في علمي أُصول الفقه والعقائد.

ونحن نقول: لو ثبت لدينا صوابية بعض المناهج الحديثة وفائدتها في تطوير طرق استنباط الأحكام الشرعية لَما تردّدنا في اعتماده، ولكن لم يثبت لدينا ذلك، على الأقل حتّى وقتنا الراهن.


الصفحة 323

الأعلام*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ـ ـ: (أبو طالب)(أهل البيت(عليهم السلام) )(أُمّهات المؤمنين)(ابن العلقمي)(ابن أبي الحديد)(أبو بكر)(أبو هريرة)(بنو أمية)(بنو العبّاس)(الحوزة والفقهاء)(خالد بن الوليد)(الخلفاء)(ذو القرنين)(رقيّة بنت الإمام الحسين(عليه السلام) )(الزبير بن العوام)(زيد بن عليّ والزيدية)(زينب الكبرى)(السبأية وعبد الله ابن سبأ)(سكينة بنت الحسين(عليها السلام)(سلمان المحمّدي(رضي الله عنه) )(الصحابة/الأعلام)(عائشة بنت أبي بكر)(العبّاس بن عليّ(عليهما السلام) )(عبد الله بن عبّاس)(عثمان بن عفّان)(العلم والعلماء)(علم الرجال)(علي الأكبر بن الحسين(عليه السلام) )(عمر ابن الخطّاب)(فرق ومذاهب)(الكتب)(كتاب الكافي)(المحسن بن عليّ(عليهما السلام) )(محمّد بن الحنفية)(المختار الثقفي)(معاوية)(يزيد بن معاوية).


الصفحة 324


الصفحة 325

(ابن الرومي.. جلال الدين الرومي)

« حسين عبد الكريم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ما رأي علماء المذهب الشيعي بـ(جلال الدين الرومي)؟ هل هو من أهل كفر وزندقة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جلال الدين الرومي: هو جلال الدين محمّد بن محمّد بن الحسين بن أحمد البلخي الرومي، ولد ببلخ سنة (٦٠٤هـ)، وتوفّي بقونية سنة (٦٧٢هـ)، صاحب كتاب (المثنوي) المشهور بالفارسي، وهو من عرفاء الشعراء، له ديوان شعر كبير بالفارسية، وكان تلميذ محي الدين بن عربي، وتربّى في حجره، وأخذ العلوم والمعارف منه، حتّى صار خليفة له، وجلس في مقامه بعد وفاته، وهو من أهل السُنّة.

وبما أنّه وارث لعلوم ابن عربي، فرأينا فيه حذو رأينا في أُستاذه ابن عربي، وقد ذكرناه ضمن عنوانه الذي سوف يأتي.


الصفحة 326

(ابن قيّم الجوزية.. موقف الشيعة منه)

« م/ حسين ــ العراق »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ماذا يجب علينا نحن الشيعة تجاه ابن القيّم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ موقفنا نحن الشيعة من ابن قيّم الجوزية وأمثاله واضح؛ إذ ولاية أهل البيت(عليهم السلام) شرط عندنا في تزكية الإنسان وموالاته والتعامل معه, مهما بلغ ذلك الإنسان من علم ومعرفة ودرجة، فمقياسنا هو ولاية أهل البيت(عليهم السلام) , فأيّ خلل في هذا الشرط ومن أيّ أحد صدر ذلك، فإنّ موقفنا تجاهه حاسم وثابت, فلا مجال للتردّد أو التوجيه, ولا خيار عندنا آخر غير ولايتهم(عليهم السلام) .

نعم، نتّفق معهم في القول فيما إذا وافق كتاب الله تعالى وسُنّة نبيّه الصحيحة، أمّا ما كان من العقائد والأحكام فلا؛ إذ القبول منهم بأيّ شكل سيعني التسليم لهم بنحو من الأنحاء. هذا هو موقفنا الثابت..

فمن خرج عن نطاق الولاية، واتّخذ وليجةً دون أهل بيت العصمة(عليهم السلام) ومعدن الرسالة صلوات الله عليهم أجمعين, فنحن لا نقبل عقيدته.


الصفحة 327

(ابن جُزيّ الكلبي الغرناطي.. صاحب التسهيل)

« وسام شاكر الجادري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

العلاّمة الكلبي صاحب تفسير (التسهيل لعلوم التنزيل)، هل هو من الشيعة المعتمدين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال إسماعيل باشا: (ابن جزي الغرناطي محمّد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد ابن جُزيّ الكلبي، أبو القاسم الغرناطي الأندلسي المالكي، من شيوخ لسان الدين ابن الخطيب، ولد سنة (٦٩٣هـ)، وتوفّي في أوائل ربيع الأوّل من سنة (٧٥٨هــ)، من مصنّفاته: التسهيل لعلوم التنزيل في التفسير)(1).

وقد أخطأ إسماعيل باشا في اسمه؛ إذ هو محمّد بن أحمد، و محمّد بن محمّد بن أحمد ولده، وكذلك أخطأ في سنة وفاته (٧٥٨هـ)؛ فقد توفّي سنة (٧٤١هـ)، ولعلّه أثبت خطأً سنة وفاة ولده محمّد بن محمّد؛ إذ توفّي في سنة (٧٥٧هـ)، أو (٧٥٨هـ)(2).

وهو من أهل السُنّة، مالكي المذهب، مشهور بذلك.

____________

1- هدية العارفين ٢: ١٦٠ ابن جُزيّ.

2- انظر: الأعلام، للزركلي ٥: ٣٢٥ ابن جُزيّ، ٧: ٣٧ ابن جُزيّ، معجم المؤلّفين، لعمر كحالة ١١: ١٨٨ محمّد ابن جُزيّ.


الصفحة 328

(ابن سينا.. ما هو مذهبه؟)

« علي ــ الجزائر ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالي عن الشيخ الرئيس ابن سينا: بعض الإسماعيلية يدّعون أنّه كان منهم مع أنّني قرأت ــ لا أتذكر أين ــ أنّه كان اثني عشرياً، وكان يرفض الإسماعيلية.

هل لديكم أدلّة من كتب الشيخ الرئيس أو ممّن ترجم له على أنّه من الاثني عشرية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد ذهب جماعة إلى تشيّعه، مثل: صاحب كتاب(مجالس المؤمنين) القاضي نور الله التستري، وذهب آخرون إلى كونه: إسماعيلياً، وقد رجّح السيّد محسن الأمين في (أعيان الشيعة) كونه شيعيّاً إسماعيلي المذهب(1)، في حين يقتصر غيره على أنّه شيعيّ، وربّما يريد بذلك: الشيعة بالمعنى الأعمّ، الذي يشمل الإمامية والإسماعيلية وغيرها من الفرق، كما فعل ذلك الشيخ آية الله السبحاني في أحد كتبه(2)، ولعلّ هذا هو الذي أوهم بكونه إمامي المذهب، مفسّرين قول بعضهم بكونه: شيعيّاً، بالمعنى الأخصّ من كلمة الشيعة.

____________

1- أعيان الشيعة ٦: ٧٢ أبو علي الشيخ الحسين بن سينا.

2- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية: ٣٠٣ الفصل الثالث، ١٣ قدماء الشيعة والعلوم العقلية.


الصفحة 329

وقد صرّح أيضاً بعقيدة ابن سينا: الزركلي في كتابه (الأعلام) نقلاً عن ابن قيّم الجوزية، إذ قال: (كان ابن سينا ــ كما أخبر عن نفسه ــ هو وأبوه من أهل دعوة الحاكم من القرامطة الباطنيين)(1).

والمعروف أنّ القرامطة إحدى الفرق التي تنتسب إلى الإسماعيلية، ولكن هذا خلط بين الإسماعيلية الداعين للحاكم، ومنهم أصحاب قلعة ألَموت، وبين القرامطة أصحاب الدولة التي قامت في البحرين.

وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (كان أبوه كاتباً من دعاة الإسماعيلية)(2).

تعليق:

« أبو الغيث ــ بريطانيا ــ إمامي »

هل يصحّ هذا الكلام؟ سيّما أنّ أُستاذ ابن سينا في الفقه: إسماعيل الأزهري، المعروف بحنفيته، (وقد ذكر أنّ من فرق الحنفية الشيعة، ومن الحنفية الذين تلبّسوا بعقيدة الشيعة الباطنية ابن سينا، أبو عليّ الحسين بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن سينا البلخي، والمعروف بالرئيس المتوفّى سنة ٤٢٨هـ؛ فقد قال عنه ابن صلاح: (كان شيطاناً من شياطين الإِنس). ومع هذا هو عند بعض كتّاب التراجم من الحنفية وليّ من أولياء الله تعالى، صاحب كرامات مشهورة.

ويقول السيّد حسن الصدر: (أبو علي ابن سينا، شيخ الحكمة في المشائين،

____________

1- الأعلام ٢: ٢٤١ الرئيس ابن سينا.

2- سير أعلام النبلاء ١٧: ٥٣١ ـ٣٥٦ـ.


الصفحة 330

حاله في الفضل أشهر من أن يذكر، وقد أطال القاضي المرعشي في طبقاته الفارسية في الاستدلال على إمامية الشيخ الرئيس، ولم أتحقّق ذلك، نعم، هو ولد على فطرة التشيّع، كان أبوه شيعيّاً إسماعيلياً).

ويقال: إنّه اتّخذ الحنفية لتساهلها، فكان يشرب الخمر وينهمك في لذّات الحياة!!

وهل هذا ينسجم مع عطائه العلمي؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أكثر المصادر التاريخية التي تتحدّث عن سيرة الشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن سينا تشير إلى كونه: إسماعيلي المذهب؛ نظراً إلى ما ورد في سيرته الذاتية التي أملاها على تلميذه الجوزجاني، من أنّ أباه كان ممّن أجاب داعي الإسماعيلية في بخارى، فالمظنون جدّاً أنّ ابن سينا قد اقتفى أثر والده في الاعتقاد، غير أنّ بعض العلماء ممّن ترجم له رجّح أن يكون ابن سينا اثني عشرياً إمامياً لا إسماعيلياً.. وذلك بناءً على ما ورد في بعض كتبه من قوله بالإمامة، وذهب إلى هذا الرأي: المحقّق المصري سليمان دنيا، في مقدّمته لكتاب (الإشارات والتنبيهات) الطبعة المصرية. ولكن لم تثبت إمامية ابن سينا من مصدر معتبر، وإنّما هي استنتاجات وترجيحات.

وعليه فإنّ المعتمد عليه هو: ما جاء في مطاوي ما ذكره المؤرّخون، كابن أبي أصيبعة في (طبقات الأطباء)(1)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وابن النديم

____________

1- عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ٤٣٧ الشيخ الرئيس ابن سينا.


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية