المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360)

في (الفهرست)، وأضرابهم.

وأمّا شربه للخمر، فقد ذكر كلّ من ترجم له أنّه تاب منه ومن كلّ معاصيه لمّا علم أنّه لا شفاء من مرضه الذي أصيب به ومات بسببه.

(ابن عربي)

« حسين عبد الكريم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ما رأي علماء المذهب الشيعي بـ(ابن عربي)؟ هل هو من أهل كفر وزندقة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الشيخ عبّاس القمّي في (الكنى والألقاب): (محي الدين بن عربي الذي يعبرون عنه بـ(الشيخ الرئيس الأكبر)، أبو عبد الله محمّد بن علي بن محمّد الحاتمي الطائي الأندلسي المكّي الشامي، صاحب كتاب (الفتوحات المكّية)، برع في علم التصوّف، ولقي جماعة من العلماء والمتعبّدين.

والناس فيه على ثلاثة أقسام:

الأوّل: مَن يكفّره بناء على كلامه المخالف للشريعة المطهّرة، وألّفوا في ذلك الرسائل، منهم: العلاّمة السخاوي، والتفتازاني، والمولى علي القاري، وحكى القاضي نور الله التستري في (الإحقاق) عن نجم الوهاج الدميري شرح


الصفحة 332

منهاج النووي، في بحث الوصايا أنّه قال: ومن كان من هؤلاء الصوفيّة، كابن عربي، والقطب القونوي، والعفيف التلمساني، فهؤلاء ضلاّل جهّال خارجون عن طريق الإسلام، فضلاً عن كونهم من﴿ العلماء الأعلام. (انتهى)(1).

الثاني: مَن يجعله من أكابر الأولياء والعارفين، وسند العلماء العاملين، بل يعدّه من جملة المجتهدين، منهم: الفيروز آبادي صاحب (القاموس)، والنابلسي، والشعراني، والكوراني.

ــ إلى أن قال: ــ الثالث: مَن اعتقد ولايته وحرّم النظر في كتبه، منهم: جلال الدين السيوطي، والحصكفي، وغيرهما)(2).

وأمّا علماؤنا الأعلام فاختلفوا فيه على قولين:

الأوّل: إنّه من العرفاء الشامخين، والأولياء الصالحين، وأبرز من ذهب إلى ذلك: الملا صدر الدين الشيرازي(3)، والفيض الكاشاني(4)، وإن كان انتقده أشدّ الانتقاد لقوله في (فتوحاته): أنّه لم يسأل ربّه عن إمامه.

الثاني: إنّه من المتصوّفة الملعونين، الذين لُعنوا على لسان أهل البيت(عليهم السلام) ، وأبرز من ذهب إلى ذلك الحرّ العاملي، في كتابه (الاثنا عشرية في الردّ على الصوفية)(5)، والملا أحمد الأردبيلي، كما نقله عنه في (الاثني عشرية)(6)، والشيخ

____________

1- انظر: مغني المحتاج، للشربيني ٣: ٦١، فصل في أحكام الوصية الصحيحة، إحقاق الحقّ: ٢٠٣ البحث الخامس في ذكر بعض الفضائل التي تقتضي وجوب إمامة أمير المؤمنين.

2- الكنى والألقاب ٣: ١٦٦ محي الدين بن عربي.

3- انظر: الحكمة المتعالية ٩: ٤٥، الباب الثامن في إبطال التناسخ، الفصل الثالث.

4- انظر: لؤلؤة البحرين: ١٢١ ـ٤٦ـ.

5- الاثنا عشرية في الردّ على الصوفية: ١٦٩ الفصل الثالث.

6- الاثنا عشرية: ٥١، الباب الثاني.


الصفحة 333

أحمد الأحسائي ومن تبع طريقته من تلاميذه(1).

ونحن ننكر على ابن عربي بعض آرائه، كرأيه في نجاة فرعون في الآخرة، وذهابه إلى القول بوحدة الوجود الباطلة، وهي: وحدة الوجود والموجود، وقوله: إنّ خاتم الولاية ليس هو المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) (2)، وأشباه ذلك من آرائه التي تتعارض مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

(آراء العلماء في ابن عربي)

« حسين الأحسائي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

في كتاب يعرض على موقعكم الموقّر وصاحب تأليف الكتاب: العلاّمة الحجّة آية الله السيّد جعفر العاملي(دام ظلّه)، يذكر بأنّ: ابن عربي سُنّي متعصّب، وله أراء باطلة.

والسؤال هنا: إذا كان ابن عربي سُنّياً متعصّباً، فلماذا يأخذ بعض علمائنا الكبار بعض آرائة العقائدية والفلسفية، ويؤيّدها بكلّ قوّة؟

أرجو التوضيح لأنّي في حيرة من أمري، وإلّا سوف أكون قد وقعت في شبهة.

ونسألكم الدعاء.

____________

1- انظر: فكر ومنهج (دراسة تحليلية حول فكر ومنهج مدرسة الشيخ أحمد الأحسائي: ٢١).

2- انظر: فصوص الحكم: ١٨٨ الفص الثاني، و٢٠١ الفص الموسوي، الفتوحات المكّية ٢: ٤٩، الباب الثالث والسبعون، السؤال الثالث عشر، و٢: ٥٠ السؤال الخامس عشر.


الصفحة 334

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما ذكره السيّد جعفر العاملي بخصوص ابن عربي هو خلاصة رأيه فيه، فعلماؤنا غير متّفقين في تقييم هذا الرجل؛ فبعضهم يرفعه إلى مصاف الأولياء الصالحين، كأغلب العرفاء المشهورين، وفيهم: السيّد الخميني، والسيّد محمّد حسين الطهراني(قدس سرهما) ، وبعضهم يهبط به إلى مصاف النواصب المنحرفين، ويسمّيه بـ(مميت الدين)، كالشيخ أحمد الأحسائي وجميع تلامذته وأقطاب مدرسته، وبعضهم متوقّف فيه، متحيّر في أمره، كبعض فقهائنا المتأخّرين، أمثال: السيّد محمّد باقر الصدر، والسيّد الخوئي(قدس سرهما) .

وكان الملا صدرا الشيرازي، صاحب كتاب (الأسفار الأربعة)، من أوائل من أحسن الظنّ بابن عربي، وتابعه على ذلك أغلب من كان له حظّ من (الحكمة المتعالية) من تلامذته ومتذوّقي فلسفته، وعلى رأسهم: الفيض الكاشاني وعبد الرزّاق اللاهيجي...

وقد قال الشيخ محمدرضا المظفر في ترجمة صدر الدين الشيرازي، التي أدرجها حسن الأمين في (أعيان الشيعة): (يكثر من النقل عن محي الدين بن عربي المتوفّى (٦٣٨هـ) في جميع كتبه، ولا يذكره إلّا بالتقديس والتعظيم، كالتعبير عنه بالحكيم العارف، والشيخ الجليل المحقّق، ونحو ذلك، بل في بعض المواضع ما يُشعر بأنّ قوله عنده من النصوص الدينية التي يجب التصديق بها ولا يحتمل فيها الخطأ)(1).

____________

1- أعيان الشيعة ٩: ٣٢٨ ترجمة صدر الدين الشيرازي.


الصفحة 335

نقول: وأحياناً يقوم بنقل عبارات لابن عربي ويختمها بقوله: (انتهى كلامه الشريف)، ويعتذر عن نقل كلامه بقول أمير المؤمنين(عليه السلام) : (انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال)، ويعلّق الشيخ المظفّر على هذا بقوله: فعدّه من أئمّة الكشف والشهود، وجعله في صفّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ووصف كلامه بالشريف، يجعله أعظم من أن يصحّ فيه الاعتذار بأنّه: (لا تنظر إلى من قال...)!

وهو بعد لا يجعل أحداً من الفلاسفة في رتبته حتّى الشيخ الرئيس ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي؛ فإنّه لا يتأخّر عن نقدهما، ولا يتحرّج من تفنيد آرائهما دون ابن عربي(1).

إلى أن يقول: (وأكبر الظنّ أنّ الذي أخذ بمجامع قلب صاحبنا (صدر المتألّهين) من الشيخ ابن عربي، إعجابه بآرائه في الوجود، التي قال عنها: (لمّا نظرنا في كتبهم وجدنا منهم تحقيقات شريفة مطابقة لما أفاض الله على قلوبنا).

وتغافل عن آرائه الأُخرى التي يختلف معه فيها، أو أنّه لم يطّلع عليها على أبعد الفروض)(2).

بينما رأى الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي: أنّ ابن عربي قد شوّه الدين، وابتدع بعض المعاني التي من قال فيها انتهى إلى الكفر، كقول ابن عربي: (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء)، ورأيه في قدم الإرادة، وتعشّق الغلمان، ونجاة فرعون في الآخرة، وغير ذلك من آرائه!

____________

1- أعيان الشيعة ٩: ٣٢٩ ترجمة صدر الدين الشيرازي.

2- أعيان الشيعة ٩: ٣٢٩ ترجمة صدر الدين الشيرازي.


الصفحة 336

وقد خطّأ الأحسائي الملا صدرا لذهابه مذهبه وتبنّيه لأفكاره(1)، وصنّف كتابين كبيرين في الردّ على ملا صدرا، وهما: (شرح المشاعر)، و(شرح العرشية)، تتبّع فيهما ما اقتبسه واستفاده ملا صدرا من ابن عربي ونقده نقداً لاذعاً..

وقد أدّى ذلك إلى حدوث موجة من الحملات الفكرية ضدّ الشيخ الأحسائي من قبل مؤيّدي الشيرازي، اتّهموه فيها بالجهل وعدم الفهم، بل قد تحامل عليه السيّد أحمد الآشتياني في تعليقاته على (شواهد الربوبية) تحاملاً شديداً، وادّعى فيه ما لا ينبغي أن نسطّره هنا!

ومن الذين صوّبوا صدر الدين الشيرازي في آرائه التي أخذها من ابن عربي جملة من الفحول من حاملي لواء (الحكمة المتعالية) في حوزة قم المعاصرة.

ونجد صدى أفكار ابن عربي ماثلة عند جملة من عرفاء الشيعة الكبار، منهم: السيّد حيدر الآملي، الذي ادّعى أنّ الصوفية هم الشيعة الحقيقيون دون سائر الناس، وقد غالى في كتابه (جامع الأسرار) وأسرف في مدح ابن عربي وسائر الصوفية، وانتقص من شأن عامّة الناس من أتباع مذهب أهل البيت ونفاهم عن التشيّع الحقّ!

والنزاع في شخصية ابن عربي لا يقلّ ضراوة عن النزاع في آرائه؛ إذ زعم بعضهم أنّه: من كبار أولياء الله، بل قال بعض شرّاح كلامه: إنّه خاتم الأولياء(2)،

____________

1- انظر: مدخل إلى فلسفة الشيخ أحمد الأحسائي: ٣٤ الفصل الأوّل.

2- الاثنا عشرية: ١٦٩، الباب الثاني عشر الفصل الثالث.


الصفحة 337

وادّعى خصومه أنّه: ملعون كافر، وذهب آخرون إلى أنّه: مفكّر عظيم، وعارف ليس له نظير، وبعضهم إلى آراء بين هذا وذاك..

تعليق:

« علي الجابري ــ العراق ــ إمامي »

باسمه تعالى..

إذا كان هذا ثابتاً عنه، فهل غفل علماؤنا الأعلام عنه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ابن عربي، كما أوضحنا في جوابنا، من الرجال الذين كثر فيهم الجدل بين العلماء، ولا سيما بين أهل العرفان، ومرجع ذلك الاختلاف في الرجل هو: إنّ لديه مكاشفات ولطائف عرفانية كثيرة, مع سلامة في الأسلوب، ومتانة في العبارة، وعمق في التفكير..

غير أنّه مع ذلك قد ادّعى دعاوى منكرة خالف فيها المشهور.

ومن أبرزها: ادّعاؤه: أنّ كتابه (فصوص الحكم) قد أملاه عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله بنجاة فرعون في الآخرة, وذهابه إلى أنّ النظر إلى الغلمان الحسان الوجوه له مدخلية في السلوك إلى الله، وهو مذهب جماعة من المتصوّفة يبتدؤون سيرهم وسلوكهم بالتأمّل في صفات الصبيان والغلمان ذوي الوجوه الحسان!

وله أفكار مجملة غاية الإجمال ظاهرها الكفر، كقوله: (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء)، وتصريحه بوحدة الوجود والموجود، وأنّ الخلق مجرّد عكوس وخيال ووهم لا أصل له، فليس ثمّة موجود سوى الله.


الصفحة 338

ولذا قال شاعرهم:


وما الناس في التمثال إلّا كثلجةوأنت لها الماء الذي هو نابع
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمهويوضع حكم الماء والأمر واقع

وكان بعض علمائنا (رحمهم الله) ممّن كان له ذوق في العرفان يرون في ما كتبه ابن عربي نهاية التحقيق، مع أنّهم على دراية تامّة بفساد مذهبه ومعتقده!!

وهذا لا يعدّ تناقضاً منهم؛ فنحن كثيراً ما نمدح شخصاً لفنّه أو لعلمه، كبعض كبار الفنّانين والعلماء، ونطريهم بأحسن الأوصاف، رغم أنّنا نعلم جيّداً أنّهم منحرفون عقائدياً، وحينئذ لا ينبغي أن يُعترض علينا بأنّكم: كيف تمدحون فلان المنحرف؟! لأنّنا في الواقع بصدد مدح فنّه أو علمه، أمّا هو فيكون مرآة عمّا يتقنه من صنعته وما يبرع فيه من اختصاصه.

وهكذا علماؤنا الذين مدحوا ابن عربي؛ فإنّهم مدحوه لا بعنوان أنّه ذو عقيدة صحيحة، بل مدحوه لما برع فيه من علم العرفان.

والبعض الآخر من علمائنا يحسنون الظنّ فيه ويشرحون كلامه بما لا مطعن فيه، على خلاف ما يشرحه المخالفون ويؤولون ما ظاهره دالّ على الخلاف، كذلك يعتقدون بوقوع الدسّ والتحريف في كتبه.

تعليق:

« عبد العلي الجزولي ــ المغرب »

لماذا يركّز عرفاء الشيعة على أنّ ابن عربي هو ختم الأولياء؛ في حين أنّ عندنا في المغرب يقولون: أنّ الشيخ التيجاني قال له الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه هو الختم،


الصفحة 339

كما ادّعاها أيضاً محمّد بن عبد الكبير الكتّاني؛ فأين الحقيقة؟

شكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم ينقل عن أحد من عرفاء الشيعة قوله بختمية ابن عربي للأولياء، بل يشرحون عباراته بما لا تدلّ على هذا المعنى، وإن كانوا شبه مجمعين على أنّه من أكابر العرفاء، بل هو عندهم المؤسّس الحقيقي للعرفان النظري..

وحينئذٍ فإنّ النزاع بين عرفاء الشيعة (المشارقة) وبين عرفاء أهل المغرب في من يكون ختم الأولياء من هؤلاء ليس بذي موضوع؛ وذلك لعدم اعترافهم بما ادّعي لهم من مقامات، بل يرى كثير من عرفائنا أنّ ختمية الولاية لا تكون إلّا للإمام المهدي(عليه السلام) ، فهو ختم الأولياء على الحقيقة؛ لأنّه خاتم الأئمّة من ذرّية آل البيت(عليهم السلام) .

(أبو الأسود الدؤلي)

« ميرنا بيطار ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

هل أبو الأسود الدؤلي كان في زمان الإمام الحسين(عليه السلام) ، وأبى مناصرته؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كان أبو الأسود الدؤلي في زمان الإمام الحسين(عليه السلام) ؛ لأنّ وفاته كانت في


الصفحة 340

سنة (٦٩هـ)، وليس هناك ما يشير إلى أنّه أبى مناصرته، ولعلّه لم يكن قريباً من الحسين(صلوات الله وسلامه عليه)، لكنّه موالٍ لأهل البيت(عليهم السلام) على ما يظهر من محاوراته مع معاوية ووزراء معاوية.

ثمّ إنّه في رواية يستعرضها الطبراني صاحب (المعجم الكبير) يبدو فيها أبو الأسود الدؤلي متأسّفاً على ما حصل لآل محمّد(صلوات الله وسلامه عليهم):

قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الزبير، عن عمّه مصعب بن عبد الله، قال: خرجت زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب على الناس بالبقيع تبكي قتلاها بالطّف، وهي تقول:


ماذا تقولون إن قال النبيّ لكمماذا فعلتم وكنتم آخر الأُممِ
بأهل بيتي وأنصاري وذرّيتيمنهم أُسارى وقتلى ضُرّجوا بدمِ
ما كان ذلك جزائي إذ نصحت لكمأن تخلفوني بسوء في ذوي رحمِ

فقال أبو الأسود الدؤلي: نقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(1).

وقال أبو الأسود الدؤلي:


أقول وزادني جزعاً وغيظاًأزال الله ملك بني زيادِ
وأبعدهم كما غدروا وخانواكما بعدت ثمود وقوم عادِ
ولا رجعت ركابهم إليهمإذا قفت إلى يوم التنادِ(2)

____________

1- الأعراف ٣: ٢٣.

2- المعجم الكبير، للطبراني ٣: ١١٨ ـ٢٨٥٣ـ، مسند الحسين بن عليّ ٢٣٦.


الصفحة 341

(أبو حنيفة النعمان)

« عمر سامي ــ السعودية ــ سلفي حنبلي »

السؤال:

من هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن المرزوبان؟ أرجو أن تزوّدوني بالمعلومات الكافية عنه، ولماذا يلقّب بأنّه: الإمام الأعظم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت بن زوطي، إمام أهل السُنّة وفقيههم وعظيمهم.

قال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد): النعمان بن ثابت أبو حنيفة التيمي، إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق.

إلى أن قال: وهو من أهل الكوفة, نقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد، وأقام بها حتّى مات، ودفن في الجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران.

ثمّ حكى بطريقه: عن عمر بن حمّاد بن أبي حنيفة, قال: أبو حنيفة النعمان ابن ثابت بن زوطي, فأمّا زوطي: فإنّه من أهل كابل, وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة فأُعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة، ثمّ لبني قفل.

وكان أبو حنيفة خزّازاً، ودكّانه معروف في دار عمرو بن حريث.

وحكى أيضاً بطريقه: عن أبي جعفر أنّه قال: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زوطرة, فسمّى نفسه النعمان، وأباه ثابتاً.


الصفحة 342

ثمّ فصّل في ترجمته ومناقبه، وما قيل في فقهه وعبادته وورعه، وجوده وسماحته، ووفور عقله، إلى أن قال: وقد سقنا عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عيّاش، وغيرهم من الأئمّة أخباراً كثيرة تتضمّن تقريظ أبي حنيفة، والمدح له، والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمّة المتقدّمين ــ وهؤلاء المذكورون منهم ــ في أبي حنيفة خلاف ذلك، وكلامهم فيه كثير؛ لأُمور شنيعة حفظت عليه، متعلّق بعضها بأُصول الديانات، وبعضها بالفروع، نحن ذاكروها بمشيئة الله.

ثمّ نقل أخباراً في ذلك، منها: ما عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمّد بن سلم الختلي، قال: أملى علينا أبو العبّاس أحمد بن علي بن مسلم الأبار في شهر جمادي الآخرة من سنة ثمان وثمانين ومائتين، قال: ذكر القوم الذين ردّوا على أبي حنيفة: أيوب السختياني، وجرير بن حازم، وهمّام بن يحيى، وحمّاد بن سلمة، وحمّاد بن زيد، وأبو عوانة، وعبد الوارث... ثمّ ذكر ما يربو عددهم على نيف وثلاثين شخصاً، منهم: الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ، ثمّ أورد روايات كثيرة في قوله بالإيمان والإرجاء، وخلق القرآن، والخروج على السلطان، وما حكي عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال، وما قاله العلماء في ذمّ رأيه والتحذير عنه.

وأورد أقوالاً في أنّ وفاته كانت سنة خمسين ومائة(1).

وذكر أنّ أبا حنيفة كان يأبى تولّي أيّ منصب من مناصب الدولتين الأموية والعبّاسية, ولكن في رواية الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) وابن خلّكان

____________

1- تاريخ بغداد ١٣: ٣٢٥ ـ٧٢٩٧ـ.


الصفحة 343

(ت٦٨١هـ): أنّ أبا حنيفة قد جلس في القضاء في آخر أيام حياته بعد الضغط الشديد عليه, بحيث لم يجد من ذلك مفرّاً. فقد ذكرا أنّ المنصور لمّا أتم مدينة بغداد أرسل إلى أبي حنيفة وعرض عليه قضاء الرصافة, فأبى, فقال المنصور: إن لم تفعل ضربتك بالسياط. قال أبو حنيفة: أو تفعل؟ قال: نعم. فقعد أبو حنيفة في القضاء يومين, فلم يأته أحد... فلمّا مضى يومان اشتكى أبو حنيفة ستّة أيام ثمّ مات(1).

وهناك موقف لأبي حنيفة مع الإمام الصادق(عليه السلام) (ت١٤٨هـ) مشهور، وهو قوله: (لولا السنتان لهلك النعمان)، وهما سنتان من التلمذة المباشرة على يد الإمام الصادق(عليه السلام) ، ولقد كانت بينهما لقاءات متكرّرة بالكوفة، استفاد منها أبو حنيفة كثيراً، وعرف عن كثب منزلة الإمام الصادق(عليه السلام) علماً وأدباً ونسكاً وورعاً, ولا غرو في ذلك، وقد أوجس المنصور خيفة شديدة من التفاف الناس حول الإمام الصادق(عليه السلام) ، فحاول الحطّ منه وتقليل شأنه في نظر العلماء أوّلاً، ومن ثمّ إبعاد عامّة الناس عنه بعد أن يتم له ذلك ثانياً(2).

وقال أبو حنيفة: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد)(3).

ولقد صدر عن أبي حنيفة فتاوى غريبة وآراء عجيبة:

فعن الشافعي: نظرت في كتب لأصحاب أبي حنيفة، فإذا فيها مائة وثلاثون

____________

1- تاريخ بغداد ١٣: ٣٣٠ ـ٧٢٩٧ـ، وفيات الأعيان، لابن خلّكان ٥: ٤٠٧ ـ٧٦٥ـ.

2- واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الإسلامية من غير الشيعة الإمامية، لثامر العميدي: ١٥٥ ـ٥٦ـ تقيّة الإمام أبي حنيفة النعمان.

3- تاريخ الإسلام، للذهبي ٩: ٨٩ جعفر الصادق(عليه السلام) .


الصفحة 344

ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف القرآن والسُنّة(1).

وعن ابن عون وسفيان وحمّاد والأوزاعي والشافعي: ما ولد في الإسلام مولود أشأم (أضرّ) من أبي حنيفة(2).

وعن حبيب، كاتب مالك بن أنس، عن مالك بن أنس، قال: كانت فتنة أبي حنيفة أضرّ على هذه الأُمّة من فتنة إبليس في الوجهين جميعاً: في الإرجاء، وما وضع من نقص السُنن(3).

وعن الغزالي في كتاب (المنخول في علم الأُصول): فأمّا أبو حنيفة فقد قلب الشريعة ظهراً لبطن، وشوّش مسلكها، وغيّر نظامها(4).

ومن فتاواه: لو أنّ رجلاً عقد على أُمّه, وهو يعلم أنّها أُمّه، يسقط عنه الحدّ, ولحق به الولد، وكذا في أخته وبنته(5).

وقال له الأصمعي: (توضأت)؟ قال: (وصلأت)، قال: أفسدت الفقه فلا تفسد اللغة(6).

وعن عبد الله بن معاذ العنبري، قال: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان يقول:

____________

1- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ١٣: ٤١٢ الحديث ـ٩٠ـ ـ٧٢٩٧ـ.

2- تاريخ بغداد ١٣: ٣٩٨ ــ ٣٩٩ الحديث ـ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣، ٢٥ـ ـ٧٢٩٧ـ.

3- تاريخ بغداد ١٣: ٣٩٦ الحديث ـ٩ـ ـ٧٢٩٧ـ.

4- المنخول: ٦١٣ كتاب الفتوى، الباب الثاني الفصل الثامن المسلك الثالث.

5- بدائع الصنائع ٧: ٣٥ كتاب الحدود، المبسوط، للسرخسي ٩: ٨٥ كتاب الحدود، تحفة الفقهاء ٣: ١٣٨ كتاب الحدود، البحر الرائق، لابن نجيم ٥: ٢٥ كتاب الحدود.

6- الصراط المستقيم، للبياضي ٣: ٢١٤، الباب ١٥ الفصل الثالث الأمر العاشر.


الصفحة 345

استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين(1).

وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: أخبرنا الحسن بن أبي بكر, أخبرنا حامد بن محمّد الهروي, حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن السامي, حدّثنا سعيد بن يعقوب, حدّثنا مؤمّل بن إسماعيل, حدّثنا عمر بن إسحاق، قال: سمعت ابن عون يقول: ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبي حنيفة، إن كان لينقض عرى الإسلام عروة عروة(2).

وفي حديث آخر، قال: أخبرنا علي بن محمّد المعدل، أخبرنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصواف، أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدّثنا أبو معمّر، عن الوليد بن مسلم، قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم. قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن(3).

وفي حديث آخر: عن ابن سريج، قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك ابن أنس، وقيل له: تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم! ما ظنّكم برجل لو قال: هذه السارية من ذهب، لقام دونها حتّى يجعلها من ذهب، وهي من خشب أو حجارة؟ قال أبو محمّد: يعني أنّه كان يثبت على الخطأ، ويحتجّ دونه، ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له(4).

وعن منصور بن أبي مزاحم، قال: سمعت مالكاً يقول: إنّ أبا حنيفة كاد

____________

1- كتاب السُنّة، لعبد الله بن أحمد بن حنبل ١: ١٩٣ ـ٢٦٨ـ.

2- تاريخ بغداد ١٣: ٣٩٩ الحديث ـ٢٥ـ ـ٧٢٩٧ـ.

3- تاريخ بغداد ١٣: ٤٠٠ الحديث ـ٣٢ـ ـ٧٢٩٧ـ.

4- تاريخ بغداد ١٣: ٤٠١ الحديث ـ٣٣ـ ـ٧٢٩٧ـ.


الصفحة 346

الدين، ومن كاد الدين فليس له دين(1).

وقد روي عن أبي سلمة الخزاعي أنّه سمع حمّاد بن سلمة وشعبة يلعنان أبا حنيفة(2).

(أبو حيّان التوحيدي)

« محمّد إسماعيل قاسم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

أبو حيّان التوحيدي، هل يعتبر أحد علمائهم؟

وما منزلته عند علماء أهل السُنّة؟

وهل صحيح أنّ هناك من علمائهم مَن رماه بالزندقة؟

ودمتم موفّقين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال العلاّمة الأميني في (الغدير) ضمن سرده لعدد من الكذّابين: (أبو حيّان التوحيدي, صاحب التصانيف, قيل: اسمه علي بن محمّد بن العبّاس, نفاه الوزير المهلبي لسوء عقيدته، وكان يتفلسف, بقي إلى حدود الأربعمائة ببلاد فارس, قال ابن مالي في كتاب (الفريدة): كان أبو حيّان كذّاباً، قليل الدين والورع، مجاهراً بالبهت، تعرّض لأُمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل.

____________

1- تاريخ بغداد ١٣: ٤٠١ الحديث ـ٣٥ـ ـ٧٢٩٧ـ.

2- الضعفاء، للعقيلي ٤: ٢٨١ باب النون، رقم ١٨٧٥.


الصفحة 347

وقال ابن الجوزي: كان زنديقاً...)(1).

وقال الذهبي في (ميزان الاعتدال): (أبو حيّان التوحيدي: علي بن محمّد بن العبّاس, نزيل نواحي فارس, صاحب زندقة وانحلال, بقي إلى سنة أربعمائة)(2).

وقال في (سير أعلام النبلاء): (أبو حيّان التوحيدي: الضالّ الملحد, أبو حيان, علي بن محمّد بن العبّاس, البغدادي الصوفي, صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية, ويقال: كان من أعيان الشافعية... إلى أن قال: وقال أبو الفرج ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي, وأبو حيّان التوحيدي, وأبو العلاء المعرّي, وأشدّهم على الإسلام أبو حيّان؛ لأنّهما صرّحا, وهو مجمج ولم يصرّح.

قلت: وكان من تلامذة علي بن عيسى الرمّاني, ورأيته يبالغ في تعظيم الرمّاني في كتابه الذي ألّفه في تقريظ الجاحظ, فانظر إلى المادح والممدوح! وأجود الثلاثة الرمّاني مع اعتزاله وتشيّعه.

وأبو حيّان له مصنّف كبير في تصوّف الحكماء, وزهّاد الفلاسفة, وكتاب سمّاه (البصائر والذخائر), وكتاب (الصديق والصداقة)...)(3).

(أبو الفضل علي أكبر البرقعي)

« يحيى العسقلاني ــ السعودية »

السؤال:

لقد سمعت حديثاً وقرأت في شبكات الوهابية حول كتاب (كسر الصنم)

____________

1- الغدير ٥: ٢٧٣ سلسلة الكذّابين.

2- ميزان الاعتدال ٤: ٥١٨ ـ١٠١٣٧ـ.

3- سير أعلام النبلاء ١٧: ١١٩ ـ٧٧ـ.


الصفحة 348

لأبي الفضل البرقعي!

فمن هو هذا الرجل الذي نسبه القوم للتشيّع؟ وهل تعرفونه؟ وما هي منزلته العلمية؟

أفيدونا جعلني الله فداكم..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولد أبو الفضل علي أكبر البرقعي في سنة ١٩٠٨م في أُسرة شيعية من أهالي قم، يرجع نسبها إلى السيّد أحمد بن موسى المبرقع, وكان من جملة المحصّلين في الحوزة العلمية, حتّى إنّه درس، كما يدّعي، على آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري، وآية الله الحجّة الكوهكمري، إلّا أنّه كان منذ شبابه: خفيف العقل، منحرف الفكر، سريع الاندفاع قليل الروية، ويتّضح ذلك من خلال تصرّفاته وسلوكه، وانتقاده لعلماء عصره، التي ذكرها بنفسه في سيرة حياته(1), ممّا أدى إلى عدم قبول له في الوسط الحوزوي، فترك الدراسة في قم وذهب إلى طهران ليصلّي في جامع (وزير دفتر)، وجمع حوله مجموعة من المنحرفين، جعلوا يروّجون له ويمدّونه بالأموال، ويطبعون مقالاته, حتّى أفتى كبار المراجع بضلالته خاصّة آية الله السيّد هادي الميلاني وآية الله الشريعتمداري(2), وأوعزوا إلى الجهات الحكومية بإلقاء القبض عليه وتأديبه, فانكشف حاله وافتضح أمره، ومَقتَه الناس وطردوه(3), فمات على تلك الحال سنة ١٩٩٢م, وخسر الدنيا

____________

1- انظر: سوانح الأيام: ٢٨ ــ ٣٢، ٤٦، ٤٩.

2- انظر: سوانح الأيام، للبرقعي: ٧٠، ٧٥، ٨١، ٩٠، ٩٤، ١٣٤.

3- انظر: سوانح الأيام: ٥٥، ٥٦، ٥٨، ٥٩، ٦٥، ٦٩، ٩٣.


الصفحة 349

والآخرة, وذلك هو الخسران المبين.

وقد أشار الشيخ الأميني إلى انحرافه في كتابه (الغدير)؛ إذ قال: (كان البرقعي محمود السيرة، ميمون النقيبة، من روّاد الفضيلة والأدب، غير أنّه تحزّب في الآونة الأخيرة بفئة ضالة ساقطة، وأُصيب ــ والعياذ بالله ــ بمتعسة أزالته عن مكانته، وأسفته إلى هوّة البوار، عصمنا الله من الزلل، وآمننا من الخطل، وحفظنا من خاتمة السوء)(1).

والمقصود من انحرافه أنّه: أخذ ينكر الخمس، ويشنّع على زيارة قبور الأئمّة(عليهم السلام) ، وينكر التوسّل، مقتبساً في ذلك الشبهات التي يردّدها الوهابية، ثمّ وصل به الأمر إلى الازدراء بمحدّثي الشيعة الكبار، كالكليني؛ إذ ألّف كتاباً حاول فيه نقد روايات (الكافي)، سمّاه: (كسر الصنم)، ذكر فيه كلّ ما تخيّله عقله أنّه ردّ على الروايات، حتّى كذّب الروايات الناصّة على الأئمّة(عليهم السلام) بما يعتقده في هواه من إنكار الإمامة، أو عدم اطّلاعهم صلوات الله عليهم على الغيب، وغير ذلك من الشبهات المكرّرة من قبل الوهابية والمردودة من قبل علماء الإمامية الأعلام مفصّلاً(2).

ولكن البرقعي بقي ينكر انتقاله إلى المذهب السُنّي إلى آخر أيام حياته(3)، على خلاف ما يدّعيه الوهابية في مواقعهم الالكترونية وقنواتهم الفضائية الآن.

ومن هنا فحال أبي الفضل البرقعي وأمثاله عند الشيعة الإمامية يشبه تماماً

____________

1- الغدير، للأميني ٤: ١٨٣ ترجمة الشريف الرضي.

2- انظر: سوانح الأيام: ٩١، ١٥٩، ١٦٠، ٢٤٢.

3- انظر: سوانح الأيام: ٩١، ١٠٧، ١٠٨، ١١٠، ١١١، ١١٢، ١٦٤، ١٦٥، ١٦٨.


الصفحة 350

حال ابن تيمية وأتباعه عند أهل السُنّة؛ فقد وصف علماء السُنّة ابن تيميّة بخفّة العقل, وكذلك وصفوا أتباعه بأنّهم خفاف العقول, إذ خاطب الحافظ الذهبي ابن تيمية في رسالة له إليه بقوله: (يا خيبة من اتّبعك, فإنّه معرّض للزندقة والانحلال)، و: (فهل معظم أتباعك إلّا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامّي كذّاب بليد الذهن...)(1).

وعن الحافظ وليّ الدين أبي زرعة العراقي أنّه قال في ابن تيمية: (لكنّه ــ كما قيل فيه ــ علمه أكثر من عقله)(2).

وقال عنه الحافظ ابن حجر المكّي: (هو عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله)(3).

فحال البرقعي حال ابن تيمية, والإخبار عن ضلاله وسوء حاله في الآخرة ليس إخباراً عن غيب، بل هو على ضوء الموازين الشرعيّة, وترك الجواب عمّا كتبه كالسكوت عن أباطيل ابن تيمية؛ فإنّه ــ كما قال الحافظ أبو حيّان الأندلسي في ابن تيمية ــ : (هذا لا يستحقّ الخطاب)(4).

ولا يخفى أنّ الطعن الصادر من العلماء في ابن تيمية ليس طعناً في عموم

____________

1- السيف الصقيل، ومعه تكملة الردّ على نونية ابن القيّم: ٢١٨؛ خاتمة السيف الصقيل.

2- دراسات في منهاج السُنّة لمعرفة ابن تيمية، للميلاني: ٥٦٣، الباب التاسع، التوفيق الرباني في الردّ على ابن تيمية الحراني: ٣٢ حال ابن تيمية عند الحافظ ولي الدين العراقي.

3- التوفيق الربّاني في الردّ على ابن تيمية الحراني: ٥٤ قول ابن حجر الهيتمي فيه، الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي: ٨٣ سؤال ٦٩.

4- الدرر الكامنة، لابن حجر ١: ٩٢ ـ٤٠٩ـ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.


الصفحة 351

أهل السُنّة, أو كلّ علماء الشام, فكيف يقال بأنّ الطعن في البرقعي طعن في الشيعة؟! أو كلّ علماء قم؟! فإنّ هذا الكلام لا يصدر من عاقل فاهم!

ونحن نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لمعرفة الحقّ واتّباعه أينما كان.

تعقيب:

« حسين جباري ــ البحرين ــ إمامي »

بعد اطّلاعي على كتاب (كسر الصنم) ومراجعته مع أحد العلماء الأفاضل، تبيّن لي مدى كذب البرقعي وتدليسه! فهو لم يأت بشيء جديد، وإنّما أتى بالأحاديث الضعيفة وغير المعتبرة، وأوهم القارئ بأنّ هذه هي عقيدة الشيعة وأدلّتهم، والآيات التي ذكرها قد فسّرها وفق تفاسير السلفية التي تناقض نفسها..

وإذا قرأت بداية الكتاب سوف ترى شيئاً عجيباً! إذ يقول الكتاب: إنّ البرقعي من كبار العلماء، ولكنّه لا يعرف شيئاً في علم الحديث، ولذلك اعتمد في بحثه على القرآن!! كيف هو عالم كبير، كما وصفوه، ولا يعرف شيئاً في علم الحديث؟!

وكتاب (كسر الصنم) يعتمد بالدرجة الأُولى على الأحاديث والروايات!

ومترجم الكتاب إلى العربية هو عبد الرحيم ملا زادة، المعروف بـ(أبي منتصر البلوشي)، وهو مشهور بكذبه ونصبه للشيعة!

تعليق:

« ماجد ــ أمريكاــ إمامي »

السلام عليكم..

قال أبو الفضل البرقعي في كتاب (كسر الصنم): نقل من كتاب (الكافي)


الصفحة 352

للكليني‎:

(باب: ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم: روى في هذا الباب عشرين حديثاً عدّ العلاّمة المجلسي سبعة عشر منها ما بين ضعيف ومجهول ومرفوع، وأراد الكليني أن يثبت في هذا الباب الإمامة المنحصرة بالاثني عشر، ولكنّه أخطأ وأثبتها لثلاثة عشر, مع أنّ إمامة الإسلام وقيادته وحكّامه غير منحصر ولا محدّد؛ لأنّ الله أعطى هذا الحقّ لكلّ عبد يسعى ويسأل الله أن يكون إماماً للمتقين، كما ذكر الله في صفات الرحمن في سورة الفرقان الآية ٧٤‎: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً.

يعني كما أنّ العلم, والصدق, والتقوى, والعمل الصالح, والتعلّم، ليس منحصراً في الإسلام بأحد, وكذلك الأمر بالنسبة للإمامة والقيادة! أو لنقل: إنّ الحكم ليس منحصراً في عدد، ولكن الكليني وأمثاله سعوا أن يجعلوه محصوراً بالأحاديث المختلقة والروايات المجهولة.

والآن نحن نثبت في هذا الباب أنّ أخبار الكليني جميعها لا اعتبار لها, ولا يمكن أن نترك ما ورد في القرآن بسببها‎:

أمّا الحديث الأوّل:

روى عن البرقي, وذكر في سند الحديث الثاني أنّ محمّد بن‎ يحيى الأشعري القمّي قال لمحمّد بن حسن الصفّار: يا أبا جعفر! أحببت أن يرد هذا الخبر عن غير طريق أحمد بن أبي عبد الله البرقي (ذلك أنّ البرقي كان شاكّاً في دينه ومذهبه وحيراناً)، فأجابه محمّد بن حسن الصفّار: أنّ البرقي روى هذا الخبر قبل حيرته وشكّه وتحيّره بعشر سنين‎.


الصفحة 353

فانظر أيها القارئ الكريم إلى الذين يشكّون في دينهم ومذهبهم كيف يوجدون لنا المذاهب وأسانيدها أيضاً.

روى البرقي في هذا الحديث, عن أبي هاشم الجعفري, وهذا له أخبار متناقضة أيضاً في موضوع الإمامة نفسها، روى هنا عن الإمام التاسع أنّ الخضر قد جاء إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) وعدّ أسماء الأئمّة وعدّدهم إلى الثاني عشر، وفهم ذلك أبو هاشم ورواه. ولكن أبا هاشم هذا بعد مضي عدّة سنين لم يعرف الإمام الحادي عشر‎.

ففي كتاب الكافي هذا في باب الإشارة والنصّ على أبي محمّد(رضي الله عنه) في الحديث العاشر يقول أبو هاشم الجعفري نفسه: كنت عند الإمام الهادي وظننت أنّ أبا‎ جعفر سيّد محمّد ابنه كان إماماً. ولمّا توفّي هذا الابن كنت أُفكّر وأقول: ربّما أبو جعفر سيّد محمّداً وأبو محمّد حسن العسكري في هذا العصر مثل موسى بن جعفر‎ وإسماعيل بن جعفر، وقصّتهما مثل قصّتهما، حيث كان المفروض أن يصبح موسى بن‎ جعفـر, ولمّا توفـي (أي قبل الإمامة) أصبح إسماعيل بن جعفر إماماً(1).

فيظهر من هذا الباب أنّ السيّد أبا هاشم لم يكن يعرف من هو الإمام الذي يلي الإمام العاشر. وأمّا هنا فيبدو أنّه عرف ذلك وقبل سنوات.. فلسنا ندري: عرف‎ أم لم يعرف. وهذا هو التناقض!

والآن كيف لم يفهم الكليني هذه الأخبار وهي على هذه الدرجة من

____________

1- ملاحظة: الظاهر أنّ هذا خطأ إمّا من الكاتب أو من المترجم؛ فإنّ مفروض الأمر بالعكس، فإنّ إسماعيل هو الذي توفّي والإمام هو موسى بن جعفر(عليه السلام) .


الصفحة 354

الوضوح في التناقض وأورد خبرين متناقضين في كتابه؟‎!

أمّا متن الخبر ففيه علائم الكذب والاختلاق, وهذا الخبر الذي نقل عن أبي هاشم أنّ أمير المؤمنين أقبل ومعه الحسن بن عليّ، وهو متوكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام فجلس, إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلّم على أمير المؤمنين وجلس، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! أُريد أن أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما قضى عليهم ــ أي: أخذوا حقّك! ــ وأنّهم ليسوا بمأمونين‎ في دنياهم وآخرتهم.

وهنا لا بدّ من القول: أنّ الخبر لم يذكر في أي تاريخ كان عليّ(رضي الله عنه) في مكّة مع أنّ الإمام الحسن كان متوكّئاً كالسلاطين المدلّلين على يد سلمان الشيب(1)!

وقد كان سلمان آنذاك قد غدا مسنّاً وضعيفاً وعليّ(رضي الله عنه) كان رجلاً قوّياً.

حسناً إنّ الخبر يقول: جاء رجل حسن الهيئة وسأل عن ثلاثة أشياء، وقال: إذا‎ أجاب عنها عليّ دلّ ذلك على أنّهم غصبوا حقّه!

والآن لنتساءل: ما هي تلك الأشياء الثلاثة؟ وهل كانت متعلّقة بشؤون المملكة والحكم أم لا؟

فقال له عليّ: اسأل ما بدا لك! قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأخوال والأعمام؟

____________

1- ملاحظة: الظاهر أنّ هذا خطأ في الترجمة أو خلطاً في فهم المعنى في الرواية!


الصفحة 355

فالتفت سيّدنا عليّ إلى الحسن فقال: يا أبا محمّد! أجبه.

قال: فأجابه الحسن‎.

وهنا لا بدّ من التساؤل عن أشياء كثيرة، فالظاهر أنّ الإمام الحسن كان كبيراً, وكان متأهّلاً، وله ولد يدعى: محمّداً, ولذا كان يقال له: أبو محمّد. وجاء في عام كهذا إلى الحجّ, وليس في التاريخ شيء كهذا‎.

ثانيـاً: أراد الراوي الوضّاع أن يوهم الناس أنّ الإمام الحسن سيكون إماماً‎ بعد عليّ(رضي الله عنهم) إذا هو استطاع أن يجيب عن تلك المسائل الثلاث.

والآن لا‎ بدّ من التفكير: هل تراها كانت الأجوبة صحيحة، أم أنّ الراوي الكذّاب توهّم ذلك؟‎!

وأمّا جواب الإمام الحسن، كما جاء في كتاب (إكمال الدين) للشيخ الصدوق, في باب ما أخبر به الحسن بن عليّ بن أبي طالب من وقوع الغيبة، وهو: قال: أمّا ما سألت عنه‎ من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه؟ فإنّ روحه تعلّق بالريح (ولم يبيّن أي‎ ريح), والريح معلّق بالهواء (ولا ندري ما هو الفرق بين الريح والهواء)، حتّى يفيق صاحب الروح بإذن الله, ثمّ ليأذن الله للروح بالرجوع, ثمّ يلصق الروح إلى‎ الريح ويجذب الريح إلى الهواء, ويرجع الروح ويسكن إلى جسم صاحبه! وإذا لم يأذن الله بذلك فلن يستيقظ صاحب الروح إلى القيامة.

وأمّا مسألة التذكّر والنسيان فقلب المرء في حُقّة وعليهما طبق، وإذا صلّى المرء على محمّد وآلـه في ذلك الحين‎ (حين النسيان) ارتفع الطبق عن الحقّة وتذكّر المرء كلّ ما نسيه, وإذا لم يصلّ، أو صلّى صلاة مبتورة, كأن لم يذكر آل


الصفحة 356

محمّد، بقي ذلك الطبق على حاله على الحقّة،‎ ويظلم القلب وينسى المرء ما ذكره.

وهنا لا بدّ أن نسأل الراوي الوضّاع: فلماذا‎ يتذكّر أولئك الذين ليسوا بمسلمين إذاً، ما نسوه، بلا صلاة على النبيّ وآله؟

وأمّا‎ الجواب عن المسألة الثالثة: لماذا يشبه الولد عمّه وخاله، فعلّته هو: أنّ الرجل إذا‎ قارب زوجته بقلب ساكن وعروق هادئة وجسم غير مضطرب نزلت النطفة في الرحم نفسه, وفي هذه الحال يشبه الولد الأمّ والأب، ولكن في حالة الاضطراب تنزل على بعض العروق، وإذا نزلت على عروق الأعمام أشبههم، وإذا نزلت على عروق الأخوال أشبههم!!

ونحن نرجو الله أن لا تصل هذه الروايات إلى أيدي الأطباء الأخصائيين بعلم الأجنّة وغير المسلمين؛ لكي لا يتصوّروا أنّ هذه الموضوعات هي من المعارف الإسلامية، وأنّ حكّام المسلمين قد سادوا العالم بهذه التوهّمات والخرافات!

وبعد ذلك أُعجب السائل الحسن الهيئة واللباس بهذه الأجوبة, وبدأ يشهد لله بالوحدانية، وبرسالة الرسول، وإمامة الأئمّة واحداً تلو الآخر باسم كلّ إمام واسم أبيه.

والظاهر أنّ هذا السائل كانت تشغله هذه المسائل أعواماً طوالاً، وكان حملها ثقيلاً على قلبه وعقله.. وعندما حلّت هذه المشاكل الكبيرة والهامّة وجب عليه تقديراً أن يلهج بالثناء، والاعتراف بالفضل، لا للمجيب وحده، بل لأُمّه وأبيه وأبنائه وأقربائه وأوصيائه‎!!...

هل هذه الشبهات لها صحّة؟


الصفحة 357

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في البداية لا بدّ أن نلفت نظركم إلى أنّ هذه الشبهات منقولة من كتاب (كسر الصنم) المترجم إلى اللغة العربية بتوسّط البلوشي، وهو لا يخلو من أخطاء واختلاف عن الأصل الفارسي للكتاب.

هذا، وقوله: (وأراد الكليني أن يثبت في هذا الباب الإمامة المنحصرة بالاثني عشر، ولكنّه أخطأ وأثبتها لثلاثة عشر).

يُردّ عليه: أنّ الشيخ الكليني(قدس سره) قد أفرد اثني عشر باباً على عدد الأئمّة الذين يريد إثبات إمامتهم، ولم يفرد باباً للثالث عشر المزعوم، فإن كانت الروايات يصيبها الإجمال أو التصحيف أو التحريف، فالأمور الظاهرة البيّنة تكشف لنا هذا الإجمال أو التصحيف أو التحريف، وما أورده الكليني(قدس سره) من الأبواب الاثني عشر وإثبات الإمامة لكلّ إمام باسمه يدحض أي دعوى أُخرى..

وقد أجبنا على هذا الإشكال ضمن عنوان: (الإمامة/الأئمّة اثنا عشر وليس ثلاثة عشر)؛ فراجع!

قوله: (إنّ الله أعطى هذا الحقّ لكلّ عبد يسعى ويسأل الله أن يكون إماماً للمتّقين، كما ذكر الله...الخ).

نقول: لا يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً: أنّ كلّ شخص يمكن أن يكون إماماً بغضّ النظر عن الجعل الإلهي، فمسألة الإمامة منوطة بـ(الجعل الإلهي)، وهي واضحة من هذه الناحية؛ لصريح قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا, وهذا المعنى ــ أي: كون الإمامة منوطة بالجعل الإلهي ــ ممّا يعتقده الإمامية أيضاً ولا يختلفون فيه، ولكنّ الكلام هو:


الصفحة 358

من المجعول من قبل الله عزّ وجلّ إماماً؟

فالمسألة المذكورة هي التي تفتقر إلى النصّ والتنصيب من قبل المولى سبحانه، أو من قبل الناطق باسمه كالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).. فليتدبّر!

قوله: (ولكنّ الكليني وأمثاله سعوا أن يجعلوه محصوراً بالروايات المختلقة والروايات المجهولة...إلخ).

نقول: لم يذكر الشيخ الكليني(قدس سره) ، وكذا غيره من المحدّثين، سوى ما تضافر نقله عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) في هذا الجانب.. فأحاديث مثل: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي)(1)، و(الخلفاء من بعدي اثنا عشر)(2)، و(مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق...)(3)، و(من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)(4)، وأمثالها من الأحاديث، لم

____________

1- انظر: صحيح مسلم ٧: ١٢٣ كتاب فضائل الصحابة فضائل عليّ، مسند أحمد ابن حنبل ٤: ٣٦٧ حديث زيد بن أرقم، سُنن الترمذي ٥: ٣٢٩، باب ١١٠ مناقب أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حديث ٣٨٧٦.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٥: ٩٩ حديث جابر بن سمرة، صحيح البخاري ٨: ١٢٧ كتاب الأحكام، صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الإمارة، سُنن الترمذي ٣: ٣٤٠ أبواب الفتن باب ٤٠ حديث ٢٣٢٣، سُنن أبي داود: كتاب المهدي حديث ٤٢٧٩.

3- انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣٤٣، ٣: ١٥١، مجمع الزوائد، للهيثمي ٩: ١٦٨، باب فضل أهل البيت(عليهم السلام) ، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ٤٥ حديث ٢٦٣٦، وغيرها.

4- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٤، ١١٨، ١١٩، ١٥٢ مسند عليّ بن أبي طالب، وكذا في مسند عبد الله بن عبّاس، وحديث قيس بن أبي عرزة، وحديث زيد بن أرقم، وغيرهم، سُنن ابن ماجة ١: ٤٥، باب في فضائل أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، سُنن الترمذي ٥: ٢٩٧ مناقب عليّ بن أبي طالب، وغيرها.


الصفحة 359

يقتصر ذكرها عند الشيعة فقط، بل تضافر نقلها عند السُنّة أيضاً وبالأسانيد الصحيحة.. وهي تؤسّس لأصل إمامة أهل البيت(عليهم السلام) ، وتدعو إلى ولايتهم، ولزوم الاقتداء بهم..

فهل يعدّ (البرقعي) وأمثاله هذه الأحاديث اختلاقاً أو افتراءً؟!

وإذا انفردت كتب الشيعة بتناول النصوص الدالّة على إمامة كلّ إمام من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وقد بيّنت التفصيل الذي أجملته النصوص العامّة التي اقتصرت على ذكرها كتب أهل السُنّة، والتي تعامت عن ذكر هذا التفصيل؛ لأسباب معلومة، يعرفها كلّ قارئ للتاريخ والأحداث التي جرت في القرنين الأوّلين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).. فهل يعدّ هذا اختلاقاً أو افتراءً؟!

وهل يستطيع (البرقعي) أو غيره أن يدلّنا على تفصيل هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السُنّة, والتي مرّ ذكرها، مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الخلفاء من بعدي اثنا عشر)، ومثل: (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح..)، فهل تراه يقول: إنّ أهل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم) نساؤه؟ وهو لا يستقيم بأيّ حال مع هذه الأحاديث؛ فنساؤه قد أمرن بالإقرار في بيوتهنّ، ولم توكل إليهنّ مهمة قيادة الأُمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن بدر شيء منهنّ ــ كعائشة في حربها ضدّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ــ فهو مخالف للكتاب والسُنّة.

فكيف يصحّ أن تكون هذه الأحاديث فيها أو في بقيّة أزواجه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

أم تراهم سيفسّرون أهل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ(أُمّته)، وهذا من أسخف التفاسير! لأنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّي تارك فيكم...) هو خطاب إلى الأمّة، ولا يصحّ أن يقول لهم: إنّي تارك فيكم كتاب الله وأنفسكم.. فهذا كلام لا يتلفّظ به جاهل فضلاً عن عاقل..


الصفحة 360

فهذه الأحاديث المجملة، والواردة بالأسانيد الصحيحة في كتب أهل السُنّة، لا يوجد تفسير لها سوى عند مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، التي تتبنّى الشيعة رواية أحاديثهم والعمل بها.

وأمّا قوله: (ولا يمكن أن نترك ما ورد في القرآن بسببها...) فهو كلام الغافلين! ولا ينبغي الالتفات له؛ لأنّ ما ورد في القرآن لا ينفي الأخذ بالسُنّة, بل يدعو إلى الأخذ بما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والعمل به.. وهذه الأحاديث المتقدّمة قد صدق صدورها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا وجب الأخذ بها..

وأمّا الحديث الأوّل الذي رواه عن الكليني في (الكافي)(1) من باب ما جاء في الاثني عشر(عليهم السلام) ، فهو حديث صحيح السند، والإشكال في أحمد بن محمّد البرقي لكلمة الصفّار فيه ليست قادحة؛ ما دامت صدرت عن ثقة، فيؤخذ بها، بحسب الاستناد إلى السيرة العقلائية الممضاة للأخذ بخبر الثقة، وتعليق (البرقعي) لا قيمة ولا وزن له بعد ثبوت حجّية الأخذ عن الثقة، وقد نصّ الصفّار على أنّ هذا الخبر قد رواه البرقي قبل حيرته بعشر سنين، لذا يؤخذ منه ويكون الأخذ به حجّة، هذا إذا فسّرنا المراد بالحيرة، هي الحيرة في المذهب، وإلّا فتوجد ثمّة وجوه أُخر قد أشار إليها العلاّمة المجلسي(رحمه الله) في (مرآة العقول)(2)؛ فليرجع إليها!

كما أنّ حجّية هذا النصّ ــ الوارد في الحديث الأوّل ــ بسندين صحيحين، هو أكبر شاهد على كذب (البرقعي) وافترائه بأنّ هذه الأحاديث مختلقة وواردة

____________

1- الكافي ١: ٥٢٦.

2- مرآة العقول ٦: ٢٠٨.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية